كتاب " رقصة التنين " ، تأليف مشهور مصطفى ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب رقصة التنين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

رقصة التنين
وتمنى عليه، والدمعة تفرّ من عينيه، منحه فرصة أخرى فهو لا يزال طموحاً، في مقتبل العمر، وينشد الحياة الأفضل.
كلام ضميره المتصل أوجعه وأربكه عندما أضاف قائلاً:
إن وجهتي اجتماعية، ومنحاي منحىً إجتماعي وعلاقاتي واسعة ومباشرتي للفعل دائمة، صحيح أن علاقاتي تأتي مجانية أحياناً، حيث لا أنتظر ثواباً أو أجراً، غير أن همّي هو تفعيل المجتمع، ودأبي إيجاد صيغة تعاون. إني أؤكد ذاتك يا صاحبي ضمن العلاقة مع الآخرين ومن خلالها، في المنزل ومكان العمل، وفي الرحلات والنـزهات، وفي الاجتماعات والندوات وفي الليل والنهار. إنني أبلور صلات الإنسان مع الضمائر الأخرى، ومع صفاته وصفات الآخرين، إنني دينامية الحياة وزنبركها، فلماذا تبيعني؟
- يا ضميري المتصل، قال له، لقد برزت في الحرب كما في السلم بوجهيك الإنساني والاستغلالي، ومنهم من تخلّى عنك بسبب انقطاع في العلاقة بينهم وبين الآخرين، ذلك الانقطاع القسري، بسبب كثرة الحواجز الطبيعية والاصطناعية، وبسبب الحواجز النفسية، وبسبب هجرة الآخرين من الأحياء وموت الأصدقاء والأعزاء في خلال الحرب. وإني أنا من البقية الباقية التي قدر لها أن تنجو من الموت والهلاك، وخرجت من الحرب بسلامة بدنها، دون سلامة عقلها، ولم تسلم حتى نفسها، لقد تشوها بفقدان من أحببت، إني لم أعد بحاجة إليك يا ضميري، لأني لم أعد بحاجة لعلاقات جديدة، وإلى مدّ جسور مع الآخرين، لأنني عاجز عن ذلك. لقد وجدتني في الحرب لا أعتاد الوجوه الجديدة التي لا تتواصل معي، وجوه القمع ووجوه السيطرة، ،الطمع والغش والكذب والاستغلال، من أجل ذلك كله، قد عقدت العزم على بيعك.
ـ ما ذنبي إذا الآخرون لم يشجعوا علي بقاء الضمير المتصل؟ إنهم هم الذين قطعوا أواصر الفعل، وحبل التواصل، لقد جنوا على صلات الرحم، وفككوا الأواصر الاجتماعية من صداقة وقرابة وعمل. لقد فعلوا ذلك كي يتخلّى عن الضمير المتصل أصحابه ووضعوه على الرفّ مكتفين بضميرهم المنفصل، فلماذا لا تبيع ضميرك المنفصل وتدع لي فرصة أخرى؟ أم تراك تحذو حذوهم في التفكك والتفكيك وقطع الصلات والتواصل؟
وفكر معروف ملياً بالأمر، صحيح، لماذا لا يبيع ضميره المنفصل، قال في نفسه؟ إنه ذو طبيعة انفرادية في الأساس، انطوائية وانعزالية إنه ينحو دائماً نحو الاستقلالية، والإنسان صاحبه يلجأ إليه في حال أصبح في غنىً عن ضميره المتصل، إنه يعني الانكفاء والاكتفاء الذاتي، والاستغناء عن الآخرين، ولا بد لي من أن أبحث عن اكتفائي، وأن استقل عن الآخرين الذين يزعجونني ويقضّون مضْجعي.
إن بيعه يعني إعادة التواصل والانغماس في شجون الآخرين وهمومهم، مما يعني عدم راحة البال. وبعد برهة من التفكير، زعق في وجه ضميره المتصل: لا.. لن أبيع ضميري المنفصل. ثم لماذا ترمي وسخك على الآخرين؟ هَـهْ؟ وترميها على الطرقات هنا وهناك؟ ما يهمك فقط هو أن تبعدها عن دارك، هكذا أنت إذاً، أناني وفوضوي وغير اجتماعي.
- ولمَ لا؟ ألم تقتنع بعد؟ يبدو أنَّ عليَّ أن أسوق الكثير من الحجج والبراهين.
ثم توسل إليه مرة أخرى وزيّن له أكثر فأكثر أفعاله وفوائده.
- لقد قلت لك، إنّني لن أبيع ضميري المنفصل الآن، إنك تريدني أن أبيعه قبلك لكي ترتاح أكثر، ويخلو لك الميدان، فتسير على حل شعرك، وتصول وتجول على هواك، فترتع في مساحتك دون رقيب وتفقدني وحدتي التي أنا في حاجة إليها عندما أتعب مع الآخرين ومن إزعاجاتهم وثقل دمهم.
