كتاب " خمائل الواحة القطاف الثاني " ، تأليف د.
You are here
قراءة كتاب خمائل الواحة - القطاف الثاني
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
بمعروف
أَشعَلَتِ الشَّمعَةَ المُعَطَّرَةَ العَاشِرَةَ أَمَامَهَا ثُمَّ انْثَنَتْ فِي رِقَّةٍ تُلَمْلِمُ أَطْرَافَ شَالِهَا المُخْمَلِيِّ عَلَى ثَوبِهَا الحَرِيرِيِّ ، وَأَسنَدَتْ خَدَّيهَا عَلى رَاحَتيهَا تَتَأَمَّلُ فِي صَمْتٍ تِلكَ الثُلُوج التِي تَهْطلُ بِرِفقٍ وَهُدوءٍ مِن خَلْفِ نَافِذَتِهَا ، تَتَرَقَّبُ بِشَوقٍ ظَاهِرٍ وَقَلَقٍ بَادٍ لا يَمْنَعُ بَسْمَةً هَادئَةً أَنْ تَسْكُنَ أَطْرَافَ شَفَتَيهَا. كَانَتْ قَدْ أَعْتَدَتْ لَهُ مُتَّكَأً عَلى أَرِيكَةٍ وَثِيرةٍ ، وَزَيَّنَتْ المَائِدةَ بِمَا يُحِبُّ مِن طَعَامٍ ، وَأَطْلَقَتْ مِن زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ رَجْعَ مُوسِيقَى هَادِئَةٍ يَرُوقُ بِهَا. أَجَالَت النَّظَرَ مَرَّةً أُخْرَى لتَتَأكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ عَلَى مَا يُرامُ ثُمَّ عَادَت تُسْنِدُ وَجْهَهَا عَلَى رَاحَتيهَا وَتَتَرَقَّبُ فِي هُدُوءٍ وُصُولَهُ.
عَشْرُ سَنَوَاتٍ مَرَّتْ مُنْذُ التَقَتْهُ ، وَمَا زَالَ هَذَا الوُدُّ يَكْبُرُ حَتَّى بَاتَ حُبًّا بَنَى لَهُمَا بَيتًا أَسَاسُهُ المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالاحْتِرَامُ المُتبَادَلُ. ابْتَسَمَتْ وَهِيَ تَسْتَعِيدُ ذِكْرَياتِ السِّنِين الدَّافِئَةَ وَالعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ وَالآمَالَ وَالآلامَ. قَدْ أَسْعَدَنِي هَذَا الرَّجُلُ وَوَفَّرَ لِي حَيَاةً أَحْبَبْتُهَا وَمَا مَسَّنِي بِسُوءٍ قَط حَتَّى وَإِنِ انْزَعَجَ أَو تَبَرَّمَ. هُوَ مَا انْفَكَّ مَعِي سَمْحًا كَرِيمًا وَلَسْتُ أَدْرِي لِمَ أَشْعُرُ بِهَذَا الفَرَاغِ فِي صَدْرِي وَهَذَا القَلَقِ يَعْتَرِينِي مُنْذُ شُهُورٍ.
التَفَتَتْ نَحْوَ صُورَتِهِمَا حَيثُ ابْتَسَامَتُهُ وَابْتِسَامَتُهَا وَمَدَّتْ يَدَهَا تَرْفَعُ الصُّورَةَ وَتُقَبِّلُ ابْتِسَامَتَهُ تِلكَ ، تُناجِيهِ بِبَعْضِ وَلَهٍ وَوَجْدٍ ثُمَّ تُعِيدُهَا إِلى مَكَانِهَا. لِمَ هَذَا الوَجْدُ يَجْتَاحُنِي؟؟ وَلِمَ أَشعُرُ بِهِ حَائِرًا وَأَرَاهُ وَجِيدًا تَهْرُبُ نَظَرَاتُهُ مِنِّي وَبَعْضُ دَمْعٍ حَبِيسٍ فِي عَيْنَيهِ يُفْصِحُ؟ لَيتَهُ يُصَارِحُنِي بِمَا يُؤْلِمُهُ فَأُهَدْهِدَ رُوحَهُ وَأُلَمْلِمُ شَتَاتَ مَشَاعِرِهِ. لَيتَهُ يُفْصِحُ لِي عَمَّا يُتْعِبُهُ فَلَيسَ ثَمَّةَ مَنْ يَهْتَمُّ لَهُ وَلِرَاحَتِهِ مِثْلِي!
انْتَبَهَتْ مِنْ خَيَالِهَا إِذْ وَصَلَ فَسَارَعَتْ وَهِيَ تَمْسَحُ بَقَايَا دُمُوعٍ بَرِيئَةٍ وَتَرْسِمُ بَسْمَةً كَبيرَةً تَسْتَقْبِلهُ بِهَا تُغَالِبُ وَجْدَهَا .قَبَّلَ جَبِينَهَا وَضَمَّهَا بِحُنُوٍّ ثُمَّ ابْتَسَمَ شَاكِرًا مَا يَرَى مِنْ حَفَاوَةِ اللِقَاءِ ونَسَائِمِ العِطْرِ فِي الأَجْوَاءِ. أَمْسَكَتْ يَدَهُ بِرِقَّةٍ بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلا الطَّعَامَ تَتْبَعُهُ إِلى حَيثُ المُتَّكَأِ وَهِيَ تَهْمِسُ بِدَلالٍ:
- اشْتَقْتُ لَكَ يَا جُوزِيفُ.
