You are here

قراءة كتاب في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه

في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه

كتاب " في وادي الوطن - مقاربات في شؤون لبنان وشجونه " ، تأليف حبيب صادق ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2010 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

فعلى المستوى الإقليمي، وبرغم تكاثر مشاريع التسوية، ما انفك الصراع العربي ـ الإسرائيلي يحتل الموقع الأول على ساحة المواجهة العامة في المنطقة بأسرها مشكِّلاً الاختلال الأشد خطورة على حاضر العرب ومستقبلهم ومهدِّداً الأمن الإقليمي والاستقرار الدولي .. وذلك ليس لأن إسرائيل قامت، أساساً، بالعدوان، على أرض فلسطين، فقط، وبالعدوان استمرت واشتدت بأساً وتضاعفت مساحةً، على حساب الأرض العربية وحساب سكانها الأصليين، بل لأنها قامت، في الأساس، كقاعدة ومنطلق لمشروع استيطاني توسعي عنصري، مشدود الصلة العضوية، من حيث الوجود والوظيفة، بقوى الاستعمار القديم والجديد.

لذلك حظيت إسرائيل، منذ قيامها، وما تزال تحظى بمختلف أشكال الدعم الاستثنائي من قبل دول الشمال بعامة ومن قبل الولايات المتحدة بخاصة...

فكيف يمكن أن تتوافر، بعدُ، شروط التضامن، على مستوى الإقليم، إذا كانت المنطقة العربية بأسرها تقع في دائرة عمليات التحالف العدواني الاستراتيجي بين الإدارة الأميركية والكيان الصهيوني، من جهة، وتقع، من جهة ثانية، في أسر تلك الأنظمة العربية التي يسودها نهج الاستبداد والتبعية والتخلف والتجزئة؟؟..

ثم كيف تتشكَّل عناصر المسؤولية للمجتمع الدولي فنطمئنُّ إليه ونثق به، في حين لا نراه إلَّا مطبق العينين عن رؤية ما يجري على أرضنا من ضروب القتل والتدمير والانتهاك المتمادي للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان، ولا نجده إلَّا مغلق السمع عن صراخ الأطفال في جنوب لبنان وفلسطين والجولان وفي العراق؟!..هذا قليل من كثير على المستوى الإقليمي، فماذا على المستوى العالمي؟

إن الاختلالات الكبرى بين الشمال والجنوب وبين الأغنياء والفقراء قد أخذت، عقب انهيار المنظومة الاشتراكية وهبوب عاصفة الصحراء، صورة جديدة، وإن كانت ذات أصول قديمة، راحت تكتسح جنبات الأرض بلا هوادة. وقد اصطلح على تسميتها بالعولمة، وهي، على تعدد شروحاتها، لا تعدو كونها تعبيراً عن النظام الرأسمالي العالمي وهو في طور نقلة جديدة وانفجار سطوة لا سابق لها في التاريخ. فهو يتحرك، بسرعة فائقة، إلى إقامة "دكتاتورية السوق" و"تسليع " الإنسان، على مساحة الكرة الأرضية .. ويسعى بشراسة لتسييد نمط قيم وسلوك في أنحاء العالم لمصلحة دولة واحدة: هي الولايات المتحدة الأميركية (6). من هنا، راحت تتولَّد مشاعر القلق المشروع لدى الأسرة البشرية، لا سيما في الجنوب. والقلق، هنا، متولِّد من الطبيعة الرأسمالية للعولمة وهي في حالة الانفجار الوحشي الذي تشهده خاتمة هذا القرن. "وإذا ما سارت الأمور على منوالها الراهن، سيكون، في القرن القادم، 20% فقط من السكان يمكنهم العمل والحصول على الدخل والعيش في سلام. أما النسبة الباقية أي 80%، فتمثل السكان الفائضين عن الحاجة الذين لا يمكنهم العيش إلَّا من خلال الإحسان أو التبرعات..." (7).

وقد جاءت تقارير الأمم المتحدة، في صياغاتها الأخيرة، لتؤشر، بالأرقام والإحصائيات، على استفحال الوضع القائم في العالم وعلى سوء المآل... فالنمو في حال تراجع مستمر والبطالة إلى ازدياد مطَّرد ونسبة الفقر يتعاظم أمرها، سواء بين المجتمعات أم داخل كل مجتمع.

