كتاب " الإستعراب الإسباني وجاذبية الحضارة الإسلامية في الأندلس " ، تأليف د. محمد العمارتي ، والذي صدر عن دار الجنان عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب الإستعراب الإسباني وجاذبية الحضارة الإسلامية في الأندلس
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الإستعراب الإسباني وجاذبية الحضارة الإسلامية في الأندلس
كان يوم 15 يوليوز الاستيقاظ الثاني للسفير غوميث ببغداد؛ استأنف حياة السفارة الجديدة، بعد ذلك وفي منتصف النهار عرف أن كثيرا من الشخصيات الهامة في مختلف مناطق البلاد استسلمت ومنها من مات ومنها من اختفى مع نوري السعيد، إلا أن اختفاء نوري السعيد لم يطل كثيرا فقد عثر على جثته في اليوم نفسه بشوارع بغداد[41].
وهكذا فبموت نوري السعيد الرجل القوي في مرحلة الملكية أصبح واضحا أن النظام الملكي قد سقط وانتهى بشكل نهائي وبلا رجعة ، وأن الأستاذ السفير الجديد غوميث لا يمكنه تقديم أوراق اعتماده كسفير لإسبانيا أمام الاتحاد العربي الذي انتهى.
المعاناة وسوء الطالع اللذان لازما غوميث في سفارته الأولى ببغداد لم يقفا عند هذا الحد، بل تماديا في تعنتهما وإصرارهما على ملاحقته بالأذى والأوصاب وبكل ألوانهما، فبعد عشرة أيام من الانقلاب تعرضت السفارة لكارثة خطيرة غير متوقعة ناجمة عن حريق مهول في بعض مستودعات الوقود والمحروقات بسبب درجات الحرارة المرتفعة التي شهدتها بغداد في ذلك الصيف المشؤوم في حياة السفير؛ ومن سوء الحظ أن الحريق لم يكن يبعد كثيرا عن السفارة، وبالقرب من حي أغلب سكانه من المسيحيين، وككل الأشياء السيئة التي كانت تحدث بسرعة في تلك الأيام عادت مرة أخرى القوات العسكرية العراقية لتطويق الشوارع والأحياء المجاورة للمنطقة التي وقع فيها الحادث؛ معتقدة أنه من تدبير فاعل، وأخذت تظهر من جديد حشود من الناس تجري في شوارع العاصمة، فأحدث ذلك سحابة سوداء كبيرة غطت المدينة؛ ولولا إخماد النيران لكان مصير السفارة بكل مؤسساتها الاندثار[42].
بعد هذا الحادث الخطير الذي كاد أن يودي بكل شيء أصبح السفير يعيش حالة من الاضطراب الشديد والمزاج العكر، وبنفسية منكسرة محبطة حيث أمضى بعد ذلك ليلتين معا دون أن يذوق طعم النوم، ويذكر Villanueva أنه لم ير غوميث قط في حياته بمثل تلك الحالة المزرية التي وصل إليها السفير من الشكوى والمعاناة، فقد انهار النظام الملكي الذي كان سيقدم إليهما أوراق اعتماده، كما أنه كان قاب قوسين أو أدنى من فقدان جميع البنايات التي تشكل الوجود المادي للديبلوماسية الإسبانية ببغداد[43].
الحقيقة رغم أن المراسلات التي كانت تُبْعَث من بغداد إلى إسبانيا كان يقوم بها كتاب ومحررو السفارة ضمن مهامهم الإدارية ، إلا أن هناك عددا كبيرا من تلك المراسلات والبرقيات كان غوميث هو الذي يسهر على صياغتها وكتابتها بنفسه، فأضحت بفضل ذلك مادة أدبية وسياسية غنية بالدلالات ، عميقة بالمضامين والأبعاد، فهي بذلك تؤلف صفحات إخبارية وأدبية للأحداث التي عاشها غوميث ببغداد أولا ثم بلبنان وأنقرة ثانيا بتفصيل مسهب يوما بعد يوم، فكانت بذلك تؤدي وظيفتين أساسيتين الأولى مباشرة إبلاغية والثانية غير مباشرة بلاغية.
ولهذا جاءت هذه الرسائل مفعمة بالمعطيات ، دالة على مواقف السفير من كل الأحداث التي شهدها العراق وغيره، يقول غوميث عن أهمية هذه المراسلات "....وخلال
فترة عملي في الحقل الديبلوماسي أنتجت الكثير، وتركت ورائي الكثير من الوثائق وسلسلة من الرسائل مع وزير خارجية إسبانيا لا أريد نشرها لأنني لا أهتم بالسياسة المعاصرة ولكنني قد أقوم بنشرها يوما ما، حيث ستكون فيها فائدة"[44].
بعد هذه الظروف القاسية والصراع الخفي على السلطة بالعراق فإنه لا يمكن أن يفاجأ الرأي العام في العراق بالاعتداء على عبد الكريم الذي حدث بعد أسابيع قليلة في 8 أكتوبر بحي الرشيد المركزي ببغداد حيث قتل سائقه الخاص وأنقدت حياته بأعجوبة لأنه كان حينها يرتدي لباسا واقيا ضد الرصاص، الحادث نسب إلى البعثيين " حزب البعث" وبعد ذلك بوقت طويل عرف من نفذ هذه المحاولة ، فكان صدام حسين واحدا منهم ، وربما كان الوحيد الذي لم يتم القبض عليه؛ لكنه جرح وكان وقتئذ لا يزال شابا وغير معروف[45].
كان غوميث يتنبأ بالنهاية المأساوية التي كانت تنتظر عبد الكريم قاسم قبل وقوعها بثلاث سنوات؛ فبالرغم من الاستقرار النسبي الذي شهدته العراق بعد الانقلاب؛ ورغم اعتباره من قبل العراقيين لغزا وداهية في تسييره لدواليب الحكم والرئاسة بالعراق؛ فإن سياسته كان يشوبها الكثير من الخلل والنقص والعيوب، ولكن لكل بداية ونهاية ونهاية حكم عبد الكريم قاسم كانت نهاية مأساوية، وهكذا ففي 14 رمضان 1383 الموافق 8 فبراير 1963[46] قام الانقلاب العراقي الثاني بزعامة الركن عبد السلام عارف « ونجحت الثورة في القضاء على حكم عبد الكريم قاسم الذي قدم للمحاكمة مع المهداوي الذي كان رئيسا للمحكمة العسكرية؛ وحكم عليهما بالإعدام في اليوم التالي 9 فبراير«[47].
ب - غوميث سفيرا لإسبانيا ببيروت (1960-1962).
ابتدأت السفارة الثانية لغوميث في الشرق الأوسط (لبنان) في ظروف حسنة وعادية، ففي بيروت لم يلق هذه المرة في طريقه جحيما أو حياة مفزعة أو انقلابا أو انفجارا أو معاناة لا حد لها، بل هيأت له هذه السفارة سبلا من الطمأنينة والاستقرار النفسي الجيد، ووفرت له انفتاحا كبيرا على المشهد الثقافي اللبناني والتيارات الفكرية والعلمية التي كانت تعج بها بيروت، فخلق تعاونا ثقافيا قويا مع الجامعات اللبنانية خصوصا الجامعة الأمريكية، كما كانت له أيضا علاقات طيبة وثيقة برئيس الجامعة الفرنسية ببيروت آنذاك السيد: فؤاد البستاني؛ هيأت له مناسبات ذهبية لإعطاء العديد من المحاضرات في الجامعة اللبنانية ببيروت، وقد تحدث غوميث في رسائله التي كان يرسلها

