في هذا الكتاب يقول الكاتب العراقي عبد الستار ناصر، يتمم كتابي السابق (سوق السراي) أجمع فيه شلّة رائعة من الشعراء والروائيين وكتّاب المذكرات.
You are here
قراءة كتاب باب القشلة - كتابات في الرواية والشعر والمكان
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

باب القشلة - كتابات في الرواية والشعر والمكان
الصفحة رقم: 7
من ذاكرة تلك الأيام(2)
منذ أن بدأ الكتابة وعبد الرحمن مجيد الربيعي لم يتوقف عن مطر القصة القصيرة والرواية، كما أنه كتب الشعر والمقالة وأبدع فيهما، ناهيك عن اشتغاله في الرسم باعتباره من طلبة معهد الفنون الجميلة·
والآن جاء دوره ليكتب (من ذاكرة تلك الأيام) سيرته الروائية أو جوانب منها، وربما فصولاً من مذكراته الشخصية التي سبق أن نشرها في الصحف والمجلات العربية، حيث تنهمر الذكريات من نبع بعيد وتسري على أمكنة وأزمنة شتى لتصبّ في الزمان الذي نحن فيه دون أن يقف الفارس أو يترجّل عن صهوة الكتابة والإبداع·
عبد الرحمن مجيد الربيعي، فارس أصيل من فرسان جيل الستينات، بل هو ذاكرة النص الذي جاء عبر مخاض عسير وحطّ على أرض بغداد، راحلاً عن الناصرية التي لم تستطع احتواء طموحه الكبير وجموح رغبته في أن (يكون) ·· هو عازف ماهـر على جملة من فنون الكتابة والنثر الجميل، أراد أن يغنّي على وتر مسحور، اذا بالعصافير تحوم حوله وتغازله الغيوم، وعاش على جزيرة أحلامه بعيداً عن خدوش الأصدقاء وأنياب الساسة، لكن الحلم لم يمتد به أكثر من سهو أو بضعة أعوام حتى اقترب الساسة من نعيم جزيرته - من نعيم عزلته المبدعة - وحاصروه وأرغموه على أن يكون منهم، وحين يصبح المبدع مغلول اليدين يبدأ زلزال الروح بالرد على جرائم الآخرين·
وهكذا بدأت هجرته الجميلة إلى تونس، حيث الحرية والهواء النقي والبحر ومؤونة الغربة، ثم الزواج وبزوغ سومر في الجزء الثاني من حياته، بعيداً عن مؤامرات الماضي خارج لعبة الشراء والبيع التي عاشها في الوطن الأول، ربما هدأ النهر الآن، لكن الذاكرة تحيا برغم النار والدخان والبطش، فهي التي تُرجع الحقائق إلى مكانها مهما تأخر الزمن على أصحاب الحق·
في سيرته من ذاكرة تلك الأيام أجزاء من وعثاء السفر ومن أسرار الأدباء ومن رثاء المحبين، لكنه لم يدخل إلى باطن عبد الرحمن مجيد الربيعي الاّ من وراء حجاب، كان لا بد من نزعه حتى نعرف السيرة التحتانية من شخصيته (هو) ومن أوجاعه وملذاته وأسراره الخاصة كما عرفناها في مذكرات مبدعينا الكبار أمثال (ادوارد سعيد) و (هرمان هسه) و(الجواهري) و(بابلو نيرودا) و (روفائيل ألبرتي) وعشرات غيرهم ممن كتب لنا سيرته الجوانية الخاصة جداً·
كنت أتمنّى - بحكم المحبة والبدايات التي تجمعنا منذ أيام الصبا - لو أن عبد الرحمن مجيد الربيعي دخل البحر عميقاً وهاج وماج بين أمواجه وتقلباته وأن لا يبقى عند رمال الشاطئ يحكي عن أسماك البحر وحيتانه التي لم يتمكن من اصطيادها، فهذا الرجل - كما أعرفه - مملوء بالتجارب ومحشو إلى رأسه بالذكريات الصعبة ولعله يملك كومة من المفاتيح التي تساعدنا على كشف المستور، وأظنه سيفعل ذلك في كتاب لاحق يحكي عن خصوصية الدم الذي يمشي في الشرايين وخلف غشاء الجسد المزحوم بذاكرة العراق وذاكرة النهرين والنساء والغرف السرّية ومدافن الضوء ودهاليز الموت وخمارات آخر الليل ومعارك المبدعين وحماقاتهم الممتعة، إذ ليس غريباً على مبدع بحجم عبد الرحمن مجيد الربيعي أن يقرر الكتابة فوراً عن (الوجع) الذي عاشه منذ أول رحلة في ذاكرة الناصرية حتى وصول زورقه إلى شواطئ تونس وبيروت من ذي قبل·
ترى، هل يخاف الربيعي الاقتراب من نفسه؟ أم تراه يخاف على بعض الأحياء من كشف أوراقهم؟ واذا كان الحال هكذا فمتى سيكتب سيرته الحقيقية التي تحكي عن الجان والعفاريت والرجال الجوف الذين أخذوا المال والحرير والنساء وما تركوا لنا غير المنافي فراشاً والأحزان لعبة نلعبها كل يوم؟
أرى أن هذا الكتاب - وهو دون ريب من الكتب المهمة التي تصبّ في تأريخ شخصية أدبية لها وزنها في الحياة الثقافية - ليس هو السيرة التي كنا ننتظرها من عبد الرحمن مجيد الربيعي، حتى أنه هو نفسه يقول في (مدخل) كتابه ليست هذه مذكرات أروي فيها سيرتي الذاتية، فهذا أمر مازال مؤجلاً وان كان مشروعاً مطروحاً

