إلى والدتي ووالدي وأخي مارك،
إلى فرنسيس وآدم وأماندا
إلى كوبي وتيمي وإيكو
إلى عمَّاتي وأعمامي
وأبناء عمومتي وأبناء إخوتي وأخواتي
إلى جميع الأشخاص الرائعين
الذين عملتُ لديهم، وعملت معهم
وتعلَّمت منهم، سواءٌ أَوَرَدتْ أسماؤهم
أم لم تَرِدْ في هذا الكتاب،
الذين أحملُ لَهم أعمقَ التَّقدير
مقدِّمة : مَن يعرفُ القواعد؟
هذه أوقاتٌ غير عاديَّة.
نشهدُ في أعمالنا وحياتنا، وفي كلِّ مجالٍ بينهما، تغييرًا كبيرًا وسريعًا وغير متوقَّع، ممَّا يجعلُ التحدِّيَ الأوَّل الذي نواجِهُهه هو ببساطة أن نفهمَ معنى هذا التغيير.
لقد دفعَتِ العَولَمةُ والتكنولوجيا واقتصادُ المعرفة دُوَلًا وصناعاتٍ وشركاتٍ ومِهَنًا قائمةً بذاتها إلى الأمام باتِّجاه مناطقَ جديدةٍ ومجهولةِ المسالك. وها هي الأحداث الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة غير المسبوقة وغير المستقرَّة تنكشفُ أمامنا. فقد هدَّمَتِ التبدُّلات الماليَّة الضخمةُ اقتصاديَّاتِ العالَم الرائدة. واختَفَتْ بين ليلةٍ وضحاها شركاتٌ قديمةٌ ذاتُ مكانةٍ مرموقة، وتراثٍ مدوَّن منذ أمدٍ بعيد. واستيقظَتْ صناعاتٌ بكاملها لتَكتشفَ أنَّ عليها أن تتكيَّف وتتحوَّل وإلَّا صارتْ منقَرضة. وليس من المبالغة أن نقولَ إنَّ المفكِّرين البارزين في شتَّى أنحاء العالَم يناقشون بجدِّيَّة أشكالًا جديدةً وقواعدَ جديدةً لمستقبل الرأسماليَّة.
في الوقت نفسه، ولأنَّ النشوءَ الاقتصاديَّ يترافق دائمًا مع الدمار الاقتصاديّ، هناك جيلٌ جديدٌ من أصحاب المشاريع الذين ينتهزون الفرص. وبينما تطلبُ شركاتٌ عملاقةٌ المساعدةَ الماليَّة من الحكومة الأميركيَّة، تبرزُ فجأةً مشاريعُ جديدةٌ ذاتُ علامة تجاريَّة مميَّزة تستحوذ على مخيَّلة عامَّة الناس- وعلى محفظة السوق الماليَّة. وقد فتحَتِ الفرصُ في مجالَيِ المال والأعمال الطريقَ أمام الابتكار والإبداع والإلهام.
لقد حانَ الوقتُ لإعادة التفكير والتصوُّر، وإعادة تقييم ما هو ممكن، وما هو مرغوب، وما هو مُستَدام.
لقد حان الوقتُ لإعادة كتابة القواعد.
إنَّنا بأمسِّ الحاجة إلى قواعدَ عامَّةٍ عمليَّة قابلةٍ للتَّطبيق في الواقع، ذات معانٍ واضحة، وقادرةٍ على إرشادنا خلال هذه الأوقات المضطربة وما بعدها- قواعدَ عامَّةٍ عمليَّة تعلِّمنا كيف نعمل، وتُلهمُ أفكارَنا لكي نفهمَ لماذا نعمل. قواعد عامَّة تبيِّن لنا طرقًا إيجابيَّة مضمونةً نسير وَفقها في أعمالنا وحياتنا الخاصَّة، وتوضِحُ لنا أنَّ أفضلَ وسيلةٍ للسَّفر على هذين الطريقين هو أن تعدُّهما طريقًا واحدًا. قواعد عامَّة عمليَّة تقدِّم مدوَّنةَ قواعدِ سلوكٍ إلى كلِّ واحدٍ منَّا نحن الأفراد، وإلينا جميعًا كَوننا مجتمعًا واحدًا. إنَّنا نريدُ قواعدَ عامَّةً عمليَّة تساعدنا على النجاح، وتُساعدُنا على الفوز في العمل من دون أن نخسرَ الأشخاص والأشياء الذين هم أكثر ما نهتمُّ به في هذه الحياة.
هذا هو موضوعُ كتاب ’’٥٢ قاعدةً عمليَّة‘‘. إنَّه مجموعةٌ من اثنتَين وخمسين قاعدةً جمعتُها خلال السنوات الأربعين الأخيرة أو نحو ذلك. خلال تلك الفترة، اجتمعْتُ مع مجموعاتٍ من الرجال والنساء المتميِّزين الرائعين الذين قدَّموا إليَّ حكمتهم وساعدوني في فَهْم واقع خبراتي الخاصَّة. تحدَّثت إلى قادةٍ يتمتَّعون بشهرةٍ عالميَّة؛ وتعلَّمت من رياديِّين مغمورين، وجالَسْتُ الأشخاصَ اللَّامعين الذي حازوا جائزة نوبل، والذين ساهمَتِ اكتشافاتُهم العلميَّة في معالجة الملايين، كما زُرتُ منظِّمين متَواضعين في المجتمع غيَّروا العالَم- كلَّ شخصٍ بمفرده- وتعلَّمْتُ منهم جميعًا دروسًا قيِّمة. وأجريْتُ أيضًا مقابلاتٍ مع رؤساء تنفيذيِّين، وقادةٍ روحيِّين، ومدرِّبي كرة السلَّة، وروائيِّين، ومفكِّرين في مجال الأعمال ومسؤولين مُنتَخبين- وخرجْتُ بأفكارٍ ثاقبة جديدة وحقائقَ حصلتُ عليها بصعوبة.
سجَّلْتُ هذه الدروس على بطاقات بقياس٣×٥ إنشات (٧,٥×١٢,٥ سم) أحملُها معي كلَّ يوم في البيت وعلى الطريق. (تعلَّمتُ هذا النظامَ الرائع منذُ أكثر من عشرين سنة من الپروفسور تيد ليڤيت (Ted Levitt) من كلِّيَّة الأعمال في جامعة هارڤرد (Harvard Business College)، وهو أحد المعلِّمين الموجِّهين الذين ستُقابلُهم في هذا الكتاب).
منذ وقتٍ ليس ببعيد، راجعْتُ جميعَ هذه البطاقات التي كتبتُها وحفظتُها. في تلك الفترة، كان هدفي هو فَهْمَ القواعد التي تعلَّمتُها. ابتدأتُ بتَعبئةِ بطاقاتٍ بقياس ’’٧,٥×١٢,٥ سم‘‘ حتَّى وصلْتُ إلى البطاقة رقم٠٢ وتوقَّفتُ عند ذلك الحدّ. ليس لأنِّي كنتُ قدِ استَنفدْتُ جميع القواعد، بل لأنَّها كانت أفضل ما كنتُ قد تعلَّمتُه، وأفضل ما كان عليَّ أن أنقلَه إلى الآخرين.
لأنِّي أريدُكم أن تدركوا من أين أتَتْ هذه القواعد، فإنَّ لكلِّ قاعدةٍ قصَّةً تَروي كيف تعلَّمتُها. وفي كلِّ حالةٍ تقريبًا، كان مصدرُ هذه القواعد أربعَ تجارِبَ عميقةٍ قد خُضْتُها في حياتي:
بعد تخرُّجي في كلِّيَّة آميرست (Amherst College) في بداية السبعينيَّات من القرن العشرين، ذهبتُ إلى مدينة پورتلاند (Portland) في ولاية أوريجون حيثُ عملتُ لدى عُمدةِ المدينة نيل غولدشميت (Neil Goldschmidt)، ومع فريقِ التخطيط المستقبليِّ الذي شكَّله في مبنى البلديَّة، بالإضافة الى مجتمع النُّشطاء عبر المدينة الذين حوَّلوا مدينة پورتلاند إلى معرضٍ حَضَريٍّ كما هي عليه اليوم. كان ذلك تثقيفًا لي في التَّخطيط الحضرَيّ، والسياسة الانتخابيَّة، وفنِّ صُنْع التغيير.
في الثمانينيَّات عملْتُ لدى تيد ليڤيت ومع المجموعة الديناميَّة المبدِعة التي شكَّلها في مجلَّة ’’هارڤرد بزنس ريڤيو‘‘ (Harvard Business Review) لتَجديد تلك الصحيفة المرموقة، ولتَغيير محادَثات الأعمال على أعلى المستويات. كنتُ أنا المستفيدَ من ثقافةٍ مجَّانيَّة في مجالَيِ الأعمال والإدارة، وفي فنِّ الجمع بين أفضل أنواع التَّفكير وأفضل الممارسات.
في التسعينيَّات، صرتُ شريكًا مع بِل تايلور (Bill Taylor) وفريق نابض بالحياة، حاض م مالبديهة ومغامر بصورة رائعة، لإطلاق مجلَّة ’’فاست كومپاني‘‘ (Fast Company) وتحريرها، وهي مجلَّةُ الأعمال الأكثر نُموًّا وانتشارًا في تاريخ الولايات المتَّحدة. كانت تلك خبرةً تعليميَّةً في الريادة والقيادة؛ كما كانت أصعبَ شيء قمتُ به على الإطلاق والأكثر مكافأة.
منذ أن تركت العمل في مجلَّة ’’فاست كومپاني‘‘ نحو عام ٢٠٠٠م، اكتشفْتُ أفكارًا جديدة، واتِّجاهاتٍ جديدة، وخبراتٍ جديدة عندما عملْتُ مستشارًا لدى ’’كاوسپايلوتس‘‘ (Kaospilots)، وهي كلِّيَّة اسكندناڤيَّة للرِّياديِّين الاجتماعيِّين، ورئيسًا لتجمُّع ’’وولدزل‘‘ (Waldzell)، وهو مؤتمرٌ نمساويٌّ ينعقد في ’’دَير ميلك‘‘ (Abbey of Melk) التاريخيّ. ومثل وَزير من دون حقيبة عيَّنَ نفسَه بنفسه، ومُحقِّقٍ عالميٍّ له أسلوبُه الخاصّ، سافرْتُ ودخلتُ عالَماً جديدًا من المعلِّمين واستَشَرْتُهم، وواجهْتُ خبراتٍ عديدةً واسعة.
لكنَّ هذا الكتاب ليس عنِّي. إنَّه لأجلك.
