eKtab
EN ع
14 يوم هزت الكويت
Read free sample

14 يوم هزت الكويت

by طارق عبد الله العيدان

Page 1

مقدمة

واقعة انتقال الامارة او ما يسميه المؤلف "أربعة عشر يوما هزت الكويت" مهمة جداً في تاريخ الكويت الدستوري والسياسي، الواقعة المشار إليها تسمح باستخلاص عدد من الدروس المفيدة لأي جماعة:

- العاطفة والقانون: لعل الجدلية بين هذين المفهومين من حيث اعتمادهما كأسلوب للتعامل مع الوقائع هي أحد مفاتيح فهم مشكلة انتقال السلطة. كان معلوما بالشيوع العام أن الشيخ سعد العبد الله، في الفترة الأخيرة من حكم الشيخ جابر الأحمد، رحمهما الله جميعاً، مصاب بمرض يمنعه من النهوض بأعباء ولاية العهد، والمرض أمر يجري على الناس ولا ينقص من قدرهم.

وقانون توارث الإمارة يتضمن تنظيما للموضوع، ومع ذلك كان هناك حاجز نفسي يحول دون تطبيق أحكام القانون. واقع عدم القدرة الصحية للشيخ سعد فرض العدول عن جمع ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء، وكان منطقيا الذهاب أبعد من ذلك وتنحية الرجل عن ولاية العهد، ولكن عواطف الحب ناحية الشيخ سعد منعت اتخاذ القرار المطلوب مع أن في تطبيق أحكام قانون توارث الإمارة حماية لماضي الرجل وتجنيب البلاد احتمال تعريض استقرارها لمخاطر ممكنة.

 


النتيجة التي يمكن استخلاصها هنا أن تطبيق القانون أولى من إهماله، وأن العاطفة -على أهميتها في حياة الناس- لا يجوز أن تحكم تصرفات الجماعات وبالذات في الأمور العامة.

- عمومية النص وخصوصية الحالة: نص القانون الأصل فيه العموم والتجريد، وفي تطبيقه ننـزله على الحالة المعروضة إن كان ينطبق عليها. تفسد المعادلة السابقة إن كان فهمنا للنص يرتبط بموقف مسبق من الحالة المراد تطبيق النص عليها.

في موضوع انتقال إمارة الدولة نص الفقرة الأولى من قانون توارث الإمارة يقرر بوضوح بأنه في حال خلو منصب الأمير ينادى بولي العهد أميراً، وتقرر المادة 60 من الدستور بأن ولاية الامير لا تعني ممارسته صلاحياته، إذ يلزم قبل ذلك أن يؤدي في جلسة خاصة القسم المذكور نصه في المادة المذكورة.

Page 2

تعبير "أداء" يعني منطقيا القيام بالفعل من قبل من يلزم عليه أداؤه، كما أن أداء القسم يكون كما هو دارج. البحث عن شكل جديد لأداء القسم لأن الحالة الصحية للأمير لا تسمح له بأداء القسم على النحو المعتاد، يكشف عن محاولة تطويع النص وفق الواقعة وليس مجرد تطبيق النص.

طرح مفهوم الضرورة لبحث الصلاحيات التي يمكن للأمير ممارستها قبل أداء القسم حال توافرها أثار أيضا قدراً من اللبس والتردد، لأن من قواعد الضرورة أن تقدر بقدرها ولا يقرر حكمها بناء على افتراض وجودها، فالافتراض بذاته يتعارض مع الأصل في القاعدة وهو عدم التوسع فيها. نعم في البحث الفقهي المجرد نظرية الضرورة تفيد في تقرير الحكم لو كنا أمام حالة مجلس أمة غائب ويلزم إصدار مرسوم من المراسيم والأمير لم يقسم بعد وفق حكم المادة 60، ولكن عدم توافر مثل هذا الفرض لا يسمح بتقرير جواز ممارسة الأمير بعض صلاحياته قبل أداء القسم. إذاً الانطلاق من الواقعة لتحديد معنى النص يقود الى احتمال تطويع النص وفق الحالة وليس إنـزاله على الحالة، وهذه الممارسة تقود من بعد ذلك إلى اللبس والخلاف، كما أن الاجابة عن أسئلة غير مطروحة قد يقود للنتائج نفسها.


