كتاب " كنديد أو التفاؤل " ، تأليف فولتير ترجمه إلى العربية عادل زعيتر ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب كنديد أو التفاؤل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

كنديد أو التفاؤل
وفي ذلك الدور الأخير من حياة فولتير يظهر كتابه «كنديد أو التفاؤل» الذي ملأ صيتُه الأجواء، وكان فولتير حين وضع هذا الكتاب في الرابعة والستين من سِنِيه، وقد نُشر في جنيف سنة 1759 خاليًا من اسم المؤلِّف والناشر، ولم يقُل فولتير أين وضع الكتاب ولا متى كتَبَه، وقد أُظهِر للناس مترجمًا عن الأنانية بقلم الدكتور رَالْف!...
وقد انتشر كتاب «كنديد» بسرعة هائلة، وأُعِيد طبعه باستمرار، حتّى إنّه وُجد له ثلاثَ عشرةَ طبعة مؤرّخة في سنة 1759، ولم يقتصر صيت الكتاب على فرنسة، بل عمَّ أرجاء الدنيا، وتُرجِم إلى أرقى لغات العالَم مرّاتٍ كثيرة.
وكان يسود العصر الذي ظهر فيه فولتير مبدأُ التفاؤل القائل «إنّ كلّ شيءٍ هو أحسنُ ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم»، وكان فليسوف ألمانية الشهير ليبِنتْز يحمل لواء هذا المذهب، وما كان يقع في العالم من مصائب وما يَحُلّ به من كوارث لا يجعل فيلسوفًا مفكّرًا مثل فولتير يقول بهذا الرأى، وممّا حدث أن أُصيبت أَشبُونة(2) في سنة 1755 بزلزالٍ هائلٍ جعل عاليَها سافلَها، وأن اشتعلتْ حربُ السنين السبع في سنة 1756 فأوْدَت بحياة عشرات الألوف من الناس، فهذان الحادثان وما إليهما هزّت جميع الافتراضات التفاؤلية هَزًّا عنيفًا فأتاحت لفولتير فرصة الحَمْلة على مذهب التفاؤل بلا هَوَادة فقال في كتاب «كنديد» كلمته وأذاع موعظته.
وفي كتاب «كنديد» جعل فولتير بنغلُوس بطل التفاؤل وجعل مارتنَ بطلَ التشاؤم، وما يُعارِض به فولتير تشاؤم مارتن وتفاؤل بنغلوس هو ما يعارِض به اللاهوتَ النصراني وتفاؤُلَ ليبنتْزَ الرواقى، وفي كتاب «كنديد» يجوب فولتير معظم أقطار العالم فيتجلّي اكتئابه النفسي حِيَال ما ينطوي عليه تاريخ العالَم من حروب وفظائع ومصائب ونوازل وأعمالٍ تُشَابِه ما يصدر عن المجانين.
وكاد فولتير يقضي بكتاب «كنديد» على مبدأ التفاؤل في العالم، فيه يَهدِم التفاؤل المطلق، وهو من أعظم كتب العالم حَملَة على هذا التفاؤل إن لم يكن أعظمَها، وكتاب «كنديد» مملوءٌ سُخرية وإبداعًا، ولا عجب، فالقلم بيد فولتير يجري ويضحك كما قال أناتول فرانس، وفي كتاب «كنديد» ترى فولتير أكثر الكتاب دُعابة مع بُعدِ غَورٍ في المقصد، ولا غَرْوَ، ففولتير في كتابه «كنديد» أعظم مَن يقوم بهذا الغرض.
وكتاب «كنديد» مؤلّف من جزأين(3)، فأمّا الجزء الأول فيوجد إجماعٌ على أنّه وُضع بقلم فولتير، وأمّا الجزء الثاني فقد ذهب كثير من النقّاد إلى أنّه من وَضْع كاتب آخر، ولذا يُرى اقتصار بعض الطبَعات وبعض الترجمات على الجزء الأول منه كما يرى اشتمال طبَعات أخرى وبعض ترجمات على الجزأين معًا، وذلك مع إشارة قسمٍ منها إلى هذا الأمر، ومهما يكن من أمر، فإنّ الجزء الثاني وُضع على نحو الجزء الأول وروحه، ولا يكاد الناقد النفّاذ يلمس فرقًا بينهما، وكيف يدرك هذا والجزء الثاني ينمّ على براعة ولباقة كالأوّل، وقد حفَزَنا هذا إلى ترجمة الجزء الثاني أيضًا إتمامًا للفائدة وإمتاعًا للقارئ العربي.