ـ إنك تريدني أن أبيعه لأنه يعاقبك ويحاسبك لمصاريفك العشوائية، التي لا تحسب لها حساباً، ثم لتبذيرك اللامنطقي في انفتاحك على الآخرين إذ لا قيمة للمال عندك، ولا تعرف كيف توازن بين مدخولك ومصروفك إنك مراهق وغير مسؤول. وبعد، فإن ضميري المنفصل ما زال لديه طموح، طموح الاقتناء والتوفير وحب الاستقرار.
- (بأسى وغضب) بل قل إن ضميرك المنفصل طموحه البخل، لأنه لا يسهم في إنجاز المشاريع العامة والعمومية، وما عساي فعله إذا كان البعض قد استخدمه مكاني في حالة الاحباط والعجز والصدمة؟ وما هو ذنبي إذا كان هؤلاء قد فضّلوه عليّ، لضرورات الابتعاد عن الآخرين وحب الانزواء والتأمل؟ والآن قل لي: هل أنت محبط إلى درجة عدم الاستغناء عن ضميرك المنفصل؟
- أجل. (قال بخجل واستسلام، كمن يريد الاعتراف، أو أنه اعترف على مضض).
- إسمع! (واتسعت حدقتا عيني ضميره المتصل، وابتسامة المنتصر على محياه) إن طبيعة الحرب قد جعلت الناس ينكفئون نحو ضمائرهم المنفصلة. والبعض منهم في حالة زهد واقتناع في الأساس، لأن ذلك من طباعهم. لكنني أريد التكلم على القسم الآخر، عن أولئك الذين تقوقعوا في داخل صدفاتهم، بعد أن تخلوا عني، في ضميرهم المنفصل السياسي، وفي ضميرهم المنفصل الاجتماعي، إنهم كبشر هم في ضميرهم المنفصل البشري قابعون، فلا مساعدات ولا مشاريع عامة ولا تعاون، إنهم في الضمير المنفصل قد أصبحوا على الصعيد العائلي..
- هراء.. هراء.. (بحدّة أجابه مقاطعاً)، إني أنا كالآخرين.. إني لا أستطيع أن أحلّق خارج السرب البشري، ولقد حاولت أن أبقى كما كنت فلم أفلح.. إني أتعذّب.
- بل قل خارج القطيع البشري.. إنهم، ودون أن تجعلني مُجبراً على البوح بأسمائهم، يخططون دائماً ويعملون ليل نهار، من أجل جعلنا جميعاً، ودون استثناء، ضمائر منفصلة.
- لا.. لست مقتنعاً بما تقول، إنني بحاجة ماسة إلى بيعك كي أستمر على قيد الحياة.
- وهل الاستمرار على قيد الحياة يتوقف على المأكل والمشرب؟
- طبعاً، لا.. لكن الجوع كافر..
- إسمع! (وقد أبرقت عيناه فجأة)، هل فكرت قليلاً يا صاحبي في ضميرك المستتر؟ لماذا لا تبيعه ها؟ لماذا لا تبيعه هو وتُبقي عليَّ وعلى الضمير المنفصل؟ ها.. إنها لفكرة سديدة!.. ألا توافقني الرأي؟".
- أبيعه؟ (بنبرة قوية وقد استوى واقفاً رافعاً سبابته في وجهه متوعداً راعداً وقد تملّكه غضب كبير) لا وألف لا.. إنه خط أحمر. الضمير المستتر خط أحمر.. أجل، إنه آخر ما يتبقى لدي في زمن الانهيارات العامة التي لا ترحم، إنه كنزي الأخير وسرّي الدفين، وتريدني أن أبيعه؟ كلا وألف كلا... إنه التماس بين ذاتي وذاتي..
- ها.. لقد قلتها.. لأنه كنز! تبيعه لأنه كنز، لقد نطقتها.. وبذلك تغتني إلى ولد الولد..
- (باحتداد أكثر) هل لا زلت تسخر مني؟ إسمع!.. قلت لا.. يعني لا.. إنه طلقتي الأخيرة في بندقية العلاقات البشرية.. إنه رصاصة الرحمة.
- ولمَ الندم والخوف والأسف والتأسّي؟ لقد تراشقوا كثيراً به في خلال الحرب، ولسوف يتراشقون به بعدها..
- (أدهشه طول أناة ضميره المتصل على الأخذ والرد، وجلده الكبير على الحوار والنقاش والجدال، وفيما بدأ الملل يتسرب إلى نفسه، قال مع زفرة طويلة): لا.. قلت لك..
- ولِمَ؟ لم هذا العناد؟