- الاحتكام للمشروعية: الاختلاف أمر متصور فهو من سمات البشر، وجوده لا يتعارض مع الاستقرار، إن كانت هناك آليات معروفة نحتكم لها ونقبل بنتائجها لحسم النـزاع. ومن مظاهر تقدم الجماعات ورقيها أن تحتكم في حالات الاختلاف لقانون ارتضته الجماعة لأن في هذا المسلك استبعاداً للإحتكام للقوة أيا كانت صورها. وفي واقعة انتقال الرئاسة نجد كل عناصر الدرس السابق متوافرة؛ خلاف وبحث عن أسلوب التعامل مع الخلاف، وفي النهاية انصياع لحكم القانون باعتباره أسلم الطرق للخروج من الأزمة. خلاصة الدرس أن في تطبيق القانون توفيراً للأمن وتقليلاً لتكلفة النـزاع.

أسلوب إدارة الأزمة والاحتكام للمشروعية جعلا الكويت تخرج رابحة بالرغم من المعاناة والألم النفسي الذي عاشته، ولذلك فمن المنطقي أن تسجل هذه الواقعة كنموذج ناجح يحتذى.

جهد الأستاذ طارق العيدان في عرض الموضوع وتحليله اتى موفقا لأكثر من سبب؛ فهو جمع شتات الموضوع. والجمع بذاته كان ضروريا لأن كثرة تفاصيل الموضوع نتج عنها صعوبة في فهمه وبالذات لمن لم يعاصره عن قرب. ولا يحسب للرجل فقط بذل الجهد في الجمع والتحقيق، بل يحسب له أيضا توفيقه في عرض الموضوع، وقد اختار لذلك أسلوب عرض تسلسل الأحداث زمنياً، وهو منهج منطقي في مثل هذا النوع من المواضيع، لأنه يسمح للقارئ برسم الخط الزمني للأحداث، ووضع كل واقعة في مكانها تمهيدا لتقييمها والحكم عليها. نعم كان من الممكن أن يذهب الكاتب في الرصد والتوثيق أبعد من ذلك، فيعرض لمواقف الناس ولتعقيبات من كتب عن الموضوع آنذاك أو أبدى رأيا فيه من مختلف الزوايا، كما كان من الممكن رصد ردود الفعل الاقليمية والدولية على الحدث، ولكن الكاتب، في ما يبدو، كان أمام خيارين: اما أن يوغل في التفاصيل والتوثيق ويكون ذلك على حساب سهولة العرض، واما أن يختار الأبرز من التفاصيل كي يبقى العمل متاحا وسهلا في قراءته للشريحة الأوسع من الجمهور. لعل في الملاحظة السابقة دعوة له ولغيره من الباحثين للتوسع مستقبلا في الدراسة التوثيقية والتحليلية للموضوع أو لجوانب محددة فيه.


حوامل التوثيق اليوم متعددة، فإلى جوار المعلومات المثبتة على الورق هناك التسجيلات الصوتية والتسجيلات البصرية الصوتية، وهي متاحة من خلال عوامل متعددة فلم يعد الشريط الصوتي أو الفيلم هما الوسيلتان الوحيدان للتسجيل، فوسائل الاتصال فتحت آفاقا متعددة من خلال برامج نشر التسجيلات والوثائق.

Page 3

توافر الوثائق لا يقلل من أهمية الشهادات الشخصية لفهم الحدث، خصوصاً إن أتت من شهود قريبين من الحدث، والعمل الذي يقدمه الأستاذ طارق يثبت أهمية شهادات شهود العيان. الشهادة في واقعها رواية شخصية يلزم وضعها في إطار الحدث ومقابلتها بالشهادات الاخرى وتمحيصها من خلال مقارنتها بالنصوص المدونة، وقد بذل الأستاذ طارق جهداً جيداً في تمحيص الروايات، كما أنه واجه ما يواجهه الباحثون في بلادنا من تردد بعض الرواة في الإدلاء بشهاداتهم لأسباب تتصل في الغالب بتقديرهم للواقع، وعلى كل حال، فإن هذا البخل المعلوماتي أمر مؤسف لأنه يحرم القارئ من فرصة الإطلاع على الحدث من زاوية اضافية.


عزيزي القارئ لا أطيل عليك بالتقديم وأدعوك لقراءة الكتاب متمنياً لك قراءة ممتعة مفيدة.