- وَأَنَا أَكْثَرُ يَا مَارِيَّا.
جَلسَ وَجَلَسَتْ ، وَعاَد الصَّمْتُ يَسُودُ المَكَانَ ؛ عَيناهَا تَبحًثُ عَن عَينيهِ الهَارِبتينِ حَتَّى اصْطَادَتهُمَا بِنَظْرَةٍ وَدَمْعَةٍ. تَنَحْنَحَ مُرْتَبِكًا ثُمَّ قَالَ:
- هِيَ زَمِيلَتِي فِي العَمَلِ. لَسْتُ أَعْلَمُ كَيفَ تَسَلَّلَتْ إِلى قَلبِي الذِي يُحِبُّكِ حُبَّا جَمًّا. حَاوَلْتُ الهَرُوبَ وَحَاوَلَتْ فَلَمْ نُفْلِحْ. تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحِبُّكِ وَأُرِيدكِ وَلَكنَّنِي مُتَعَلِّقٌ بِهَا أَيضًا بِشَكلٍ يَستَولِي عَلَيَّ وَأَشعُرُ بِحُبِّهَا وَحَاجَتِي لَهَا. هِيَ لَيستْ أَجْمَلَ مِنْكِ وَلا أَرَقَّ وَلَكنْ بِينَنَا مِنَ الاهْتِمَامَاتِ والمُيُولِ مَا يَجْعَلُنِي لا أَسْتَطِيعُ إِلا أَنْ أُحِبَّهَا وَأُرِيدَهَا.
-أَنَا أُصَارِعُ مَشَاعِرِي هَذِهِ مُنذُ حِينٍ وَأَهْرُبُ مِنْ كُلِّ شِيءٍ إِلَيكِ ؛ أَنْتِ التِي لا مِثلكِ حُنُوًّا وَرِقَّةً وَوَفاَءَ ، وَلَكِنِّي أَفْشَلُ وَأَتَأَلَّمُ بَينَ رَغْبَتِي بِكِ وَرَغْبَتِي بِهَا. مَالَ عَلَيهَا - وَقَد خَذَلَتْهُ عَينُهُ - وَضَمَّهَا بِرِفْقٍ:
- سَامِحِيني حَبيبَتِي ، مَا قَصَدْتُ أَنْ أُؤْذِيَكِ بِشَيءٍ وَأَنْتِ مَنْ أَغْدَقَ عَلَيَّ بِحُبِّهِ وَاحْتَمَلَ مِنِّي نَزَقِي وَشَارَكَنِي الحَيَاةَ بِحُلوِهَا وَمُرِّهَا.
- لا تَعْتَذِرْ حَبِيبي! لا كُنْتُ وَلا كَانَ مَنْ يَضْطَرُّكَ لأَلَمٍ أَو اعتِذَارٍ!
غَالَبتْ تَمْسَحُ دُمُوعًا ثُمَّ أَرْدَفَتْ:
- أَنْتَ عِنْدِي كُلُّ هَذِهِ الحَياةِ وَمَا أَرَدْتُ يَومًا سِوَاكَ ، وَلَيتَ فِي القَانُونِ مَا يَسْمَحُ فَأَظَلُّ زَوْجَكَ مَا عِشْتُ ، وَتَكُونُ هِيَ لَكَ زَوجًا أحْتَرمُ وُجُودَهَا في حَيَاتِكَ ، لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لا يَسْمَحُ بِهِ قَانُونُ الدَّولَةِ وَلا حَتَّى الكنِيسَةُ ، وهَا بَاتَ عَلَيكَ أَنْ تَخْتَارَ بَينَنَا غَيرَ مُذَمَّمٍ ، وَإِنِّي لَولا أَنْ تَظُنَّ بِي غَضَبًا مِنْكَ أَو نُفُورًا عَنْكَ لَسَارَعْتُ أُفْسِحُ لَهَا المَكَانَ الذِي يَسْعَدُ بِهِ قَلْبُكَ وتهْنَأَ بِهِ نَفْسُكَ.
اتَّصَلَتْ بِهَا بَعْدَ أَيَّامٍ تُعَدِّدُ مَنَاقِبَ جُوزِيفَ وَتُوصِيهَا بِهِ خَيرًا وَتَتَمَنَّى لَهُمَا السَّعَادَةَ وَالسُّرُورِ وَتَسْتَأْذِنُهَا فِي أَنْ تَكُونَ صَدِيقَةً لَهُمَا تَطْمَئِنُ عَلَيهِمَا بَينَ الحَينِ وَالحِينِ.
أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ وَالتَفَتتْ إِلَيهِ تُغَالبُ دَمْعةَ فِرَاقٍ بَابْتِسَامَةِ وُدٍّ وَقَالَتْ:
-أَتَمَنَّى لَكُمَا السَّعَادَةَ ، وَسَأَكُونُ لَكَ دَومًا حَيثُ وَضَعْتَنِي لا يَكُونُ مِنِّي إِلا مَا تُمْلِيهِ فُرُوضُ الحُبِّ الصَّادِقِ. هَلْ تَسْمَحُ لِي بِالاحْتِفَاظِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ذِكْرَى عَهْدٍ مُحَبَّبٍ جَمِيلٍ؟
عَانَقَهَا وَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَاخْتَلَطَتْ بَينَهُمَا دُمُوعُ الشَّوقِ وَالفِرَاقِ.


