كتاب "الأسرى الأحرار - المجلد الأول"؛ الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن، إنه كتابي، وسجل ذكرياتي، وذاكرة أيامي التي أفخر بها وأعتز، فهي جزءٌ عزيزٌ من حياتي، ورصيدٌ كبيرٌ راكمته في عمري، فكان أساساً لرأس مالٍ عز أن يخسر، نما مع الزمان، وكبر مع الأيام، واست
You are here
قراءة كتاب الأسرى الأحرار - المجلد الأول
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن
تقديم
منذ بدء الصراع العربي – الإسرائيلي اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي قرابة ربع السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حتى بات «الاعتقال»، «السجن»، «الأسر» و«التعذيب»، مفردات متلازمة، أضحت ثابتة في قاموس النضال الوطني الفلسطيني ومن أبجديات الحياة الفلسطينية، فلم يكن «الاعتقال» يوماً ممارسة عفوية أو استثنائية، كما لم يرتبط وجود السجون والمعتقلات الإسرائيلية بحقبة زمنية معينة.
والاعتقالات لم تقتصر على شريحة محددة أو فئة عمرية معينة، بل طالت فئات وشرائح المجتمع الفلسطيني كافة دون تمييز أو استثناء، فشملت الذكور والإناث ومن مختلف الفئات العمرية والاجتماعية والمهنية، ولم يسلم منها المرضى والجرحى والمعوّقون، فيما لم تستثنِ المحامين ورجال القانون ونشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، ونواب المجلس التشريعي والوزراء، والقيادات السياسية، بحيث كان للعمال والفلاحين والكادحين النصيب الأكبر.
كما لم تقتصر على منطقة جغرافية بعينها، وانما طالت كل مخيم ومدينة، وكل بيت وأسرة، ولم تَعد هناك عائلة واحدة في فلسطين إلا وذاق أحد أفرادها أو جميعهم مرارة الأسر، كما أن عشرات الآلاف من المواطنين قد تعرضوا للاعتقال لأكثر من مرة، فيما لم تَبقَ بقعة في فلسطين، إلا وأقيم عليها سجنٌ أو معتقلٌ أو مركز توقيف.
ومن خلال موقعنا ومتابعتنا نجد أنّ هناك تلازماً ما بين الاعتقالات والتعذيب، وأن جميع من مروا بتجربة الاعتقال قد تعرضوا لأحد أشكال التعذيب النفسي، أو الجسدي، والإيذاء المعنوي والإهانة أمام الجمهور وأفراد العائلة، فيما الغالبية تعرضوا لأكثر من شكل من أشكال التعذيب، وأن تعذيب الأسرى بأشكاله المختلفة، شكل نهجاً اساسياً، وممارسةً مؤسسيةً وجزءاً لا يتجزأ من معاملة مع مَن تم احتجازهم واعتقالهم وبغض النظر عن جنسهم وفئاتهم العمرية أو احتياجاتهم الخاصة، وفي تطور خطير حظى في السنوات الأخيرة بغطاء قانوني وحصانة قضائية ومباركة الجهات السياسية.
وأجزم بأن مجمل الاعتقالات وما يصاحبها ويتبعها من إجراءات وانتهاكات، وظروف الاحتجاز، وطبيعة المعاملة فيها، إنما تتم جميعها بشكل مخالف لقواعد القانون الدولي الإنساني وما تنص عليه الاتفاقيات والمواثيق الدولية المتعددة ذات الصلة.
ويُقال إنّ لكل مرحلة رجالها، ولكل وقت وزمن أبطاله، فيما الأسرى هم رجال كل المراحل وأبطال كل الأزمنة والأوقات... وهم من حجزوا لهم مكانة واسعة في عقولنا وقلوبنا، وأسماؤهم حُفرت في ذاكرتنا.