د. محمد الفيلي

(أستاذ القانون الدستوري في جامعة الكويت)

Page 4

"يشترط لممارسة الأمير صلاحياته الدستورية ألا يفقد شرطا من الشروط الواجب توافرها في ولي العهد. فإن فقد أحد هذه الشروط أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته، فعلى مجلس الوزراء -بعد التثبت من ذلك- عرض الأمر على مجلس الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة، فإذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القدرة المنوه عنهما، قرر بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم، انتقال ممارسة صلاحيات الأمير إلى ولي العهد بصفة مؤقتة أو انتقال رئاسة الدولة إليه نهائيا".

المادة 3 من قانون رقم 4 لسنة 1964

في شأن أحكام توارث الإمارة

Page 5

15 يناير الوفاة وبداية الأزمة


في مساء الأحد 15 يناير، هبطت طائرة الخطوط الجوية الكويتية إلى مطار الكويت الدولي قادمة من العاصمة البريطانية لندن، وعلى متنها رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي الذي قطع إجازته الخاصة، بعدما تلقى اتصالا هاتفيا فجراً من النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية آنذاك الشيخ نواف الأحمد أبلغه فيها بوفاة أمير الكويت الثالث عشر الشيخ جابر الأحمد الصباح، وإعلان وزير الإعلام د. أنس الرشيد الحداد الرسمي.

في خطوات مثقلة، نـزل الخرافي من سلم الطائرة، ليجد نفسه محاطا بالكاميرات والميكروفونات التلفزيونية العربية والأجنبية الحاضرة لاستقباله، وهو الذي لم يسعفه الوقت ليحضر مراسم الدفن عصر ذلك اليوم، وكان في مواجهة سؤال الساعة: ما الإجراءات الدستورية التي ينبغي اتباعها في ظل وفاة الأمير، ومناداة مجلس الوزراء بسمو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح أميرا للبلاد، والذي يأتي تطبيقا للأسس الدستورية والقانونية، ويرافق ذلك أنباء عن سوء حالته الصحية، والتي ربما قد تمنعه من ممارسة مهامه أميراً للكويت؟.


الخرافي، بصفته رئيسا لمجلس الامة، وهي مؤسسة لها دور دستوري، أكدت الأيام أهميته في انتقال السلطة، والرجل الثالث في الدولة لا يزال متأثراً بالفاجعة ليست لأبعادها الاجتماعية والنفسية وحسب، بل بأبعادها السياسية والدستورية غير المألوفة في الكويت والمنطقة بأسرها، تنهد ونظر إلى وجوه الصحافيين ليرد على أسئلتهم المُلحّة بحذر: "إن سمو الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم كان أميراً عندما أقسم، ولكنه قد لا يكون اقسم بالنص نفسه، إلا أنه كان حينها أميراً، وبالتالي الجزء الذي اقسم به قد لا يكون النص الكامل، ولكن اعتقد أيضاً أن ليس هناك خلاف على قسم سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله وفق النصوص الدستورية الواضحة، وهي واضحة إلى درجة أن ليس لها أي توضيح آخر في المذكرة التفسيرية، وبالتالي الإجراء الدستوري المطلوب هو القسم وتلاوته".

وأضاف إن "الشيخ عبدالله السالم أقسم ولكنه لم يكن قسماً بالكامل، وكونه كان أميراً فلا يعتد بحالته بالنسبة للوضع الحالي فيجب على سمو الأمير الشيخ سعد أن يقسم".

Page 6

وكان مجلس الوزراء قد انخرط فور الانتهاء من مراسم الدفن في اجتماع ذي حساسية بالغة، وإن بدا أنه بروتوكولياً وفقا للسياقات الدستورية، والتي تنص على مناداة سمو ولي العهد أميرا للبلاد بعد وفاة الأمير، كما قرر المجلس أن تكون اجتماعاته مفتوحة إلى حين الانتهاء من الإجراءات الدستورية التي يبدو أنها آخذة في التحول إلى أزمة حكم.[1]


وهنا نضع بيان مجلس الوزراء كما جاء حرفياً، وهو إجراء اعتيادي لكن الأيام التي ستليه لن تكون اعتيادية أبداً، وستبقى محفورة في أذهان الكويتيين إلى الأبد:

بسم الله الرحمن الرحيم

ببالغ الحزن والأسى ينعى مجلس الوزراء إلى شعب الكويت الوفي وإلى الأمة العربية والإسلامية وإلى الدول الصديقة أمير دولة الكويت وراعي نهضتها حضرة صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، حيث وافاه الأجل المحتوم فجر يوم الأحد 15 ذو الحجة 1426هـ الموافق 15 يناير 2006 عن عمر يناهز التاسعة والسبعين، وسيوارى جثمانه الطاهر الثرى في مقبرة الصليبيخات في الساعة الثالثة والنصف من بعد عصر اليوم.

