تقديم : النص المشهدي وفق أسلوبية قصيدة المرايا
عندما تكون الطبيعة مساحة الرمز الكامن داخل الشعور الوجداني، تصبح مساحة الاستعارة المتقاربة من رمزية الوجدان طاقة واسعة للتعبير،أي تكون النصوص نصوص المرايا المعكوسة من تداخل الحس الوجداني المضاءة بنسق الفكرة التي تكون الجملة الشعرية، لهذا تكون الدلالة وفق ذائقة المدلول المشار إليه، عندها تتوضح الفكرة التي يسعى إليها الشاعر لأن أي نص شعري لا يمكن أن يبنى إلا وفق الفكرة التي تصوغ الرؤيا في إيجابية اللغة التي تقارب فعل الشعور الجواني من خلال تطلعات التعبير عن كوامن الذات المنتجة للنص .
وهنا نجد أن الشاعرة أملي القضماني في مجمـــوعتها ( أزهار حافية ) استطاعت أن تجد الفكرة وإحداث المقاربه لها من خلال اللغة التي استطاعت أن تعبر عما تريد أن تعطيه من دلالة، لأن المدلول بقدر الكامن في داخل النص، أي أن المدلول هنا هو انفراج الدالة على التعبير عنه من خلال الجمل الشعرية، وقد فعلت الشاعرة هذا لكي لا تميل هذه الجمل الى الخفوت أو تفقد طاقة التعبير المتوهج داخل بؤرة النص في الحوار الداخلي مع المكان او الطبيعة ( الوطن ) هذا ما جعل الشاعرة تحافظ على نسق التأمل الذهني في تركيب الصور الشعرية المتقاربة بأبعاد حدود الذائقة الفكرية داخل نسق النص، و لكي يبقى الحدث الخارجي هو الذي تسعى إليه الشاعرة من خلال الطاقة التعبيرية الداخلية عندها ووفق رموزها الانعكاسية في الرؤيا المتحققة نحو العالم و الحياة .
نص مواسم ..
الفَجرُ يأتي يَغسِلُ ممَرَّ الشَّمسِ
يُحَمِّرُ خَد الشَّفَق
يَرمي وِشاحَ العِطرِ عَلى أحواضِ الزَّهرِ
يَختٌ مِن خَشَب الصَّندَلِ
يَحِملُ رَسائلَ الحُبِّ مَوجاً مِن شِعرِ العِشقِ
يَرمي مَرساتَهُ في قَلبي
قطرة آه
نلاحظ أن الرمز في هذا النص جاء وفق التعبير الاستعاري الذي يعطي البعد الرمزي لوجدانية الفكرة التي تتكون داخل حدود الذات والتي تعكسها هذه الذات على الرموز التي تريد أن تعبر بها عن الشكل الصميمي المتداخل والمتشابك مع كل الأحاسيس الوجدانية الخفية في رؤيا الفكرة المنتجة للتعبير الدلالي داخل النص (الفَجرُ يأتي يَغسِلُ ممَرَّ الشَّمسِ /يُحَمِّرُ خَد الشَّفَق / يَرمي وِشاحَ العِطرِ عَلى أحواضِ الزَّهرِ) الاستعارة هنا ايحاء لحالة الذات وهي تعيش الفيض الوجداني العالي أو هي حالة أنتظار قد طال أنتظاره فجاء الفجر يغسل الممر للشمس, فالقدوم هنا للفجر الذي يأتي بالشمس أي أن حقيقة الحياة المنبعثة من داخل الذات ما هي إلا الحقيقة الثابتة كالشمس بصدقها وعمقها في ذاتها فمشاعرها لا تتغير بل تكون عنوان الشفق الذي يدل على عمق ما هو موجود داخلها وهذا ما يؤدي الى الفيض بالعطر على حوض الأزهار اي أن مشاعرها رقيقة وشفافة بقدر ما يوجد من مشاعر داخلها، وهذا ما يجعلها تحمل رسائل الحب وموج من العشق ( يَختٌ مِن خَشَب الصَّندَلِ / يَحِملُ رَسائلَ الحُبِّ مَوجاً مِن شِعرِ العِشقِ / يَرمي مَرساتَهُ في قَلبي /قطرة آه ) كل هذا الوضوح الأكيد يرمي مرساته في قلبها, وكأنها تعيش حالة حلم داخل روحها لكن في لحظات المتمازج كليا بين الرموز الداخلية و الخارجية, فالأشياء الخارجية ما هي إلا الفعل المنعكس في حركتها داخل الذات بكل رموزها الحية .
