You are here

قراءة كتاب بائع الهوى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بائع الهوى

بائع الهوى

كتاب " بائع الهوى " ، تأليف حكيم بن رمضان ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 5

- يا حيدر، لقد جعل منك المنكر شاعراً. (مبتسماً) أو ربما كنت شاعراً مجهولاً.

- شاعراً؟... (يصمت قليلاً، كأنه يداري عن الناس أمراً) إنّ الشاعر الذي كان يسكنني قرأت خبر وفاته في إحدى الصحف... لقد انتحر. (يمرر أطراف أصابعه بين خصلات شعره الطويل) لم أحضر جنازته ولكن حينما تمت مراسم دفنه قرأت عليه الفاتحة. (كأنه أفشى أخيراً سرّه).

يدفع حيدر عصا البلياردو بشدة ولكنه يخطأ مرماه وتسقط الكرة البيضاء من على الطاولة، فيدركها شادي ليضعها في الوسط وكذلك تنتهي المقابلة. يهنئ عاشور شادي ويواسي حيدر.

- يموت الفنان ليحيا الفن يا حيدر. إشرب، فحين يذهب عقلك سيعود لك الإلهام. الشعراء شياطين وعرابيد.

كان عاشور رجلاً في الأربعين من عمره تقريباً، وقد اشتغل في الحانات سنوات، وحذق العمل بها حتى صار خبيراً في نفوس السكارى، فهو يعاملهم بوقار الشيوخ إلى حدود القارورة الخامسة فإن طلبوا أكثر حادثهم كالشبان، فإن شربوا أكثر من عشر تعامل معهم كالأطفال. كان حيدر يلقبه بخبير النفوس. أما عاشور فكان يرحب بهذا الدليل السياحي بحفاوة في فصل الصيف لكثرة البقشيش ولكن فصل الربيع أقل جوداً. على مقربة منهم كان شخص ذو قبّعة سوداء يصغي إليهما ويبتسم لحديث "عاشور" من دون أن يشاركهما الحوار.

إنها حانة على ضفاف الشاطئ. يغمر المكان دخان السجائر وصياح الحناجر، ويتقطع الحديث وتتعالى الضحكات أحياناً والسب والرفث أحياناً أخرى. فجأة يشتد الشجار بين بعض الحرفاء الذين يتبادلون الشتم فيتدخل عاشور لفك النزاع بينهم ويقود رجلين نحو باب الحانة وهو يشاركهما في لعن الآخرين.

يدخل في ذاك الوقت رجل في الخمسين من العمر أو يزيد، وقد اشتعل بياض الشعر في رأسه ولحيته؛ وكان يرتدي جاكتة مجعّدة بألوان زاهية كأنه قذف من زمن السبعينيات، وكان يحمل معه قفة تخفي ما فيها. حينما توسط القاعة ألقى السلام فلم يجبه أحد، فنادى في الحضور كمن خطب في شعبه أيام الستينيات: "يا أهل المنكر والمسكر أما فيكم من رجل رشيد؟".

غمر صوته الجوهري المكان فانحنت له الحناجر ولانت له الوجوه بشاشة. كل من تعرف عليه استقبله بابتسامة، أما من رآه لأول مرّة فرمقه بنظرة ملؤها الريبة. إنه بائع اللوز الذي يجوب الحانات ليلاً ليعرض على الحرفاء ما احتوت عليه قفته. كان يضاعف أثمان السجائر والفواكه، فإن جادله أحد في السعر حدثه عن الأداءات في هذا الزمن الصعب على الرغم من أنه ما كان له من أداءات يدفعها. مازحه شادي يوماً: "أتجوب الحانات كلها تكتشفها كمثل ذاك الباحث ابن بطوطة؟"، فأجابه حينها: "أنا لست ابنه بل والده". كذلك لقّب بين الناس "بطوطة". كان بشوشاً كثير المزاح مع الناس من دون أن يطيل المقام بينهم، فيجالسهم ثم ينصرف عنهم حينما تتعالى قهقهاتهم ليرسم على وجنتيه ابتسامة أخيرة ويرحل.

كان شادي يطيب له سماع حديث هذا الرجل المكنوز بالأسرار، فهو يحمل في قفته ما يخفى عن الأبصار وفي بشاشته آمال الشباب على الرغم من شيبته، وفي كلامه قصصاً وخرافات وألغازاً. فلما لمح دخوله دعاه ليجالسهما، فاشترط بطوطة كعادته كأساً من "البوخة" أسرع شادي في طلبها.

- قص علينا يا بطوطة رواية عن الحب أعيدها على مسامع زوجتي. أعلم أنها ستذهب عني نشوتي بلومها لتأخري.

- دعنا من الحب وهمومه يا شادي. بل احكي لنا يا بطوطة قصة عن الخمر وأسرارها.

- سأروي لكما خرافة عن الحب ملؤها الخمر، فبفضل الحب اخترع الإنسان الخمر. غير أني لا أرى على الطاولة برهانه.

نهض شادي من مكانه ليحمل إليه كوباً من "البوخة" وهي عصير التين المخمّر من بين اختصاصات البلد. قبل أن يبدأ بطوطة في سرد خرافته، ترشّف من الكأس مرتين، ثم روى فقال:

"يحكى أن رجلاً سقط من السماء فلما تكشّف على المكان اكتشف وحدته، فعاشر القردة حتى سئم ميوعة مجالسها فهجرها فزاره الشيطان يوماً يعرض عليه الصلح وصحبته، ولكنه طرده وفضّل وحدته، وبينما كان في أحد الأيام يجول الحدائق رأى خطى تشبه خطاه فتبعها حتى وجد عندها امرأة تبكي، فسألها: ما أبكاك؟ فقالت: أخاف النوم في العراء، قال: ستبيتين عندي. فاشترطت عليه أن لا يعاشرها إلا إذا أحبها، فإن أحبها، غازلها فإن غازلها، داعبها فإن داعبها، عانقها فإن عانقها، عاشرها، فقبل شرطها وعاشرها.

