كتاب " الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا " ، تأليف ابراهيم الخليل ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
قراءة كتاب الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وأطلق القرآن على القلوب الكثير من الصفات منها أنّها: لاهية وغافلة ومنكرة ومطمئنة ومؤمنة وتقية ولينة وقاسية ومريضة و سليمة ومخبتة ومنيبة وأوابة ، وذلك يدل على عظم دورها وتباين أنواعها.
ويلخص القرآن أنواع القلوب ويحصرها _ هنا_ في ثلاثة : المريضة والقاسية والمخبتة:
قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبّي إلاّ إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثمّ يحكم الله آياته والله عليم حكيم 52 ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية قلوبهم، وإنّ الظالمين لفي شقاق بعيد 53 وليعلم الذين أوتوا العلم أنّه الحق من ربك ، فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم ، وإنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم 54 سورة الحج.
يقول صاحب (الأساس في التفسير): وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلاّ إذا تمنى أمنية لها علاقة في هداية أمته ألقى الشيطان في أمنيته أي في محل أمنيته وهيأتباعه فينسخ ما يلقي الشيطان أي يذهب به و يبطله من قلوب المخلصين ثمّ يحكم الله آياته أي في قلوب الأتباع المخلصين ، فيثبتها و يحفظها والله عليم بما يلقي الشيطان وبغيره حكيم في وضع كل شئ في محلّه ، وهو يثبت ما يثبت في القلوب ، وينسخ ما ينسخ منها على مقتضى حكمته ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة أي محنة وابتلاء للذين في قلوبهم مرض أي شكونفاق والقاسية قلوبهم بسبب من أعمالهم وإنّ الظالمين أي المنافقين والمشركين والفاسقين لفي شقاق بعيد أي لفي خلاف بعيد عن الحق والصواب وليعلم الذين أوتوا العلم بالله و بدينه و بالآيات أنّه الحق أي أنّ القرآن حق من ربك فيؤمنوا به أي بالقرآن فتخبت له قلوبهم أي فتطمئن و إنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم في كلّ شئ ، قال النسفي فيها: فيتأولون ما تشابه في الدين ، بالتأويلات الصحيحة،ويطلبون لما أشكل منه المحمل الذي تقتضيه الأصول المحكمة حتى لا تلحقهم حيرة و لا تعتريهم شبهة.
يبين الله عزّ وجلّ في هذه الآيات سنة من سننه ، أنّ هناك رغبة موجودة عند كلّ نبيّ و رسول، فكل نبيّ و رسول يتمنى أماني ضخمة في هداية أمّته ، و الأرتقاء بها إلى الله ، و لكن الشيطان يلقي في قلب كلّ فرد من أفراد الأمة إلقاءه ، وفي هذا المقام فإنّ لله سنة هي: أنّ إلقاء الشيطان يؤثر في مرضى القلوب ، وفي أصحاب القلوب القاسية ، ولكن إلقاء الشيطان لا يترتب عليه شئ في صدور الذين أوتوا العلم ، بل يتأكد عندهم بذلك أنّ وحي الله حق فيزدادون إيمانا وخشوعا تحقيقا لوعد الله عزّ وجلّ ، أن يهدي أهل الإيمان. و أن لا يجعل للشيطان على عباده المخلصين سلطانا ، أمّا غيرهم فللشيطان عليهم سلطان ، ومن ثمّ ينسخ إلقاء الشيطان في قلوب أوليائه ، ويحكم آياته بذلك ، أي يثبتها عملا بعد أن أثبتها في كتابه.
