كتاب " نقد الفكر اليومي " ، تأليف مهدي عامل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب نقد الفكر اليومي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

نقد الفكر اليومي
في فراغ القول
وهي مشكلة وجيهة وجديرة بالمعالجة. فما هو الشكل الذي عولجت فيه من قبل هذا الفكر الباحث في منطق الحرب؟
نشهد لهذا الفكر بما له: إنه فكر يتقن استخدام سلاح المنطق، ويجتهد في أن يكون مقنعاً. يؤيد القول بالبرهان حتى يكتسب القول حجة يقوى بها على واقع يرفضه. يأخذ شكل الفكر الاستخلاصي ليوهم بأن لأحكامه سطوة البداهة. هكذا ينطلق، في بداية القول، من حكم قاطع يضعه كبداهة سابقة على كل برهان، هي أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بدت خارج كل منطق».
تستوقفنا في هذا الحكم كلمة «بدت»، نظن أن الحرب هذه قد تكون في واقعها المادي الفعلي غير ما هي في الشكل الذي تبدو فيه للوعي المباشر. ونظن أن الفكر الذي أخذ الحرب هذه موضوعاً له، سينظر فيها على قاعدة التمييز بين ما هي في ظاهرها، بين ما هي في واقعها المادي، أي في منطقها الفعلي، لأن هذا التمييز ضروري في النظر العلمي، ففي إلغائه إبطال للعلم وتعطيل للمعرفة. نظن هذا وننتظر من الفكر الناظر في الحرب الأهلية في لبنان حركة من البحث يخترق فيها سطح الواقع ليصل إلى المنطق الداخلي الذي يحكمه، وننتظر منه أيضاً تحليلاً ملموساً للشروط التاريخية الملموسة التي فيها، وبها، تتحدد هذه الحرب كحرب أهلية في لبنان، الآن، وليس في زمان آخر أو مكان آخر، أو كحرب بالمطلق، خارج كل زمان ومكان. فمنطق النظر في منطق هذه الحرب التي هي مركز النظر والبحث، هو الذي يقضي بضرورة القيام بمثل هذا التحليل، فإذا غاب هذا، بقيت الحرب، كما تبدو للوعي المباشر، قبل التحليل، «خارج كل منطق». وهذا، بالفعل، ما انتهى إليه ذلك الفكر في خاتمة قوله. إنتهى إلى ما ابتدأ به، من أن الحرب الأهلية في لبنان «حرب بلا معنى»، فانغلق القول على القول في تكرار يتولد فيه فراغ القول بشكل يبدو استخلاصياً، وتمّ البرهان، بقدرة هذا الفكر الذي يستوي عنده ظاهر الشيء والشيء نفسه، على أن الحرب في لبنان «خارج كل منطق»، لأنها «خارج كل منطق»، أو قل الشيء نفسه، على أنها «حرب بلا معنى»، لأنها «حرب بلا معنى»، فصحّ عليه القول المأثور: «وفسّر الماء بعد الجهد بالماء».
حين يقوم الفكر بتحليل ملموس للواقع الملموس، يسير إلى ملاقاة هذا الواقع في مخاطرة هي ضرورية لانتاج المعرفة، لا يجرؤ عليها سوى فكر مادي يعرف كيف يصغي إلى الواقع ويحتكم إلى منطقه الموضوعي، فلا يُسقط عليه، من خارج، منطقاً يلغيه أو يشوّهه. أما الفكر العدمي، أو ما يبدو كذلك، فهو غير قادر على السير في مثل هذه المخاطرة. بل إن منطقه الداخلي نفسه هو الذي يدفعه إلى تجنبها، من حيث هو منطق يلغي الواقع الفعلي بتجريده من شروط وجوده المادية. إنه فكر لا يطمئن إلا إلى فراغه، به يستحيل كل واقع ملموس واقعاً مجرداً من كل ما به يتجدد كواقع ملموس، فتزول، بهذا، ضرورة تحليله. هكذا ينظر هذا الفكر في الحرب الأهلية في لبنان، فيجردها من كامل شروطها التاريخية، حتى يستقيم له النظر فيها، ـ وفي هذا إفقار للواقع ـ، ويستبدل تحليلها بما يسميه «التآمر عليها بالصمت» (24) ـ وفي هذا تعطيل للمعرفة ـ، فيقيم البرهان، بالفعل، على أنه لا يقول شيئاً في هذه الحرب، وأن فراغ القول هذا هو الذي يُسقطه عليها، فتبدو، إذاك، له حرباً «بلا معنى».
لكن، لعله يقول شيئاً في الحرب التي هي عنده الحرب بالمطلق. فماذا يقول فيها؟ وما علاقة هذا القول بذاك الفراغ من القول؟
يقول: «إن للحرب منطقاً خاصاً واحداً لدى المتحاربين جميعاً» (25). يبدو، للوهلة الأولى، أن لهذا الفكر طابعاً عقلانياً يتنافى مع منطق الفكر العدمي. فالقول بوجود منطق للحرب يجعل من الحرب موضوعاً لمعرفة ممكنة هي معرفة عقلية. كما أن القول هذا يسمح بالظن أن للحرب معنى، ما دام لها منطق، وأن معناها يكمن في منطقها هذا. فما هو هذا المنطق؟ وكيف الوصول إلى تحديده؟
أن يكون هذا المنطق «واحداً لدى المتحاربين جميعاً»، يعني:
أولاً ، أنه هو هو في كل الحروب جميعاً، لا فرق بين واحدة وأخرى، لا في الزمان ولا في المكان. فهي الحرب، سواء أكانت قبلية أم دينية أم استعمارية. وهي الحرب نفسها، سواء أكانت ثورية أم رجعية، عادلة أم غير عادلة. لا تختلف باختلاف شروطها التاريخية، لأنها ليست الحرب إلا بإلغاء هذه الشروط، أو بتجريدها منها. ولا تختلف باختلاف أسبابها، لأنها «ليست بذات أسباب تتقدمها فتسببها» (26). أما لماذا هي الحرب؟ فلأنها الحرب. هكذا بكل بساطة. لا علاقة لعقل بهذا الأمر، ولا حاجة إلى تفسير.

