You are here

قراءة كتاب صابر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
صابر

صابر

رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: دار الجندي
الصفحة رقم: 9
لا تقلق يا أبي! كنت محظوظاً فتزوجت بمعجزة؛ أما غيري فاستعاضوا عن الزواج بالسهر مع بائعات الهوى، فما جمعوه من مال لا يكفي مهر عروس، وما بلغوه من العمر لا يشجع الفتيات على الارتباط بهم، فكان حضن بائعات الهوى أدفأ وأقرب إلى إمكانياتهم.
 
آه يا أبي! حلمت كثيراً بمستقبلي فتحطمت أحلامك على صخرة اللئام. ظننت أن تخرّجي من الجامعة بتفوق سيفتح لي باب الرزق على مصراعيه، وسيجلب لي السعادة المفقودة. هراء! تبين لي أن تخرّجي من الجامعة بتفوق هو بداية البؤس والهلاك، وليس ما حاولت أن تقنعني به. ليتك وافقتني على فكرتي حين اقترحت عليك أن أعمل عامل تنظيفات في وكالة الغوث. على الأقل لكنت قد ضمنت مستقبلاً زاهراً. أخذتك العزة بنفسك وركب العناد رأسك ورفضت بشدة فرصتي في تحسين وضعي. اتهمتني بالجنون. ليتك ترى وضع من ضربوا كلام الناس بعرض الحائط وحضنوا تلك الوظيفة. إنهم يعيشون برخاء، حياتهم مستورة. أحسدهم على ذكائهم، لأنهم فهموا ما لم أفهمه وتفهمه. كنت قلقاً من كلام الناس؛ أما هم فقد أدركوا أن كلام الناس لن يطعمهم لو جاعوا، ولن يبلل حناجرهم لو ظمئوا، ولن يستر عوراتهم لو تعروا.
 
أتدري يا أبي؟ مثلك كمثل من يرتدي بذلة فاخرة ويلبس تحتها ثياباً ممزقة متعفنة تفوح منها رائحة النتانة، وهو كمن يرتدي بذلة ممزقة ويلبس تحتها ثياباً نظيفة تفوح منها رائحة المسك. الأول له بيت جدرانه جميلة تثير إعجاب الناظر، أما وراء الجدران فيعتكف فقر مدقع وعفن مثير للاشمئزاز، مجرد جحر يخلو من أي طعام أو شراب. والثاني كمن جدران بيته متسخة ومثيرة للاشمئزاز، أما وراء الجدران فأثاث فخم، وكماليات ثمينة ومطبخ فيه كل ما تشتهي الأنفس من طعام وشراب. أقلقتك المظاهر والنتيجة فشل واكتئاب.
 
آه يا أبي! جاءتك المنية لتصطحبك معها في رحلة أبدية لعالم لا نعلم عنه إلا القليل. رحلت وتركتني وحيداً أدفع عقلي وجسدي وروحي كضريبة لأخطائك.
 
أتعلم ما حدث لي بعد وفاتك؟ شعرت بدوار سحق رجولتي وطرحني أرضاً لأعانق الظلام. انطلق صراخي يملأ المخيم فزعاً، صرخة تختنق في قلبي، وأخرى يعانقها الظلام ويرددها الصدى، إلى أن اختلست الغيبوبة صحوتي. التف الجيران حولي، مستغربين غموض الصورة. منتظرين إجابة من جثة قد تتكلم أو من جدار قد يخبرهم من الميت أنا أم أنت؟

Pages