نص عشقي وقبلتي ..
قَميصي الغارَقُ في العِطرِ وِسادَتي الَمجنونَةٌ
جَسَدي الُمسَجّى عَلى مَوجةِ عِشقٍ
يَلتَفُّ بِشالٍ مِن شَهدٍ
يَلتِحِفُ الغَيمَ
يحتَفِلُ بالمَطَرِ
إن القصيدة الحديثة تتمحور على الادارة الفنية التي من خلالها يتوصل بها الشاعر لكي يوضح فكرته التي تكون المعادل الحسي لملكة الخيال, حيث نلاحظ هنا أن الشاعرة أستطاعت أن توظف هذه الأفكار في مجموعتها وتجعل من الرمز هو الدلالة الموحية لما تريد أن تؤشره وفق معطيات الأشياء وقربها من رموزها الذاتية وكما قال موسيه ( العمل الأدبي قبل أن يكون نتاجا أو تعبيرا هو بالنسبة للذات المبدعة وسيلة للكشف عن الذات ) .
الشاعرة أمتلكت طاقة التعبير التي تمازجها مع تلك الأشياء, بدأت بالقميص الغارق بالعطر لتعبير عن الفيض المعبر عن المكنون داخلها لتبين أنها تملك كل الأشياء الجميلة الموحية بالجمال والمحبة (قَميصي الغارَقُ في العِطرِ/ وِسادَتي الَمجنونَةٌ / جَسَدي الُمسَجّى/ عَلى مَوجةِ عِشقٍ/ يَلتَفُّ بِشالٍ مِن شَهدٍ / يَلتِحِفُ الغَيمَ / يحتَفِلُ بالمَطَرِ) ومن ثم تثبت أن ما في داخلها هو المساحة العالية من التعبير عن أمنياتها وهي تعيش وسط وحدتها التي تجعلها تصور كيف تنتهي هذه الوحدة ,والوسادة المجنونة ما هي إلا التعبير عن رغباتها المتشظية في أحلامها فكل شيء فيها ماهو إلا الجمال الذي تمتلكه في حسها الوجداني والمتراكم في روحها, وهنا تكمن الأنساق الجوانية في كل هذه الرغبات والأمنيات من خلال التعبير عن ارتباطها الروحي والجسدي بالحبيب الوطن فهي تجعل هذا الحبيب هو الأقرب الى كل رغباتها الباقية داخلها فهو رمز للرجولة والعشق الحقيقي الذي تنتمي إليه (عُصفورُ الدّوري / يَبني عُشَّهُ بَينَ شُقوقِ الحَجَرِ / وَفِنجانُ قَهوَتي / يَحتَفي بِلَهفَتي / بِرجفَةِ شَفَتي / وَجُنونِ رَشفَتي / وَتَبقى يا وَطَني /عِشقي وَقبلَتي ) حيث يمثل لهفتها ورجفة شفتها وكل المحاور التي تؤدي إلى العشق فليس هناك عشق بقدر عشق الوطن, والشاعرة أستطاعت أن ترمز عن أعماقها من خلال الرموز الجسدية المعبرة عن التمازج الكلي الوجودي بينها وبين وطنها وكأنها هي الأنثى والوطن هو الرغبة والحلم, وهي بهذا حققت التعبير الأستبدالي والترابط الجدلي ما بين الجسد وتربة الوطن أي أنها عبرت عن طوبوغرافية المكان و الجسد مع أرض الوطن وهذا هو التعبير التمازجي على طريقة التصوف في أحداث المقاربة الكلية في مشهدية الحياة التي تحياها تجاه وطنها والأندماج معه كليا.
