كتاب " مذكرات أبو فريد " ، تأليف اسبر البيطار ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب مذكرات أبو فريد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

مذكرات أبو فريد
ولكن، كيف كانت حياة الملازم اسبر البيطار في الجيش؟.. كيف مارس التقاليد العسكرية للجيش وقوانينه الصارمة؟.. ثم، كيف مارس انتماءه الحزبي ونشاطه الحزبي، الشيوعي والسرّي، داخل الجيش؟.. وتالياً: لماذا وكيف قرّر، مع عدد من رفاقه الجنود، الانضمام الى «ثورة 1958»؟.. وبعدها: كيف قدم إسهامه الحيويّ وتنظيمه الأساس للقطاع الأهمّ في المركز العسكري، في حينه، للحزب الشيوعي: قطاع التدريب، ليس فقط على استخدام السّلاح، بل التدريب على كل ما تتطلّبه المعارك ذات الطابع المسلّح، وحالات الهجوم والدفاع والتسلّل، الخ؟؟
... هذا الكتاب الفريد لـ «أبو فريد»، يروي مختلف هذه المراحل، بوضوح، وتكثيف، وتوتّر تشويقي يجيده بعض كتّاب الروايات!.. وبالطبع، لم يكن أبو فريد قد جرّب، مثلاً، كتابة الرواية أو ما أشبه، بل هو لم يفكر بهذا أصلاً، وربما لم تكن الروايات من ضمن قراءاته في ذلك الزمان!.. ولكن ما يُدهشك أن أبا فريد يجذبك الى هذه المناخات كلها، فيُدخلك، عبر كتابة تصويرية، الى أحداث حياته داخل الجيش، ثم الى أحداث حياته داخل دهاليز «ثورة 1958»، كأنك في فيلم سينمائي مشوّق وحافل بالأسرار والتوقعات، كأي فيلم بوليسي أو شبه بوليسي!.. ترافقه، هو ورفاقه الجنود، في رحلة الخروج السرّي من ثكنات الجيش، والعقبات غير المتوقّعة، ثم الوصول، بعد جهود وتعقيدات، الى المركز حيث استُقبلوا بفرحة الرفاق العارمة بالحدث العظيم.
هذا المركز من مراكز الحزب، في تلك الفترة المتوترة جداً من حياة البلاد، كان يعجّ ـ عادة، ويومياً ـ بالرفاق والأصدقاء والزائرين: حلقات هنا وهناك لدراسة جوانب مبسّطة من معالم الماركسية، والمادية الجدلية، ومراحل التحوّلات الى الاشتراكية فإلى الشيوعية... وحلقات في الشؤون الثقافية: الأدب، السينما، المسرح والموسيقى. وكان يتواجد باستمرار من يُتقنون الحديث في هذه الفنون، سواء من الرفاق المتواجدين دائماً في المركز، أو من الزائرين: (مثقفون وكتاب وفنانون وطلاب جامعيون...) وأحياناً كان يوجد من يعزف الناي أو «الفلوت» أو ينقر على العود والدربكّة، ويوجد من يغنّي ولو بدون موسيقى... وحلقات يصخب فيها الحوار غالباً والجدال الحاد في الشؤون السياسية واحتداماتها وتناقضاتها سواء في لبنان أو في العالم العربي وبلدان العالم.
وكان يزور هذا المركز عدد من الكتاب والفنانين يشاركون في الندوات والنقاشات وتسقّط «المعلومات» والتوقّعات من قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وأحياناً يشترك البعض منهم ببعض التدرّب، وبعض آخر يشارك بحلقات الدبكة وجوقة الغناء...
أبو فريد عبّر عن مناخات تلك الأيام بفقرة في كتابه هذا مشحونة بالتجربة والخبرة الجميلة، قال:
«... أيام لا يمكن لأي من المشاركين فيها أن ينساها، فالروح الرفاقية، بكل ما تعني هذه الكلمة من مشاركة في السرّاء والضرّاء، كانت سائدة بين الرفاق، مندفعين ومستعدّين لتنفيذ أية مهمّة».
وكان أبو فريد يهلّل فرحاً وهو يرحّب بالزائرين من الكتّاب والفنانين، ولكن ترحيبه الأخص والأهم كان يوجّهه الى قيادات ووجوه الأحياء الشعبية ذوي النفوذ القوي في مناطقهم، وأدوارهم الواضحة ـ أيامها ـ في تجمّعات «المقاومة الشعبية» ضد الحكم الشمعوني. وغالباً ما كان يختلي بالواحد منهم، إما بصحبة قائد المركز الرفيق محمد الخطاب، وإما لوحده، يتداولان بالوضع عموماً وبحاجاتهم لتدريب عناصرهم، والخطوات اللّاحقة.
