كتاب " صرة المر " ، تأليف عبد السلام صالح ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2009 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب صرة المر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

صرة المر
يلتاثُ رأسي بصورتها.. بصهيلها المكبوت... بانفلاتات عينيها حين تخفي لتخفي، يلتاث رأسي بصراخِ صمتها حين يريد عقلنة الجنون الجارح والحاد في روحها، حين تضطر أن تكون عادية ومتوقعة.. يلتاث رأسي حين تصير..
يلتاث دمي بشهوتها.. وبعتقٍ معتقٍ وقديم..
مؤخراً صار يلتاثُ رأسي بصورتها.. صرتُ أراها.. أو أنها التي أراها الآن.. أو..
فأصبحتُ موجعاً بالأُنوثةِ..
ويربكني أن الجمال يمسّ الروح، يضيءُ مبهماً ما فيها، يشعله، يثير إثارته. الجمال يمسّ ما لا ندركه في الروح، لذا نرتبك... تتحركُ كثيرٌ من الأشياء نحو الجمال، أما الجزء المتناغم، الجزء الجدير والذي أحس ورأى، الأصل الذي اشتعل، مُسّ وأَحسَ فيبقى مربكاً ومبهماً، لذا يتشوّه الجمال، ولا نصله، ولا نحافظ على الإحساس به.
جمال امرأةٍ يمسُّ.. لكن ما يتحرك نحو هذا الجمال نوعٌ من الشهوةِ، يُفقد المرأةَ بعضاً من ذاك الجمال الأول الذي حرك ذاك الجزء المبهم والمتناغم والجدير.. وبعضٌ منا يفقدُ في الطريق، أثناء مسير خروجه ولا أدري أين، ثمة أصلٌ فينا يشوّه عندما يخرج، ثمة جمال تفقده أشياؤنا عندما تخرج منا، ثمة مطلق يستدعي مطلقاً، يستجرّهُ، وثمة استعداد، ثمة شيء يشبه الاكتمال أو الأصل هو الذي يبدأ الأشياء أو يحركها من عالي ألقها من اكتمال ما، ما خلق إلا له، ثمة أصل لمشروعية وجود الأشياء منها تبتدأ، لكنها تنساهُ سريعاً وتلتهي بشيء آخر يشوهها، فمطلق وجودها رهافةٌ تهفُّ أو تهبُّ مع نسمات الوجود، مطلقها رقةٌ، لكن ثمة ما يشوه، ثمة من يشوه... لو تتأملون كيف تنسربُ أشياؤها إلى القلب، كيف تدخل كلها إلى القلب كيف تحتله، وتلغي كل شيءٍ سواها، كيف يصير مساحةً للهوها وعبثها وتعابثها في كل شيء، حتى بنا، لو تتوقفون قليلاً عند انسراقكم منكم، كيف تصبحون مستلبين وبرغبة، بحب، بلا أي اعتراض بل بسعادةٍ غبية تدرك غباءها، لكنها لا تستطيع أن توقفه، كل هذا القبول، كيف نفسره، كيف نقبله كقدر مطلق ولا نحاول حتى الاعتراض عليه، إذ ثمة آخر دائماً هو من يفيقنا علينا ويخرجنا منا كي ننتبه أو نعترض، نخرج قليلاً منا، نرى حالنا فنستاء منا ونتماشى مع الآخر. إنه لا يجوز ويفترض، ونتخذ آلاف القرارات التي تتبخر بمجرد أن تهب رياحُ حضورها، أو نسمع جرسَ صوتها بمجرد أن تبتسم، تلتغي كل القرارات، كل الوعي... كأنا وحدنا نعود لأصل ما فينا، لطبعٍ،لطبيعةٍ... لكن ما هي طبيعتها هي، ما هو الاصل فيها.
الأنوثة... غموض روح الرجولة...
والرجولةُ قَسرٌ للإنسانيةِ، قتلٌ للطفولة بإغرائها بلعبِ دورٍ مبهمٍ وقاسٍ.