ولا يسع مجلس الوزراء إزاء هذا المصاب الجلل إلا الامتثال لمشيئة الخالق وسنة الكون والتمسك بالصبر، ضارعا إلى الله جلت قدرته أن يتغمد الأمير الراحل بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته ويجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته وعملا بأحكام الدستور، والمادة الرابعة من القانون رقم 4 لسنة 1964 في شأن أحكام توارث الإمارة، فإن مجلس الوزراء ينادي بخليفته وولي عهده حضرة صاحب السمو الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح أميرا على البلاد مبتهلا إلى العلي القدير أن يكلأ سموه بعنايته ورعايته، وأن يسدد خطاه ليكون للكويت والامة العربية والإسلامية خير خلف لخير سلف إنه سميع مجيب، و"إنا إليه راجعون".

Page 7

16 يناير تلاوة القسم


دبّت الحركة في مبنى مجلس الأمة بعد تأدية النواب واجب العزاء، وبدأت الأفواج النيابية تتوافد إلى مكتب رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي ظهراً، تلبية لدعوة مفتوحة من مكتب المجلس للنواب لمناقشة الأجواء السياسية الراهنة، وسط غموض دستوري بشأن الإجراءات التي قد تتخذ وفقا للتسلسل الدستوري القانوني نظرا للحالة المرضية التي تعرض لها سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله الذي نودي به أميراً، وعما إذا كانت حالته الصحية ستمكنه من تولي المسؤولية الدستورية لإدارة البلد، وفقا لما طرحه الخرافي بعد نـزوله من سلم الطائرة عائداً للكويت، وتشديده على ما هو مطلوب من الأمير بأداء "القسم وتلاوته" أمام المجلس، وهنا تكمن المشكلة في مسألة "تلاوته".

وأدلى رئيس مجلس الأمة جاسم الخرافي للمرة الأولى بشهادته التاريخية للمؤلف في مقابلة خاصة عن "أزمة الحكم"[2]، وقال إنه باشر أعماله رئيسا للمجلس بزيارة مكتبه في صباح اليوم الإثنين 16 يناير، قبل مغادرته مجدداً لأداء واجب العزاء للأسرة الحاكمة، ثم العودة إلى مبنى مجلس الأمة لحضور اجتماع مكتب المجلس.

ولم يستطع الخرافي من الناحية السياسية أن يدعو إلى جلسة لمجلس الأمة لمناقشة ما يترتب على وفاة سمو أمير البلاد الشيخ جابر الأحمد، ومناداة سمو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله أميراً للبلاد، بعد أن اعلن نواب اخرون عن رأي مغاير للذي ادلى به رئيس المجلس تقدمهم النائب أحمد السعدون بشأن أداء سمو الأمير اليمين الدستورية.


توقف الخرافي لبرهة من الزمن، كأنه يستعيد تلك اللحظات التاريخية قبل أن يستفيض في شرح طريقة عقد مكتب المجلس اجتماعه قائلا "دعوت إلى اجتماع مكتب المجلس، إلى جانب توجيه الدعوة إلى النواب كافة لمن يرغب في الحضور، والجميع محط ترحيب لدينا، وكانت الغاية من وراء هذه الخطوة أن يتم إشراك النواب مع أعضاء المكتب في القرار من دون إجراء رسمي".

وتقع قاعة اجتماعات مكتب المجلس الواسعة على بعد خطوات من مكتب رئيس المجلس في الطابق العلوى من مبنى المجلس المطل على ضفاف الخليج العربـي، أمر الخرافي أن يتم تزويد القاعة بكراسٍ تكفي لاستضافة جميع النواب التسعة والأربعين.