فكيف، والحال هذه، يصح اللجوء إلى الأغنياء، والذين يقلِّون، مع الأيام، عدداً ويزدادون ثراء، ونلتمسهم الاعتدال في استهلاكهم وتعوُّد التقشف، بحسب ما ورد في نص الوثيقة (ص28) ألاَ يحيلنا هذا القول إلى مرجعيات روحية وأخلاقية ملأ صوتها العالم، عبر مراحل التاريخ، من غير أن تحظى بالاستجابة المتوخاة؟..

إن "عملية تحول تاريخي تجري اليوم بأبعاد عالمية واضحة، ينعدم فيها العدل والرخاء ويسود التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي والانحطاط الثقافي في ضوء حضارة التنميط التي تسعى العولمة لفرضها على الشعوب، وإلَّا فقانون الغاب سيتكفَّل بالعقاب" (8).

وما حضارة التنميط، كما بات معروفاً، سوى " أمركة " هذا العالم، سواء بالترغيب أم التضليل والترهيب.وللتدليل على مدى خطورة هذه الحضارة على حقوق الشعوب وعلى القيم الإنسانية، نستشهد بالمفكر الأميركي الذائع الصيت نعوم تشومسكي إذ يقول: "أنا أعتقد أن الرعب سوف ينتاب أكثر الأميركيين لو علموا ما تقترفه أيديهم في العالم "ويتساءل: لماذا لا يخبر قادتنا الحقيقة للناس؟ فمثلاً، حين يريد قادتنا تدمير العراق لماذا لا يقولون علناً: نريد أن نسيطر على نظام النفط العالمي.. ونريد أن ننشئ مبدأً، يقول بأن العالم لا تحكمه إلا القوة.. لأن القوة هي الشيء الوحيد الذي نجيده.. ثم نريد أن نمنع أية قومية مستقلة من البروز.. فالأولوية عندنا، هي للقوة والأرباح..؟ (9)

وتبعاً لهذا النهج وتعبيراً عنه، قام صرح الثقافة الأميركية المعولمة بهدف محدَّد هو قيام المجتمع العالمي الاستهلاكي، حيث تسود ثقافة السلعة تعزيزاً لنظام السوق وترويجاً لقيمه في أصقاع الأرض..

ولعلَّ من المفيد القول، هنا، أن قيم نظام السوق العالمي يجري تسريبها الى ثقافات الشعوب، عبر أشباه المنتجات الثقافية، كالأفلام وأشرطة الدعاية وغيرها كثير.

وهنا، كم يبدو سديداً رأي المفكر العربي المصري سمير أمين إذ يقول: إن العولمة التي فرضتها الرأسمالية ليست عولمة التكنولوجيا والمبادلات التجارية فحسب بل هي عولمة ثقافية أيضاً (10).

يُضاف إلى ذلك ما تكابده الدول، وبخاصة في جنوب العالم، من آثار نظام السوق. ففي ظله تتآكل السيادة الوطنية وتتهشَّم الذاكرة التاريخية وتتراجع الثقافة المحلية أمام ثقافة المصارف الدولية والمنظمات التجارية والشركات المتعددة الجنسية ومؤسسات الإعلام الكبرى..

فهؤلاء هم الأسياد الجدد في عالم اليوم الذي لم تعد فيه الدولة القومية قادرة على ضبط اقتصادها الخاص ولا على صيانة هويتها الخاصة (11). وربما إلى هذا المعنى الأخير أشار المفكر العربي السوري برهان غليون بقوله:" إن العولمة الثقافية تقوم بتعميم أزمة الهوية في هذا العالم" (12).

ولئن كان الجنوب أو البلدان النامية، وفيها أقطارنا العربية، هي الأكثر تعرضاً لسلبيات العولمة الثقافية، فإن دولاً كبرى في الشمال المتقدم عرضة لهذه السلبيات أيضاً. من هنا، تتصاعد أصوات التحذير في المجتمعين: الفرنسي والإيطالي، على سبيل المثال، من عواقب انتشار الثقافة الأميركية في أوساطهما... ولم يتوقف الأمر عند حدود التحذير بل تعداه إلى الانخراط في حملة واسعة ضد "أمركة" الثقافة في أوروبا. وقد تجلى تأثير هذه الحملة في القيود التي فرضها البرلمان الأوروبي على الأفلام الأميركية التي تبثها شبكات التلفزة الأوروبية (13).

