يأتي هذا الكتاب (مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين) الذي أعده وحرره الكاتب والباحث د.
قراءة كتاب مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وعليه، يتطلب تحديد مفهوم الجماعة التدقيق في الدلالات المختلفة لمصطلح الدولة، السلطانية والديمقراطية، وكذلك يتطلب تحديد مفهوم الدولة التدقيق في استخدام مصطلح الأمة الذي يقضي بالتفريق بين المعنى الديني والمعنى السياسي، إذا ما احتكمنا إلى الفكر السياسي الحديث، الذي يحتكم إليه برهان غليون.
إن جزءًا مهمًّا من الصراع الدائر حول الدولة في فكرنا العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود، يرجع إلى غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه في الوعي العربي العام، وعند معظم الأطراف. وليس من الاستطراد هنا الإشارة إلى أن عبد الإله بلقزيز حينما كتب عن "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر" (ط. 2002م) لم يتعرض لمفهوم الدولة أصلاً!.
فمصطلح "دولة" يُطلق على نماذج لا حصر لها من الدول، كاملة التكوين أو مُنجزة، وناقصة التكوين، أو غير مستكملة لشروطها، بل ومجهضة كالمولود السّقط. ويُطلق كذلك على أصناف من الدول ذات أشكال من التنظيم للسلطة العامة، وللمجتمع ككل، ووظائف عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية واجتماعية، وغايات يمكن أن تتباين من النقيض إلى النقيض.
ولهذا استعرض غليون أنماط وأشكال الدولة في ذهنيات وتصورات الأطراف المختلفة من إسلاميين وليبراليين وماركسيين، وحتى أولئك الذين لا يؤمنون بالدولة!. كما شخّص الصراع الدائر، وحلل انعكاساته ودلائله، ورأى فيه انعكاسًا للطلب الاجتماعي المتزايد على الدولة من حيث هي مؤسسة لمصالح عامة وطنية مقابل المصالح الخاصة، كما رأى فيه انعكاسًا لانحلال النظم الوطنية بشعاراتها وأفكارها وقيمها وأهدافها وغاياتها وسياساتها ومناهج عملها وتسييرها.
إن مقالة غليون تساعدنا على فهم أعمق لأساس المعضلة ووجوهها، وفيها يرى أننا لن نخرج من الطريق المسدود الذي أوصلنا إليه الصراع على الدولة إلا بالانتقال من النقاش في الدولة الإسلامية أو الديمقراطية إلى النقاش في المجتمع السياسي الذي نريد إقامته. وعليه فإن الدولة الاسلامية مفهوم يمكن أن يستقيم إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها ونعتقد بصلاحها هي جماعة إسلامية، في حين أن الأمر سيتغير إذا كانت الجماعة السياسية التي نريد تكوينها أو ندافع عن فكرة تكوينها، جماعة سياسية من النوع الوطني/المواطني.
وفي هذا السياق تتأكد مقولة هاني فحص عن "امتناع تنميط الدولة"، على معنى اقتراح نمط واحد لها من كل التيارات المتصارعة، لكن هذا الامتناع عنده قد يكون تمهيدًا للقول بخصوصية أو بنمط مغاير للدولة "الغربية" –وهو ما سيتضح أكثر في الفصل الثاني من الكتاب-، فهذا الخطاب يحاول أن يخرج من مأزق عدم وجود "دولة إسلامية" محددة المعالم، فيُقرُّ بأن شكل الدولة وطريقة تشكيلها ليسا شأنَ الدين، لا الاسلام ولا غيره، فلا توجد وصفة دينية ملزمة للدولة، وإنما شأن الدين - بما هو معرفة وسلوك وثقافة وقيم وعلائق وتقوى - هو أداء الدولة، أي عدالتها.
إن هاني فحص يسعى هنا إلى القول بنوع من التمييز بين الدين والدولة وليس الفصل، فهو تمييز يحدد ملامح الوظيفة الفقهية حتى لا تختلط بالوظيفة السياسية، تمييز يسحب من الفقه أو من الفقيه صلاحيات تحديد شكل الدولة أو اقتراح طريقة تشكيلها، إلا في حدود كونه شريكا متكافئا مع الآخرين من أهل المعرفة بهذا الشأن وأهل الخبرة. وهي فكرة ستزداد وضوحًا في الفصل الثالث من هذا الكتاب، مع بحثي لمسألة "الفقه والفقيه ومتغيرات السلطة" التي تقرر أن فكرة الدولة الحديثة أو القائمة في عالمنا قضمت كثيرًا من صلاحيات الفقيه لصالح أدوار جديدة فرضتها طبيعة المتغيرات والتراكمات المعرفية ونشأة حقول معرفية جديدة ونشأة أدوار ووظائف اجتماعية لم تكن من قبل.
إن التمييز الذي يقترحه فحص يجعل من الفقه ثقافة معيارية، معيارها الحرية والعدالة، الحق والقانون، أي ديمقراطية تحث على العدل، وتحرض على الجور، وتتعاطى مع مضمون الدولة ومعناها لا مع شكلها ومبناها، ومن موقع إرشادي حاضن، لا من موقع الولاية والوصاية القابضة على زمام الأمور؛ لأن المولى هو الله سبحانه في المطلق وفي التاريخ، أما الولاية على الأمة فهي للأمة نفسها، وهذا من شأنه أن يعكر صفو الأطروحات السياسية التراثية والحركية المعاصرة التي تجعل من الدولة هي الحاضن للشريعة وليس الأمة.
إلى ذلك ثمة مسألة شديدة الأهمية في الحديث عن الدولة وضرورتها، فالدولة كما يتضح من الفصل الأول وخاصة في ورقتي فحص وغليون، ضرورةُ اجتماع، يقتضيها الاجتماع ويبنيها، لا تبنيه، معنى ذلك أن الاجتماع متغير ومتطور تبعًا للأزمنة والأحوال وتطورات انتظامه وتكويناته ومعارفه، فإذا تغيّر وعي الاجتماع لذاته وعلائقه، وتغير وعي الفرد لموقعه في المجتمع ومسؤولياته وحقوقه وواجباته، وتغيرت الأدوار تبعًا لذلك، فلا بد أن يؤثر ذلك في شكل الدولة، وأدائها، ودورها، ومصدر شرعيتها، وآليات تحقيقها، طبقا للتغيرات الحاصلة في بنيان المجتمع.
وهذا المعنى سيصادفنا كذلك في مطلع الفصل الثاني "أطروحة الدولة الإسلامية"، حين يقرر راشد الغنوشي أن التصور الديني التراثي يجعل الدولة (نصب الإمام الذي هو رأس الدولة) "واجبًا دينيًّا لإقامة الشريعة وضرورة اجتماعية إنسانية لا بديل عنها في توفير شروط بقاء الجماعة"، وأن الخوارج هم وحدهم الذين شذوا – في القديم- فجعلوها ضرورة اجتماعية فقط، لكنه لا يلبث أن يقرر أن التصور الوسطي الذي عليه جمهور الإسلاميين يتمثل في اعتبار السلطة ضرورة اجتماعية وأداة من أدوات الأمة في إقامة عدل الإسلام، وأنها مجرد أداة اجتماعية توظفها الأمة لحراسة الدين والدنيا، وأن القائمين بها ليسوا سوى خدام عند الأمة؛ إذ هي المخاطب الحقيقي بإقامة الشريعة، بما يجعل شرعيتهم موقوفة على إنفاذهم للشريعة والتوافق مع توجيهاتها كما يرتضيها جمهور المسلمين.