إنَّ الهدفَ الأساسيَّ لكتاب ’’٥٢ قاعدةً عمليَّة‘‘ هو إثارةُ اهتمامك وإلهامِك وتحدِّيك ومساعدتك. اقرأْه، استخدمْه، وطبِّقه بأيَّة طريقةٍ عمليَّةٍ تناسبُك. بالرُّغم من أنَّه كتابُ قواعدَ، فإنَّه لا تُوجَدُ قاعدةٌ بخصوص كيفيَّة قراءته.
يمكنك أن تبدأ بالقاعدة رقم 1 إلى أن تَصِلَ إلى القاعدة رقم ٥٢.
ويمكنُك أن تستخدمَه ككتابٍ أساسيٍّ شأنُه شأنُ كتب الحكمة القديمة النافعة للعمل والحياة. افتَحْه واقرَإِ الصفحةَ التي تجدُها أمامك، واحسبْ تلك القاعدةَ قراءتَك اليوميَّة.
يمكنك أن تقرأَ قاعدةً واحدة كلَّ أسبوع، وبذلك تجعل كتاب ’’٥٢ قاعدةً عمليَّة‘‘ سنةَ اكتشافاتٍ ذاتيَّة.
اقرإِ القواعدَ التي تحملُ معنًى بالنسبة إليك؛ وأهملْ التي لا تعني لك شيئًا- على الأقلِّ في الوقت الحاضر. يمكنك دائمًا أن تعودَ في وقتٍ لاحق لتَتَحقَّقَ ممَّا إذا كان هناك أمرٌ في حياتك أو في العالَم قد تغيَّر ليَجعلَ فجأةً ما بدا غير مفهوم أو لا علاقة له بك أمرًا مفهومًا وجليًّا. سجِّلْ ملاحظاتك الخاصَّة عن القواعد التي تتحدَّث إليك. وتحدَّثْ أنت إلى الكتاب- تحدَّثْ إلى القواعد.
والأهمُّ من كلِّ هذا، ابدأ في الاحتفاظ ببطاقاتك الخاصَّة ذاتِ قياس ’’٧,٥×١٢,٥ سم‘‘ لتَستوعِبَ قواعدَك الخاصَّة، وستَجمعُ شبكتك الخاصَّة من المعلِّمين، وستَكتشفُ أفكارًا تعني لك الكثير ستُساعدُك في فَهْم العالَم.
ذلك هو هدف القاعدة رقم ٥٣ في نهاية الكتاب. تُركت تلك القاعدة فارغة. أرسِلْ مساهماتك إلى: www.rulesofthumbbook.com أو أرسلْ رسالة إلكترونيَّة إلى [email protected] سأجمعُ ملاحظاتك وأسجِّلُها لكي نتعلَّم بعضُنا من بعض.
والأكثرُ من هذا كلِّه، إنَّ هذا الكتاب هو:
عمَّا يعملُ في الواقع.
عن طريقة تعلُّم ما هو عمليٌّ وتطبيقه على حياتك الخاصَّة.
عن قيمةِ الخبرة والملاحظة- من الحياة التي نحياها والحياة التي نتأمَّلُ فيها.
عمَّا نستطيع جميعُنا أن نتعلَّمَه من خبراتنا ومن بعضنا بعضًا.
عن التَّغيير- وكيف نُضْفي معنًى على التَّغيير.
وعمَّا لا يتغيَّر، أساسيَّاتُ الحياة التي نعيشها بصورةٍ جيِّدة، والعمل الذي نقوم به بصورةٍ جيِّدة.
إنَّ كلَّ واحدٍ منَّا- وجميعَنا- مسؤولٌ عن استخراج قواعدنا العمليَّة لتُرشدَنا في أوقات الاضطرابات العظيمة وعدم اليقين، وفي أوقات الفرص أيضًا. علينا أن نكونَ نحن أفضلَ المفكِّرين وأفضلَ الفاعلين، وأفضلَ المعلِّمين، وأفضلَ المتعلِّمين أيضًا.
قد نكونُ في رحلاتٍ مختلفة، لكنَّنا في رحلات مختلفة معًا. بإمكان كلِّ واحدٍ منَّا أن يستخرجَ قواعدَه العمليَّة، وبإمكاننا جميعًا أن نتعلَّمَ بعضنا من بعض. إنَّ هذا هو أفضلُ رجاءٍ لنا لخَلْق مستقبلٍ نرغب فيه جميعُنا.
القاعدة رقم ١
عندما يصيرُ الوضعُ صعبًا، يستريحُ الأشدَّاء
كان ذلك سنة ١٩٨٦م. كنتُ جالسًا عند نهايةِ طاولةٍ في غرفةِ المجلس الرسميَّة في مكتبٍ خاصٍّ في البرلمان الألمانيِّ في مدينة بون. كنتُ مُرتَدِيًا أفضلَ بدلةٍ لديَّ اشتريتُها لهذه المناسبة، وهي مؤلَّفة من ثلاث قطعٍ وربطة عنق ماركة ’’بروكس برذرز‘‘ (Brooks Brothers).
كنتُ أنتظرُ لأُجرِيَ مقابلةً مع مستشار ألمانيا السابق ’’هيلموت شميت‘‘ (Helmut Schmidt). وكنتُ قد سجَّلتُ أسئلتي بخطٍّ عاديٍّ على مجموعة من الأوراق الصفراء. كانت آلةُ التَّسجيل مَوصولةً بالكهرباء وموضوعةً في مكانٍ جيِّد على الطاولة قُرْبَ المقعد الذي افترضْتُ أنَّ المستشار شميت سيَجلس عليه. وحسبْتُ زاوية آلة التَّسجيل بحيث أستطيعُ النَّظر مباشرةً إلى عينَي شميت ومراقبة الآلة في الوقت عَينه. إنَّ آخرَ ما كنتُ أريده هو أن أبدأ بإجراء المقابلة لأكتشفَ لاحقًا أنَّ الآلة لم تعملْ بصورة سويَّة. وكنتُ مصابًا بحالة من عدم التوازن نتيجةَ تنقُّلي بالطائرة على نحوٍ غير معقول، حيث كنتُ قد سافَرتُ بالطائرة من بوسطن إلى بون الليلة السابقة. ولم أستطع أن أتَوقَّفَ عن التفكير في جميع الطرق التي يمكنُ أن تجعلَ المقابلة تحيدُ عن هدفها وعن كلِّ ما كان يتوقَّف على نجاحها.
في تلك اللَّحظة؛ وقبل دخول شميت إلى الغرفة، أدركْتُ أنِّي كنتُ أستعدُّ لهذه المقابلة بطريقة كانت ستَضمنُ فشلها.
كان أسلوبي خاطئًا.
وكان كذلك مَنحى تفكيري خاطئًا.
لو لَم أفعَلْ شيئًا ما لتَغيير هذا الوضع في الثواني القليلة القادمة، لَمَا كنتُ سأقضي على هذا المشروع فَحَسب، بل كنتُ سأشعر بالذَّنب تُجاهه طيلة حياتي.
المشكلة كانت تَكمُنُ في كيفيَّة دخولي إلى تلك الغرفة في المقام الأوَّل.
قبل وقتٍ قصير من هذه الرحلة إلى ألمانيا، كان معلِّمُ التَّسويق المؤثِّر اللَّامع، ذو المزاج العكر تيد ليڤيت، قد شغل لتوِّه وظيفةَ رئيس تحرير مجلَّة ’’هارڤرد بزنس ريڤيو‘‘. كنتُ أعمل هناك محرِّرًا مشاركًا في أسفل التَّسلسُل الهرميّ. وكنتُ أشعر بضَجَرٍ إلى أقصى الحدود بسبب غُرور المجلَّة الخانق وشعورِها بالرِّضى الذاتيّ.
تبيَّن أنَّ تيد كان يشاركني تقييمي ذاك. كان يَصفُها بأنَّها ’’المجلَّة الوحيدة التي يكتبُها أشخاصٌ لا يعرفونَ الكتابة لأشخاصٍ لا يعرفون القراءة‘‘. وحالَما تسلَّمَ وظيفةَ رئيس التحرير، مشرفًا على طاقم المحترفين، بدأ تيد في إعادة ترتيب الأمور. كان في أعلى قائمته للأمور التي يجبُ أن يقومَ بها إجراءُ منافسةٍ داخليَّة لوظيفةِ مديرٍ إداريٍّ جديد، وهو اللَّقبُ الذي يحصل عليه الموظَّف الأعلى مرتبةً في المجلَّة. عندما قابَلني تيد بخصوص نيَّاتي المستقبليَّة، كانَتِ الكلمات التي خرجَتْ من فمي وأدهشتني هي: ’’إمَّا أن أديرَ هذا المكان، وإمَّا أن أغادرَه‘‘.
لكي أقدِّم عرضي لهذه الوظيفة العليا كنتُ قدِ اقترحْتُ إجراءَ سلسلةٍ من مقابلات بعنوان: ’’رجلُ الدَّولة كرئيس تنفيذيّ‘‘. كنتُ سأسافرُ حول العالَم وأقابلُ رؤساءَ دولٍ سابقين لأستكشفَ القيادة- قيادةَ دولةٍ لا قيادة شركة. كنتُ سأقابلُ هيلموت شميت، ثُمَّ أُجري مقابلةً مع ياسوهيرو ناكازوني (Yasuhiro Nakasone) رئيس وزراء اليابان، وجيمس كالاهان (James Callaghan) من المملكة المتَّحدة، وأخيرًا رئيسَي الولايات المتحدة السابقَين جيرالد فورد (Gerald Ford) وجيمي كارتر (Jimmy Carter).
كان هناك منهجٌ لخُطَّتي الجنونيَّة هذه. قبل سنوات، كانَ صندوق مارشال الألمانيّ (German Marshall Fund) قدِ اختارَني لمنحة، وهي قضاءُ فترةٍ قصيرةٍ مدَّتُها ثلاثةُ أشهرٍ في مدينة ميونيخ (Munich) لدراسة الخُطَّة الحَضَريَّة لتَلك المدينة. توقَّعتُ أنِّي بالعمل من خلال صندوق مارشال الألمانيّ، كنتُ سأستطيع القيام بترتيب لإجراء مقابلةٍ مع هيلموت شميت. وعندما أحصلُ على التزام من أحد قادة الدُّوَل، فإنِّي أستطيعُ أن أستخدمَه كمَيِّزةٍ قويَّةٍ مع الآخرين. وبكلِّ تأكيد، عندما اتَّصلت بالشخص الذي كنت على اتِّصال به في صندوق مارشال الألمانيّ، أخبرَتْني بأنَّه بالإمكان إجراء المقابلة. غير أنَّها حذَّرتْني أيضًا من أنِّي قد لا أكونَ متمتِّعًا بهذه الخبرة.