وإذا سألت عن مذهب فولتير السياسي واعتقاده الديني، أجبت بأنّ فولتير يقتصر، مثل مونتسكيو، على المطالبة بالإصلاح السياسي والديني وثَلْم شوكة الاستبداد، وهما في هذا على خلاف جان جاك روسّو الذي كان ينادي بضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدًا كليًّا، وكان كلٌّ من فولتير ومونتسكيو راضيًا بالمجتمع الذي يعيش فيه، فلا يرغب في قلبه وإنّما يطلب الإصلاح، وكلاهما فُتِن بالدستور الإنكليزى، ولا سيّما تسامح الإنكليز الديني، وكان الدِّين أظهر ما عُنِي به فولتير وإن بحث في السياسة، وكانت السياسة أظهر ما عُنِي به مونتسكيو وإن بحث في الدِّين، وكلاهما ناهض عدمَ التسامح في جميع وجوهه كما ناهضا الاضطهاد والتفتيش والحروب الدينية، وطالب فولتير بإلغاء امتيازات الإكليروس، وطالب مونتسكيو بأن تكفَّ الكنيسة عن ظلم مخالفيها ومنكريها وبأن يكون الإكليروس أقلّ ثراء وسلطانًا.
حقًّا كانت فرنسة في عهد لويس الرابع عشر وعهد لويس الخامس عشر خاضعة لكنيسة متعصبة غير متسامحة ولمَلَكية مستبدّة، فلم تذُق طعم الحرية الدينية ولا طعم الحرية السياسية، فلم يُطِق الناس هذا الوضع، فظهرت في أوائل القرن الثامن عشر روح تذمُّر شديدٍ بين المثقّفين ضدّ الكنيسة والملكية، ولكن مع تعذُّر الجهر بالحملة على الدين والنظام القائم، وكان فولتير على رأس المتذمّرين، فلمّا عاد من إنكلترة بثّ كثيرًا من الانتقاد للدين والملكية في رواياته وتواريخه وقاموسه الفلسفي ورسائله، ولم ينفكَّ عن جهاده في هذا السبيل حتّى وفاته، وهو لم يحاول بهذا تأسيس نظام سياسي أو إقامة مذهب ديني، بل كان يرىد الإصلاح ما استطاع، وإن كان من القائلين بالدّين الطبيعي مع إنكار الوحى، وهو قد عُدّ بهذا هادمًا للنصرانية عدوًّا لها، ولا يعني هذا أنّه أراد إلغاء الدين، وإنما أراد دينًا بلا أسرار ولا رموز فيقتصر إكليروسه على تعليم الأخلاق، وعنده أنّ على الأمير أن يكون من تلاميذ الفلاسفة، فقد قال: «لا نقصد إشعالَ ثورةٍ كما في زمن لُوثر، ولكن نقصدُ إحداث ثورةٍ في نفوس مَن يقومون بالحُكم».
ويبلغ فولتير الثالثة والثمانين من سِنيه، ويعزم على السفر إلى باريس بعد أن كان العَود إليها حرامًا عليه في القسم الأخير من عهد لويس الخامس عشر، فلمّا جلس لويس السادس عشر على العرش مُهِّدت له سبيل دخولها، فقصد باريس وحضر تمثيل روايته إيرين، فلاقى أثناء سفره إلى العاصمة وإقامته بها، من الإجلال والتعظيم ما يفوق الوصف، ويمرض بباريس ويُتوفَّى فيها بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر في هذه المرة، وتحظر السلطة على الصحف أن تتكلّم عن وفاته، ويرفض الإكليروس أن يُدفَن في قبر ويُهدِّد برمي جثمانه في مَطرَح القمامة بَيدَ أنّ أهله يتمكّنون من دفنه في سِلييرَ بِشَنْبانيه، ثم تشتعل الثورة الفرنسية فيُينقَلُ رفات هذا العظيم في سنة 1791 إلى مدفن العظماء «البانتيون» بباريس.
نابلس
عادل زعتير

