You are here

قراءة كتاب مصارع الإستبداد - في الثورة والديمقراطية والإسلاميين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مصارع الإستبداد - في الثورة والديمقراطية والإسلاميين

مصارع الإستبداد - في الثورة والديمقراطية والإسلاميين

كتاب " مصارع الإستبداد - في الثورة والديمقراطية والإسلاميين " ، تأليف نصري الصايغ ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

الأنبياء الكذبة:مثقفون ومنظرون وأحزاب

I ـ هذا هو بلدي

وقف متظاهر مصري في الشارع، وأعلن انتماءه، وهو يبكي: «هذه أول مرة اشعر فيها ان هذا البلد بلدي». لعله كان فعل انتماء جديد، للذين غادروا غربتهم في مصر، وقرروا ان مصر، هي لهم، بعدما سرقت منهم.

إذاً، ماذا تفعل الآن يا مبارك؟ لقد أخذت مصر منهم، وها هم قد استعادوها منك، ومن سلالتك. لم يعد لك مكان فيها. صك ملكيتها انتقل الى «بهية» بصيغة الجموع الحقيقية، الناصعة في ما ملكته أيديها من عري وقوة وبسالة.

ماذا تفعل الآن؟ لماذا لم تحزم حقائبك وترحل؟ لم يعد مجدياً اللعب بأوراق مقروءة سلفاً. أم انك تراهن على جيش تستأجر منه قيادة مؤقتة، لتعيد الأمور الى نصاب الحريق.

واحد فقط سبقك. واحد فقط قبلك. شاهد بلده يحترق، فجلس على شرفة استبداده. ليتمتع بخراب روما. ها هي القاهرة تحترق، وأنت تتفرج على رمادها، لتقنع الناس بـ: إما أنا او النار.

لكن ذلك فات أوانه. فالمصري، استعاد مصر، بدون إذن منك، ورغماً عنك. استعادها من دون أحزاب تلكأت في مواجهتك، من دون تيارات صبت مياهاً في أنهارك، من دون يسار تحول معك الى يمين، من دون نقابات حوّلها قمعك الى معتقلات. استعاد المصري بلده، وصار يليق به ان يسير، «واثق الخطوة يمشي ملكاً»... وهو ينشد: بلادي بلادي.

الرجل الذي بكى في الشارع وهو يقول: لأول مرة اشعر ان مصر بلدي، لم يقل شيئاً عابراً، لأن هنا لبّ المسألة كلها. هنا تحديداً، معقل التحول والتغيير. مصر التاريخ استبدلت في زمن حسني مبارك، بمصر الغياب. لا حضور لها ولا وزن ولا فعل. أقالها مبارك من مخزونها، وجعلها اقرب الى أوراق البنكنوت... مصر العروبة، (يا حرام!) ممنوعة بالقوة من الحضور. لا عروبة لمصر، وهي التي خاضت معارك العروبة، وكانت قاطرة شعوب المنطقة الى الاستقلال والسيادة والحرية... مصر الريادة في محيطها، تحوّلت الى مقطورة مطيعة، تسير وفق أوامر البنك الدولي الانتحارية، وإرشادات «الولي الدولي» الأميركي المنحرفة، وضرورات «الولي الإقليمي» الإسرائيلي المذلة... مصر مبارك، لا علاقة لها بمصر النهضة، ومصر الكلمة، ومصر التراث، ومصر القومية، ومصر الاشتراكية ومصر التي صرخت: «إرفع رأسك يا أخي».

الرجل الذي قال للجموع باكياً: هذه بلدي، كان يعني ان حقبة رثة ستزول، وان منعطفاً تاريخياً سيبدأ يستعيد فيه شعب مصر حقوقه في بلده.

مصر الناس، كانت مؤجرة، للعائلة المالكة وزبانيتها وفروعها المنتشرة في الشركات والأعلام والأمن لـ«الحزب الحاكم». مصر الناس، سلبت منها الحرية. القمع واجب يومي، الاضطهاد، برنامج سياسي. السرقة، حلال حكومي. الانتخابات، تهريج ديموقراطي. الاقتصاد، أرقام تدور في فلك طبقة العشرة بالمئة. الاستبداد، محفوظ ومدعوم، من قبل أوصياء مصر الدوليين.

أما زلت تأمل بحكم مصر يا رئيس؟ أما زلت تسعى لتولية من يتشبه بك بلباس عسكري؟ أما عرفت ان مصر استعادت مصريتها، ولا تقبل ان تكون ضعيفة إزاء اعدائها وخصومها، وقوية فقط على شعبها. مصر المصرية، ترفض ان تكون حارساً إسرائيلياً بتوصية أميركية. وترفض أن تكون خادمة تأكل من فتات مائدة العولمة.