قدَّمت إليَّ النُّصْحَ قائلةً: ’’إنَّه ليس محبَّبًا للنَّفس. ومن الصعب إجراء مقابلةٍ معه لأنَّه يزدري بالأشخاص الذين يطرحون الأسئلة‘‘. ثُمَّ أفضَتْ إليَّ بهذا السِّر، ’’وأنت تعلم أنَّه يستَنْشقُ التَّبغ‘‘.
لكنَّها طلبَتْ منِّي أن أُرسل طلبًا رسميًّا على ورقة رسميَّة من أوراق المجلَّة، وستحوِّلُها هي بِدَورها إلى السلطات الألمانيَّة المختصَّة. بعد أن مَرَّ طلبي عبرَ القنوات الصحيحة، حدَّدَتْ لي صديقتي موعدًا ومكانًا لِمُقابلةِ المستشار ذي الطَّبع البالغ الصعوبة، والذي يستَنشقُ التبغ.
كانت كلُّ هذه الأحداث تمرُّ بذهني بينما كنت جالسًا هناك أحدِّقُ النظرَ في آلة التَّسجيل وفي مجموعة الأوراق الصفراء المسطَّرة.
ما الذي يمكن أن يفكِّر فيه تيد ليڤيت لو فشلتُ في هذه المقابلة؟
وماذا سيَحدثُ لفرصتي في الحصول على الوظيفة العليا في المجلَّة؟
لكنْ بصورةٍ أكثر مباشَرة، ماذا سيَحدثُ لو حسبَ شميت أسئلتي سخيفةً ورَفَضَها؟
وماذا سيَحصلُ لو حدثَ خللٌ ما في آلة التسجيل؟
نظرتُ إليها وهي على الطاولة، وهي تنتظر الفرصة لتَخونَني. كنتُ أستطيع أن أشعرَ بالضَّغط يتَصاعُدُ في صدري.
عندها أخرجْتُ قلمي من جيبِ قميصي وكتبْتُ بدقَّةٍ تعليماتٍ جديدةً لنَفسي. وضعتُها في أعلى مجموعة الأوراق الصفراء فوق جميع أسئلتي، حيث ستَراها عيناي قبل أن أبدأ المقابلة وبين كلِّ سؤالٍ وآخر. ’’استرخِ! ابتسم! هذه نعمة، ومصدر متعة وشرف لي. إنَّها ليسَتْ عقابًا عليَّ أن أحتملَه‘‘.
كم شخصًا تسنَحُ له الفرصةُ للجلوس أمامَ قائدٍ عالميٍّ ويَطرحُ عليه أسئلة؟ وكم من الناس يستطيعون أن يرَوا طلبَهم لمشروعٍ ما- أيِّ مشروع كان- وقد وُوفِقَ عليه، ومن ثَمَّ يستطيعون أن ينفِّذوه؟
إنَّ ما كان عليَّ أن أدركَه هو كم أنا محظوظٌ لوُجودي هناك. عليَّ أن أتمتَّعَ بهذا الوضع. عليَّ أن أسترخيَ وأرجو أن يتمتَّع به أيضًا هيلموت شميت. عليَّ أن أرى الوضعَ كما هو في الواقع: خبرة استثنائيَّة.
كنتُ قدِ انتهَيتُ لتوِّي من كتابة التَّعليمات الجديدة لنَفسي في الجزء العلويِّ من الأوراق عندما فُتحَ الباب ودَخَلَ المستشارُ شميت إلى الغرفة.
تَصافَحْنا، وقدَّمْتُ نفسي وشرَحْتُ المشروعَ باختصار. تأهَّبتُ لطَرْح سؤاليَ الأوَّل. لكنِّي ابتَسمْتُ أوَّلًا. فابتَسمَ هو أيضًا.
ماذا بعد؟
يُشتَهرُ دبليو. إدواردز دَمِنغ (W. Edwards Deming) ببرنامجه المؤلَّف من أربعَ عشرةَ نقطةً، والذي أَطلَقَ حركةَ الجودة الكاملة الحديثة. النُّقطة التي أتذكَّرُها دائمًا هي النقطة الثامنة: ’’اطرُدِ الخوفَ خارجًا، لكي يعملَ كلُّ شخصٍ بفاعليَّة لأجل الشركة‘‘.
إنَّ ما لَم يذكُرْه هو أنَّ المكان لبَدء هذه العمليَّة هو أنت.
في كلِّ مرَّة تبدأُ فيها عملًا بخوف، فإنَّك تصيرُ خاسرًا مرَّتَين. أوَّلًا، إنَّك تلوِّنُ العملَ بالخوف فتزيد من فرص الفشل. فالثِّقةُ ورباطة الجأش يتفوَّقان على الخوف في كلِّ مرَّة. ثانيًا، إنَّك تضمَنُ أنَّك لن تتمتَّعَ بالتَّجرِبة. سواءٌ نجحتَ أم فشلت، ألا ترغَبُ في أن تتذكَّرَ التَّجرِبة على أنَّها خبرةٌ تمتَّعتَ بها وليستْ خبرةً عانَيتَ خلالها؟
عندما تحسُّ إذًا بذلك الشعور المألوف غير السارِّ يصعدُ في صدرك أو يستقرُّ في قاع معدتك، تذكَّر القاعدة رقم ١. لا تسمَحْ للخوف بأن يقوِّضَ فرصتَك لتَفعلَ ذلك الشيء الذي كنتَ ترغب في القيام به. القاعدة رقم ١ تؤثِّر في كلِّ قاعدةٍ أخرى. اصرف ثانيةً من وقتك ثُمَّ ابتسمْ، وتَمتَّعْ بالرِّحلة.
القاعدة رقم ٢
تسعى كلُّ شركةٍ لأنْ تُختار. كي تفوز، أعطِ الناخبين ما يريدون
في عام ١٩٩٩ م دُعيتُ إلى حضور مقابلةٍ خاصَّة لبِل برادلي (Bill Bradley)، الذي كان في ذلك الوقت أحدَ أعضاء مجلس الشيوخ، كما كان مرشَّحَ الحزبِ الديمقراطيِّ لرئاسة الجمهوريَّة. جرَتْ تلك الحادثة في إحدى الشُّقَق العُليا في كلِّيَّة كَنيدي للشؤون الحكوميَّة، وذهبتُ لأنِّي كنتُ مُعجَبًا ببرادلي كمَسؤولٍ حكوميٍّ مُنتَخَب، ولاعبِ كرة سلَّة، وزميلٍ من ولاية ميزوري.
بعدَ عباراتِ المجاملةِ المعتادة، بدأ برادلي كلمتَه غير الرسميَّة بِوَصْف الشروط التي وضعَتْها كلِّيَّة كَنيدي كَشُروط مسبَّقة لمقابلته.
قال برادلي: ’’عندما دُعيتُ قالوا: «نحن مؤسَّسةٌ تُنادي بحبِّ الوطن، ولذا علينا أن نطرحَ عليك بعضَ الأسئلة. هل تدعمُ دُستورَ الولايات المتَّحدة؟» قلتُ: لهم نعم. فقالوا: «هل تدعم الحرِّيَّة الدينيَّة؟» فقلتُ: نعم. فقالوا: «وحرِّيَّة التجمُّع؟» قلت: نعم. أنا أدعم حرِّيَّة التجمُّع. قالوا: «وحرِّيَّة التعبير؟» قلتُ: نعم. قالوا: «حسنًا، لأنَّك ستُلقي كلمةً الآن»‘‘ .
قد تعبِّر نكتة برادلي الافتتاحيَّة بدقَّة عن القِيَم السياسيَّة في قلب أميركا. والأهمُّ من ذلك، أنَّها تذكِّرُنا أنَّ الأعمالَ التجاريَّة والسياسة يجب أن يُواجِها الامتحانَ نفسَه- امتحانَ الشخصيَّة الأميركيَّة. سواء أَعَرفْتَ ذلك أم لم تعرفْ، فإنَّ شركتَك تسعى لأن تُختارَ. أنتَ مديرُ الحملة، تحاوِلُ كلَّ يومٍ أن تربحَ أصواتَ المستهلكين الأميركيِّين. وكما هي الحال في كلِّ حملة، فإنَّ معرفةَ الجواب عن السؤال ’’ماذا يريد هؤلاء الناخبون؟ ‘‘يزيدُ بصورةٍ كبيرة من فُرَصِ فَوزِك.
ماذا يريد إذًا الناخبون الأميركيُّون؟
أَبدَأُ بأقوى صفة أساسيَّة: الأميركيُّون هم عادةً عمليُّون. نريد الأشياءَ التي تنفَّذُ في الواقع. في أغلب الأحوال، نتركُ للآخرينَ أمرَ الجدَل حول الفلسفة، والميتافيزيقيا، والأمور التَّجريديَّة. نفخرُ نحن الأمريكيِّين بمقدرتنا على إنجاز الأعمال. إنَّنا نفعلُ كلُّ ما يتطلَّبه إنجازُ الأعمال، ونريدُ مُنتَجاتٍ وخِدْماتٍ تفعلُ الشيءَ ذاته.
الصفة الأميركيَّة الثانية هي التكيُّف. من بين جميع شعوب العالَم، ننفردُ في اعتقادنا الراسخ بأنَّ كلَّ شيء، بما في ذلك أنفسنا، يمكن أن يصيرَ أفضل. نحن الناس الذين اخترعوا الرأي القائل إنَّه ’’في كلَّ يومٍ وفي كلِّ شيء أنا أصيرُ بحالةٍ أفضل وأفضل‘‘. اخترَعْنا صناعةً كاملةً حول موضوع التنمية الذاتيَّة. إنَّ فكرةَ أنَّنا نستطيع جميعًا أن نصيرَ في حالٍ أفضل ونصيرَ أكثر ذكاءً وتَفَوُّقًا- مُبرمجةٌ في شعورنا الوطنيِّ في الولايات المتَّحدة. إنَّ أيَّ فكرةٍ يمكنُ إطلاقها وهي في مستواها الأساسيِّ الأوَّل سريعًا ما تصيرُ فكرةً جديدةً ومحسَّنةً ومُحدَثةً في مستواها الأعلى. يمكننا أن نجعلَ أيَّ شيءٍ يعملُ بصورةٍ أفضل.
ثالثًا، نحن الأميركيِّين تستحوذ علينا باستمرار فكرةُ الابتكار. ما الشيء الجديد، والشيء التالي؟ ما الشيء الذي لم يتحقَّقْ سابقًا؟ هذه اهتماماتٌ أميركيَّةٌ متأصِّلةٌ جوهريًّا وطبيعيًّا داخلنا. صار الابتكارُ اليومَ عمليًّا أحد أهمِّ ’’الكليشيهات‘‘ الأميركيَّة، الطريق إلى المستقبل للشركات من كلِّ الصناعات. لكنَّ الشركاتِ وقادتَها ليسوا مُخْطئين بهذا الادِّعاء. إنَّه ادِّعاءٌ أميركيٌّ كما أنَّك أنت أميركيّ، ويعودُ إلى أحدِ مؤسِّسي أمَّتِنا المبتَكِرين، بنجامين فرانكلين (Benjamin Franklin).
