كتاب "التعليق المنقول في كلام شيخ الإسلام عن أئمة الأصول"، هذه تعليقات جليلة، وحاشية ذات قدر وفضيلة، جمعتها من كلام شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني _ وهو أحمد بن حنبل الثاني _ على مختصر في الأصول معتمد، وهو «منهاج الوصول» للقاضي البيضاوي، وهو كتاب ذو شروح
قراءة كتاب التعليق المنقول في كلام شيخ الإسلام عن أئمة الأصول
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
(4) التحسين والتقبيح
قال البيضاوي: «الثاني: ما نهي عنه شرعاً فقبيح، وإلا فحسن؛ كالواجب والمندوب والمباح وفعل غير المكلف».
وقوله _ أيضاً _: «الثالث: قيل: الحكم إما سبب أو مسبب...» إلى آخر كلامه _ رحمه الله _.
أقول: هذا مذهب للأشعرية مشهور، وهو نفي التحسين، والتقبيح، والعلل، والأسباب، والحكم.
وهو مذهب مردود، مأخوذ من الجهمية، وقد تكرر رد شيخ الإسلام لهذا المذهب، وبيان الحق الصريح بوقوع التحسين والتقبيح في الأفعال، والأوامر والنواهي، وكل ذلك راجع إلى حكمة الله، ومحبته، ورضاه لما يأمر به من حسن الأعمال _ كالإيمان، والعدل، والصدق _، وبغض للفواحش _ من ظلم وكفر وكذب، ونحوه _.
وقد قيد شيخ الإسلام هذا المذهب في مواضع عديدة من كتبه مطولاً ومختصراً في مسائل القضاء والقدر، والنبوات؛ لتعلق هذه المسألة بها جميعاً.
وهذا فصل مختصر جامع في بيان حقيقة هذه المسألة الجليلة، وتلخيص الحق فيها:
قال _ رحمه الله _ «مجموع الفتاوى» (17/198).:« (فصل): والناس في هذا المقام _ وهو مقام حكمة الأمر والنهي _ على ثلاثة أصناف:
فالمعتزلة القدرية يقولون: إن ما أمر به ونهى عنه كان حسناً وقبيحاً قبل الأمر والنهي والأمر، والنهي كاشف عن صفته التي كان عليها لا يكسبه حسناً ولا قبحاً، ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة تنشأ من الأمر نفسه.
ولهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من فعل العبادة؛ كما في قصة الذبيح، ونسخ الخمسين صلاة التي أمر بها ليلة المعراج إلى خمس، ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر؛ لظنهم أنه لا بد من حكمة تكون في المأمور به والمنهي عنه، فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به.
وهذا قياس من يقول: إن النسخ تخصيص في الأزمان؛ فإن التخصيص لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ، لكنهم تناقضوا.
والجهمية الجبرية يقولون: ليس للأمر حكمة تنشأ؛ لا من نفس الأمر، ولا من نفس المأمور به، ولا يخلق الله شيئاً لحكمة، ولكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص، وليست الحسنات سبباً للثواب، ولا السيئات سبباً للعقاب، ولا لواحد منهما صفة صار بها حسنة وسيئة؛ بل لا معنى للحسنة إلا مجرد تعلق الأمر بها، ولا معنى للسيئة إلا مجرد تعلق النهي بها، فيجوز أن يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان، ويجوز أن ينهي عن كل أمر حتى عن التوحيد والصدق والعدل، وهو لو فعل؛ لكان كما لو أمر بالتوحيد والصدق والعدل، ونهى عن الشرك والكذب والظلم، هكذا يقول بعضهم.
وبعضهم يقول: يجوز الأمر بكل ما لا ينافي معرفة الأمر، بخلاف ما ينافي معرفته، وليس في الوجود عندهم سبب، ولكن إذا اقترن أحد الشيئين بالآخر خلقاً أو شرعاً؛ صار علامة عليه، فالأعمال مجرد علامات محضة لا أسباب مقتضية.
وقالوا: أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه: إني أريد أن أعذبكم، وعدم إيمانكم علامة على العذاب.
وكذلك أمره بالإيمان من علم أنه يؤمن معناه: إني أريد أن أثيبك،
والإيمان علامة.
وهؤلاء منهم من ينفي القياس في الشرع والتعليل للأحكام، ومن أثبت القياس منهم؛ لم يجعل العلل إلا مجرد علامات.
ثم إنه مع هذا قد علم أن الحكم في الأصل ثابت بالنص والإجماع، وذلك دليل عليه، فأي حاجة إلى العلة؟! وكيف يتصور أن تكون العلة علامة على الحكم في الأصل، وإنما تطلب علته بعد أن يعلم ثبوت الحكم وحينئذ فلا فائدة في العلامة؟!
وأما الفرع؛ فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل، وهؤلاء منهم من ينكر العلل المناسبة، ويقول: المناسبة ليست طريقاً لمعرفة العلل، وهم أكثر أصحاب هذا القول.
ومن قال بالمناسبة من متأخريهم يقول: إنه قد اعتبر في الشرع اعتبار المناسب، فيستدل بمجرد الاقتران لا لأن الشارع حكم بما حكم به لتحصيل المصلحة المطلوبة بالحكم، ولا لدفع مفسدة أصلاً؛ فإن عندهم أنه ليس في خلقه ولا أمره لام (كي).
فجهم - رأس الجبرية - وأتباعه في طرف، والقدرية في الطرف الآخر.
وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام؛ كالفقهاء المشهورين _ وغيرهم _، ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين في أصول الدين وأصول الفقه؛ فيقرون بالقدر، ويقرون بالشرع، ويقرون بالحكمة لله في خلقه وأمره _ لكن قد يعرف أحدهم الحكمة، وقد لا يعرفها _، ويقرون بما جعله من الأسباب، وما في خلقه وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده مع أنه خالق كل شيء وربه ومليكه _ أفعال العباد وغير أفعال العباد _، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن كل ما وقع من خلقه وأمره فعدل وحكمة؛ سواء عرف العبد وجه ذلك أو لم يعرفه.


