You are here

قراءة كتاب الجنس الآخر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الجنس الآخر

الجنس الآخر

إذا كانت الأنوثة وحدها لا تكفي لتعريف المرأة، ورفضنا أيضاً أن نفسرها بمفهوم «المرأة الخالدة» وبالتالي إذا كنا، نسلم ولو بصورة مؤقتة، أن هناك نساء على الأرض، فعلينا حينئذ أن نتساءل ما هي المرأة؟

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 6
إن العضوين المذكر والمؤنث اللذين يتوزعان بصورة متساوية في الجنسين ويتطوران تطوراً متماثلاً اعتباراً من جذور واحدة، يبدوان متناظرين تمام التناظر بعد انتهاء تكوينهما. وكلاهما يتميز بوجود غدد منتجة للخلايا المولدة. وفي الحالة الساكنة يبدو الذكر والأنثى متكاملين ولا يمكن إدراك فرديتهما الخاصة إلا من الناحية الوظائفية.
 
إن التكاثر في الأشكال العليا من الحياة يصبح إنتاجاً لأعضاء متمايزة، ويأخذ وجهاً مزدوجاً: يحافظ على بقاء النوع ويخلق مخلوقات جديدة: هذه الناحية التجديدية تتأكد بتأكيد الفردية. وعند الحيوانات الثديية، تأخذ الحياة أشكالاً أكثر تعقيداً وفردية وحينئذ يتحقق الانفصال إلى جنسين بصورة نهائية. على أن المرأة رغم مساهمتها مساهمة إيجابية في التوالد، تتلقى البذرة من الرجل الذي يضعها.
 
إن هذه المعطيات البيولوجية ذات أهمية كبرى فهل تلعب في تاريخ المرأة دوراً أولياً وتشكل عنصراً أساسياً في وضعها. ونظراً إلى أن الجسم هو وسيلة تمكننا من العالم فإن هذا العالم يعرض لنا بصورة تختلف باختلاف هذا التمكن ولئن استعرضنا المعطيات البيولوجية فلأنها أحد المفاتيح التي تسمح لنا بفهم المرأة لكننا نرفض الفكرة القائلة بأن المعطيات البيولوجية هي التي تقرر مصيرها نهائياً. فهذه المعطيات لا تكفي لتحديد التمايز بين الجنسين ولا تفسر لماذا تعتبر المرأة «الجنس الآخر» كما لا تحكم عليها بأن تحافظ إلى الأبد على هذا الدور الثانوي.
 
زعم بعضهم أن الفيزيولوجيا وحدها تسمح بالإجابة على الأسئلة التالية: هل للنجاح الفردي حظ واحد عن الجنسين؟ أي الجنسين يلعب الدور الأهم في النوع؟
 
فالمتشبعون بنظرية الموازاة النفسية - الفيزيولوجية حاولوا القيام بمقارنات رياضية بين الأعضاء المذكرة والمؤنثة متخيلين أن هذه القياسات تسمح بتعيين القدرات الوظائفية، أما نحن فنطرح كل فكرة من هذا النوع؟ لأن هذه نظريات تهدمت نهائياً. كما تطرح كل فكرة تقول بوجود تسلسل طبيعي للقيم لأن كل هذه النظريات التي تمزج بين مذاهب طبيعية غامضة ممزوجة باعتبارات خلقية وجمالية هي نوع من الإسفاف.
 
لا يمكننا أن نقارن بين الأنثى والذكر في النوع البشري إلا من الزاوية الإنسانية. ولا يُعرَّف الإنسان إلا بأنه كائن غير مُعطى وأنه يصنع نفسه بنفسه ويقرر ما هو عليه. وكما قال «ميرلو بونتي» ليس الإنسان نوعاً طبيعياً بل هو فكرة تاريخية. والمرأة ليست واقعاً لازباً بل هي صيرورة، لذلك ينبغي مقارنتها مع الرجل في صيرورتها، أي ينبغي تحديد إمكانياتها: إن ما يعيب كثيراً من المناظرات، أنها تريد أن تقصر المرأة على ما كانت عليه أو ما هي عليه الآن. ولكننا إذا واجهنا رأياً يوصف بأنه تجاوز على الحقيقة فليس بإمكاننا أن نغلق الحساب.
 
ما دمنا نتبنى الزاوية الإنسانية التي تُعرِّف الجسم اعتباراً من الوجود، فإن البيولوجيا تصبح علماً تجريدياً، وحين تأخذ إحدى المعطيات الفيزيولوجية (النقص العضلي مثلاً) مغزى ما، فإن هذا المغزى يبدو لنا حالاً مرتبطاً بكل معقد. ويجب الرجوع إلى قرائن وجودية واقتصادية ومعنوية كيما يعرف مفهوم «الضعف» تعريفاً ملموساً. وعلى ضوء البيولوجيا فقط لا يمكن القول بأولية أحد الجنسين على أساس الدور الذي يلعبه في تخليد النوع.
 
وأخيراً، ليس المجتمع نوعاً من الأنواع، ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود ويجاوز ذاته نحو العالم والمستقبل، وأن أخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا. والأشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم، بل يخضعون لطبيعة ثانية هي العُرف والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري. ولا يتولد لدى الشخص الشعور بذاته ويستكمل نفسه، بصفته جسماً فقط، وإنما بصفته جسماً خاضعاً للمعتقدات والقوانين. وهو لا يقيم نفسه إلا باسم بعض القيم، ومرة أخرى نؤكد، أن الفيزيولوجيا عاجزة عن تأسيس القيم، بل بالعكس، إن المعطيات الفيزيولوجية تكتسب القيم التي يضفيها الكائن عليها. فإذا حال الاحترام تجاه المرأة دون استعمال الشدة ضدها، فإن أفضلية الرجل العضلية مثلاً تفقد سلطتها.
 
هكذا، ينبغي لنا أن نفسر المعطيات البيولوجية على ضوء مجموعة العوامل البشرية، والاقتصادية، والاجتماعية والنفسية. إن خضوع المرأة لواجب النوع وحدود إمكانياتها الفردية هي وقائع بالغة الأهمية. فجسم المرأة هو أحد العناصر الأساسية من وضعها في هذا العالم. إلا أنه لا يكفي وحده لتعريفها. إذ ليس له من واقع وجودي إلا عن طريق الشعور ومن خلال فعلها ضمن المجتمع.
 
ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا: لماذا تكون المرأة «الجنس الآخر»؟
 
ينبغي لنا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية.

Pages