إنَّ من أصعب الكتابة في علم النفس وجاراته من المعارف هي الكتابة في موضوعين: موضوع المتخلفيّن عقليًا وموضوع المتفوقين عقليًا.
You are here
قراءة كتاب نظرية البطل وظاهرة الرأي العام
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
ج ـ الظاهرة: حدثٌ أو ظهور فرد في مجال من المجالات محكومين بزمنهما وبقوة تأثيرهما في المحيط في أثناء ذلك الزمن حيث تختفي تلك القوة إذا تجاوزت زمنها. فما يُعَدُّ ظاهرة في وقت من الأوقات قد لا يُعَدُّ كذلك في وقت لاحق. وتفتقر الظاهرة إلى كثير من المعايير التي تمتع ويتمتع بها البطل أو البطولة.
وبما أننا نعالج في هذا الكتاب موضوع الإنسان والمجتمع في تأثير البطولة وبطولة التأثير فإننا لن نلتفت إلى ما يُسمّى بالظاهرة الطبيعية بل نؤكد موضوع الإنسان الظاهرة، والمجتمع الظاهرة والرأي العام الظاهرة والجماهير الظاهرة.
انَّ المعيار الذي أكسب البطولة صفة الخلود هو قدرتها على الاستمرار في التأثير في مقابل انعدام قدرة الظاهرة على إحداث مثل هذا التأثير. ولكيْ اقرّبَ إلى القارئ ما أهدف إلى قوله في الفرق بين الرجل البطل والرجل الظاهرة أو الحدث الظاهرة أذكر لهذا القارئ مثالين: الاكتشاف العلمي وظهور (موضة) الملابس على يد خياط.
الاكتشاف العلمي بطولة لأنه يأتي بجديد ليس بالضرورة ان يستند إلى سابقهِ، بينما ان يحدُث خياط الملابس تقليعةً في ملابس الرجال أو النساء فإنه يُغَيّر من حالة قائمة إلى حالة أخرى، أي انه يحدث ظاهرة ربما لا تستمر حتى تعود إلى سابق عهدها.
ويرافق البطل كثيرٌ من المعطيات العقلية بينما يرافق الظاهرة كثيرٌ من المعطيات العاطفية من الجمهور الذي يراقب الحالتين، فيتأثر الأخير بالبطل تأثّرًا طويلًا بينما ينطفي تأثره بالظاهرة بمجرد هدوء عواطفه وانفعالهِ تجاهها.
وبينما يتعدّى البطل مفهوم الإقليمية ومحدودية المكان في طريقه إلى أن يصبح بطلًا عالميًا، تظل الظاهرة مرتبطة بأعراف مجتمعها ومستمدة لثقافتها من منابت موطنها الأّول. إذنْ يقع البطل خارج دائرة التاريخ الخاص؛ وتقع الظاهرة داخل هذه الدائرة. نأخذ مثالًا على ذلك: في مجتمع بدائي يؤمن بعالم السحر، قد «يظهر» رجلٌ يزيد الطين بلة في ذلك المستنقع الجاهل المتخلف حيث يعلن عن قدرته السحرية التي تفوق بقية السحَرة والمشعوذين فيُسمّى هذا الرجل بالرجل الظاهرة في السحر ويحرز رضا جماهيرهِ لأنه استطاع أن يأخذ منهم بضاعة اعتقادهم ليعيد تصديرها إليهم بثوب جديد.
وقد «يظهر» رجلٌ يحارب السحر ويثور على هذه المعتقدات الخرافية ويُـحِّلُ محلها ثورة فكرية خاليةً من الوهم والدجل فيُصبح بذلك بطلًا. هنا نلاحظ أن الرجل الظاهرة استمد قوته من قوة ما تعارف عليه الناس حوله بينما حارب الرجل البطل جمهورًا كاملًا أو مجتمعًا كاملًا بقوة مختلفة مضادة للعرف والمألوف الاجتماعيين.
د ـ الرأي العام: هذا تعبيرٌ ينوب، مجازًا، عن المقصود الحقيقي فيه وهو وجود حشد أو جمهور أو مجتمع أو شريحة أو شعب مع إجماع على تحويل آراء كثيرة متشعبة في موضوع ما إلى رأي واحد يُتفَّقُ عليه مُعّبرًا عن هذه الحشود أو الجموع البشرية. وهناك نوعان من هذا الجمع لهذه الآراء: الجمع العشوائي الذي يخلط المُتفَق والمختلف لتكون حاصل يُمثّل «كتلة» رأي، والجمع الجبري الذي يَصفُّ الآراء المختلفة في جهة والمتفقّة في جهة أُخرى ويجمعها جمعًا يُحدِّدُ فيه الموجب والسالب يَصفُّ الغلبة في إصدار رأي واحدٍ بناءًا على إشارته الجبرية ويبدو أن الجمع هو المعمول به في الآراء الاجتماعية. مثالًا على ذلك: إذا أخذنا شريحة بشرية تتألف من ألف شخص، واستطلعنا آراءهم في صلاحية حاكمهم لحكم بلادهم وحصلنا على ستمائة شخص ينادي بصلاحيته في مقابل أربعمائة شخص ينادي بعكس ذلك، يُصبح الرأي العام حسابيًا مع التوجه الذي لا يقبل ولا يفرض هذا الحاكم نظرًا لأنَ كتلة الأربعمائة ليست قليلة ولا يمكن إهمالها.
أمّا إذا اعتمدنا الجمع الجبري فإن الحاكم يستطيع أن يُقرّر صلاحيته بزيادة مائتين على جهة الرفض على وفق المفهوم الجبري. أي أن الجبري هو أساس ما نشأ حديثًا من مفهوم يُسمّى الحكم الديمقراطي بحكم الأغلبية.