ماذا يريدُ الناخبون من شركاتِنا؟
نريدُ أشياءَ عمليَّةً تنفَّذُ في الواقع. ونريد أن نصيرَ قادرين على جَعْل الأشياء تعملُ بطريقة أفضل. ونريد أن نجدَ الأشياءَ التي تعملُ بصورةٍ أفضل والتي تكون مُبتكَرَةً على حدٍّ سواء. إنَّها ثلاث صفات لا يستبِعدُ أحدَها الآخر. إنَّها تعزِّز بعضها البعض.
هل لديك ما يريده الناخبون؟
ماذا بعدُ؟
أنت تعملُ في مجال الأعمال. وفي كلِّ يوم تَسعى لأنْ تُختارَ شركتُك. لكلِّ صوتٍ أهمِّيَّة. وفي كلِّ يومٍ عليك أن تبرهنَ لزبائنك أنَّك تستحقُّ الحصولَ على أصواتهم. عليك أن تبيِّن لهم أنَّك تَفهمُهم وأنَّك تهتمُّ بهم، وتهتمُّ بالأشياء ذاتِها التي يهتَّمون بها.
بِمَ يهتمُّون؟
هل الأشياء قابلةٌ للتَّطبيق؟
هل يمكنُ أن نجعلَها تعملُ بطريقةٍ أفضل؟
هل هي جديدةٌ وتُعَدُّ أفضلَ من غيرها؟
اعمَلْ على قياس أفكارِ أعمالك وأدائك في مقابل بطاقة النِّقاط الأميركيَّة هذه. إذا كان ما لديك يتَناسَبُ منطقيًّا بصورةٍ جيِّدة، فإنَّك تكونُ قد بدأتَ بدايةً جيِّدةً لكَسْبِ قلوبِ أفراد السوق الأميركيَّة وعقولهم ومَحافِظِ أموالهم.
القاعدة رقم ٣
اطرَحِ السؤالَ الأخيرَ أوَّلاً
كتبَ مارك فولر (Mark Fuller)، المؤسِّسُ المشارك، والرئيسُ التنفيذيُّ لشركة مونيتور (Monitor)، مقالةً استفزازيَّةً للطَّبعة الأولى لمجلَّة ’’فاست كومپاني‘‘ عنوانُها ’’الأعمالُ بوصفها حَرْبًا‘‘ (Business as War).
عَنوَنَ القسمَ الثالثَ من المقالة بالعبارة: ’’لماذا تفشلُ الشركات- الجزء ٢‘‘. علَّمَني درسًا حملتُه معي منذ اللحظة الأولى التي قرأتُه فيها. إليكم ما يقوله: ’’في أثناء حرب ڤيتنام، اشتركَتِ الشركاتُ الكبرى والقواتُ المسلَّحة بالأسلوبِ الاستراتيجيِّ ذاته. عَمِلَتْ كلتاهما في إطار الديناميَّات المؤسَّسيَّة التي ضَمنَتْ لهما خسارةً مؤكَّدة. كانَتِ المفارقةُ الرهيبةُ لڤيتنام أنَّ الولايات المتَّحدة ربحتْ جميعَ المعارك لكنَّها خَسرَتِ الحرب. يتَّفقُ معظمُ التاريخ الحربيِّ لحرب ڤيتنام حول سبب الخسارة: لم يكُنْ لدى المنظمة العسكريَّة مَذْهَبٌ استراتيجيٌّ موحَّد، أو تعريفٌ واضحٌ للنَّصر‘‘.
لم يوجَدْ تعريفٌ واضحٌ للنَّصر. هذا هو الدرس.
إنْ لم يَكُنْ لديك تعريفٌ واضحٌ للنَّصر، فكيف تعلمُ متى تكونُ رابحًا، هذا إذا ما كنتَ قد رَبحْت. وفي ما يتعلَّق بهذا الأمر، كيف تعلَمُ لماذا تحارِبُ أصلًا؟
إنْ لم يَكُنْ لديك تعريفٌ واضحٌ للنَّصر، كيف ستوزِّع مواردَك؟ وكيف ستُعيِّن موظَّفيك في أمكنَتهم المناسبة؟ وكم من الوقت ستَلتزم نحو هدفك، وكيف تعلمُ أنَّك حقَّقتَ هدفَك؟
لقد بدأتُ أفكِّرُ جدِّيًّا في هذه الرسالة في ما يخصُّ مجلَّتنا الوليدة: ماذا كان تعريفُنا للنَّصر؟ وكيف نعرفُ مع صدور كلِّ عدد، وبالنسبة إلى المجلَّة ككلّ، ما إذا كُنَّا نربح أو نخسر؟
قرَّرتُ أنا وبل تايلور، شريكي في إطلاق مجلَّة ’’فاست كومپاني‘‘، أنَّنا لا نريدُ أن تكونَ مجلَّتُنا أكبرَ مجلَّة بأوسَع تَوزيع. كنَّا نريدُ أن تكونَ مُربحةً، لكنَّ هدفَنا لم يكُنِ الحصولُ على أكبر كمِّيَّةٍ من المال من أيَّة مجلَّة كانت.
كلَّا، إنَّ تعريفَنا للنَّصر سيَكونُ مؤثِّرًا. كُنَّا نريدُ أن يجدَ قرَّاؤنا مقالاتٍ مفيدةً وثمينةً ومؤثِّرة إلى درجةٍ تجعلُهم يقصُّونَها ويحتفظون بها أو يرسلونَها إلى صديقٍ ما. كُنَّا نريدُ أن نكونَ الكلمةَ الأولى- لكنْ ليس الأخيرة- في حوارٍ مع قرَّائنا بشأن مستَقبَل الأعمال. سيَكونُ عددٌ ما من أعداد المجلَّة نصرًا لنا إذا نَشَرْنا فيه مقالةً واحدة على الأقلِّ حرَّكَتِ الإبرةَ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بِرُدود فِعْل قرَّائنا. احتفَظْنا بسجلٍّ لكلِّ الرسائل الإلكترونيَّة التي وصلَتْنا من القُرَّاء؛ وسجَّلنا المقالاتِ التي أدَّت إلى أكبر عددٍ من التغذية الراجعة. كانَتْ أفضل الرسائل تقول بطريقة أو بأخرى: ’’كيف عرفتُم ما كنت أفكِّر فيه؟‘‘ عندئذٍ كنَّا نعلَمُ أنَّنا أحرَزْنا تأثيرًا كبيرًا.
بعد فترة قصيرة بدأ ’’تعريفُ النصر‘‘ يبدو تعريفًا حربيًّا بعض الشيء. لم يكُنْ هذا مَثارَ دهشة، حيث إنَّ مقالةَ مارك كانت بعنوان ’’الأعمال كحَرب‘‘. شعرتُ أنا بارتياح أكبر عندما كنتُ أسأل: ’’ما هدف التمرين؟‘‘ بكلماتٍ أخرى، ماذا نحاولُ أن ننجز؟ ولماذا نفعلُ هذا الشيءَ في المقام الأوَّل؟
اكتشفتُ أنَّه في معظم الأحيان، سواء هي فكرةٌ كنَّا قد فكَّرنا في القيام بها في المجلَّة، أم فكرةٌ اقترحها صديقٌ ما، فإنَّ الجوابَ الحقيقيَّ هو ’’أنا لا أعرف حقًّا‘‘أو ’’أعرف إلى حدٍّ ما- لكن ليس على نحوٍ مؤكَّد‘‘.
إنَّ الهدفَ من السؤال ’’ما هدفُ التمرين؟‘‘ ليس إذلالَ أحد. إنَّه ببساطة أوضحُ سؤالٍ يمكنُك أن تطرحَه. إنَّه أفضلُ شيءٍ يمكنُك أن تفعلَه لنَفسك أو لأيِّ شخصٍ يطلبُ مَشورتَك. لأنَّك إنْ كنتَ لا تعلَمُ الهدفَ من التمرين بصدقٍ ودقَّةٍ ووضوح، فإنَّك ستَهيم على وجهك تائهًا لوَقتٍ طويل، وتكون بذلك مضيِّعًا وقتَك وطاقتَك على شيءٍ لا تفهمُه في الواقع.
عندما تستطيعُ أن تجيبَ عن السؤال ’’ما هدفُ التمرين؟‘‘، وتقوم به من كلِّ عقلك وقلبك، تصيرُ مستعدًّا لإطلاق مشروعك. وتصيرُ مستعدًّا لتنجحَ من خلاله.
ماذا بعد؟
بالنسبة إليَّ، هذا هو امتحانُ الشخصيَّة الحقيقيَّة.
هل تعلمُ هدفَ التمرين؟
إنَّ هذا السؤالَ البسيطَ هو في الواقع طريقةٌ لتَحليل المشروع الخاصِّ بك لتجعلَه يتحقَّق: لن تستطيعَ أن تبدأ حتَّى تطرحَ السؤالَ الأخيرَ حول ما تَودُّ أن تفعلَه. اطرحْ إذًا السؤالَ الأخيرَ أوَّلًا، ثُمَّ عُدْ من هناك نحو الوراء إلى البداية.
إليكم ملاحظةً أخرى مبنيَّة على خبرتي الشخصيَّة: مهما يَكُنْ جوابُك الأوَّل عن ذلك السؤال، فإنَّه في العادة ليسَ الجوابَ الصحيح. استمرَّ في طَرْح السؤال على نفسك، وعلى أصدقائك عندما يأتونَ لِطَلَبِ النُّصح، وعلى شركائك وزملائك في العمل. عادةً ما يتطلَّبُ الحصولُ على جوابٍ صادقٍ ثلاثَ محاولاتٍ على الأقلّ. والأجوبة غير الصادقة لا تُساعدُنا.
هل تعلَمُ حقًّا لماذا نفعل هذا؟
قد تجيب بالقول: ’’للحصول على أموالٍ كثيرة‘‘.
أو ’’لنترُكَ تأثيرًا كبيرًا‘‘.
وقد تجيب أيضًا: ’’الاثنان معًا‘‘.
لا تفعلْ هذا. هذا فخٌّ آخر. لا تغشَّ بالقَول: ’’جميع ما ذُكرَ من إجابات‘‘. إنَّ هدفَ طَرْح السؤال هو أن تضَعَ نفسَك في شَرَكٍ صعب. بالتَّأكيد، هذا عملٌ غيرُ مريح- لكنَّ هذا هو الهدف. إنَّ التخلُّصَ من الشرَك يجعلُك بحالٍ أفضل، ولكنَّه سهلٌ جدًّا؛ إذ إنَّه يجنِّبُك إعطاءَ ردٍّ صعبٍ على سؤال صعب.