أنور السادات، خرج من المعركة أبان كامب ديفيد، وروج لمقولة: «أريد ان أطعم شعبي». فلا قاتل ولا أطعم شعبه. قال للمصريين: «الانفتاح باب الحرية». ولم تعرف غير الانتهاك. وحدها حرية الرساميل والشركات كانت محفوفة بالرعاية والاحترام. وحدها حرية السرقة «المشروعة»، كانت مدعومة من السلطة. وحدها هذه الحرية التي جعلت من مصر سلعة كبيرة، كانت محروسة ومباركة... كل الحريات الاخرى، كانت محرومة... وليس غريباً، ان غض الغرب الطرف عن ارتكابات السلطة وانتهاكها لحقوق الإنسان، لأنه معني فقط، بحرية السوق وقدسية السلعة، وايديولوجية تسييل الأموال، واعتبار الخصخصة مفتاح النجاح الاقتصادي.

لا خوف على مصر من المصريين الذين استعادوا بلدهم، وهم الآن في الشارع يعلنون فعل انتماء لبلدهم. وفعل رفض لمن أخذها منهم.

كل الخوف، ان يظل مبارك، لفترة ما، تصيح فيها مصر المحترقة، «وامباركاه». وبهذا، يكون التاريخ قد استضاف الريس الى شرفة نيرون.

II ـ اعتذار عن إهانة

«إنهم لا يفكرون مثلنا. إنهم يفكرون أحسن منا».

هل يمكن التحقق من هذه النتيجة التي توصل إليها مثقف تونسي مخضرم، لدى مقارنته بين جيله وجيل محمد بو عزيزي؟ ويمكن التأكد من ذلك، بعدما ظهر أنهم في مصر «لا يفكرون مثلنا، وإنهم يفكرون أفضل منا» .

لم يعد بوسع المثقفين والنخب وأصحاب الأفكار وأتباع المناهج وخريجي النظريات ومهندسي الثورات في المناشير والكتب، ومن تبقى من أجيال المستحثات الحزبية، إلا الاعتذار من جيل جديد تربى على يديه هو، وتعرف على نفسه بأدواته، وقاد ذاته بإرادته، وبحث عن أفقه بعينيه، وراوده الأمل كإنجاز ممكن...

بل يجب ان نعتذر جميعاً، من جيل بو عزيزي، في المدن التونسية من أطراف حمراء «الجريد» في الجنوب، ومطاطه وجرجيس، في الشريط الرملي الاجرد، ومن قلاع قرطاج الى صفاقس، ومن حنايا سيدي بوسعيد الى شارع الحبيب بورقيبة، بل يجب ان نرفع صوتنا ونكفر عن ذنوبنا، من كل مصري أذقناه من حبرنا طعم المهانة والنكران، فأنكرنا عليه غضبه الكامن، وإنسانيته المنتهكة، وصورناه على انه تابع وخانع وصابر، ولن يتحرك من مطرح إقامته المهني، إلا بعد عودة الحياة المستحيلة لأبي الهول... وفراعنة الأزمنة المحنطة.

لقد أهنا شعبنا الذي لا نشبهه، لأنه يشبه ذاته بحواسه الخمس، بأفكاره الملموسة، بحياته المعيوشة، بهمومه الباهظة، بيأسه الموقت، بأحزانه المقيمة، بتعبه الايجابي... لقد أهنّا أهلنا، من المحيط الى الخليج، حين ظلمناهم بأستذتنا، لانهم لا يتلاءمون مع قنوطنا النضالي، وتجاربنا الفاشلة وأفكارنا المغسولة بنقاء المنطق، وكتبنا المهترئة نظرياً، ومقالاتنا المتأرجحة بين تبرير وتفسير. ومواقفنا المجترة لنبرة الهزيمة بلغة انتصارية لا تقارن من حيث خفتها، بوزن «البوشار».

III ـ استدعينا الثورة... فلم تسمعنا

صدقونا أحياناً. قلنا لهم: هذا قدر. نحن جنس عاطل عن التطور. نحن نقبّل الأيدي ولا ندعو عليها بالكسر. نحن متخلفون جينياً، أعراب لا عرب، ندخل الأمصار ونهدمها لندك وتداً. نحن نحتاج الى آلهة تأكلنا ولا تطعمنا، نحن من صنف بشري متمرّس بالقعود، مثقف بالاتكالية، متحصن بالآية، متشبث بالمقدس والمنزه، يتبع رجال دينه، لا دينه، وقيادات «شعبه»، لا شعبه، وزعامات «قضاياه»، لا قضاياه... صدّقونا مراراً. وأقنعوا أنفسهم بـ«لا حول ولا قوة»، و«العين لا تقاوم المخرز»، والسياسة شر فاجتنبوها، وعاشوا حياتهم كقطعان، ترعى إذا أذن لها في مراعي الاقطاعات الدينية والمالية والسياسية، أكانت عربية أم أميركية أم صهيونية مستترة.

Pages