You are here

قراءة كتاب من وراء البحر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
من وراء البحر

من وراء البحر

كتاب " من وراء البحر " ، تأليف د. أحمد محمد المعتوق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

لا غرابة في أن تجد شاعراً بحسه وروحه وذوقه ومنطقه وخياله، يعشق الفن، ويغرم باللحن الجميل، ويهوى النقش على الحجر، ويضحك كالأطفال، ويحب قنديل البحر، ويهيم بالخط في الهواء والرسم على الماء والتدفؤ على الثلج والاستحمام بضوء الشمس والتجديف في فضاءات العشق، كما يفتن بالكلمة الشاعرة والعبارة الموقعة والحرف الراقص على أوتار العود ورفيف صوت الناي. ولكنه مع ذلك كله لا يقول الشعر بالاصطلاح الذي نعرفه. ورب ناشد للشعر لا يلحق به حتى ولو بذل من أجله الحياة كلها.

الأول شاعر بالفطرة أو شاعر بالقوة كما يقول المناطقة. وهذه القوة تتحول إلى فعل عندما تتهيأ لها أسبابها وظروفها وتطوى المسافات أمامها كما سبق القول، أما الثاني فإنه ربما كان يسعى بالسقي لإعمار أرض بور، والأرض البور لا تعمر بالسقي وحده حتى ولو شربت النهر كله.

رهافة الحس ويقظة الشعور وقوة الحدس ورحابة الخيال وخصب القريحة وسرعة البداهة وشدة الاختراق والانفعال والتوهج والانصهار. هذه قواعد يرتكز الشاعر عليها في بناء تجربته وتكوين شاعريته.. حيث يبقى في بداية أمره في حالة قلق دائم وتوتر مستمر وترقب غامر وحضور مهيمن، وعندما ترسل أحداث الحياة ومشاهد الطبيعة إشاراتها المثيرة وإشعاعاتها المضيئة، تحتويها هذه القواعد بشوق، وتحتضنها بحرارة، وتظل تستحضرها وتتفاعل معها وتسترجع أصداءها حتى يختمر الوحي وينمو ويتبلور، ثم يتوهج ويتألق وتغمر إشراقته أعماق الوجدان وطوايا النفس، على قدر ما لهذا الوجدان وهذه النفس من براعة التجلي والتهيؤ والكفاية في موارد الإخصاب، ولكن من دون أن يخضع ذلك كله لمقياس الزمن أو حساباته.

ولا يبرح الشاعر بعد ذلك المخاض حتى يجد نفسه هائماً في عالم ملكوتي غامض، ويصبح في حالة أشبه بحالة اللاوعي، كيان يهتز، وروح تنتفض، وشرود مهيمن، وحركات مسحورة، وخطوات متسارعة على طريق ملتهب لاهث، وفيض عميق من الإحساس يطفح ويتدفق، ثمة همهمات وترانيم تمتزج فيها دموع الفرح بنفحات من الألم المستعذب الغريب، وأطياف نشوة مجنحة تحلق في فضاءات غيبية لا متناهية وتظل تكبر وتكبر في حركة دائبة، وما هي إلا هنيهات كرفيف الطائر حتى يتألق وينبسط قرص الشمس وتتعالى البشائر بإطلالة المولود الجديد..

المولود الجديد يظل ينمو وينشط في بداهة وحيوية وحنين دائم إلى الاكتمال، يقتات من قلب الشاعر المبدع ومن فكره وعصبه، ويبيت في أضلاعه ويستظل بروحه، ويتبعه كالظل في حله وترحاله وفي يقظته وسباته، والشاعر في شوق وهيام متواصلين، منشغل بما تلبسه، وذاك مشغول به، حتى لا تعرف التابع من المتبوع ولا الساحر من المسحور، أو حتى يقول الواحد للآخر: «يا أنا» كما يقول السري السقطي، لأن الاثنين أصبحا كياناً واحداً بعد ذلك العناق الطويل. وهكذا تتصل لحظات الاكتمال، لتبدأ بعدها حلقة أو حلقات أخرى من الحياة.