لكنْ إذا كنتَ لا تسعى إلى الحصول على الجواب الصعب؛ وإذا تجنَّبتَ ضرورةَ مواجهة سبب ما تفعلُه، فإنَّك لن تعرفَ الطريقةَ الصحيحةَ للقيام به، أو ما إذا كان عليك القيام به أصلًا.
’’ما هدفُ التمرين؟‘‘ هو من نوع الأسئلة التي من شأنها أن تبقيَك صادقًا. إنَّه المكانُ الصحيح لبَدء أيَّة مغامرة. وعند الطرف الآخر من الطريق، سيُساعدُك على معرفةِ متى وصلتَ إلى وجهتك التي صمَّمت أن تبلُغَها.
القاعدة رقم ٤
لا تنفِّذِ الحلول. امنَعْ حدوثَ المشكلات
جميعنا مُهتمُّون بحلولٍ حقيقيَّةٍ قابلةٍ للتَّطبيق.
في مجال الأعمال، يركِّزُ القادةُ الواقعيُّون والحازمون على النتائج. وللتَّأكيد على هذه النقطة، حقَّقَ قادةُ الفكر في مجال الأعمال مثل لاري بوسيدي (Larry Bossidy)، وأيه. جي. لافلي (A.G. Lafley)، ورام شاران (Ram Charan) نجاحًا كبيرًا بخصوص الكُتُب التي تعلِّم المديرين كيف يركِّزون على التنفيذ. يبدو أنَّ وضْعَ الحلول مَوضِعَ التَّطبيق هو المكانُ الذي يجري فيه العمل.
لكنْ ماذا لو لم يكُنِ العملُ الحقيقيُّ متعلِّقًا بالحلول؟ إنَّ التركيزَ على الحلول يضيِّع نقطةً أساسيَّة: مَنْع المشكلات في المكانة الأولى. هناك فكرةٌ أهمُّ حتَّى من التنفيذ. إنَّها فكرةُ الاكتشاف المبكِّر والتدخُّل والوقاية. إنَّ قادةَ الأعمال الذين يتبنَّون تلك الفكرة يمكنهم أن يشيروا إلى أمورٍ هي حتَّى أفضل من التطبيق. يمكنُهم الإشارة إلى مدَّخَراتٍ ضخمةٍ ونتائجَ أفضل.
لقد تعلَّمْتُ هذا الدرسَ والفَضْلُ يعود إلى أحد القادة الأكثر إلهامًا الذين قابلتُهم، وهو بِل ستريكلاند (Bill Strickland). من پيتسبيرغ (Pittsburgh). قابلْتُ بِل منذ عشرة أعوام حول طاولة في مطبخ جاري الذي يسكُنُ بجانبي في بروكلين، ماساشوسيتس (Brookline, Massachusetts). في تلك الليلة، بعدَ أن روى بِل قصَّتَه، علمْتُ أمرَين: كان بِل سيغيِّرُ أشياءَ في أميركا، وأنا وبِل سنكون صديقَين مدى الحياة.
إليكم كيف شرحَ بِل الخِيار الذي علينا جميعًا القيام به.
ليس سرًّا أنَّنا في أميركا نَضَعُ الكثيرَ من الشباب في السجون. في الواقع، الولايات المتَّحدة هي الدَّولةُ التي تَضمُّ سجونُها أكبرَ عددٍ من الأشخاص. (هذا صحيح؛ إذ إنَّنا نحتلُّ المرتبة الأولى من حيثُ عددُ نُزَلاء السجون). يوجد اليومَ أكثر من ٢,٢ مليون أميركيٍّ وراء القضبان، أي أكثر من ١% من عدد البالغين. بصورةٍ تقريبيَّة، يُودَعُ السجنَ واحدٌ من بين ثمانيةٍ من السود بين سنِّ الخامسة والعشرين والتاسعة والعشرين. في ولاية پنسلڤانيا (Pennsylvania) حيثُ يقطُنُ بِل، يتَراوَحُ عددُ نزلاء السُّجون أكثرَ من خمسةٍ وأربعين ألفًا، وهذا العددُ يزدادُ سنويًّا منذ عام ١٩٧٦م.
افترض أنَّك تنظرُ إلى هذه المشكلة كما لو أنَّها تمامًا مشكلةٌ في مجال الأعمال. أنت تريدُ أن تعرفَ التَّكلفةَ التي يتحمَّلها دافعو الضرائب لإبقاء أولئك الشباب وراء القضبان. وتريد أن تعلَمَ إنْ كانت هذه العمليَّة تحقِّقُ هدفَها.
أنفَقَ دافعو الضرائب في پنسلڤانيا العام الماضي ١,٦ بليون دولار على عمليَّة إصلاح المساجين وتأهيلهم. ولأنَّ عددَ النزلاء في تَصاعُدٍ مستمرّ، طلبَ رئيسُ هيئة الإصلاح ٦٠٠ مليون دولارٍ كأموالٍ إضافيَّة من دافعي الضرائب لبِناء سجونٍ جديدة. مقابلَ ذلك المبلغ سيَحصلُ سكَّانُ پنسلڤانيا الصالحون... حسنًا، من الصعب أن نذكرَ الأمور التي سيَحصلون عليها. ربَّما على مُجرِمٍ أكثر قساوة يخرجُ من السجن في حالةٍ أسوأ من تلك التي دَخَلَ بها. ويحصلون على شابٍّ أسودَ ملآنٍ بالمرارة، يحوزُ سجلًّا إجراميًّا، وهو من دون مهارات، ولا يستطيع الحصول على عمل، ولديه فُرَصٌ قليلةٌ للمستَقبَل. إنَّهم يحصلون على نسبة انتكاسٍ تقارِبُ ٥٠%، ممَّا يَعني أنَّ نصفَ عدد السجناء يعودُ إلى السجن خلال ثلاث سنوات من إطلاق سراحهم. من الناحية الأخرى، يشعرُ سكَّان پنسلڤانيا بالفَخْر لأنَّ حكومتَهم تعمل بجدٍّ على إيجاد حلٍّ لمشكلة الجريمة. هذا هو التنفيذ بالنسبة إليك.
قارِنْ هذا الأسلوب بِبَرنامج بِل ستريكلاند في نِقابة المِهنيِّين في مانشِستَر في بيتسبرغ. خلال السنوات الأربعين الأخيرة كان بِل، وهو أميركيٌّ من أصول أفريقيَّة وقد حازَ جائزةَ ’’العبقريَّة‘‘ التي تقدِّمها مؤسَّسةُ ماك آرثر (MacArthur Foundation)، يقدِّم إلى طلَّابه فرصًا تعليميَّة حقيقيَّة، ومهاراتٍ تسويقيَّةً حقيقيَّة، واحترامَ الذَّات الحقيقيّ، بالإضافة إلى تقديمه مستقبلًا حقيقيًّا. يعمل بِل في مجال الأعمال التي تمنَحُ أملًا، وزبائنه من الشباب والشابَّات البيض والسود الذين قد يواجهون خِلافَ ذلك متاعبَ خطيرة.
لا توجَدُ كاشِفاتُ معادنَ في مدرسة بِل، ولا رجال شرطة لحفْظ النِّظام. لكنَّ هناك برنامجَ فنونٍ يتعلَّق بالطَّبخ يدرِّب الشباب للحصول على وظائف في أفضل المطابخ في أميركا، ويقدِّمُ أيضًا وجباتٍ على أعلى المستويات العالميَّة للطلَّاب الآخرين.
لا توجَدُ رسومٌ على الجدران؛ لكنَّ هناك لوحاتٍ وصُوَرًا وأعمالًا فنِّيَّةً معروضة، جميعها من عَمَلِ الطلَّاب.
حتَّى إنَّ هناك قاعةً للحفلات الموسيقيَّة فائقةَ الجمال. إنَّها مرفق عظيم، حتَّى إنَّ جميعَ موسيقيِّي الجاز السود تقريبًا في أميركا قدَّموا عروضَهم فيها. سجَّلَ فريقُ بِل هذه العروض وأطلقوا مجموعةً من الأقراص المدمجة، على أن تُخصَّص العائدات للمساعدة في تمويل المدرَسة. لكنَّ العائداتِ ليسَتْ ماليَّة فحسب، بل هي اعترافٌ وتقدير. قد يكونُ البرنامجُ التعليميُّ الذي يديرُه بِل هو البرنامجَ الوحيدَ في العالَم ضدَّ الفقر وضدَّ الجريمة الذي حاز أربعَ جوائزَ ’’غرامي‘‘ (Grammy).
تبلغُ تكلفةُ كلِّ طالبٍ في برنامج بِل ١٥٠٠ دولارٍ سنويًّا. ولدى البرنامج أيضًا معدَّلُ قبولٍ في الجامعة يقدَّر بنحو ٨٥% للمتخرِّجين في المدارس الثانويَّة.
لكنَّ السرَّ في مدرسة بِل ليس التكلفة، بَلِ السرُّ هو في المرحلة التي يتدخَّلُ فيها في حياة الشباب. إنَّ الأمرَ كلَّه يتوقَّفُ على الكشف المبكِّر والتدخُّل المبكِّر، بدلًا من إدخالهم السجون أو معالجة أخطائهم. إنَّ برنامجَ بِل يقدِّم الوقاية، وكما يقول المثل القديم’’ درهم وقاية خيرٌ من قِنْطار علاج‘‘.
ماذا بعد؟
برنامجُ بِل هو بالصِّدفة برنامجٌ لا يهدِفُ إلى الرِّبح ويقدِّم التعليم والتدريب والأمل.
لكنَّ القاعدةَ التي يمارِسُها تطبَّق على كلِّ أنواع الأعمال.
إنَّه المبدأُ الأساسيُّ الذي أدَّى إلى ظهور حركة الجودة الكاملة في الولايات المتَّحدة. لكنْ فقط بعدَ أن حقَّقَ اليابانيُّون أعمالًا أفضلَ في مجالاتِ الصناعة واحدًا تلو الآخر. كانَتِ الشركاتُ الأميركيَّة تحاولُ أن تفحصَ الجودة في نهاية خطِّ التَّجميع. كان بإمكانها القيام بالتَّنفيذ بصورةٍ غير معقولة بطُرق الفحص هذه واكتشاف خللٍ تلوَ آخر. كانَتْ لا تَزالُ ستَخسرُ أمام اليابانيِّين الذين كانوا يَحولونَ دون حدوثِ الخلل في المقام الأوَّل.
