You are here

قراءة كتاب قضايا في الرواية الأردنية

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
قضايا في الرواية الأردنية

قضايا في الرواية الأردنية

كتاب " قضايا في الرواية الأردنية " ، تأليف الدكتور نضال الشمالي ، والذي صدر عن دار المؤسسة للدراسات والنشر .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

فعلى سبيل المثال شخصية الأمير فيصل بن الحسين(44)لقيت اهتماما كبيرا من قبل الروايتين لدورها الفاعل في السياق التاريخي الذي اختارته الروايتان، لذا كان لزاما أن يفعـّل لا بالسرد فقط بل بالحوار أيضا، إذ لم يكتف الرواي باستعراض المعلومات التاريخية عن شخصية الأمير فيصل سردا بل غامر بإدخاله في بعض المشاهد الحوارية: هزّ (هجرس) ستائر الخيمة برفق كأول إشارة يقوم بها تنبيها مهذّبا لإيقاظ سيده، أطبق (فيصل) جفنيه موهما العبد أنه كان نائما، حتى إذا ما اقتربت خطى (طفس) تحرّك بهدوء وتثاقل المتيقظ، يخدع (فيصل) عبديه وفي العينين احمرار وسهد ليلة أخرى ضائعة في أرق،··· أحضر (طفس) قصعة التمر والكعك وسمح لنفسه أن يتبسّط ضاحكا: سيدي، لزوم تفطر اليوم، ستي رسلت الكعك· وضع الصحن المعدني المعبأ بقطع صغيرة من الكعك الذي يعرف فيه الأمير صنعة أمه، يتذكر كم مرة هرّب رسائله من دمشق وسط حبات الكعك التي صنعتها نساء آل البكري·· رشة الحنان الصباحية عرب القفاز طبعت ابتسامة حزينة على وجهه المرهق، مد يده متاولا فنجان قهوته المرّة التي جاء بها سالم ومجّ من سيجارته نفسا عميقا، فأدرك الحرس الثلاث أن هذا أوان دخول الآخرين· دخل (فايز الغصين) شادّا خنجره حول خصره، فلمح الأمير عبر شقوق ستار الخيمة مجموعات من المتسولين الذين افترشوا الطريق، قال بنبرة مشفقة: لا تطيلوا قعدتهم، سنعوهم بالمقدور عليه·(45)، ومع ذلك يبقى توظيف شخصية تاريخية بوزن الأمير فيصل أمرا بالغ الحساسية، فالرواي لا يريد أن يدخل في مغامره حوارية تفسد السياق التاريخي لهذه الشخصية مكتفيا بإبراز حسّها المسؤول قبيل الحسم وإنجاز المأمول، ولكن راوي الزوبعة كان أكثر جرأة في ذلك ففي المشهد العشرين من الجزء الثالث يدور الحوار التالي بين الملك فيصل وأحد مساعديه عن مقتل رئيس الوزراء السوري في عهد الانتداب الفرنسي علاءالدين الدروبي في 20 من آب 1920: لم يتحسّس أنور عنقه بل مرّر أمامها سبابته خطفا وهوينقل للملك، خبر مقتل الدروبي الذي عرف به بمجرد وصول الباخرة إلى نابولي: ذبحوا الدروبي مثل النعجة··· شخصت عينا الملك وثبتت نظراته في أنور للحظة· ثم سأل بنبرة حادة أقرب إلى الأمر: متى؟

- قبل يوم·· قال أنور وبلل شفتيه·

نهض الملك من كرسيه بهدوء وما يزال ينظر في عيني أنور: ما تحكي ؟··· انتبه إلى الجريدة في يد أنور فأضاف بصوت أعلى: ويش صار يا أنور··· وحرك إصبعه إلى داخل راحته مرّات عديدة··· فتقدم أنور نحوه وسلّمه الجريدة· (وبعد أن قرأ الخبر بنصه الذي ورد فيها وحرص الرواي على نقله) علت الدهشة تعابير وجه الملك، فأضاف أنور: كان يتمنى يذبحونا· علت الدهشة وجه الملك···

قال الملك: قولك كان رايح يخوّف الحوارنة· هزّ أنور رأسه يمينا ويسارا، وقال بثقة مصطنعة: كان رايح يا مولاي وهو واثق أنوه الحوارنة يخافوه ويرهبوه· ويمكن ظن انوه يحبوه كمان·

- ول·· قال الملك متعجبا، ثم سأل بخبث: وكل هذا كنت تدريه عن الدروبي وما قلت من قبل شي؟(46)· مثل هذا الحوار يقربنا إلى درجة انعدام المسافة بيننا وبين الشخصية التاريخية، والأمر لا يخلو من مخاطرة مع أنه أضفى على التاريخ مسرحة ضاعفت من قابليته وخففت من نزعته السياسية· إن تخيّل المشهد الحواري التاريخي الذي لم تروه كتب التاريخ بتفصيل يحتاج إلى قدرة فائقة على هضم المعلومة التاريخية ومن ثمّ تصديرها سرديا، وهذا ما اكتنف المشهد السابق، من هنا تعتبر شخصية الملك فيصل من الشخصيات التاريخية الفاعلة في الحدث وليست مقصاة عنه، حتى أنه في بعض المواقف يشترك في حوار مع شخصيات متخيلة مثل فرحان الصليـبي والشيخ زعل الجبيلي، وضمن هذا التوصيف الجريء تظهر إديولوجية كاتب العمل زياد قاسم بخفوت إذ يدعم في روايته الممتدة على ستة أجزاء الفكر القومي وينتصر للشخوص الذين أسهموا في تحقيقه·