نص مطر ,,مطر ..
مَطَرٌ مَطَرٌ
عَلى نافِذَتي
بَلَّلَ سَتائرَها
المُلثَّمةَ بالسَّهر
مَطَرٌ مَطَرٌ
مزَّقَ وِحدَتي
واقتَحَمَ عُزلَتي
رائحةُ التُّرابِ المُبلَّلِ بالمَطَرِ
اقتَحَمَتْ قَلبي
راوَدَتني عَن رغبَتي
غزَّ حُلُمهُ
في فِنجانِ قَهوَتي
مَطَرٌ,,مَطَر
إن الأرتكاز على الدلالة التي تقارب الحس الوجداني والتي تكوّن قوة الصورة الشعرية الكامنة في أثارة عواطفنا، تكون استجابة للعاطفة الشعرية في الفكرة (مَطَرٌ مَطَرٌ /عَلى نافِذَتي / بَلَّلَ سَتائرَها /المُلثَّمةَ بالسَّهر /مَطَرٌ مَطَرٌ /مزَّقَ وِحدَتي /واقتَحَمَ عُزلَتي ) والدلالة هنا هي الوحدة التي تعيشها وهذا ما يجعلها تتمازج مع التصور الذهني الذي يعتمد الحدس والإيحاء بالمشاعر الجوانية حيث تتمثل بالنزوح إلى الفعل الذي يحرك الحياة حولها من خلال الرموز الطبيعية ( المطر ,النافذة , الستائر , والسهر .. المطر) أي أن المعنى هنا متدرج ما بين الذات والطبيعة الحية التي حولها حيث تمثل مشهدية البانوراما في تفاصيل الأشياء والتي تقارب حالتها الوجدانية في لحظة تفجر الفكرة التي تحرك المعنى حولها بكل هذه الأشياء المترابطة مع إحساسها الجواني وقد أستطاعت الشاعرة من توظيف كل هذا كرمز منجدب الى رموزها الداخلية ,لكي تحدد بهذه الأشياء الحالة التي تعيشها من داخل الوحدة والعزلة (مزَّقَ وِحدَتي/واقتَحَمَ عُزلَتي / رائحةُ التُّرابِ المُبلَّلِ بالمَطَرِ /اقتَحَمَتْ قَلبي /راوَدَتني عَن رغبَتي / غزَّ حُلُمهُ / في فِنجانِ قَهوَتي /مَطَرٌ,,مَطَر) فهي جمعت كل هذه الأشياء مع المطر وكأن المطر هو الكاشف لجوهرية الأشياء التي تتحرك داخلها والمنسجمة معها وتكون الأفعال : ( مزق , أقتحم , أقتحم , راود ,غز ) هي الأفعال المنسجمة مع حالتها النفسية المنكشفة كحالة المطر, وكل هذه الأشياء ضمن أحاسيسها التي تقتحمها كارتداد للفعل النفسي التي تكون لديها من الوحدة والعزلة, أي أن المكان أو الطبيعة مساحات للرمز الكامن داخل شعورها الوجداني, والتوظيف كان متماسكا منسجما بأنسيابية الرؤيا والتداعي المكاني .
نص عتمة ..