ويلاحظ سعيد حوّى من قوله تعالى: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم أنّ إلقاء الشيطان ونفاذ أمره يحتاجان إلى مناخ ملائم ، والمناخ الملائم لألقاء الشيطان هو مرض القلب وقسوته ، وقد حمل بعض المفسرين كلمة: والقاسية قلوبهم على الكفّار، وليس لهم دليل على ذلك لأنّ قسوة القلب مرض قد يصيب المؤمنين ، والدرس الذي نستفيده من الآيات هو أنّ مادام هناك قسوة قلب ، ومرض قلب ، فللشيطان سبيل إلى فتنة الإنسان، ومن ثمّ فإنّ أول ما ينبغي أن يعالجه المربون هو مرض القلب و قسوته، و مرض القلب النفاق، وقسوة القلب مرض غير النفاق ، و لا يتخلّص الإنسان من النفاق وقسوة القلب إلاّ ببذل جهد ذاتي لذلك ، فمهما كان المربي قويا إذا لم تواته همّة المريد فلا فائدة ، ومن ثمّ فإنّ على المسلم أن يبتعد عن كلّ شئ يقسي القلب ..ككثرة الكلام الذي لا فائدة منه ، لا تكثر الكلام بغير ذكر الله فإنّ الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. و ككثرة الضحك فإنّها تميت القلب ، و كمجالسة أهل الدنيا بلا ضرورة ، و لابد للمسلم أن يبتعد عن كلّ أسباب النفاق من [كذب الحديث وخيانة الأمانة وخلف الوعد] و محبة الظالمين و موالاتهم ، ومودتهم ، وطاعتهم.
فأنواع القلوب تتشكّل و تتباينطبقا لأعمال أصحابها. فهي أربعة كما فصّلها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في الحديث الذي رواه أحمد عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس، و قلب مصفّح. فأمّا القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، و أمّا القلب الأغلف فقلب الكافر ، و أمّا القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثمّ أنكر ، وأمّا القلب المصفّح فقلب فيه إيمان و نفاق ، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيّب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه) _ رواهالإمام أحمد بإسناد جيد حسن.
فالقلب الأول السليم من العلل ، الحي ، فكل أدوات استقباله للمعلومات تعمل بكفاءة عالية ، العطوف اللين المتفاعل مع آيات الله في الكون ، المتجانس المتناغم معها ، المستجيب لنداء الفطرة هو قلب المؤمنين الموصوف بالتقوى. وهم الذين يهتدون بالقرآن الكريم ، ويؤمنون بالغيب: بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت و بالبعث. ويقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة.
والقلب الثاني المغلف هو قلب الكافر كما تقدم. والكفر هو ستر الحق بالجحود. قال ابن جرير: أخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها ، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله تعالى والطبع ، فلا يكون للإيمان إليها مسلك ، ولا للكفر عنها مخلص ، فذلك ما يعبر عنه القرآن بالختم والطبع: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم .. البقرة الآية 7. كذلك عبّر القرآن عمّا يعتري القلوب بالزيغ والغشاوة والغلفة والران. قال مجاهد: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّ من ذلك كلّه. قال تعالى: فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم الصف: 5 ، فالله تعالى ختم على قلوبهم وحال بينهم وبين الهدى جزاءا وفاقا على تماديهم في الباطل و تركهم الحق.
أخرج الترمذي وغيره عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوله: (إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه. وإن زاد زادت حتّى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي [فيه] قال الله تعالى: كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون المطففين : الآية14_ قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وكذلك يضل الله كلّ مسرف في عصيانه شاك في دينه مرتاب قلبه ، فقال الله فيهم في سورة غافر ، الآية 35: الذين يجادلون في آيات الله دفعا لها وإبطالا بغير سلطان أتاهم أي بغير حجة جاءتهم من الله. قال ابن كثير : أي الذين يدفعون الحق بالباطل ، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجّة معهم من الله تعالى.
فإنّ الله عزّ وجلّ يمقت على ذلك أشد المقت فقال: كبر مقتا أي عظم بغضا جدال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم عند الله وعند الذين آمنوا فالله يبغضهم أشد البغض ، والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته كذلك أي: مثل هذا الطبع يطبع الله على كل قلب متكبر على الحق جبّار على خلق الله ، وإنّما وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما. وقد بينت الآية أنّ الطبع على القلب إنّما يستحقه من اتّصف بالكبرياء والجبروت.
روى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكى عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جبّارا حتّى يقتل نفسين ، وقال أبو عمران الجوني و قتادة : آية الجبابرة القتل بغير حق والله تعالى أعلم. أمّا صاحب الأساس في التفسير فلا يشترط القتل ليعتبر الإنسان من الجبّارين ، بل يكون جبّارا لمجرد قسوته و ظلمه بدليل الحديث: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتّى يكتب في الجبّارين فيصيبه ما أصابهم) رواه الترمذي وقال حديث حسن. قال النووي: (يذهب بنفسه) أي يرتفع ويتكبّر ، فقد يكون الإنسان من الجبّارين ولو لم يقتل بغير حق ، ولكن القتل بغير حق علامة من علامات الجبروت.
