كتاب " حياة أخرى " ، تأليف هدى عيد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
... والبعضُ نحبُّهم
لكنّنا لا نجدُ صدىً لهذا الحبّ في قلوبهم...
You are here
قراءة كتاب حياة أخرى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حياة أخرى
الصبي إلى جواري لا يهدأ، في كلّ مرّة ينهض متجهاً إلى أمّه يحدّثها، أو يطرح عليها سؤالاً، أو يطلب إذناً لأمر ما ينوي فعله، تصرفه عنها متلهية بالصبي الآخر الذي تناغيه في حضنها.
يعود إلى مقعده، يعاود الحراك، أنتبهُ إلى أنّ عليّ ألّا أنزعج، وأن أفكِّر في جمال الأطفال بالمقابل، وفي انطلاقهم، وفي تحرّرهم من قيودي، وفي الشوق الذي عاش في صدري حيالهم زمناً ثمّ انطفأ، لا في أيّ شيء آخر.
ولكن هل انطفأ شوق الأمومة في ذاتي حقّاً؟ في زمن ما، في وقت مضى، كان الألم ينهشني في كلّ مرّة تعاودني الدّورة الشهرية، أكل روحي الألم، وفتّتها مرّات ومرّات. أستمرُّ خلال الفترة التي تتوسط الزمن الفاصل بين دورة وأخرى أحرص على مضاجعة حيّان بانتظام وبدقّة، وبحسابات لا تعرف الخطأ ولا التساهل، حتى حين كان يبدو أحياناً متعباً أو متململاً، كنت أتحايل عليه، أتزين وأنتقي العطور المثيرة التي يحبّها، أحياناً أشتري Baby Doll جديدة مثيرة أستحث همته، أفعل ما عليّ فعله، نقوم باللازم، وبعد ذلك أنتظر بقلق.
وهو، في السنوات الأولى من الزواج، لم يكن ينقصه الحماس، بمجرّد أن ألوِّح له كان يستجيب، كامل الرّجولة، كامل الفحولة، هكذا كنت أجده، أو هكذا صوّر لي ذاته، بعدها كرّت السّنوات، الواحدة تلو الأخرى، الشهر فيها ينطح الآخر، ودورتي على انتظامها، لا تقدّم ولا تؤخر، تأتيني كلّ ثلاثين يوماً، تتدفّق دمائي بحرارة، ويتدفق ألمي وخيبتي، وإحساسي بالخذلان، وبالغضب المكتوم. ونادية تهدئني.
أسأل نفسي المرّة تلو الأخرى فيم أنا مقصّرة؟ فيمَ يقصّر هو؟ أسأل الأطباء، وأشتري المجلات التي تتحدّث عن العلاقات الزوجية، تشرّح وتفصِّل أصولها ووضعياتها لأتأكد أنّ كلّ ما يجب فعله، أفعله، ويفعله زوجي، وأكثر من ذلك كنت أحبّ زوجي، وأغرق بحبه، وأحسّ أحياناً أنني أذوب بين ذراعيه إذ يحتضنني، وأن روحي تتعالى وتتخبّط بين جدران صدري إذ أبلغ سعادتي.
مطحنة الأيّام آلة شيطانية.
البولمن يسلك الآن الطريق المستوية، بعد أن انتهى من كلّ الطرقات المنحدرة الكثيرة المنعطفات، ودخل فعلياً أرض المدينة. المندوب يعلن:
ـ نحن الآن في منطقة المارينا، متنزه كلّ السّياح.
إذا أحببتم نقوم معاً عند الحادية عشرة ليلاً باستكشافها، لكن الآن لا بدَّ من إيصالكم إلى فنادقكم.
ترتفع الأصوات مرحِّبة بالكلام.
[3]
مجموعات الركّاب تبدأ بالنزول تِباعاً في الفنادق المترامية على طول الشاطئ.
ربّما كنتُ الأخيرة التي غادرتِ البولمن مع زوجين شابين، حجز لي حيّان غرفة في فندق Grand Azur ، ونبهني أكثر من مرّة إلى كونه فندقاً ذا خمسة نجوم، كأنه يمنّني، لم أُبالِ، أمورٌ كثيرة ما عدتُ أعبأ بها، أكتفي بهزّ رأسي، وبالصّمت ملاذاً آمناً من النقاشات الفائرة التي بات يُغرقني بها. أهرب إذ أسمع صوته يتعالى، أتظاهر أني لم أعد أسمع، سمعي خفيف.
الغرفة التي نزلتُ فيها لطيفة مريحة، الشراشف نظيفة، وهو أمرٌ أحرص عليه دائماً: نظافة الغرفة، وإزالة كلّ ما يفسد صفاءَها، وتلميع كلّ ما فيها كأنّي ألمّع حياتي وأجلوها، لكنني أجدها أبداً ملأى بالبقع من كل نوع ولون.
مشهد الحديقة الذي أطلّ عليه من الشرفة الصّغيرة أنيقٌ جميل، نخيلٌ وورودٌ وأعشاب.

