رواية "نور القمر" للروائية السودانية أميمة العبد الله، هذه الرواية التي غزت العالم العربي ولم تستطع كاتبتها الحصول إلا على ثلاثة نسخ منها؛ رواية تمرّد نصها الروائي على مستوى الشكل، واعلن تمرده على أشكال وطقوس السرد كما تمارس في حضرة السلطة والثقافة السائدتي
You are here
قراءة كتاب نور القمر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
هذه الحادثة لم تكن أمي تستطيع حكايتها متصلة كما أقصها عليكم أنا الآن، حكتها لي على مراحل فقد كنت أشفق عليها فما إنْ تنتهي من سرد جزء قليل حتى يبهت لونها ويصفرّ، يشحب وجهها كأن روحا شريرة امتصت دماءه وتصعب حركة رجليها وأصابعها وتفيض عيناها بالدمع، هذه الحالة لا تصيبها إلا عندما تبدأ بحكي قصة إبادة قبيلتها، فيما عدا ذلك كانت أمي امرأة قوية وصلبة وقادرة على العمل بطاقة ثور وهذه الصفة بالذات ورثتها عنها.
لنعد لقصتنا، موت ودماء لم يتركوا أحدا، الوحوش وحدها يا بنتي تهتاج عندما تشتم رائحة الدماء، دمروا كل شيء. أنقذتني حفرة وجدتها أمامي بمدخل ضيق مموه لا يكاد يرى، دخلتها موقنة بموتي، جاءوا يقلبون الجثث ليجهزوا على ما تبقى فيها، إحد الجثث انقلبت على مدخل الحفرة، وهكذا نجوت، مر زمن لا نهائي، مشحونة كنت بالخوف والخشوع أتضرع فزعة للمولى القدير أن يمنحني الحياة، في كل لحظة أزدادُ تكرفسا والتحاما بالأرض، بعدها دخلت في غيبوبة أفقت منها مع العتمة، ثقل عظيم في جسدي، قدماي مشلولتان، خدر سرى فيهما، خرجت من تلك الحفرة بمعجزة زاحفةً. جثث متراصة بعضها فوق بعض. الخوف والظمأ دوخاني، دماء على كل شيء، رائحتها المخثرة مرعبة، أصوات الرصاص ما زالت ترن في أذني، واصلت زحفي حتى أحد أطراف المعسكر، بعدها لم أعدْ أحتمل دخلت مرة أخرى في غيبوبة. أفقت مع الشروق على يد قوية، كان رجلا لم أتبين لحظتها ملامحه، رفعني ببطء بعد أن رش على حلقي بعض الماء كنت عطشى جدا لكنه منع عني الماء، قليل فقط يكفي الآن هكذا قال:
- رأيت بطنك يعلو ويهبط.
بي جروح طفيفة ودماء جافة تغطي معظم أجزاء جسدي، رفعني على ناقته بعد أن نظفني:
- الإنجليز؟ قلت له بخوف قليل.
- ذهبوا بعيدا لا تخافي.
مضيت معه بصمت، العراء كان بلا صوت، هدوء مخيف، سار بي مسافة يومنا ذاك، وصلنا أهله المحشورين في مكان خفي لا يكاد يلمح، تزوجني وبقيت معهم إلى أن اضطرنا الفقر والجوع إلى الرحيل، كنا نقتات من ورق الشجر ونباتات الخلاء، تلك المعارك يا بنتي ابتلعت الكثير في بطنها، رجالا بلا حدود أرقام.
بقية إخوتي، ثمرة زواج أمي من زوجها ذاك، ماتوا بالسل نتيجة سوء التغذية، كنت آخر ولاداتها عشت بأعجوبة، اجتهدت أمي أن ترضعني من ثدي ماعز عجوز مباشرة وتمسح جلدي برغوة لبنها، أيضا علقت على صدرها تعويذة – قديما كان الناس يعتقدون بهذه الأمور – أخبرتني أن أحدهم أوصاها بأن تضع حول عنقها سلسلة يتدلى منها صندوق صغير مخبوء به عقرب نافقة وذلك لضمان حياة المولود بعد الولادة، لكن ما أظنني عشت بسبب العقرب بل لأن المولى أراد لي ذلك . سمتني نور القمر عكس رغبات نساء القبيلة فقد كن يعتقدن خطأ أن الاسم القبيح قد يجعلني أعيش حياة أطول، رفضت أمي اقتراح اسم شعيليبة، مفضلة اسم نور القمر فقد جئت ليلا مع اكتمال القمر.