قال سعيد حوّى: الكفر الكاملهو ما انعدمت فيه قضية الفطرة في قلب الإنسان ، و إنّ هذاله علاماته وله حقيقته وثمراته. فمن اجتمعت له الحقيقة والثمرات والعلامات فهذا الذي لم تعد فيه بقية من الفطرة ، وهو الذي لم يعد ينفع معه إنذار. و لكون هذا لا يعلمه إلاّ الله فإننا مكلفون بالإنذار لإقامة الحجة ، أمّا الكافرون الذين لم يصلوا إلى مثل تلك الدرجة ، فهؤلاءلا زال فيشأنهم أمل أن يهتدوا بإذنالله [مصداقا لقوله تعالى]:
أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في النّاس .. الأنعام: 122.
أمّا القلب الثالث فهو قلب المنافق الذي تقدمت صفته في الحديث: إذا حدّث كذب ، و إذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان ، وزاد في بعض الروايات : وإذا خاصم فجر.وقال قتادة في نعت المنافق:(خنعالأخلاقيصدقبلسانهوينكربقلبه ويخالف بعمله ، يصبح على حال ويمسي على غيره ، ويمسي على حال ويصبح على غيره ، و يتكفّأ تكفؤ السفينة كلما هبّت ريح هبّت معها). وقال مالك: المنافق في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو الزنديق اليوم.
ولأنّ قلب المنافق عرف ثمّ أنكر فليس فيه أمل للتوبة أو الإنابة ، قال تعالى في حقّهم:
مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمّا أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون 17 صم بكم عمي فهم لا يرجعون 18 سورة البقرة.
و أمّا القلب الرابع في الحديث الشريف لا زال فيه أمل ، وذلك إذا أصبح مدد الإيمان أكثر من مدد النفاق ، وذلك بالإقبال على الأعمال الصالحة وترك السيئآت و خلطة أهل الباطل ، كما ورد في التفسير.
ويفرّق ابن القيّم (في كتابه الروح) بين صبر القلب و قسوته كحالات عارضة أو ملازمة للقلب . فالفرق ، أنّ الصبر : خلق كسبي يتخلّق به العبد ، وهو حبس النفس عن الجزع والهلع والتشكّي ، فيحبس النفس عن التسخّط واللسان عن الشكوى والجوارح عمّا لا ينبغي فعله ، وهو ثبات القلب على الأحكام القدرية والشرعية. وأمّا القسوة: فيبس في القلب يمنعه من الانفعال و غلظة تمنعه من التأثّر بالنوازل ، فلا يتأثّر لغلظته وقساوته لا لصبره واحتماله.
وحسب انفعالها وحالاتها القلوب عنده ثلاثة: قلب قاس غليظ بمنزلة اليد اليابسة. وقلب مائع. وقلب رقيق جدّا. فالأول لا ينفعل بمنزلة الحجر ، والثاني بمنزلة الماء وكلاهما ناقص. و أصح القلوب: القلب الرقيق ، الصافي الصلب ، فهو يرى الحق من الباطل بصفائه ، ويقبله ويؤثره برقته ، ويحفظه و يحارب عدوّه بصلابته. وفي الأثر: القلوب آنية الله في أرضه ، فأحبّها إليه أرقّها و أصلبها و أصفاها، وهذا هو القلب الزجاجي ، فإنّ الزجاجة جمعت الأوصاف الثلاثة. وأبغض القلوب إلى الله القلب القاسي ، قال تعالى:
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله الزمر:22. وقال تعالى:
ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم الحج: 53.
فذكر حال القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه وهذا بقسوته ، وجعل إلقاء الشيطان فتنة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب القلب الثالث ، وهو القلب الصافي الذي ميّز بين إلقاء الشيطان و إلقاء الملك بصفائه وقبل الحق بإخباته ورقته ، وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوّته ، فقال تعالى عقيب ذلك: و ليعلم الذين أوتوا العلم أنّه الحق من ربّك ، فيؤمنوا به ، فتخبت له قلوبهم ، وإنّ الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم الحج: 54.