هذه حكاية الشعر، وهكذا تنشأ تجربة الشاعر وتختمر ثم تنضج وتكتمل، وهكذا تنبثق فيها الحياة الزاهية الفتية كأغنية روحانية عميقة الصدى. صاغها الشاعر المبدع ولحنها بلغة حميمة قريبة، ولكنها لا تشبه اللغات، وبمنطق شفاف غريب محير بعيد عن التجريد، هامس عذب مضيء تارة، وهادر مجلجل مشع تارة أخرى، لا تفقهه ولا تدرك أسراره إلا من خلال ارتعاشة الحروف ونبض الكلمات ونبر الأصوات وهسهسة الفواصل ودندنة الحركات وصدى الإيقاعات في أعماق النفس وطوايا الوجدان. ولكنك عندما تتأمل في حقيقته وتتعرف على كنهه بهذه الصورة تقول: هذا هو السحر الحلال، هذا هو الشعر.

* * * * *

تدرك وأنت تسمع الشعر الرفيع بأن للألفاظ في عالمه صوراً وأجساداً وأفواهاً وأجنحةً لم ترها في غيره من أصناف الكلام، ولها قيم مجتمعة ومنفردة لا يدركها أصحاب اللغة، كما تدرك وأنت تقرؤه بأن للفواصل والنقاط والخطوط والرسوم والحركات والهيئات معاني مثلما للكلمات والجمل والعبارات، ومثلما للإيقاعات بتموجاتها وذبذباتها المختلفة. وتدرك أنه مثلما وضعت علامات الترقيم في اللغات لتنوب عن حركات الجسد وملامحه وتقاسيمه، فإن الفراغات بين الكلمات أو دوائر السكون فوق سطوحها يمكن أن تنوب في هذا العالم مناب الصمت الوادع البليغ. يسخرها الشاعر المبدع في حذق وبراعة، مثلما يسخر المجازات بفضاءاتها الممتدة الشاسعة. ويوظف الأساطير المتمثلة بأصالتها في وعيه، أو يستعمل الألفاظ الشعبية والكلمات الدارجة المصفاة في وجدانه. وهكذا يفجر هذا الشاعر كل طاقات اللغة الممكنة ويستثيرها ويستثمرها بكل أبعادها ومجالاتها ومستوياتها ليصنع لغة فريدة خاصة اسمها لغة الشعر .

أغوار النفس التي ينفذ إليها بحسه وبصيرته، وأسرار الطبيعة التي يستشفها بشعوره، وآفاق الخيال التي يحلق فيها بروحه، هذه أوسع وأعمق وأبعد من أن تستوعبها وتعبر عنها رموز اللغة الوضعية وعناصرها المحدودة، لذلك فهو يعمد إلى استثمار كل مكنونات اللغة ويمتد بحسه وخياله إلى ما وراءها. يتصيد من رموزها وإيماءاتها وعناصرها الظاهرة والخفية ما لم يصل إليه أو يدركه غيره، لتستوعب كل ما يستشعره ويبصره أو يتخيله ويستحضره. وهكذا يصنع لغته الفريدة .

يعمد الشاعر إلى ألفاظ اللغة فيصهرها ويخصبها ويخضع دلالاتها لإرادته، ويشحنها بمعان جديدة نضرة، ويشيد منها أبنية غريبة لا عهد للناس بها، كما يعمد إلى عناصر اللغة في دوائرها المختلفة وأجوائها العامة الواسعة، فينطق منها ما لم ينطقه الآخرون، ويجعل من الرموز والخطوط والأشكال والهيئات الجامدة في أذهان الناس صوراً حية متحركة لها معانيها وإيحاءاتها التي لا تنفد ولا تنتهي بانتـهاء تجربته القائمة. ويبقى يغامر في الإبحار والمسير بها وبما يولـده منها حتى يصل إلى مشارف المستحيل.

Pages