لماذا كان قادةُ الأعمال قادرين على تطبيق هذا المبدإِ في مجالٍ واحدٍ وهو الجودة الكاملة، لكنَّهم لم يستطيعوا أن يطبِّقوه في مجالاتٍ أخرى؟ (في ما يتعلَّقُ بهذا الأمر، لماذا لم نستطعْ أن نطبِّقَه في عددٍ كبيرٍ من مجالات السياسة العامَّة؟ نحن نعلَمُ أنَّ الوقايةَ والتدخُّلَ المبكِّرَ يطبَّقان في كلِّ المجالات، بدءًا من الرعاية الصحِّيَّة، إلى سياسة الطاقة، إلى التعليم العامّ، إلى المواصلات. لكنَّ هذه الأنظمةَ المُرسَّخة جيِّدًا تبدو غير قابلةٍ للتُّعامل معها بالرُّغم من وجودِ أدلَّةٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّة تُثبِتُ كم سيَكونُ أسلوبٌ آخرُ أكثرَ فاعليَّة وأقلَّ تكلفة).
ما زالَتِ الشركاتُ لا تطبِّقُ التدخُّلَ المبكِّر والوقايةَ المبكِّرة في مجالٍ أساسيٍّ مثل خدمة الزَّبائن. بعد أن تكونَ الشركةُ قد نفَّرَتْ زبائنها بسبب الخدمة السيِّئة والاهتمام السيِّئ والإعلاناتِ التِّجاريَّة التَّسويقيَّة المُهينة، تحاوِلُ عندئذٍ أن تعوِّضَ عن كلِّ هذا بتَقديم اعتذاراتٍ غيرِ صادقة.
في أعلى الشركاتِ الرئيسة، يحوِّلُ القادَة أنظارَهم بحكم العادة إلى الجهة الأخرى عندما يعلَمون أنَّ عليهم التَّعامُلَ مع مشكلةٍ خطيرة، آملين ألَّا تَظهرَ المشكلةُ خلال فترة عملهم. أو يضربونَ على الطَّاولة بقوَّة، فيما يُطالِبون بإصلاح المشكلة من دون الإقرار البتَّة بأنَّ عدمَ الانتباه إلى السبب الجذريِّ للمُشكلة إنَّما يزيدُ من تكلفة أيِّ حلّ، والذي غالبًا ما لا يكونُ حلًّا وإنَّما مُسكِّنًا فقط.
يمكنُ أن ينسبَ الأمرَ إلى الطبيعة البشريَّة: الإنكار، الأمل في مواجهة الأمل بأنَّ الأمرَ المحتَّم بطريقةٍ ما لن يَحدُث، على الأقلِّ حتَّى الآن.
لكنَّ هناك عنصرًا آخرَ للطبيعة البشريَّة، وكلُّ ما يتَطلَّبُه هو الممارسة: انظر إلى الواقع وجهًا لِوَجْه، وضَعْ تقييمًا صادقًا للطَّبيعة الحقيقيَّة للمشكلة. انظُرْ في الاتِّجاه المعاكس لتَرى أسبابَها الحقيقيَّة، ثُمَّ شَمِّر عن ساعدَيك وعالِجْها باكرًا بعمقٍ وفاعليَّة.
في النهاية، هذه الطريقةُ ليسَتْ فقط أقلَّ تكلفةً وأكثرَ فاعليَّة، بل هي أيضًا تمثِّلُ القيادةَ، وتمثِّلُ كذلك مهارةً ثمينةً جدًّا. إنَّها ذلك النوعُ من الموهبة الذي يفوز بجوائز مؤسَّسة ماك آرثر.
فقط اسألْ بِل ستريكلاند.
القاعدة رقم ٥
التغييرُ مُعادَلةٌ حسابيَّة
إليكم المعادَلة: يحدُثُ التَّغيير عندما تكون تكلفة الوضع الراهن أكبرَ من المخاطرة بإجراء التغيير.
تعلَّمتُ هذه المعادَلةَ في خريف عام ١٩٧٠م مباشرةً بعد تخرُّجي في كلِّيَّة آميرست. كانت أمتعَتي الشخصيَّةُ مكوَّمةً في المقعد الخلفيِّ من سيَّارتي الموستنغ التي قُدْتُها عبر أميركا حتَّى وصلتُ إلى پورتلاند في ولاية أوريغون.
في يوم مُعتِمٍ من أيَّام پورتلاند النموذجيَّة، عبرْتُ الجسرَ الفولاذيَّ وعثرْتُ على موقَفٍ للسيَّارات في وسط المدينة حيث ترجَّلت من سيَّارتي، وفكَّرتُ قائلًا: ’’لا أعرفُ تمامًا إلى أين وصلْت، لكنِّي موجود هنا‘‘.
كان أحد الأشياء التي لم أعرفْها في ذلك الوقت والتي لم أكتشفْها إلَّا بعدَ عام، هو أنِّي وصلْتُ إلى پورتلاند في وقتٍ كان مستقبلُ المدينة فيه معلَّقًا في الميزان. والشيءُ الآخرُ الذي لم أعرفْه هو أنِّي كنتُ سَأقضي العقدَ القادمَ أعمَلُ مع عُمدةِ المدينةِ الشابِّ اللَّامع، ومع موظَّفين ملتَزمين ومجتمعٍ مُخلِصٍ لبِناء مستقبلٍ لپورتلاند ممَّا كان سيَجعَلُها المدينةَ الأكثر ملائمةً للسَّكن، والمدينة المستقبليَّة في الولايات المتَّحدة.
لكنَّ پورتلاند لم تكُنْ هكذا عام ١٩٧٠م.
في ذلك العام كانت پورتلاند منعزلةً، وفخورةً بذلك. فَلْتَتَمتَّعْ سان فرانسيسكو بحنكتها المغرورة، ولْتَتَمتَّعْ سياتل بانتعاش صناعة البوينغ. كانت پورتلاند في عام ١٩٧٠م أشبَهَ بمدينةٍ واقعةٍ في فخِّ الخمسينيَّات. كانَتْ قيادةُ سيَّارةٍ قويَّةٍ وسريعة في شارع برودواي ذي الاتِّجاهَين في قَلْب المدينة، هي أكثر الأعمال إثارةً وروعة من التي يقومُ بها الفرد يومَ الجمعة مساءً. ولمَّا كانت پورتلاند مبنيَّةً على صناعة الأخشاب، فقد بَدَتْ كبَلدةٍ صاخبةٍ ملآنة بالعنف وبمدمني الكحول والمشرَّدين، وبمساكنَ رخيصةٍ وفاسدة. وكان فيها مبنًى صغيرٌ من عدَّة طوابق، لكنَّ مباني المكاتب في وسط المدينة كانت قديمةً وبالية. كانت بنيةُ الطاقة الكهربائيَّة في المدينة مُطابِقةً لِمَظهر وسط المدينة: في عام ١٩٧٠م كان معدَّل أعمار عُمدة المدينة وأعضاء مجلس المدينة أكثر من ٧٠ عامًا.
كانت كلُّ هذه الأمور واضحةً حتَّى للقادم الجديد إلى المدينة مثلي.
ما لم يَكُنْ واضحًا للعِيان، كان خريطةَ المستقبل التي رسمَها شيوخُ المدينة. حيثُ كانَتْ خارطةَ الطريق السريع التي تُمثِّلُ خُطَّةَ المواصلات الرسميَّة للمدينة هي الأهمّ. بعد فترةٍ قصيرة من انتهاء الحرب العالميَّة الثانية كانت پورتلاند قد وظَّفَتْ بنَّاءَ نيويورك العظيم، روبرت موسى (Robert Moses)، ليُصمِّمَ رؤيةً جديدةً للمُواصلات. قدَّم موسى إلى پورتلاند ما كان قد قدَّمه إلى نيويورك: انتشارًا هائلًا للطرُق السريعة تقطَعُ أوصالَ الأحياء السكنيَّة في المدينة. في الواقع، لو بُنِيَتْ جميعُ الطرق السريعة التي دعا إليها موسى، لكانَ قد أُزيلَ بَيتٌ من بين عشرةٍ من بيوت مدينة پورتلاند من أجل بناءِ طريقٍ سريع، أو لانْتَهى أمرُ ذلك البيت إلى جانبِ الطريق السريع.
كانت هذه رؤيةً للمُواصلات ستَجعلُ من پورتلاند، لوس أنجلوس مصغَّرة. ولَكانَتْ أحياءُ المدينة قد قُدِّمت ضحيَّةً للسيَّارات المتنَقِّلة خلالها. ولَكانَتْ العائلاتُ قد هُجِّرَتْ إلى الضواحي. ولَكانَ النموُّ الحضريُّ قد أعادَ تشكيلَ المنطقة. ولَبَقيتْ پورتلاند أيضًا مثل ثقبٍ وسط كعكة محلاَّة إقليميَّة- مدينةُ الفقراء، وكبارِ السنّ، والأطفال، أيِ الأشخاص الذين لا يستطيعون الانتقال إلى الضواحي.
كان ذلك هو الوضعَ القائم. تلك كانت خريطة الطريق نحو المستقبَل الذي كانَتِ المدينةُ تستخدمها حتَّى غيَّرَ الوضعَ محامٍ يتمتَّع بجاذبيَّة ساحرة كان يشتغلُ سابقًا في المساعدة القانونيَّة يدعى نيل غولدشميت.
كان نيل من أبناء ولاية أوريغون الحقيقيِّين. تَرعرَعَ في مدينة يوجين ودرس في جامعة أوريغون حيث انتُخبَ رئيسًا لاتِّحاد الطلبة. وكان قد درسَ في كلِّيَّة الحقوق في جامعة بيركلي (Berkeley) وعمل في الميسيسيپي (Mississipi) في أثناء ’’صيف الحرِّيَّة‘‘ (Freedom Summer (1) كجزء من حركة الحقوق المدنيَّة. وفي پورتلاند عملَ لدى ’’المساعدة القانونيَّة‘‘، ثُمَّ ترشَّحَ في سنِّ السابعة والعشرين لمجلس المدينة، فكان ذلك فرصةَ إدخالِ عنصرِ الشباب إلى هيئة كبار السنّ.
وكمُرشَّح، اعترَضَ على الطريقة التي كان المجلسُ يديرُ بها أعماله- وراء الأبواب الموصَدة في اجتماعات سرِّيَّة، قبل التَّظاهُر بعقدِ جلساتٍ عامَّة. اعترضَ أيضًا على طريقةِ تَجاهُل تخطيط المدينة لحاجات أحياء پورتلاند السكنيَّة. وأكثر ما اعترضَ عليه كان طريقَ جبلِ هود السريع، وهو الجزءُ الأوَّلُ من خُطَّة موسى العظيمة للمواصلات والتي كانت على وَشك أن تُنفَّذ.
عندما فازَ في الانتخابات، طلبَ من عُمدةِ المدينة أن يعطيَه تخطيطَ المدينة ليَعملَ عليه. لكنَّ عُمدةَ المدينة سلَّمه مسؤوليَّة إدارة مكتبِ السيطرة على الحيوان. في السنة التالية أعلَنَ نيل ترشُّحَه لمنصب عُمدة المدينة.