ولم تؤثر دعوة النواب كافة على آلية انعقاد مكتب المجلس وفق اللائحة، لكون الترتيبات التي طلبها رئيس المجلس جاسم الخرافي تضمنت جدولاً للحضور لأعضاء مكتب المجلس السبعة، وهم رئيس المجلس ونائب الرئيس، وأمين السر والمراقب، ورئيسا لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والتشريعية والقانونية، إضافة إلى الأمين العام للمجلس.

حافظ أعضاء مكتب المجلس على النصاب اللازم لعقد الاجتماعات على الدوام، وبقي جدول أعمال الاجتماع خاصا لأعضاء المكتب، كما هو مفتوح لباقي النواب لبحث ومناقشة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وبهذه الطريقة فإن الاجتماعات أديرت بطريقة متوائمة مع الدستور واللائحة.

Page 8

مسألة انتقال السلطة

افتتح رئيس المجلس جاسم الخرافي الاجتماع، وهو الأول لمكتب المجلس، يرافقه على يمينه نائب الرئيس مشاري العنجري، الذي بدأ بمناقشة ملف آلية انتقال السلطة من سمو أمير البلاد الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح إلى سمو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله، الذي نودي به أميراً تلقائيا وفق النصوص الدستورية.

وقبل إغلاق النواب غرفة الاجتماعات سبقتهم السجالات بشأن آلية تأدية سمو أمير البلاد الشيخ سعد العبدالله اليمين الدستورية وفق المادة 60 من الدستور، وهي المادة التي لم يرد في الدستور تفسير أو طريقة محددة لتأديتها.

نائب رئيس مجلس الأمة مشاري العنجري قال في شهادته[3]إن الاجتماع تضمن تساؤلات تاريخية غير مسبوقة طرحت على الطاولة، في مقدمها السؤال الجوهري "إن كانت نافذة صلاحيات سمو ولي العهد الذي نودي به أميرا، وهل تنطبق عليه شروط الإمارة؟ مع معرفة الجميع مسبقا بسوء حالته الصحية، وبالتالي برز السؤال الصعب: من سيتولى الإمارة؟ هل هو مجلس الوزراء؟، لاسيما أن ولي العهد نودي به أميرا، وأصبحت ولاية العهد شاغرة، والمنادى به أميرا قد يكون فاقداً القدرة الصحية، فمن سيدير شؤون البلاد؟"

الخرافي بحنكته السياسية استطاع احتواء الموقف عبر التشديد على أهمية الانصياع لمواد الدستور، وتطبيق مواده بحذافيرها، ويعني ذلك أن من سيتولى إمارة الكويت عليه أن يؤدي اليمين الدستورية كاملة أمام مجلس الأمة، كما يعني حتمية أداء سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله القسم أمام أعضاء المجلس، والتشديد مرة أخرى على "تلاوته"، والتي ستكون المسألة الحاسمة في مسار الحدث الذي سيتحول إلى أزمة في القادم من الأيام.


وبدأت الاعتراضات النيابية في الظهور عند مناقشة اليمين الدستورية لسمو أمير البلاد الشيخ سعد العبدالله، وهنا توجهنا إلى النائب عبدالله الرومي[4]الذي يعتبر من أكثر النواب خبرة في المجال القانوني، وسجل شهادته وروى "أن عدداً من النواب قالوا إنه لا حاجة لسمو أمير البلاد الشيخ سعد لحضور جلسة القسم، لأن القسم ليس قرآنا، ولم يحدد الدستور إطارا لتأديته".

وانتفضت الغالبية النيابية المتواجدة في قاعة الاجتماعات للتصدي لذلك التوجه، التي رفضت هذا الطرح، بذريعة أن اليمين الدستورية تتعلق مباشرة بإدارة البلد، ومن الضروري في مثل هذه الأوقات الدقيقة أن يتم الالتزام بالشكل الدستوري للقسم والتشبث بأحكام الدستور.

رئيس المجلس جاسم الخرافي دعم هذا التوجه من خلال "تأكيد أن مسألة أداء اليمين الدستورية أمر لا يستهان به، لأنه يتعلق مباشرة بتفعيل تولي الإمارة بشكل دستوري".