فحديث الرسول صلّى الله عليه وسلّم قسّم القلوب إلى أربعة حسب مصيرها في الآخرة لتفاوت درجات الإيمان فيها ، وابن القيم قسّم القلوب إلى ثلاثة حسب حالاتها الإنفعالية ، فلا تعارض بين هذه التقسيمات ؛ فالقلب المؤمن في الحديثهو القلب الصافي ، وقلب الكافر هو القلب القاسي الغليظ اليابس كوصف القرآن لقلوب بني إسرائيل: ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة البقرة: 74. والقلب المائع هو قلب الجبان الذي تفرّق عليه همه وإرادته وفكره الذييزن به الأمور، الإمّعة التابع الذي ليس له قرار وحزم ، فهو يمكن أن يندرج في الأنواع الواردة في الحديث حسب درجة ميوعته.
كما يمكن تقسيم القلوب من عدة نواحي،(د. سيد محمد ساداتي : القلب في القرآن)
دون تعارض مع الحديث: باعتبار أصحابها تبعا لدرجاتهم في الإيمان ودركاتهم في الكفر والنفاق ، كما جاء في الحديث ،باعتبار حالها من صحة وسقم وحياة وموت وقسوة وهو مقارب لتقسيم الحديث الشريف،باعتبار صفاتها من السلامة والطمأنينة و التآلف والوجل والإخبات والإنابة والطهارة والثبات والخشوع والتقوى والسكينة واللين والرأفة والرحمة وما هو ضد هذه الصفات ،باعتبار لونها تبعا لحالها من السلامة والمرض والموت وهما لونان قلوب بيضاء بسبب الطاعات ، وقلوب سوداء بسبب المعاصي: فالمكنونات التي أعطت القلوب ألوانها البيضاء والسوداء هي بذاتها التي أعطت الوجوه أنوارها وظلامها: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ، فأمّا الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون آل عمران: 106 وأمّا الذين ابيضّت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون آل عمران: 107. باعتبار تأثّرها بالحق فإما تستجيب وتزداد إيمانا و تصديقا وإمّا تزداد في عماها وتفتن وتكفر وتجحد ،
باعتبار آثارها من صحة العلم والقصد والعمل والمسارعة في الخيرات أو الإنكار والإعراض واتباع الهوى والفساد في البر والبحر ،وكل هذه التقسيمات تدور في فلك الأنواع الأربعة التي ذكرها الحديث الشريف ولكن بمزيد من التفصيل.
يتبين لنا مما سبق خطورة وسمو وجلال وعظمة القلب في النشاط الإنساني. فهو مشغول بعظائم الأمور ، ولا يمثّل الحب ، أي حب المرأة ، _ مع سعتة _ إلاّ النذر اليسير . ومع شرف المكان ، وامتزاج العاطفة بالفكر فيما نسميه الوجدان _ وهو المعنى الخاص الذي أسقطناه على الوجدان في هذا الكتاب لتفسير مقولتنا _تضاءل دور الجنس في حياة الإنسان،و تأكد أن تضخيم دوره ، وتفسير الحياةعبره ، إنتكاس بالإنسان إلى مرتبة الحيوان. لذلك حفل التاريخ بعظماء ، جهلنا قدرهم ، لم يتسع وقتهم للزواج. فهم لم يخالفوا سنة الإسلام، وفاضت قلوبهم بالحب ، لكن شغلهم ترتيب الأولويات ، فلم يجدوا فسحة من الزمن ، وإنّما الأعمال بالنيّات. بل وذمّ البعض الهوى ، أي حب المرأة ، باعتباره أسمى أهداف الحياة. وعندالبعض الآخر لا بد أن يملأ القلب حب الرحمن ، وليس فيه بعد حبه مكان. لكن من العدل أن يعطى كل ذي حق حقه. أليس الله هو الذي جعل المودة والرحمة بين الأزواج ؟ وأنّ الزوجة الصالحة هي أكبر نعمة في الدنيا بعد تقوى الله عزّ وجل ؟ و أليس في بضع أحدنا صدقة ؟ ولست مع القائل:
وما ذرفت دموعي في الهوى سفها لفيء خلّ ولا تذكار جيران
لكن لذكر ذنوبليتها محيت بعفو ربّ وغفران وإحسان
فمن كمال الحب أن يذرف الدمع في الحالين ، فمن لم يذرف الدمع في الأولى يستعصي عليه في الثانية ؛ فمن فيض محبة الله محبة الكون بما فيه ومن فيه. وتفصيل ذلك في الحديث عن (الحب والدين).


