يعالج هذا الكتاب موضوع الحداثة في النص الشعري عبر خمسة فصول، تطرق فيها المؤلف لحداثة النص المتمثلة بحداثة الرؤيا، وكذلك إلى الشاعر الحديث ورموزه الشخصية، إضافة إلى حدود البيت وفضاء التدوير، ومن ثم تناول المؤلف الشعر خارج النظم وداخل اللغة، ليتوقف في الفصل ا
You are here
قراءة كتاب في حداثة النص الشعري
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 7
ما أردت الوصول إليه، هنا، هو أن اللغة الشعرية لغة تنمو، باطراد، لكي تكون بالغة الكثافة، حارة ومتحركة. لغة تسعى، بشراسة لأن تظل في منأى عن الجمال الزائف والزوائد والترهلات التي تضيّق على المعنى، أو تسدّ الفضاء الذي ينطلق فيه هواء الروح، وشهواتها الراقية.
ومن أولى سمات اللغة الشعرية المؤثرة، وأشد فضائلها جمالاً فرادتها: كونها لغة شاعر بعينه، تجسد رؤياه، وحلمه، وذهوله. ولا تختلط بلغة شاعر آخر سواه. وربما كان هذا المحك مجدياً، إلى حدود بعيدة، في قياس شفافية الرؤيا التي تترشح عن لغة هذا الشاعر، أو ذاك.
لا يستطيع الشاعر، قطعاً، أن يبتكر لغة من فراغ؛ فهو محكوم بإرث لغوي يحاصره، ويضغط على وجدانه. ويمثل هذا الإرث تحدياً، من طراز فريد له: لشخصيته الشعرية التي تميزه عن غيره ممن يستثمرون هذا الإرث ذاته.
ليس في مقدور الشاعر، إذن، كما يقول يوسف الخال:
« أن ينشئ لغة جديدة، وطريقة جديدة في التعبير الفني بهذه اللغة، ولكن في قدرته، وبهذا يمتحن، أن يتناول اللغة الكائنة والطريقة المتوارثة ويرغمهما على التفاعل – كمبنى – مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته »(26).
لذلك، فإنّ اللغة، بالنسبة للشاعر الحديث، تظل ميداناً فريداً لتجلّيه، والإفصاح عن شخصيته التعبيرية، وأخيراً بلورة شمائل لغوية خاصة به، فاستخدام اللغة بطريقة شخصية متميزة، هو ما يشعرك أنك ماشٍ في أرض خاصة، شديدة النماء، وهي التي ترفع من نبض التعبير وحرارته. واستخدام اللغة استخداماً متوتراً، مشحوناً بالدلالة إلى أقصاه هو المؤشر على أن ما تقرؤه شعر. وإلاّ فهو كتابة تجاور الشعر، أو تسبح على مقربة من مياهه الخطرة.
- إلى أيّ حدّ يقترب أداؤنا الشعري من هذه البقاع الملغومة، المشتملة على الدهشة، والثراء والمفاجآت.
- كيف يمكننا النظر إلى لغتنا الشعرية الحديثة باعتبارها ميداناً حياً تتجلى فيه رؤيا الشاعر الحديث؟
إن نظرة واحدة على خارطة الشعر العربي، في مستواها اللغوي، لا بد أن تشير إلى أن لغة القصيدة الحديثة تأخذ أكثر من اتجاه، وأن هذه الاتجاهات قد تؤدي، أحياناً، إلى عرقلة بعضها بعضاً.
لقد شهدت القصيدة العربية، منذ الخمسينات، مسعى حثيثاً للاقتراب بلغتها إلى حرارة اليومي وحسيّته، والابتعاد عن ذلك الجهد الزخرفي، الفخم اللامع، الذي ورثناه عن فترات الخمول الشعري الماضية، إن الدعوة إلى أن يهبط الشاعر إلى الجزئي، والعابر، بل والتافه، أحياناً، من حياتنا اليومية معروفة على مستوى الشعر الإنجليزي مثلاً منذ مقدمة الأغاني البالادية Lyrical Ballads التي صدرت عام 1800 . لقد دعا فيها ووردز وورث، كما هو معروف، إلى أن التعبير الطبيعي عن المشاعر لا يتمثل بلغة الطبقة العليا بل « بحديث الحياة المتواضعة البسيطة »(27) وكان لأليوت، بعد ذلك، دور مؤثر في إشاعة هذه الدعوة التي وجد فيها الشاعر العربي، إغراء خاصاً، دفعه إلى تبسيط لغته الشعرية، وإحكام صلتها بالأرض وما تعجّ به من غبار وأنين وبساطة. ولذلك، فقد جدّ الشاعر العربي في البحث عن « مادة تعبيرية متصلة بالحياة والأحياء .. مادة أقل « فخامة » وأكثر « دنيوية » »(28).
كان لهذا المسعى تطرّفه، دون شك، فقد أوغل بعض الشعراء في تعرية قصائدهم مما يغمرها من خضرة ثرة، غامضة، وتعريضها للنهار الفاضح: نهار المباشرة والنثرية. لقد وصل الأمر ببعضهم أن اقتاد الجملة الشعرية، كما يقول كمال خير بك، إلى « ما يقرب من الجملة النثرية، بل من نثر الجملة الصحفية »(29). ولم يكن هذا المنحى الصحفي التبسيطي مقصوراً على مفردات الجملة الشعرية فقط، بل شمل بنيتها « المنطقية والأسلوبية »(30) أيضاً.
وقد اتجه شطر مهم من الفاعلية اللغوية، لشعرنا الحديث، وجهة أخرى، كانت أشد خطورة على نضارة اللغة وشعريتها من المنحى السابق؛ تتمثل هذه الوجهة في ضعف المغامرة اللغوية والانحشار في قوالب من البلاغة الجديدة التي أشاعتها القصيدة الحديثة، وكرسها التكرار والعادة، دون أن يحاول شعراء هذا الاتجاه الانفلات عنها، أو زحزحة أحجارها.
لا يكاد يلمس القارئ، في هذا الاتجاه، ما يثير أو يدهش. ليس هناك، تقريباً، غير سهل، فسيح، أجرد يفتقر إلى التموّج الجغرافي، والنفسي، وثراء الطبيعة، ولا يتكشف إلا عن عراء متشابه، وطرق سلكتها آلاف القبائل.
إن الشعراء، ضمن هذا المنحى، ليسوا إلا شعراء مستهلكين، يعتاشون، غالباً، على الشائع والمشترك من إنجازات القصيدة الحديثة، لغة، وصياغات تعبيرية، وأشكالاً فنية. إنهم، في أفضل مستوياتهم، يشيدون قصائدهم من حجارة ينتزعون معظمها من أبنية شعرية أشد متانة، وأكثر جلالاً.
لقد أفاد شعراء هذا الاتجاه كثيراً، من تعثرات القصيدة الحديثة: أعني من تحوّل الكثير من إنجازاتها الفنية، واجتهاداتها اللغوية والإيقاعية إلى تقاليد ثابتة، بل تقليدية جديدة، يعاد اجترارها باستمرار.
وبفعل هذا المسعى التقليدي الجديد تفشّت نزعة التكرار، وضعف الميل إلى التفرد لينهض على السطح، نتيجة لذلك، تشابه الأصوات الشعرية تشابهاً مروّعاً، وتكرّس، لا الشاعر المبتكر ذو الخيال الطلق، بل المقلد الذي « لا يكتشف شيئاً » كما يقول جبران، بل:
« يستمد حياته النفسية من معاصريه ويصنع أثوابه المعنوية من رقع يجزّها مِنْ أثواب مَنْ تقدمه »(31).