ومن الغد حينما خرج يجمع لها الخضر والغلال جاءها الشيطان يسعى قال: هل رضيت بخله عليك؟ قالت: لا أستطيع الحياة من دونه. قال: أسفي عليك، ثم خرج. فلما عاد صاحبها تمنّعت. قال: ما لك الليلة على غير حالك؟ قالت: أتحبني؟ قال: نعم، فقالت: أريد مهراً، قال: لك كل غلال الأرض، لكنها قالت: أريد عصيرها. فخرج يجمع لها أطيب الغلال وألذها وصادف الشيطان بين الكروم فتطيّر منه فسأله: هل تبحث عن خير فاكهة تعصرها؟ قال: أغرب عن وجهي. سمعت نصحك من قبل وندمت. قال له: كل الغلال طيبة، ولكن إياك عصر العنب فمذاقه مر. وانصرف.

فألقى ما له من فاكهة، وراح يبحث عن الكروم كي يعارض نصحه، فلما وجد العنب عند أرض منبسطة قطفه وعصره بيديه في إناء صنعه من جوز الهند، وحينما ذاقته قالت: إنه مر. قال: الكروم أنواع. وصارا يرتشفان منه كل مساء، وكلما شربا منه أكثر تعود لسانهما على مرارته حتى تطعّما حلاوته. في إحدى الليالي شربا كل ما حوى قاع الإناء، فانتشيا وزهت عيونهما وانشرحت وجوههما حمرة وتراخت أجسامهما، فلما أسلمت له نفسها عاشرها من دون أن يداعبها، وأدركها النعاس فنامت ليلتها مرهقة. من الغد استيقظت حانقة فيه: كانت هدية مغشوشة. قال: ما قصدت خداعك. قالت: تزوجني لعلي أصفح عنك. قال: فمن يعقد قراننا؟ فصمتت وأدارت عنه سحنتها.

خرج بين البوادي باحثاً عن أهل الثقة، فصادف الشيطان عن غير مصادفة. قال: قد غرّ بيّ عصير العنب. قال: ألم أحذرك مرارته؟ قال: قد غرتني حلاوته. قال: ذلك لتعهد لنصحي من بعد. قال: أتشهد زواجي بها؟ قال: بشرط، قال: لا تعسّر عليّ أمري، فقال: يكون لك بنون ونفير فيكون لي النصف. قال: قبلت. فشهد قرانهما.

عندما أنجبت أول أبنائها ذهب إليهما مهنئاً. قال: جئت لآخذ الغلام. قال: إنه أوّل أبنائي وأمه شغوفة به. فذهب ليعود إليهما مختالاً في مشيته إثر الولادة الثانية. قال: أما هذا الغلام فهو لي. فأجابه: إني شغوف به. قال: إنك عاهدتني، ردّ قائلاً: إنك نكثت العهد من قبل، فقال: لأغوينّ سلالتك جمعاء وأتخذ منها جنداً وعبيداً، قال: سأنصح بنيّ منك، قال: ما علمتك من الناصحين، أجاب: أخرج عني، قال: قد خيرتك أن تعطيني النصف وها قد منحتني أكثر. ضحك مقهقهاً ثم خرج.

ظل الرجل يطارده لاغتياله ولكن لا يجد إلا أثره حتى يئس منه ونسي أمره. كان الشيطان يختفي في إناء عصير العنب ويسكن قاعها، غير أن الرجل نسي أن يبحث عنه فيه".

بينما ابتسم حيدر مسروراً، تطيّر شادي من هذه الحكاية، فقد اشتاق ليلتها لزوجته، وكان بطوطة يستقبل تضجّر جليسه وبذاءته بالقهقهات، حتى سأله شادي متذمراً.

- وما العبرة من هذه الخرافة التي رويت؟

- ولِمَ تبحث عن العبر والحكم يا شادي؟ إنها خرافة مخمورة، كمثل تلك الكأس التي في يدك. هل للتدخين من لذّة سوى الحركات يا حيدر؟ كذلك قصصي ما لها من عبرة سوى الكلمات.

اكتفى حيدر بابتسامة. لم يرق له سؤال شادي كثيراً، فقد بدا له دون جدوى ولكنّه حينما سمع جواب بطوطة استماله الحديث فمضى يستدرجه في الكلام كي يخبره كيف يؤلف حكاياه، وقد سمع منها الكثير.

- أنا لا أؤلف القصص بل أرتجل الأحداث. ليست لدي الجرأة لكي أكون أديباً يقول ما يريد ويقرر ما يريد ويفعل بالبطل ما يريد ويذيق عدوه ما يريد ويقوّل شخصاً ما يريد وآخر ما يريد. أنا أشاهد ملامح الناس فإن ابتسموا أضحكتهم وإن عبسوا أبكيتهم وإن تكدّروا أحزنتهم وإن انشرحوا أفرحتهم. الناس يكتبون حكاياتي بمحياهم وبمزاجهم، أما أنا فلا أفعل أكثر من أن أنقل إليهم أخبارهم. كل إنسان يحمل في ذاته فناناً.

Pages