كتاب " أساليب تدريس التربية الاسلامية " ، تأليف محمد محمود عبدالله ، والذي صدر عن
You are here
قراءة كتاب أساليب تدريس التربية الاسلامية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
مفهوم التربية الاسلامية
لقد شاع استعمال كلمة التربية كثيراً وسارت على ألسنة الناس قديماً وحديثاً، ومع ذلك فهي تعني بمعناها الواسع كل ما يؤثر في حياة الفرد من خلال تفاعله المستمر مع المجتمع، تفاعلاً يؤدي الى تعديل سلوكه، وهي عند بعض المفكرين من أوسع الميادين التي لا يمكن أن يحيط بها البحث، فهي ليست قاصرة على مرحلة معينة في حياة الفرد، بل هي عملية مستمرة من المهد الى اللحد تجري في جميع الميادين والبيئات والأماكن.
وبحسب هذا المفهوم يكون موضوع التربية هو الفرد، واستناداً الى ذلك فإن البرنامج التعليمي ما هو الا محاولة يؤديها المتخصصون للتأثير على نمو الأفراد، ويكون ذلك باختيار الخبرات التي تنمو بها القيم المطلوبة لهؤلاء الأفراد، وكذلك تنظيم الخبرات.
إن التربية هي الوسيلة والأسلوب الاجتماعي الذي يكتسب به الأفراد طرائق الحياة وقيم المجتمع الذي يعيشون فيه، لأنها أداة رئيسية يعتمد عليها في التعبير عن إرادة التغيير.
والتربية أحد العناصر الأساسية في تحقيق التنمية، لأن جدوى التربية ينبغي أن يقاس بمقدار ماتسهم به، لا في النمو الاقتصادي الكمي فحسب.
أما التربية الاسلامية فتحتل مكانة مهمة في العملية التربوية من خلال ما تتضمنه من أبعاد روحية وتربوية وعلمية وأخلاقية، مستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي تهدف الى بناء شخصية متكاملة ومتوازنة.
والتربية الاسلامية لم تعد مجرد مقررات تعليمية تتصل بالدين الاسلامي وعقائده وشرائعه وأخلاقه، بل هي علم متكامل له أهدافه ومباحثه، وبناء على تلك القناعة ورغم اختلاف وجهات النظر في مجال التربية الاسلامية فقد طرحت مفاهيم تدل على مغزى هذه التربية، فهي إطار فكري يتناول قضايا التعليم ومفاهيم التربية المختلفة في أسسها النظرية ووسائلها العملية، ومصدر هذا الإطار القرآن والسنة بصفة رئيسية، ثم تأتي الجهود الفكرية لمفكري الاسلام.
إن التربية في الاسلام هي إعداد الإنسان منذ الطفولة لإنجاز مهمات الإسلام، لنيل سعادة الدارين، وبهذا انفردت التربية الإسلامية عن سائر النظريات التربوية، وإن الغاية الاساسية من التربية الاسلامية تكون في جعل الدين القوة الأكثر تأثيراً ودفعاً في كيان الطلبة الذين نعلمهم، بحيث تظهر آثار ذلك في سلوكهم وأنماط تعاملهم مع المجتمع وإن لم يصل المربون الى هذا الهدف فإنهم لن ينجحوا في التربية الدينية.
وما دمنا نتحدث عن التربية الإسلامية فلا بأس أن نتحدث عن الدين، فهو اتجاه المرء عقلياً أو انفعالياً نحو الله سبحانه وتعالى، والارتباط به ارتباطاً يجعله يؤدي ما عليه من حقوق وواجبات اتجاه الخالق، والالتزام بأوامره واجتناب نواهيه، وهو وضع إلهي بوصفه مجموعة العقائد والعبادات والأحكام والقوانين التي شرعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم.
والدين الصحيح هو الذي يجمع بين جانبي الروح والمادة أو بين عالم الروح وعالم المادة، وهو الذي يوازن بين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد، فهو دين الوسطية الذي جمع بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وبين عالم الغيب والشهادة، وبين الآخرة وحاجات الدينا، لذا يجب أن يكون هدف العملية التعليمية تلبية حاجات الروح والجسد معاً.
وعلى هذا فليس المقصود من الدين في المجال التعليمي هو تفهم النصوص وحفظها ودراسة النهج المقرر فحسب، وانما الى جانب ذلك هو عادات تمارس ومهارات تكتسب، تؤدي إلى تنظيم سلوك الفرد وتكوين أخلاقه وفضائله التي ينبغي أن يحرص عليها، ويتمسك بها في حياته.
إن الهدف الأول في تدريس الدين هو تعليم الطلبة بطريق الممارسة كيف يسلكون في حياتهم سلوكاً دينياً حميداً، مع توفير الأمل والطمأنينة لهم، وتخليصهم من المشكلات في حياتهم، وذلك يقتضي من المربين أن يجعلوا الدين شيئاً ذا قيمة في حياة الطلبة وفي كيانهم، وأن يرتفعوا بمستوى شعورهم الديني، بحيث تنعكس تعاليم الدين وقضاياه العلمية وقواعده المعرفية على ألوان سلوكهم.
وهكذا فإن التربية الإسلامية مستمدة من طبيعة الدين الإسلامي، وهي تستمد من القرآن الكريم مبادئها واتجاهاتها التربوية في تكوين الفرد والمجتمع.
وهنا يعد القرآن الكريم الإطار المرجعي لشؤون الحياة كافة، وهو الأصل في تشريع الأحكام وتحديد التصرفات، وهو يشتمل تصوراً للكون والإنسان والحياة، وهو الدستور الجامع لحياة الأمة الإسلامية.
ففي القرآن الكريم منهج كامل للتربية من حيث فلسفتها ومبادئها وأهدافها وأساليبها ووسائل التقويم فيها، وفيه عناية كبيرة بكل مايهم التربية والفلسفة، إذ يعالج نشوء الخليقة ونشوء الإنسان وطبيعته، ويؤكد وجود النظام في المجتمع والطبيعة، ويطلب تهذيب النفس وتقويم السلوك لتحقيق الأهداف التربوية السليمة.
إن التربية الإسلامية بعد ذلك تربية إنسانية لأنها تعني بالإنسان في مراحل حياته كلها، والتربية التي تعني بتنشئة الإنسان يقوم عليها أفراد انسانيون، ولذا اصطفى الله سبحانه وتعالى من عباده رسلاً وأنبياء لتبليغ الهداية ونشرها.
ونجد أن القرآن الكريم يعنف المشركين الذي كانوا يطالبون برسل من الملائكة، ويستنكرون كون الرسل بشراً قال تعالى:(قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُول) ([6]) فهذه الآية وآيات أخرى كثيرة تظهر أن من لطف الله في عباده أن يبعث فيهم رسلاً من أنفسهم، لأن هذا يعينهم على فقه ما يبلغونهم به، إذ لو كان الرسل ملائكة لما استطاع البشر الأخذ عنهم والتفاعل معهم.
وهكذا فإن الدين نوع من أنواع الحماية الفكرية والروحية والسلوكية، إذ له القدرة على إعادة تشكيل السلوك على نحو أفضل.


