كتاب "أحكام الحج و العمرة والزيارة بين التعريف والتأصيل" ، تأليف د. ابو مدين الطيب البشير ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
قراءة كتاب أحكام الحج و العمرة والزيارة بين التعريف والتأصيل
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الركن الثالث: السعي بين الصفا والمروة
هناك خلاف حاد حول حكم السعي بين الصفا والمروة : ذهب مالك والشافعي وأحمد - في إحدى الروايتين عنه – وابن عمر وعائشة وجابر رضي الله عنهم إلى أنه ركن.
وذهب أحمد في رواية له ، وابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين رضي الله عنهم إلى أنه سنة.
أما أبو حنيفة والثوري والحسن فقد رأوه واجبا.(95)
ومهما يكن من أمر فإن الراجح عندي هو رأي الجمهور الذي اعتبر السعي بين الصفا والمروة ركنا وذلك لحديث حبيبة بنت أبي تجرأة وهي إجدى نساء بني عبد الدار أن الرسول علية الصلاة وسلام قال : (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي.) رواه أحمد.
ولحديثه علية الصلاة وسلام : ( يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم.) رواه الدارقطني.
إضافة إلى أن الصفا والمروة من شعائر الله ، يقول نعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . البقرة 158
إن نشأة فكرة السعي بين الصفا والمروة ترتبط بإسماعيل عليه السلام وأمه هاجر.
عندما ولدت هاجر إسماعيل عليه السلام غارت سارة منها فأخذ إبراهيم عليه السلام الطفل وأمه ووضعهما عند البيت تاركا لهما جرابا فيه تمر وسقاء به ماء ، وانطلق ، وهناك دعا ربه : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. إبراهيم 37
وعندما نضب الماء عطشت هاجر وعطش ابنها وصعب عليها النظر إليه وهو يتلوّى ، فاتجهت نحو جبل الصفا ومنه نحو جبل المروة بغية أن تجد أحدا أو تجد ماء وفعلت ذلك سبع مرات ، علما بأن المسافة بين الجبلين حوالي أربعمائة وعشرون مترا. (96)
قال ابن عباس رضي الله عنه إن النبي علية الصلاة وسلام قال : (فذلك سعي الناس بينهما.) رواه البخاري.
بعد ذلك ظهر لهاجر جبريل عليه السلام وبحث بجناحه فظهر الماء وكانت زمزم.(97) وبئر زمزم هذه هي الآية الخالدة التي أصبحت وما زالت ناطقة بعظمة الله جل وعلا.
هذه البئر المعجزة حفرها بعد ذلك عبد المطلب بن هاشم جد النبي علية الصلاة وسلام بعد أن أعلن نذره المشهور والقاضي بأن يذبح أخد أبنائه شكرا لله إن أصبح عددهم عشرة والقصة مشهورة وتتلخص باختصار في أن أبناء عبد المطلب اكتمل عددهم عشرة ، وعندما رمى بالقداح خرجت على ابنه عبد الله وكان أصغرهم . وهنا تدخلت قريش وأشارت إليه بضرورة مشورة عرافة بالحجاز . أمرت العرافة برمي القداح على عبد الله وعشرة من الإبل وعد تنفيذ ذلك خرجت القداح مرة أخرى على عبد الله ، وظل عبد المطلب يرمي القداح بهذا الشكل وهي تخرج على عبد الله حتى أصبحت الإبل مائة ، عندها خرجت القداح على الإبل فنحرها جميعا . (98)
وزمزم هي الاسم المعروف للبئر المشهورة في المسجد الحرام والتي بينها وبين الكعبة المشرّفة ثمان وثلاثون ذراعا .
إن ماء زمزم ذو فضائل عظيمة وخصائص وبركات وقد أحصى الأستاذ سائد بكداش بعضا منها : فهي عين من عيون الجنة غسل بها قلب المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وبارك فيها بريقه الشريف ، وهي أولى الثمرات التـــي أعطاها الله لخليله إبراهيم عليه السلام ، وهي سبب عمران وحياة مكة المكرمة ، وهي من الآيات البينات ومن أعظم النعم والمنافع المشهودة في الحرم ، وهي خير ماء على وجه الأرض وقد نبع في أقدس بقعة على وجـه الأرض علـــى يد الروح الأمين جبريل عليه السلام ، وهي طعام طعم وشفاء سقم ، وهي شراب الأبرار. (99)
والسعي كما هو معروف يبدأ من جبل الصفا وينتهي عند جبل المروة ، والمسافة بينهما سبعمائة وسبعة وسبعون ذراعا بذراع الآدمي. (100) وجبل الصفا هو قطعة من جبل أبي قبيس الذي هو أول جبل وضعه الله على الأرض.
وهو الجبل الأمين الذي استودع فيه آدم ونوح عليهما السلام الحجر الأسود حتى جاء إبراهيم عليه السلام فأخذه.
وهو الجبل الذي صعد عليه إبراهيم عليه السلام وأذّن في الناس بالحج فأسمع صوته جميع الخلائق.
أما جبل المروة فهــو جزء من جبل قعيقعان أحـد أخشبي مكة.(101) والمسعى بين الصفا والمروة هو المكان الذي قيل إن الشيطان لعنه الله عرض لسيدنا إبراهيم عليه السلام فيه فسبقه سيدنا إبراهيم عليه السلام.
والسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج عند جمهور الفقهاء "المالكية ، الشافعية ، الحنابلة." ولم يخالف إلا الحنفية الذين اعتبروه واجبا كما أسلفنا.
والسعي لا يكون إلا بعد طواف ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال : "قدم رسول الله علية الصلاة وسلام فطاف بالبيت سبعا ، ثم صلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة ." رواه البخاري والسعي كما هو معروف سبعة أشواط يبدأ بالصفا وينتهي عند المروة .
يتلو الحاج عندما يدنو من جبل الصفا قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . البقرة 158 وعند صعود جبل الصفا وقد شاهد الحاج الكعبة يبدأ بالبسملة ويقول : " الله أكبر ، الله أكبر ، الحمد لله على ما هدانا ، الحمد لله بمحامده كلها ، على جميع نعمه كلها ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، لا إلـه إلا الله مخلصين له الدين ، الحمد لله رب العامين .
اللهـم إنـي أسألك إيمانا دائما ، ويقينا صادقا ، وعلما نافعا ، وقلبا خاشعا ، ولسانا ذاكرا ، وأســألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة ." (102)
ثم يتجه إلى جبل المروة مهرولا بين العمودين الأخضرين ، وللحاج أن يدعو بما يشاء .
وعند وصوله جبل المروة يصنع ما صنع على جبل الصفا وهكذا حتى تنتهي الأشواط السبعة.