ومن الكتّاب والأدباء والفنانين الزائرين أتذكر من تسعفني الذاكرة باستحضارهم. في طليعتهم الأديب الباحث حسين مروه: (وهو كان يتواجد في معظم الأيام، ويقدّم أحاديث في التراث العربي، ويحرص أن يشير الى تباشير وطلائع من الأدب الجديد الذي كانت بدايات منه تتوهّج هنا وهناك) ـ محمد عيتاني: (وكان اهتمامه الأدبي الأساسي: تصوير حالات ونماذج إنسانية من سكان منطقة رأس بيروت بشكل خاص، ونماذج من البحارة والصيادين بشكل أخص ـ وكان العيتاني يشيع الفرح وأجواء التنكيت في كل حلقة أو زاوية، حتى ولو كانت نكزاته وتنكيتاته وسخرياته تطال جوانب من المظاهر الماركسية وزهو، أو غرور، بعض «الماركسيين»....) ـ الدكتور علي سعد: (كاتب باحث، كتب العديد من الدراسات المتميزة في الأدب الحديث ـ وأنجز أجمل ترجمة لأشعار من ناظم حكمت أصدرها عام 1952 ـ وهو، الى هذا، طبيب بيطري بارع) ـ حبيب صادق : (كاتب شاعر، له كتابات نثرية تتوهّج بالروح الشعري وجماليات اللغة، منشّط ثقافي، مناضل فاعل في الميدان السياسي) ـ أحمد أبو سعد: (باحث وشاعر، له دراسات في التراث العربي والعادات الشعبية. وأصدر لاحقاً «معجم أسماء الأسر والأشخاص". وكان مع محمد عيتاني يشيعان المرح في «المعسكر» كله..) ـ أحمد سويد: (محامٍ وقصّاص، وله مقطوعات في السياسية بأسلوب أقرب الى النثر الفنّي ـ وقد ترجم لاحقاً مجموعة من أشعار: بابلو نيرودا) ـ منير البعلبكي: (كاتب باحث ـ وضع موسوعة مبسّطة باسم «المورد»، وخلال «ثورة 58» كتب مقالات سياسية شبه يومية نشرها في كتاب بعنوان «أوراق ثورية») ـ أسعد سعيد: (شاعر شعبي شهير ـ وألقى العديد من أشعاره في أمسيات المركز) ـ ناظم إيراني: (رسام معروف، وقد رسم صورة جميلة لأبو فريد تعبّر عن حبه له وتقديره) ـ يوسف خطار الحلو: (قيادي شيوعي، كاتب وباحث في الاقتصاد والسياسة والذكريات ـ كان يتواجد في المركز باستمرار، ويشارك بفعالية في الحلقات الدراسية) ـ أحمد غربية: (كاتب ومترجم، نقل الى العربية عدة كتب تقدمية، وأصدر كتيّباً سرد فيه وقائع من أحداث انتفاضة 1958) ـ نزار مروة: (ناقد موسيقي أولاً، وكاتب في النقد الأدبي، وكان يشارك في الحلقات الخاصة بالآداب والفنون، ويُنعش أرواحنا بعزفه أحياناً على «الفلوت»..) ـ أحمد عُلبي: (كاتب باحث، وله كتب في التراث العربي، واشتهر بكتاباته عن ثورة الزنج) ـ أما الرفيق كريم مروة فلم يتواجد في المركز بصفته ككاتب سياسي، بل كان يشرف على العصب الأساسي للمركز: كان رئيساً للحرس، ومسؤولاً عن غرفة السلاح.
لقد حرصت على إيراد اختصاصات هؤلاء الكتاب والفنانين، بهدف تعريف القارىء، في أيامنا هذه، على قوة الجذب التي كان هذا المركز، الشيوعي، يتمتع بها في بيروت (الغربية!) بحيث يجذب هذه النوعيات من الكتّاب والفنانين، وتلك الوجوه من قادة مراكز «المقاومة الشعبية» في أنحاء هذا القسم «الغربي!» من بيروت.
... وبهذا ظلّت مدرسة «عائشة أم المؤمنين» مدرسة، ولكن من نوع آخر: وذلك في دروسها وتدريباتها وطلابها من المقاتلين والمثقفين المعروفين في لبنان وعلى النطاق العربي.
وكاتب هذه السطور ( محمد دكروب ) كان من هؤلاء الكتاب ومن المداومين على التدرّب باشراف العزيز الصديق والرفيق أبو فريد، الذي كرّمني فألحقني بفريق الحرّاس الليليين، في الخنادق الأمامية المحيطة بالمركز وداخل «حرش» بيروت.
في هذا الكتاب «خبريّة» رواها أبو فريد عن رفيقه في الحزب، وتلميذه في التدرّب على السلاح، وجاره لاحقاً، في بناية واحدة، حيث قرأ له العديد من كتاباته السابقة واللاحقة: صديقه محمد دكروب، فكتب عنه يقول:
«... الرفيق محمد دكروب، كنتُ أعرفه من خلال مقالاته في جريدة (التلغراف)، ولم أعرفه شخصياً إلا عام 1958 في المركز، وقد نجا من الموت بأعجوبة خارقة. إذ إنه بينما كان يقوم بالحراسة ليلاً أصيب بطلق ناري في عنقه من الجهة الخلفية، ولم تخترق الرصاصة سوى الجلد ومسحته. وأعتقد بأن هذا القطوع هو أصعب ما مرّ على هذا الرفيق الأديب مؤلف كتاب (جذور السنديانة الحمراء)..».
... هذه الجملة المكثّفة جداً، تحمل ـ بذاتها وعلى إيجازها ـ عدة تواريخ من حياتي، وحياتنا. وقد أقول، إنها تجمع بين قطبين من تاريخي الكتابي: منذ مقالاتي الأولى في جريدة «التلغراف» التي كان يصدرها الصحفي التقدمي نسيب المتني، والتي حملت مقالات لي خلال العامين 1948 ـ 1950 (أي: قبل استشهاده الفاجع الذي أريد له أن يكون «سبباً مباشراً» لانفجار الانتفاضة الشعبية نفسها التي أكتب الآن عن أحداثها) مروراً باشتراكي المباشر في أحداث ذلك العام (1958) وصولاً الى إصدار كتابي الأساسي «جذور السنديانة الحمراء» الأحبّ الى نفسي بين جميع كتبي.. ولعلّه أن يكون ـ كما أظن ـ أحب كتاب لي قرأه أبو فريد، هو وأفراد عائلته!
* * *