وأضاف الخرافي أن أساتذة القانون الدستوري أجمعوا على أنه في حالة عدم قدرة سمو أمير البلاد الشيخ سعد العبدالله على تأدية اليمين الدستورية فإن ذلك يثبت للمجلس بشكل قطعي عدم أهليته لتولي مهام الإمارة، ولهذا يرجع سبب ورود تلاوة القسم في الدستور، وألزمها في تفعيل تولي الإمارة.


كان جلياً أن الخلاف الذي ساد الاجتماع لا يتعلق بشخص سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله الذي يكن له جميع النواب الاحترام والتقدير، لكن الآراء التي طرحت كانت تشدد على أن لا مجال للمجاملات في مقابل مصلحة البلد، وأن حرمان سمو أمير البلاد الشيخ سعد من تولي الإمارة بداعي المرض لا يعد انتقاصا من حقه، لأن الإنسان معرض للإصابة بالأمراض.

ويتابع نائب رئيس مجلس الأمة مشاري العنجري الإدلاء بشهادته التاريخية وقال "طرحت بعض الأفكار بأن يتولى سمو أمير البلاد الشيخ سعد العبدالله الإمارة لأشهر أو أسابيع تكريماً له، ولكن رفض هذا الرأي بإصرار، لكون الجميع على دراية أن سموه فاقد للقدرة الصحية لإدارة البلد، وهذا الرأي لا يمكن أن يكون تكريما له وإنما تحطيم لتاريخه، ولا ينطوي على أسس دستورية أو إجرائية".

Page 9

العودة إلى النصوص الدستورية

وعلى الجانب الآخر من الاجتماع، أدلى النائب أحمد السعدون الرئيس السابق لمجلس الأمة بتصريح لراديو لندن أثار الزوابع[5]، حدد فيه موقفه المؤيد للتساهل في مراسم أداء سمو الأمير الشيخ سعد العبدالله اليمين الدستورية قائلا "لا توجد أزمة هذا الشأن، وأعتقد أن الأزمة لا توجد إلا في أذهان من حاول أن يفتعلها، لأننا بلد دستوري ونعتقد أن مجلس الوزراء اتخذ خطوات صحيحة بإعلانه، وفقا للدستور ووفقا لقانون توارث الإمارة صاحب السمو الشيخ سعد أميرا للبلاد، وعموما النصوص واضحة وصريحة، وعندنا أيضا سوابق، الشيخ سعد هو الآن أمير الكويت ولا يمكن لأي أحد أن يقول غير ذلك".

وعن القسم الدستوري، أشار السعدون إلى أنه يجب الالتزام بما هو منصوص عليه في الدستور، ولا خلاف على ذلك، لكن أيضا علينا أن نعود إلى السوابق في هذا الشأن وكيفية أداء القسم، وليس مثلما يقول بعض الخبراء الدستوريين الذين يحاولون أن يفصّلوها بالشكل الذي يريده بعض الأطراف، وأنه يجب أن يقسم كذا، ويجب أن تكون سرية، إن هذا الكلام ليس صحيحاً، فالقسم الدستوري ليس له طريقة معينة أو أسلوب محدد، ويمكن أن يكون في جلسة علنية وسرية وهو أمر يقرره المجلس".

تصريح السعدون شكّل صدمة لعدد واسع من النواب، ويرى رئيس المجلس جاسم الخرافي أن الرأي الدستوري الذي طرحه السعدون بالتساهل في مراسم أداء اليمين الدستورية لسمو الأمير الشيخ سعد العبدالله لم يستند لأسس دستورية سليمة، مستغرباً أن يتبنى السعدون مثل هذا الرأي وهو المشهود له بعدم التساهل في تطبيق لائحة المجلس، وكان سمو الأمير الشيخ سعد أحد الذين طبق السعدون عليه اللائحة عندما ألزمه في إحدى جلسات المجلس بالوقوف أثناء حديثه عندما كان وليا للعهد ورئيسا لمجلس الوزراء.


وتعود هذه الحادثة إلى جلسة فض دور الانعقاد الثاني للفصل التشريعي الثامن لمجلس الأمة في 5 أغسطس 1998[6]، والتي انسحب فيها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله، عندما ألقى رئيس مجلس الأمة آنذاك أحمد السعدون كلمته بمناسبة فض دور الانعقاد جالسا على المنصة، وفق العرف البرلماني، وبعد انتهائه منها، أذن لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله بالكلام، إلا أن سموه بدأ بالحديث جالسا على كرسيه في قاعة عبدالله السالم.