إذا كان الأمر في أوروبا يستوي على هذا النصاب في مواجهة "الأمركة" الثقافية، فكيف ينبغي أن يكون عليه الأمر في جنوب هذا العالم وفي بلداننا العربية خاصة وهي المهددة من قبل طرفي التحالف الاستراتيجي معاً: الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس على الصعيد الثقافي فحسب بل على الصعد جميعاً: السياسي منها فالاقتصادي والاجتماعي والأمني والبيئي..؟

ودفعاً لأي التباس، نبادر، في هذا الصدد، إلى توضيح موقفنا المبدئي من الدعوة إلى الانغلاق على الذات ثقافياً، فهي، في رأينا، دعوة إلى التحجُّر والعقم وإلى الخروج من التاريخ... فالانفتاح على ثقافات العالم الغنية والمتنوعة والتفاعل معها، بوعي وتبصُّر، شرط لا محيد عنه من أجل تقدم المجتمعات العربية وتأهّلها من جديد، للإسهام في صوغ ثقافة عالمية إنسانية جديدة.

من هنا، تتعاظم المسؤولية على عاتق المثقفين العرب حيال أمتهم في حاضرها والمستقبل. فهم مطالبون اليوم بإعادة بناء الثقافة العربية على أسس جديدة من حرية الفكر والتعبير وجرأة النقد ومن التعددية الفكرية والسياسية ومن العقلانية والعلمانية وروح التجدد، في استلهام واعٍ للمضيء الحي من تراثنا وفي استيعاب نقدي للأصيل المتعافي من ثقافة العصر، وذلك باتجاه وضع الأسس العلمية لمشروع نهضوي جديد.

كما تتعاظم المسؤولية على مثقفي العالم بأسره وعلى قواه الديمقراطية وحركات شعوبه الرافضة لما تولّده الرأسمالية الضارية من مآسٍ وفواجع.فهؤلاء مطالبون جميعاً بالعمل على إعادة الاعتبار إلى النضال الأممي من أجل بناء حضارة جديدة وإن كانت الطريق إليها طويلة وشاقة. فالمهم أن نبدأ الطريق، سواء باتجاه بناء "عولمة اشتراكية متحضرة، بديلاً عن العولمة الوحشية للرأسمالية" (14)، على نحو ما يدعو سمير أمين، مقترحاً البدء بمرحلة أسماها "التحالف الوطني الشعبي والديمقراطي".. أم باتجاه إنجاز مشاريع تغييرية ديمقراطية أخرى تدعو إليها قوى وأحزاب وهيئات مهجوسة بقضية الإنسان ومسألة الحضارة .

تلك دعوات بالغة الأهمية، موجهة إلينا كافة. فلماذا لا نشرع في قراءتها نقدياً ونستلهمها في صوغ المشروع الحضاري المرتجى..؟

ولعل في ذلك محاولة تصويب جادة لمسار الدعوة إلى "تحالف من أجل عالم مسؤول ومتضامن" الموجهة إلينا في هذا اللقاء والتي نأخذ عليها أنها لم تجهر صراحة، بإدانة الرأسمالية، باعتبارها المصدر الأساس للاختلالات الكبرى التي تحاصر العالم بإحكام وتجعله محروماً من روح المسؤولية ومن عروة التضامن الوثقى...

ربما يكون، من الأصوب والأجدى، أن نتلاقى جميعاً، من شتى الأقاليم والقارات ومن مختلف الانتماءات الفكرية والسياسية، على أرضية هذا الفهم العلمي لطبيعة الصراع الحقيقي في عالم اليوم، ونتقدَّم، بالتالي، نحو تحديد موقف واضح من قوى الهيمنة الرأسمالية العالمية وحليفها الإقليمي ومن أنظمة الاستبداد المحلية.. على أن يتجلى هذا الموقف في مشروع سياسي، اقتصادي، اجتماعي وثقافي وحضاري من أجل مستقبل أفضل لشعوبنا العربية ولشعوب العالم بأسره.

تلك هي رسالة الثقافة التنويرية المسؤولة.

وذلك هو دور المثقف النقدي غير المرتهن لسلطة الحكم أو المال أو الطائفة...

وبعد فربما من باب تحصيل الحاصل القول أن كل ما تقدمت به، في فاتحة هذا اللقاء الثقافي، ليس إلَّا مجرد دعوة إلى النقاش...

Pages