كتاب " بياض الليل سواد النهار " ، تأليف غادة صديق رسول ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، من أجواء الرواية نقرأ:
You are here
قراءة كتاب بياض الليل سواد النهار
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

بياض الليل سواد النهار
قاطع جلسة الحوار هذه صوت أم حمادي التي طرقت الباب قبل أن تدخل، وتطلب من ابنها وعمّه النزول إلى أسفل، وهي ترجوهما:
– الجو بارد، والطعام سيبرد قبل لمح البصر إن لم تستعجلا بالنزول.
،،
تكونت الوليمة من الأرز العقراوي، الذي يزرع في جبال الشمال، في عقرة تحديداً، فلا ينافسه في المذاق غير رز الجنوب البعيد. والبرغل الذي أعدته الحاجة بنفسها لأنه وجبة أحمد أفندي المفضلة، ولأنه طالما أشاد بطريقتها في إعداده. والدجاج المشوي بالتنور، والآخر المحشو بالرز مع المكسرات والزبيب، والعديد من الأطباق الحمراء اللون التي تطفو فوق سطحها قطع من لحم الضأن، والخضراوات التي يندر أن تخلو منها الموائد لتثير شهية الآكلين، بالرغم من عدم حاجتهم لما يثير شهيتهم، إضافة لخبز التنور، ورقائق خبز الصاج المرشوش بالماء، والملفوف بقطعة قماش سميكة.
كانت أم حمادي تشعر بسعادة كبيرة وضيوفها منهمكون في المضغ، فهي امرأة مضيافة كريمة النفس. اعتادت أن لا تخلو دارها من الضيوف منذ تزوجت المرحوم طلعت بيك، الرجل الذي مات منذ وقت طويل، لكنها مع ذلك لا تشعر أبداً أنه رحل، فأولادها الذين يحملون ملامحه يذكرونها به دائماً، الكبير بالذات (حمادي) الذي تشعر أحياناً أنه ينظر إليها بعيون أبيه؛ فالشبه يتعدى الملامح إلى طريقته في التحدث، وطريقته في النظر إليها، وحركات شفتيه وذقنه، الذي قد يميل إلى اليمين أو اليسار، إذا لم يرق له ما يحصل أو ما يروى. حكمت الأوسط يضحك مثلما كان الراحل يفعل تماماً، له تلك القهقهات العميقة نفسها التي يميل رأسه إلى الخلف أثناءها.
وسلطان أصغر أبنائها الذكور ورث عنه أنبل صفاته، كرمه، وقلبه الذي يملك القدرة على العطف على كل المخلوقات. فقد اعتاد منذ طفولته أن يعود إلى المنزل من تجواله اليومي، بقطة مريضة، أو عصفور جريح، فيعكف على العناية به حتى يشفى ويطلقه في البرية. كان سلطان يعود أثناء الشتاء بلا بعض قطع ثيابه لأنه منحها عن طيب خاطر لفقير أوشك أن يتجمد من البرد، فيصل إلى المنزل وهو يرتجف، لكنه يشعر مع ذلك بقمة الرضا. (قلبه من ذهب)، قالت الأم هذه الكلمات في نفسها، حين اقترب سلطان منها قبل أن يجلس إلى سفرة الغداء، وقال لها بصوت منخفض: (لا تتركي الخالة سعادة تعود إلى المنزل خالية اليدين، تذكري أنهم أربعة أفواه في دار بلا معيل). هزت الأم رأسها وطمأنت ابنها بثلاث كلمات: (لن يفوتني هذا).
حين انتهى الرجال من تناول غدائهم، وجلسوا يلتقطون أنفاسهم، ويشربون الماء، كان سلطان وعمّه لا يزالان مستغرقين في التفكير بأمر سلسلة الخاتونات الثريات، اللواتي اخترن هذه البلدة لأسباب خفية عن الجميع. قال سلطان لعمّه بصوت منخفض:
– لو لم يكن كمال الدين آغا في كركوك لذهبنا إلى داره بحجة زيارته وحاولنا معرفة أي معلومة إضافية يملكها عن زبيدة خاتون.
– كنت أفكر بهذا للتو، خصوصاً وأنَّ الرجل كانت له تعاملات مالية معها. سرت إشاعات قوية مفادها أنه استخدم وساطة أحد معارفها في اسطنبول للحصول على لقب الباشاوية قبل عشرة أعوام، فسافرت برفقته وغابا بضعة أشهر، لكنه عاد بخفي حنين. ولم ينبس ولو بحرف واحد، عن طبيعة هذه السفرة أو وجهتها.
– سنراه فيما بعد بالتأكيد، حينما تحضر إلى البلدة في المرة المقبلة إن شاء الله. لكن هل ستتصور أنه سيتحدث إلينا الآن وقد رفض الإفصاح في السابق.
– سأجد مدخلاً لأحصل على ما أريده من الآغا، لن تعييني الحيلة.
رحل الضيوف قبل العصر، لأنهم يجب أن يصلوا الموصل قبل غروب الشمس. مضوا على أمل لقاء قريب وهم محملون ببعض خيرات البلدة الوفيرة، من سمن الغنم، والزبد، والزبيب الأسود والأحمر. فلا سخاء يعادل سخاء الذين يعملون في الحقول والمزارع، فالأرض بحرهم الذي يغرفون منه بعرق الجبين، وانكباب الظهور والانحناء على التراب السخي.
وحينما ابتعد أحمد أفندي مسيرة نصف ساعة قطعها مبتعداً عن البلدة، التفت إلى الخلف لأنه ارتقى إلى قمة تل يحتضن حدود البلدة التي ولد فيها. فلاحت أمامه المدينة الصغيرة، أو القرية الكبيرة مصغرة، كأنها رسمت على قطعة ورق، كانت السماء فوقها صافية لحسن حظ الأشجار والمزروعات. لكنه شاهد غيمة سوداء تجثم فوق مزرعة الخاتون، انقبض قلبه لمنظرها الغاضب المزمجر، فاستدار إلى الوجهة التي يقصدها وهو يستعيذ من الشيطان الرجيم.
* *