عندما افتَتَحَ نيل حملته، ظهر الاقتباس التالي على غلاف نَشرَته وهو من خطاب إعلان ترشُّحه: ’’لدى مدينتنا الكثير الذي يحملُ على التقدير والمحبَّة، والكثير الذي سنَخسرُه إن بَقِينا خاملين‘‘. كانت الحملةُ بحدِّ ذاتها درسًا في الحساب.
ما تكلفةُ الوضع الراهن؟
ما مخاطرُ إجراء التَّغيير؟
تبيَّن أنَّ كلفةَ الوضع الراهن، بَدءًا بطريق جبل هود السريع، مرتفعةٌ بصورة مفرطة: جَرْفُ أحياء سكنيَّة، ارتفاعُ نسبة تلوُّث الهواء، دخولُ مزيد من السيَّارات إلى وسط المدينة الذي كان أصلًا مُختَنِقًا بالسيَّارات- كلُّ هذا لمجرَّد بناءِ طريقٍ سريع أعلنَ بيانُ التأثير في البيئة أنَّه سيَمتلىء بالسيَّارات الملتَصقة ببعضها بعضًا في يوم افتتاحه. كان الثمنُ هو دمارَ كلِّ شيءٍ أحبَّه سكَّانُ پورتلاند في مدينتهم.
مخاطر التغيير. حسنًا، كانَتْ مجسَّدةً في نيل غولدشميت.
كان يتكلَّم بسرعة، سَخِرَ خصومُه السياسيُّون بأُسلوب كلامه، ووَصَفوه بالقَرع المتكرِّر. كان شابًّا في عَجَلةٍ من أمره، وكان ذلك بحدِّ ذاته مخاطرة. وفي بعض أحياء پورتلاند كان الناسُ يتَهامَسونَ ضدَّه لأنَّه كان يهوديًّا.
إنَّ الحملاتِ السياسيَّة، بصورةٍ جزئيَّة، هي فرصةٌ للنَّاخبين ليُجروا عمليَّةً حسابيَّة. في النهاية، قرَّر سكان پورتلاند أنَّ كلفةَ الوضع الراهن كانت أعلى من مخاطر التغيير. عندما فُرزَتِ الأصواتُ في يوم الانتخاب، انتخبَ سكَّان پورتلاند نيل عُمدةَ مدينتهم الجديد، ليكونَ أصغرَ عُمدةٍ لمدينة كبرى في الولايات المتَّحدة.
إذا ذهبْتَ إلى پورتلاند اليوم، ألقِ نظرةً على خطوط سكك الحديد الخفيفة التي بُنيَت بدلًا من الطرق السريعة. أقِمْ في وسط المدينة النابض بالحياة وزُرِ الأحياءَ السكنيَّة الصحِّيَّة. بإمكانك أن ترى أنَّ سكَّانَ پورتلاند قد أعطَوا حلًّا صحيحًا للعمليَّة الحسابيَّة. كانت تكلفةُ عدم القيام بأيِّ عملٍ أعلى من مخاطر التغيير.
ماذا بعد؟
تعلَّمْتُ هذا الدَّرسَ منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وأنا لا أزالُ منذ ذلك الوقت أشاركُ في العديد من جُهود التَّغيير وأكتبُ عنها: بعضها في الحكومة، وبعضها في الشركات. عادةً ما كانت هذه الجهود تشملُ أناسًا ملتَزمين التزامًا عميقًا يؤمنون بقضيَّتهم، ويؤمنون بأنَّهم على صواب، وهم مستعدُّون للتَّضحية بمهَنهم، إذا كانَ الفوزُ يتطلَّب ذلك.
في معظم الأوقات كانوا يخسرون ويضحُّون بمهنهم.
ليس بالضَّرورة أن يحدُثَ هذا. لكنَّه يحدُثُ في معظم الأحيان. لماذا؟
لأنَّه ليس كافيًا أن تكونَ مُقتنِعًا بأنَّك على صواب. الطرفُ الآخرُ مُقتنعٌ أيضًا بأنَّه على صواب. إذا كُنتَ عنصرَ تغييرٍ داخلَ شركةٍ ما؛ وتقومُ بحملة لأجل الرئيس التنفيذيِّ ليَدعمَكَ لأنَّك على ’’صواب‘‘، فإنَّك في معظم الأحيان ستَخسر. إذا حوَّلْتَ التغيير إلى قرار ’’إمَّا أنا وإمَّا هو‘‘، وأعلنْتَ أنَّك ستُراهنُ بمهنتك في مقابل القرار، فبإمكانك أن تبدأ بحَزْم أغراضَك الشخصيَّة. ستَبدو في نهاية المطاف وكأنَّك شخصٌ محارِبٌ مُفرِطُ الحماس- وهذه طريقةٌ أخرى للقَول إنَّك ستَبدو شهيدًا.
من الناحية الأخرى، إذا أرَدْتَ في الواقع أن تربَح، بدلًا من التَّصميم على الموت لأجل قضيَّتك، فإنَّ هناك بعضَ الأساليب والخُطَط والوسائل التي يمكنُك أن تتعلَّمَها ممَّا يُغيِّرُ المعادَلةَ الحسابيَّة لمصلحتك.
أوَّلًا، يجب أن يكونَ واضحًا في تفكيرك أنَّك باقٍ في اللعبة لمدَّة طويلة من دون أن ترهنَ مهنتك مقابل نصرٍ سريع. فالأمر سيَّان سواءٌ أَحاوَلْتَ أن تجعلَ شركتك تتبنَّى استراتيجيَّة جديدة، أم إذا كنتَ تريد من دائرة التَّسويق أن تُجرِيَ تغييرًا جوهريًّا في أسلوبها، أم إذا كنتَ تريد سياسةَ استقطابٍ وتَوظيفٍ جديدة تأتي للشَّركة بمواهبَ جديدة. مهما كانَتِ القضيَّة، إذا كنتَ مهتمًّا بما فيه الكفاية لتُحارِب، عليك أن تهتمَّ بما فيه الكفاية لتَبقى وتُحارِب. عندما يتعلَّق الأمرُ بإجراء التغيير، كان يوغي بيرا (Yogi Berra) على صوابٍ جزئيًّا: لا ينتهي الأمر أبدًا إلَّا بانتهائه. ولكنَّه لا يزالُ غير منتَهٍ بعد. عندما تحدُثُ المعاركُ ذاتُها ثانيةً في الشركات والسياسات، عليك أن تكونَ هناك لتُحارِبَهم، متطلِّعًا إلى نتائج الأمد البعيد.
ثانيًا، عليك أن تتعلَّمَ لغةَ الطَّرَف الآخر وتعرِفَ حُجَجَه أفضلَ ممَّا يعرفُها هو. عندما كنَّا نحاوِلُ أن نغيِّر مستقبلَ المواصلات في پورتلاند، كنَّا نحتاجُ إلى أكثر من مجرَّد الحُجَج البيئيَّة. كان علينا أن نتحدَّثَ لغةَ مُهندسِ المرور. كان علينا أن نبرهنَ على أنَّ الطريقَ السريعَ لم يكُنْ ضارًّا بالأحياء السكنيَّة ونوعيَّة الهواء فحسب، بل كان أيضًا طريقةً سيِّئةً لتَحرُّك السيَّارات. إنَّ حُجَّة أنَّ الطريقَ السريعَ سيَمتلئ إلى أقصى طاقته بالسيَّارات يومَ افتتاحه كانَتْ حُجَّةَ دائرةِ المرور التي لم يستطعْ الطرفُ الآخرُ أن يدحَضَها.
بشكلٍ عامّ، إنَّها فكرةٌ جيِّدةٌ أن تتعلَّمَ التحدُّث بلغة الاقتصاد إنْ كنتَ لا تستطيع ذلك الآن. ذلك لأنَّ الأشخاصَ في كِلا جانبَي السِّجال يحترمون الشأن الماليَّ لقضيَّةٍ ما. إنَّ إقامةَ الدَّليل على أنَّ الحلَّ الذي تقدِّمه أنت أقلُّ تكلفةً وتطبيقه أفضل، يجعل حُجَجَك الأخلاقيَّة أكثر إقناعًا.
ثالثًا، ليس كافيًا أن تتَّخذَ مَوقفًا ضدَّ شيءٍ سيِّئ. عليك أن تدافعَ عن شيءٍ أفضل. ينطبقُ هذا بشكلٍ خاصّ إذا كنتَ تحاوِلُ أن تقنع رئيسك- أو الناخبين- أنَّ الوَضْعَ الراهنَ ليس جيِّدًا بالنسبة إليهم. يعرفُ الموالونَ السياسيُّون أنَّ شيئًا ما يتفوَّقُ دائمًا على لا شيء. إذا كان كلُّ ما تقدِّمه هو لا شيء، فإنَّ الشيءَ القديم، سيِّئًا على حاله، سيَربَح. ومهما كنتَ محبَطًا بخصوص الوضع القائم، تصرَّف بحذَرٍ وكُنْ مستعدًّا رَيثما تكون قد هيَّأتَ لبَديلك الأفضل، التفاصيلَ والحُجَجَ والجانبَ الاقتصاديَّ والحسابيَّ الذي تقدِّمه أنت.
أخيرًا، ابحثْ عن حلفاءَ لك. في كثيرٍ من الأحيان، يَضَعُ أصحابُ التَّغيير أنفسَهم في مأزقٍ مؤلِم بسبب حُجَجهم، ويجدون أنفسَهم وحيدين عندما يصلون إلى ما يريدون. لكنَّ جَهدَ تغييرٍ خلَّاقٍ حقيقيّ، سيَكون نقيضَ الحدود التقليديَّة ويتعدَّاها ويمزِّق التَّحالُفات القديمة. إن أجرَيتَ العمليَّة الحسابيَّة بصورةٍ صحيحة؛ وعرفْتَ كيف توزِّعُ التكاليفَ الحقيقيَّة للوَضْع الراهن في الوقت الذي تخفِّض فيه من مخاطر التغيير، فإنَّك قد تكتشفُ بعضَ الحلفاء الجُدُد الذين يمكنُك أن تضمَّهم إلى جانبك- أشخاص قد تَعدُّهم بالمعنى السلبيِّ ’’محافظين‘‘ أو ’’يَنْفرونَ من المخاطر‘‘. اعْمَلْ على استمالتِهم إلى قضيَّتك. أقنعْهم أنَّ حلَّك محافِظٌ بقَدْر حلِّهم؛ لأنَّه يوفِّر المالَ، وهو أكثر كفاءة، وتترتَّب عليه عواقبُ غير مقصودةٍ أقلّ. أقنعهم أيضًا أنَّ التغييرَ هو الطريقُ الأقلُّ مخاطرةً، وهو قابلٌ للتَّطبيق.