أفرِدُ غِطاءَ السَّريرِ
فَوقَ مَوتي
صَوتُ موسيقى سِحرَيّةٍ
مِن مَكانٍ مَجهولٍ
قَمَرٌ مُكتَملٌ
ولَيلٌ يَلِفُّ الغُرفَة
تَبدو الأشياءُ دامعةً
بِشكلٍ عادي
بعد أن عاشت الوحدة والعزلة تأتي لحظة التفكير بالموت كشرط لموت الأشياء ومجهوليتها في الحياة, حيث تفرج الدالة هنا لتحدد مسير كل الأنجذابات في محور الحياة التي تعيشها من الداخل أو أن كل الأشياء حولها ما هي إلا صدى للتصور الذهني المندفع من الداخل الى الخارج ليرسم حدود تأثير هذه الأشياء وقرب رمزيتها الى المعترك النفسي الذي تعيش، أي أنها تبوح بكل عوالمها الجوانية والتي تختفي وراءها كل العلاقات الحميمية المرتكزة على أعماق اللاوعي والوعي المركب من الإنتباة إلى الحياة التي حولها, فهي تعيش حالة العقل بالحس الوجداني وفق نسق التداعي الذهني لرسم الصورة الشعرية داخل النص, بحيث يشعر المتلقي أنها تعيش حالتي الحلم و الأمنيات البعيدة عنها الماسكة لفعلها الجواني لأن المعنى لا يتكون فقط وفق الأحاسيس وتناظرها مع الأشياء الظرفية بقدر ما يتكون وفق الرؤيا المنبعثة من داخل التصور الذهني وأشتراط الحياة (أفرِدُ غِطاءَ السَّريرِ /فَوقَ مَوتي /صَوتُ موسيقى سِحرَيّةٍ /مِن مَكانٍ مَجهولٍ /قَمَرٌ مُكتَملٌ /ولَيلٌ يَلِفُّ الغُرفَة /تَبدو الأشياءُ دامعةً /بِشكلٍ عادي ) لهذا نجد في أغلب نصوص الشاعرة تداعي المجهول كإشارة على مجهولية الحياة حولها بسبب عدم قناعتها لكل ما تعيش, وحين تكون الموسيقى سحرية لكنها من مكان مجهول, يرسم الحلم الخارج نسق تفكيرها وعدم أطمئنانها للقادم ,والقمر ما هو إلا فسحة الأمل وسط الليل حولها, وهي بقدر إحساسها بالوحدة والعزلة لعدم قناعتها بكل ما يدور حولها، لم تفقد الأمل لكي تعيد التصالح مع الحياة و تبعد اليأس عن دروب حياتها ...
الشاعرة أستطاعت أن تحقق النص المشهدي وفق أسلوبية قصيدة المرايا و من خلال التجاذب بين رموزها الداخلية مع الأشياء حولها لكي تمثل عمق ما تعيش من الداخل، ومن خلال التوظيف والرمز والإستعارة في اللغة أستطاعت أن تحقق التلاحم بين ما في داخلها والصور المشهدية للحياة حولها وهذا ما جعل النصوص لها متناظر ومتماسك في حركة البؤرة النصية داخل الجمل الشعرية في هذه المجموعة .
الأديب الناقد
عباس باني المالكي
العراق
اهداء
الى أرواح
من رحلوا
الى الأرواح
التي تحلق في فضائي
وتمنح الحياة معانيها
الى الطبيعة والمكان
الى الجولان
اوراق الصفصاف
1
مَواسِمُ القَمحِ تُغنّي لِطفلَةِ الشَمسِ
ولحَظاتِ الجُنونِ تُجدِّلُ سَنابِلَ الضّوءِ أغنياتٍ للبَحرِ
جَسَدي مُلقىً على رَجفَةِ الشَّوقِ
وَروحي حُبلى بتَفاصيلِ الاعتِرافِ بِحُبكَ
2
تمتَعِضُ الأُمنياتُ مِن انكِساف ِالوَعدِ وخيَبةِ الأمل
ينتَظِرُ الضّوءُ هَديلَ الشَّجَرِ في مَشاعِ الكَونِ بَحثاً عَنّي
3
أيُّها المُسافِرُ في مَساحاتي
والُمنهَمِرُ في نبَضاتي
تَستوطِنُ حُلُمي وشُرُفاتِ روحي
فأُجدِّلُني خُصلاتِ شَعرٍ
في شاطيء الفَجرِ
وأطلِقُني في فَضاءاتِ العِشقِ
سَنابلَ ضوءٍ
ووَشوشاتِ حُبْ
4
روحٌ تُعانِقُ غَيمَةً
وَدمعَةُ يتيمٍ تَنهَمرُ مُحتَفيةً
بِوجهٍ مُسجَّىً على سَطرِ الوَجَع
ومَدينةُ تَبكي حُرّيّةً
تَضرَّجَتْ بدماءِ عَصافيرِ الجنَة