ومن الشخصيات التاريخية التي فُعّلت في الروايتين شخصية الإنجليزي لورنس العرب(47)الذي كانت له اليد الطولى في الثورة العربية الكبرى· وقد لا قى اهتماما من الروايتين مدار النقاش· ففي رواية القرمية يشترك لورنس بوصفه شخصية تاريخية في أكثر من مشهد حواري مع شخصيات تاريخية أو متخيلة· وفي المشهد التالي يتحاور كل من عودة أبو تايه ولورنس وهما شخصيتان تاريخيتان وعقاب وهو شخصية متخيلة من نسج الراوي: تحرك الفرسان من الحويطات باتجاه ديرتهم استعدادا لأمر يعلمه عودة فقط، تدافعت خيلهم وبغالهم خارجين من المعسكر··· ثم وقفوا مبدين استخفافا يخفون وراءه دهشتهم وانبهارهم في حين راحت سيارتان رولز رويس عجيبتان في مظهرهما تتقدمان باتجاه المعسكر، تخبّ حولهما ناقة مذعورة، وقد امتطاها رجل قصير أشقر برأس كبيرة··· وميّز عقاب لون عينيه الأزرق وهو يقف مشدوها قبالة فرس عودة، همس عقاب لنفسه:

- الأحمر بعيون زرقا يكفانا شره·

بحلق الانجليزي بعودة وتمتم بعربية مكسرة لكنها مفهومة:

- لا بد أنت عودة·

قهقه الشيخ وهزّ رأسه:

- زين·· زين·· وأنت خوينا النقليزي اورنس ما تخفانا·

هزّ لورنس رأسه جذلا، لقد طارت أخباره إلى الشيخ الذي تمنى لقاءه وارتجى حضوره طويلا.(48)· إن مثل هذه التفاصيل الافتراضية لمشهد مثبت تاريخيا لا يمكن بحال من الأحوال أن تلغي سمة الأمانة التاريخية في نقل الأحداث، هروبا من النمطية التي يمكن الوقوع فيها جراء السرد المتتابع دون ترك المجال ممكنا أمام هذا النوع من الشخصيات، فتغدو قريبة من القارئ، وقد نجح زياد قاسم في الجزء الأول من الزوبعة في أن يقترب من ذهنية لورنس وأن ينطقه بكلمات توقع زياد قاسم أنها دارت في خلده إبان التحضير مع القبائل العربية لاحتلال العقبة في خطوة عملية أولى ضد الأتراك· وفي المشهد التالي نلحظ حوارا عميقا بين لورنس بوصفه شخصية تاريخية مثبتة وسيف الحجاج بوصفه شخصية متخيلة من أبناء القدس الحريصين على الدين ورفعته: لم يجب سيف بل نخس جواده فأسرع الجواد قليلا به، لكن لورنس لحقه· وقال بنبرة فيها حرج واضح: صدقني سيد سيف بأني مقتنع تماما بجدوى ومنطقية وعدالة الحرب التي يقوم بها العرب· أما أنا وإن كان السبب الذي يدفعني للحرب معكم جوهريا إلا أنه ليس منطقيا على الإطلاق· أحيانا أحس بأني أقاتل معكم ولأجلكم فأنت تستحقون الحرية··· وفي أحيان أخرى أحس بأني أخدعكم، خاصة عندما التقي بقادتي الذين تهمهم خرائطهم أكثر مما تهمهم ثورتكم وأوطانكم وأديانكم· فاشعر بالذنب··· لكن صدقني يا صديقي بأنني لا أشعر أبدا بالنقاء كما أشعر فيه معكم عبر هذه الصحراء·

قال سيف بخبث: لماذا إذن تحيط نفسك بكل هذا العدد من الحرّاس؟

- ما الضير في هذا؟

- انهم يكلفونك الكثير·

- إنهم لا يكلفونني شيئا··· أصحاب الخرائط المترهلون هم الذين يدفعون··· وضحك ملء شدقيه··· فنظر إليه سيف بافتنان، وقال: أنت حكيم وصادق سيد لورنس·

ضحك لورنس: آووه· كثير مما قلته لك قرأته في الكتب·

- ومع هذا أنت صادق مع نفسك·

- لا أحس بأني صادق مع نفسي· فالصدق مع النفس يجب أن لا يكون لحظيا· سوف أعود يوما إلى بلادي مثلما ستعود أنت ويعود الجميع، سينساكم الناس سريعا بعد ذلك· أما أنا فسأجتمع مع الأبالسة حول مائدة واحدة مليئة بالمغريات··· وهناك سأعاني مأساتي الكبرى، فللكذب حلاوة وللصدق مرارة(49)·

Pages