كتاب "همس في أذنها" هو مجموعة نصوص صدرت عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، تتميز هذه المجموعة بطابعها الوطني والإنساني والإجتماعي، تتجاوز في مغزاها الحكمة والموعظة الى الفلسفة وتعزيز مفاهيم الحب والعشق للوطن والمرأة، فمما ذكر في احدى القصص (أرضك يا وطن
You are here
قراءة كتاب همس في أذنها
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
عجيبة..
قالوا .. وأنا راوٍ لم أر بعيني.. ولا أشهد بحقيقة ما سمعت.. إنما هي كلمات مبعثرة لملمتها
عن ألسنة أهل ذلك العصر.
قالوا أن أفعى ضخمة كبيرة في العمر.. نبت لها قرنان.. أي أن عمرها تعدّى مئة عام.. عاشت في خرابة بعيدة عن مركز القرية.. تسكن في بيت تعبت وشاخت حجارته.. كل حجر يحمل الآخر فوق ظهره على ما يزيد عن مئة عام.. فبدأت حجارته تتهاوى وتنهار.. كانت الأفعى شريكا تسكن مع أهل هذا البيت.. دون خوف أو ريبة.. لا يتوقعون منها أذى أو شرّا.. فهى الجارة للجدّ قبل الإبن والأب والحفيد.. كانوا يرونها .. ولم يحاولوا ولو مرة أن يستفزّوها أو يؤذوها.. يؤمنون بالمثل الذي كان شائعا في تلك الأيام: ( عند العقرب لا تقرب .. عند الحيّة افرش ونام).. وكانوا يسمونها "المبروكة".. مرّات ومرّات رأوا أحد أطفالهم رأىَ العين يداعب الأفعى ويعضّها بأسنانه الثلاثة.. اثنان في الفك العلوي والثالث في الفك السّفلي.. وما كانت لتنفر منه أو تؤذيه.. عاشت تلك الأفعى مع أقدم سكّان البيت.. والأطول عمرا ممّن ما زالوا أحياء فيه بمحبة ووئام.. وملتزمين بمعاهدة صلح ومحبة وعدم اعتداء.. إلاّ أنه حدث أمر غريب بعد طول هذه السّنين..حيّر العلماء والخبراء.. والحواة الذي عاشوا مع الأفاعى العمر الطويل. جميع أهل القرية تحدّثوا حتى تعبت ألسنتهم وأجهدت عقولهم .. وما اهتدوا الى تفسير....هذا الطفل الصغير صاحب الأسنان الثلاثة.. طالت يده فأوقعت إناء زجاجيا فكسره.. أمسك الأب بالطفل وضربه على ظهر يده.. تألم الطفل صاح وبكى.. وإذا بالأفعى تهيج وتهجم على الأب تلدغه ..وتفرز من غدتها سما اختزنته منذ سكنت هذا البيت.. مات الأب وهربت الأفعى..بحثوا عنها في الخرابة والبيت فلم يجدوها.. وما وقعت عليها عين بعد ذلك أبدا.. هجرت الدار والخرابة.
قالوا أنها كانت تحب الطفل.. حين استفز بكاؤه عاطفتها.. فانتقمت ممن تسبب له بالأذى.
ضحك رجل يستهزئ بهذا الكلام.. وعلّق ينتقد صاحبه:
تتحدّث وكأن للأفعى عقلا يفكّر.. أو عاطفة أمومة ذات حساسية عالية.. تصل حدّ القتل.
ردّ عليه رجل آخر معترضا:
- لماذا تستهزئ بكلام الرجل.. ألم تسمع بالغزالة التي أرضعت طفلا..؟
أو بالذئبة التي درّ الحليب من ثديها.. حين سمعت بكاء طفل جائع يتحسّس بشفتيه ثديّ أمّ ميّته..؟؟
علا صوت رجل رابع:
- خرافات.. والله لا يصدق هذا سوى مجنون.. الحقيقة أنني رأيت المرحوم والد الطفل
يكسّر بيض الأفعى في خمّ الدجاج تحت كومة القش.. فانتقمت منه.
انقسم الجماعة بين مؤيد ومعارض.. وعلا الصوت.. وازدادت قسوة الكلمات والتّهم.. للدرجة التي ما عادت الكلمة تشفي غلّ المتجادلين.. وهمّ الطرفان بالإستعاضةعن الكلمة باستعمال اليد
الى أن علا صوت المختار:
يا إخوان إن فصل القول عند شيخ القرية.. وأشار إليه يجلس في صدر الديوان:
- ما رأيك يا شيخنا فيما قالوا.
قال يتحسّس بكف يده لحية بيضاء طويلة.. تصل حتى أسفل صدره.. وحّدوا الله يا إخوان..
ما أكثر الأشياء التي لا نفهمها في هذا الكون.. سرّها عند العالم العلاّم العظيم..
وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا.. صدق الله العظيم.