الرجولةُ بساطةُ الوضوح، التي تسير خلف كل ما يحدثُ على السطح، كل الصواب الموزع لاستهلاك الظاهر.
وهم الأهميةِ، عناوين اليومي، الخطوط العريضةِ لكل شيء، ارتداء مستمر لشكل القوة، الإقامة الدائمة في الظاهر، التحقق الكامل والامتلاء بالبسيط وبوهم القوة.
والرجولةُ محضُ الجفاف، والعطش المطلق للحنان، خشونة الشكل، والعمى عن التفاصيل، تنطحٌ مستعجلٌ، إنجازٌ عبثيٌ، رعبٌ وجودي وكلي، فإما أن تكون رجلاً أو لا تكون، انسياقٌ بلا وعي للعب دور لا يُطلب.
محضُ واهمٍ يسابق نفسه للوصول لآخر الكذبةِ التي لا تنكشف أمام أحد.
فراغٌ قادرٌ على استيعاب كل ما يُلقى فيه.
والرجولةُ مفهوم يُستحضر في أوقات معينة لتمرير حماقةٍ ما تواجه بمعارضةٍ إنسانية.
والرجولةُ صحراءٌ من العطش والاحتياج، وذراعان يلمان أطراف الكون توقاً لأصغر برعم وهمٍ قد يفضي للأنوثة، خَلقٌ متعطشٌ يبتلعُ كل شيءٍ ولا يرتوي.
فقدٌ مطلقٌ، شكلٌ يبحثُ عن روحه التي ضاعت، وهو يعرفُ أنها اختبأت في مكانٍ ما من الأنوثة، لذا فما زالت كل أشيائه تهفو اليها، وهي وحدها، دون جبابرة الارض جميعاً، تقوده أنى شاءت، بلا جهد منها، شيءٌ بداخله ينقاد ويقوده بسلام غريب وبلا أدنى اعتراضٍ خلفها.
هل يتماهى ذاك الشيء الذي يقوده مع شيء من الأنوثة عندما يقترب منها، أم أن روحه التي ضاعت واختبأت في الأُنوثةِ تجعلهُ يرقُّ كلما اقترب منها، من مخبئها، من بيتها.
***
من أين يأتي هذا الحنين لنوع مبهم من الحب ومن العشق ومن الطفولة؟
من أين يأتي احتياجنا وافتقادنا لأمومة ما؟ لطريقة شبه أمومية في العشق؟ لبعض الأمومة الملتبسة في الحب؟ نوع من حنو الأنوثة.. من الرقة.. نوع من مطلق الحب.. نوع من الحقيقة؟
أي تيه تكشفه الأيام.. أي فراغ ترميني الأشياء إليه.. أي فقد.
الأشياء من حولك ليست لك.. ويزداد تعلقكَ الطفولي بالأشياء.. التي تزداد بعداً أو تزدان بعداً..
وتغالي أنت في بحثك المحموم عن حقيقةٍ للأشياء.. والأشياء هي الأشياء.. هي ما يمشي إلى غير كينونته، هي ما يشتاقُ غيره، هي ما يتحول لأشياء لا ترى إلا بحراكها.. باختلافها.. بتغيرها، وأنت القابض على عمر الولدنة، كل شيء يكبر حولك.. فيك.. ويتغير.. إلا ذاك الطفل الغبي الصغير المُصر على امتلاكه لأشيائه ولأفكاره.. لطريقته في العشق.
تَوَلْدَنَ عمراً.. فظلت طفولته طاغية، فشبّ وشاب، وعمى وهوى، حَلا واستحلى، ذاق وتفتحت كل براعم روحه، مع كل مسة للريح، مع كل ريح كان له تفتحه المؤلم.. كأنه ألم التفتح والوعي..
وما زال الحنين ذات الحنين، ما زال الفقد والعيش والأشياء تتحرق.. تتزوّق.. تتزين.. تَفسُدُ حَوله.