أما نحن الأسرى المحرّرين وبالرغم من مرور سنوات على تحررنا إلّا أننا نحيا في السجن ويحيا السجن فينا ولا نزال أسرى للسجن وعاداته، لمفرداته ومصطلحاته، وذكرياته بصورها المتعددة والمتناقضة.
وبالرغم مما مارسته واقترفته سلطات الاحتلال، إلا أنّ الحركة الأسيرة استطاعت أن ترسم لنفسها خطاً نضالياً متميزاً ومتقدماً، وأن تذود عن كرامتها ووجودها وهيبتها، فجعلت من نفسها نداً قوياً للاحتلال وانتزعت حقوقاً أساسية وتمكنت بفعل نضالاتها المتراكمة وتضحياتها الجسام أن تغير من واقعها نحو الأفضل وأن تحقق الكثير من الانتصارات، وصنعت تاريخاً رائعاً ومشرقاً خطت حروفه بدماء وآهات المعذبين وآلام المضربين عن الطعام فكان لهم في سجل التاريخ والمقاومة سطوراً مضيئة.
وتاريخ الحركة الأسيرة حافل بالقصص والأحداث والبطولات، بالمواقف النادرة والتجارب الرائعة، بالصور المؤلمة التي عكست عنجهية الاحتلال وبشاعته في تعامله اللاإنساني مع الأسرى... تاريخ بقي محفوراً في ذاكرة صانعيه ومن عاصروه من الأسرى، وجزء كبير منه لا يزال أسيراً في ذاكرة الأسرى المحررين، والذي كنت دائماً أخشى أن يندثر ذاك الجزء الهام والكبير مع رحيلهم عن الدنيا ما لم نُسرع في تحريره وتوثيقه، وتوثيق التاريخ الشفوي مهمة الأفراد كما المؤسسات وهو مهم جداً.
نعم.. نتحدث عن حركة نضالية متجذرة ومتطورة دوماً، انضوى تحت لوائها، وانضم لصفوفها منذ احتلال «إسرائيل» لفلسطين قرابة ربع الشعب الفلسطيني، وهؤلاء هم جزءٌ لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وهم من حملوا لواء النضال جنباً إلى جنب مع بقية المناضلين تاركين عائلاتهم، فكان لهم في سجل التاريخ والبطولة صفحات مضيئة.
وأعتقد بأنه ليس كل من تعرض للاعتقال والتعذيب نجا من الموت، أو لا يزال حياً ليحدثنا عما تعرض له، وليس كل من نجا ولا يزال على قيد الحياة قادراً على أن يحدثنا عمّا تعرض له، لكن هناك الكثير ممن نجوا وتحدثوا بمرارة عما تعرضوا له، وهناك من لا يزالون متأثرين من ذلك رغم مرور سنوات طوال على تحررهم، وكاتب هذا الكتاب (الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن).. هو واحد من الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب وهو قادر على نقل ما مر به وما سمعه وقرأه عن الآخرين.
د.مصطفى اللداوي الأسير لأكثر من مرة، الزائر الدائم لسجون الاحتلال ومخيمات اللجوء والابعاد، استطاع ومن خلال كتابه أن يعيدني إلى الوراء عقوداً من الزمن، وأن يدخلني السجون والمعتقلات بمختلف مسمياتها وتعدد أماكنها الجغرافية وكثرة الحواجز الفاصلة فيما بينها، ليزجني في قلب ملحمة إنسانية لم تنتهِ بعد.
(الأسرى الأحرار.. صقور في سماء الوطن) كتاب رائع وثري جداً، يحاكي الماضي والحاضر وينبش في الذاكرة جوانب منسية، ويتناول جزئيات وفصول الحياة الاعتقالية بكل جوانبها، يسرد الحقب التاريخية والمحطات الهامة والأساسية بشمولية وبترابط وثيق وصياغة قوية وكلمات مؤثرة، ويبرز فيه مواقف عظيمة تجلت فيها قدرة الأسير على التكيف والنضال حتى خلف الاسوار..