وطرق السعدون مطرقته مقاطعاً حديث سمو الشيخ سعد العبدالله قائلا "لا يجوز لسموك الحديث جالسا حسب اللائحة، وأنه من المفترض أن يكون على المنصة، او على الأقل وقوفا من مقعدك"، وعقب سمو الشيخ سعد العبدالله وهو يهز رأسه علامة على الرفض "آسف، آسف، آسف"، ثم غادر القاعة.

ووفقا للائحة الداخلية لمجلس الأمة نصت المادة 85 منه على أن "يتحدث المتكلم واقفا من مكانه أو من على المنبر، ويتحدث المقررون من على المنبر ما لم يطلب الرئيس غير ذلك".

ونوه أمين سر المجلس حينذاك بدر الجيعان[7]إلى أن العرف البرلماني استقر على أن يدلي رئيس المجلس بكلمته في فض دور الانعقاد جلوسا على منصة الرئاسة، أما في حال وجود سمو أمير البلاد في جلسة الختام أو الافتتاح فإن الرئيس يلقي خطابه في هذه الحالة واقفا.

Page 10

تصريحات الرئيس

وعودة إلى اجتماع مكتب المجلس الذي انفض من دون صدور بيان، كما جرت العادة بعد الانتهاء من أي اجتماع، إذ فضل المكتب ألا يصدر بيانا حتى لا يكون مصدر تشويش على الجهود التي تبذل لحسم الأزمة.

وأسفر الاجتماع عن الاكتفاء بتكليف رئيس المجلس جاسم الخرافي الإدلاء بتصريح يومي يطلع فيه الرأي العام والشعب الكويتي بالإجراءات التي تتخذ في وقتها، ولم تكن الحكومة قادرة على التصريح لكونها طرفا في الأزمة، إضافة إلى انشغالهم في البحث عن المخارج لها.

الخرافي أكد أنه كان شديد الحرص على إيضاح الصورة أمام الجميع بالالتزام بصرامة بأحكام الدستور ومذكرته التفسيرية، لبث الطمأنينة في نفوس الكويتيين، مع تأكيد أن الكويت ستظل بخير وذاهبة إلى الحل السليم، وحض جميع الأطراف على التعاون والمحافظة على الروح الكويتية التي تسود في مثل هذه المواقف الحاسمة، وحرص ألا يذكر الخلافات التي شهدتها أسرة الحكم.

بدوره، قرر مكتب المجلس أن تكون اجتماعاته مفتوحة طوال أيام الأسبوع لحين الانتهاء من الأزمة الدستورية التي تعيشها البلاد، ويستذكر النائب عبدالله الرومي أجواء الاجتماع الأول لمكتب المجلس بأن عدداً من النواب حرصوا على الحضور المبكر إلى مكتب الرئيس جاسم الخرافي، وعندما يستكمل النصاب اللازم لعقد الاجتماع ينتقل النواب إلى قاعة اجتماعات مكتب المجلس.


وكانت المفاجأة أن عدداً كبيراً من النواب يعتذرون عن دخول الاجتماع، وعندما استفسر عن أسباب عزوفهم كانت ردودهم أنهم لا يريدون أن يحسبوا على أي طرف، وهذا الموقف يدلل من وجهة نظر الرومي على أن هؤلاء تابعون لا يملكون قرارهم.

ولعب رئيس المجلس جاسم الخرافي دورا محوريا مهما منذ بداية الأزمة، ويشهد الرومي أن "الخرافي كان حلقة الوصل بين مجلس الأمة ومجلس الوزراء والأسرة الحاكمة، وكان يقوم بإبلاغ مكتب المجلس والأعضاء فور وصول أي معلومات جديدة تتعلق بالأزمة، وكان يحرص على عقد اجتماعات مكتب المجلس الموسعة مع الأعضاء يوميا منذ التاسعة والنصف صباحا، حيث تستمر الاجتماعات إلى ساعات متأخرة من الليل، وكانت المعلومات تصل إلى الرئيس والأعضاء كل عشر دقائق تقريبا".

ويتوافق نائب رئيس المجلس مشاري العنجري مع الرومي "إن الاجتماعات كانت تعقد يوميا، وهي غير ملزمة، وكان لافتا عدم حضور عدد واسع من النواب، وأبرز الغائبين النائب أحمد السعدون".