You are here

قراءة كتاب الصدى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الصدى

الصدى

المجموعة القصصية "الصدى" للكاتب محمد زكريا الزعيم، يقول في مقدمتها:

تقييمك:
1
Average: 1 (1 vote)
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

ألا إنما الدنيا نضارة أيكة

ألا إنما الدنيا نضارة أيكة
إذا اخضر منها جانب جف جانب
صاحب العقد الفريد

مما يزهدني في مطالعة شعر الحكمة جفاف العرض ، وتواري الإبداع ، وشحوب نضارة الرونق فيها فقد تشابهت أساليب التعبير فيها حتى غدت كأوراق النعوة متطابقة الديباجة ، متشابهة العرض نضب منها ماء الحياة فهي في معظمها من قبيل شعر الزهد البارد الذي حمل لواءه أبو العتاهية حيث جعل الحياة على رحبها ونضارتها مقبرة كئيبة وأحال كل مظاهر النشاط البشري في عمارة الأرض وإقامة حضارة إلى قافلة تشيع جنازة أو تعزي براحل ، ومسخ دور الإنسان إلى مسافر مترقب في محطة سفر ينتظر مطايا الموت ، وقوافل الفناء ، أن تمضي في رحلةٍ طويلة لا يدرك كنهها ولا تعرف وجهتها ! .
وما زلت أضرب في بيداء شعرالحكمة حيث يأس المنقّب وتعب السائر ولفح الهاجرة حتى توقفت في واحة صاحب " العقد الفريد " في قوله
ألا إنما الدنيا نضارة أيكة إذا اخضر منها جانب جفَّ جانب
فتوقفت مذهولاً عنده فقد بلغ بي سكرة الفن مبلغها فرأيت أن أتوج به مقالتي وأوشي سطورها بمعانيه ، وإيحاءاته ، وظلاله فقد أتى الشاعر فيه بكل عجيب نفيس وأودع فيه كل ما في " عبقر " من إعجاز عرائسه ، وخواطر جِنّه ، وغياهب واديه ، وأسرار سكونه ! .
فمن حيث المعنى لم يترك الشاعر زيادةً لمستزيد فقد مضى في مضمار الإبداع بعيداً ، وأوغل في أودية الفن كثيراً فلم يترك قدرة للاحق ولا طاقة لمنافس ! .
فقد استطاع إجلاء فكرة مستعصية ، وقَدر على تجسيد ملامح الحياة المتشعبة المتنوعة المتباينة بصورة شعرية شائقة متكاملة يتيمة ! .
أما الفكرة فهي أن الحياة تأبى أن تصفو لأحد صفاءً تاماً لا شائبة فيه ولا غصة ، وتتأبى أن تجود بكل طيباتها ومسراتها مجتمعة لأحد مهما قرب وعلا ، فإذا صفا جانب منها جفَّ جانب وفسد بعضٌ وكأنها تستحي أن تسلب جنة الرحمن شيئاً من طبيعتها وحلية من حليها .
إن المعاني الجميلة والفِكَر الطريفة هي ما يلهث وراءها كل فنان وشاعر ، ولكن ما هو أجمل من المعاني الجميلة هو حسن عرضنا وأناقة تصويرها وجمال التعبير عنها حتى إن كثيراً من النقاد من يقصر الإبداع في الفن على الشكل دون المضمون إذ يرى أحدهم أن المعاني البكر والفكر الشائقة منشورة على قارعة الطريق فهي مبذولة لكل راغب ومعروضة لكل طالب ، وما على الشاعر إلا التفنن في إبرازها في عرض جميل وتصوير بديع وتعبير أنيق .
وإننا لنرى مصداق ذلك في عناصر هذه البيت جميعها فإن فكرته في غاية الروعة وصحتها في منتهى الصدق ، ولكن أسلوب الشاعر في عرضها قد بلغ الغاية في الإعجاز الشعري والإبداع الفني ، وإني لأجزم بأن شاعرنا قد ارتقى في معارج الإبداع إلى منازل لم يبلغ شأوها مبدع ولم يرتق إليها أديب ولكن يجب ألا يغيب عن البال أنه من المحال أن يبلغ الأديب هذا المرتقى أو يرتقي إلى تلك المنزلة ، إذا لم يتحد مع موضوعه ويتمازج معه فيذيبه في نفسه أو يذيب نفسه فيه ! . .
ما أجمل أن نرى مباهج الدنيا كوريقات نضرة في روضة مزهرة أو أيكة فواحة ولكن لا بد للنظر أن يقع في تلك الروضة على قذى أو يلمح قبحاً في ورقة جافة أو زهرة يابسة ! .
إن الحياة هي بحق تلك الروضة التي إذا اخضر منها جانب جفّ جانب فلم نعهدها قط تقبل على أحد إقبالاً كاملاً وقد صفت كل مباهجها وطابت كل لياليها فلا بد للناظر مهما كان أثيراً لديها أن يقع منها على ما يعكر الصفو ويكدِّر السرور ! .

Pages