إنَّ تعلُّمَ إجراء التَّغيير يتعلَّق كلِّيًّا بتعلُّم الجانب الحسابيِّ من التغيير. عندما يجري التَّغيير بشكلٍ صحيح، فإنَّه لا يكونُ مجرَّدَ فنٍّ لطيفٍ فقط، بل يكون أيضًا عِلْمًا مبنيًّا على الخبرة التجريبيَّة.
القاعدة رقم ٦
إنْ أردْتَ أن تكونَ رؤيتُك مختلفة، غيِّر نظرتَك إلى الأمور
كان تيد ليڤيت أوَّلَ مَن قال هذه العبارة وأفضلَ مَن قالَها. في مقالته الأشهر، ’’قُصْرُ نَظَرِ التَّسويق‘‘ (Marketing Myopia) لمجلَّة ’’هارڤرد بزنس ريڤيو‘‘، قال تيد مُناقِشًا إنَّ معظمَ الشركات تُعاني من مشكلة خطيرة تتعلَّق ببصرها، غير أنَّها لا تدري نوعَ العمل الذي تقوم به.
تابعَ تيد قائلًا إنَّ القائمين على صناعة سكك الحديد نظروا إلى عملهم على أنَّه في سكك الحديد. لم يرَوا أنَّهم كانوا في الواقع في مجال المواصلات. واعتقدَتْ شركةُ الحفَّارات أنَّها تبيع حفَّارات. لكنَّ زبائنَهم في الحقيقة كانوا يشترون حُفرًا.
سجَّلَتْ مقالةُ تيد بدايةَ فكرةِ تغيير النظرة- فنِّ النظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة بواسطة مخيِّلتك العاملة. يمنحُكَ تغييرُ نظرتك إلى الأمور أداةً ثمينةً للتَّفكير والعمل، والنظر بعيونٍ جديدة.
كان الدَّرسُ الذي يعلِّمه تيد في عام 1960م عندما صَدَرَتْ مقالةُ ’’قُصْرُ نَظَرِ التَّسويق‘‘ درسًا أساسيًّا: أنَّ عملَك الأوَّل، أنت القائد، هو أن ترى بوضوح نوعَ العمل الذي تقوم به. ربَّما كان هذا العملُ ليس العملَ الذي تعتقده. ولهذا السبب عليك أن تنظرَ إليه نظرةً جديدة.
كان ذلك منذ خمسين سنة تقريبًا. اليوم، مع انهيار الفئات الصناعيَّة وزَوال الحدود بين أنواع الأعمال، يُنظَرُ برؤيةٍ جديدة إلى مفهوم تغيير النظرة والإدراك. لقد ذهبَ هذا المفهوم إلى أبعدَ من ذلك: السؤال الآن ليس مجرَّد ’’في أيِّ نوع من الأعمال أنت؟‘‘، إنَّه ’’ما الفكرة من العمل الذي تقوم به؟‘‘.
لكي نقتبس من مَثَل تيد الأصليّ، لم يَعُدْ كافيًا أن يقولَ القائمون على السكك الحديديَّة إنَّهم يعمَلون في مجال المواصلات. إنَّ كلَّ مجالٍ آخر، من الطائرات إلى القوارب إلى أجزاء الإنترنت، إذا كنتَ تنقلُ المعلومات، يقعُ ضمنَ ذلك النوع من العمل. ذَهَبَ بعضُ المنافسين إلى أبعد من ذلك: تعمل شركتَيْ ’’فدكس‘‘ (Fedex)، و’’يو پي أس‘‘ (UPS) على تسليم طُرود الشركة، كما تعملُ على التحرُّك داخلها لإدارة العمليَّات اللُّوجستيَّة الكاملة. فهما تأخذان خدمةً ما وتحوِّلانها إلى منتج، أو تأخذان مُنتَجًا ما وتحوِّلانه إلى خدمة. هذا تغييرٌ جدِّيٌّ في النظرة والإدراك.
ولْنأخُذْ مُزوِّدًا آخرَ للمواصلات، شركةُ ’’خطوط ساوث ويست‘‘ (Southwest Airlines). إنَّها ليستْ في مجال عمل الخطوط الجوِّيَّة أو عمل المواصلات. إنَّها في مجال الحرِّيَّة؛ لأنَّ نموذجَ عملها ذا التكلفة القليلة، وخدمتها الخالية من الرَّفاهيَة تُعطي أسعارًا أقلَّ جدًّا حتَّى إنَّنا نصيرُ جميعًا ’’أحرارًا للانتقال في أرجاء البلاد‘‘.
إذا كُنتَ صحفيًّا واعتقدْتَ أنَّك تعملُ في مجال الأخبار، فثَمَّةَ احتمالاتٌ كبيرة بأنَّك ستُغادِرُ هذا العمل. الأخبارُ اليوم هي سلعة؛ لكنَّ هناك سوقًا لمجال عملِ الآراء [فكِّر في بِل أورلي (Bill O’Reilly) أو في كيث أولبَرمان (Keith Olbermann)]، أو حتَّى عمل الفكاهة والتسلية [فكِّر في بِل ماهر (Bill Maher)، وستيفن كولبرت (Stephen Colbert)، وجون ستيوارت (Jon Stewart) حيث احتلَّ هذا الأخيرُ المرتبةَ الرابعة في انتخاب أميركا لِمَصدر... الأخبار الأكثر مصداقيَّة]. لكنْ لا أحدَ منهم يعمَلُ في مجال صناعة الأخبار. إنَّهم ناجحون لأنَّهم يصنَعون ’’الأفكار التي وراء الأخبار‘‘.
إنَّ تغييرَ النظرة ذاته ينطبق على محالِّ ’’أنثروپولوجي‘‘(Anthropologie) للألبسة النسائيَّة. إنَّه ليس عملًا بالتَّجزئة ولا يدخل حتَّى في مجال الأزياء الحديثة وتزيين البيوت. إنَّه عملٌ يدخل في مجال رواية القصص: كلُّ محلٍّ من هذه المحالِّ يسردُ قصَّة المشتَرين ذوي الدخل المرتفع الذين ينتمون إلى أسلوب حياةٍ حضريٍّ راقٍ، وهم معروفون بأناقتهم على مستوًى عالميّ، ويرتَدون الألبسةَ ذات الماركات المعروفة الموثوقة المصدر. إنَّ استديوهات الأفلام ليست ضمنَ مجال صناعة الأفلام أو حتَّى مجال صناعة التسلية والترفيه؛بل هي في مجال الخبرة في العلامات التجاريَّة، حيث يعرِضونَ الأفلامَ على الشاشة الكبيرة، وألعاب الڤيديو على الشاشة الصغيرة، وألعابٌ في حدائق التسلية حيث لا توجد شاشة، وهذه جميعها مندمجةٌ مع بعضها بعضًا.
إنَّ رؤيةَ الفكرة التي تكمُنُ خلفَ العمل التجاريِّ تأتي من فنِّ تغيير نظرة الشخص إلى الأمور. ينتُجُ عن هذا التغيير تمييزٌ لا يفصلك عن منافسيك بناءً على التغيير المبتكر لنظرتك وإدراكك للأمور فحسب، بل يجعلُكَ تفرِّقُ بين أولئك الذين يمتلكون فنَّ التغيير المبتَكَر لنظرتهم والذين لا يمتلكونه.
يمكنُك التعرُّف إلى الذين لا يمتلكونه. إنَّهم لا يزالون يبيعون الحفَّارات بدلًا من الحُفَر. تقوم محالُّ ’’ هوم ديپو‘‘ (Home Depot) بتغيير نظرتها حيث تَبيعُ الفكرة التي تكمن وراء الحُفَر، والثقةَ بمهارات صُنْع الأشياء بنفسك: ’’أنت قادرٌ على صنعها. ونحن يمكننا أن نساعدك‘‘. هذه هي الفكرة بمجملها.
ماذا بعد؟
يبدأ بعضُ أذكى المفكِّرين في مجال الأعمال الذين أعرفُهم عملَهم بفنِّ تغيير النظرة إلى الأمور. يُعطي كيث ياماشيتا (Keith Yamashita) من ’’أس واي پارتنرز‘‘ (SYPartners) الشركات درسًا، وهو عبارةٌ عن نموذَجٍ للتَّغيير يبدأ بكلِّ بساطة، بتعلُّم كيف ترى الأشياء؛ ويركِّز جيم كولينْز (Jim Collins) على الحاجة لأنْ يبدأ القادةُ العظماء في مواجهة ’’حقائق الحياة القاسية‘‘، وبكلماتٍ أخرى، في رؤية الواقع بوضوح.
لماذا تُعَدُّ الرؤيةُ مهمَّةً بالنسبة إلى قادة الأعمال؟
لأنَّك عندما تتعلَّمُ أن تنظرَ إلى الأمور نظرةً جديدة، تصيرُ قادرًا على تمييز شركتك عن منافساتها. يمكنك أن تغيِّر طريقةَ رؤيةِ شركتك إلى السوق، وطريقة رؤية زبائنك إلى شركتك.
كيف تتعلَّمُ أن تفعلَ هذا؟
ابدأْ في طرح سؤال مختلف. ليس السؤال ’’ما منتَجُنا؟ أو ما الخدمة التي نقدِّمُها؟‘‘، بل ’’ماذا يمثِّل منتَجُنا؟ أو ما الذي تمثِّله خدمتُنا؟‘‘ قد ترمزُ سلسلةُ محالَّ تجاريَّةٍ إلى حياةٍ صحِّيَّةٍ أكثر بالنسبة إلى الزَّبائن الذين هم على استعدادٍ لدَفع المزيد ثمنًا للأغذية العضويَّة. وقد يمثِّلُ مقهًى ما أجواءَ الصداقة والودِّ لسكَّان المجتمع المحيط به الذين يستخدمونه كمكانِ تجمُّعٍ غير رسميّ. إنَّ النظرَ من خلال شركتك لتَرى القِيَم التي تكمُنُ وراءَها، يخلقُ بُعدًا جديدًا كلِّيًّا لعَملك.
طريقةٌ أخرى للتَّعلُّم: أضِفْ وُجهاتِ نظرٍ مختلفة. ماذا يقول المختصُّ في علم الإنسان عن ثقافة شركتك؟ وإذا دَعَوتَ أحدَ رسَّامي الصور الهزليَّة (الكاريكاتير) ليَرسُمَ عملك، كيف ستَبدو الصورة؟ وعندما تدعو الغرباءَ لأن يدخلوا ليرَوا عملَك، فإنَّك ستَستفيدُ من رؤية ما هو مألوفٌ بالنسبة إليك من خلال عيونهم التي ترى المشهد للمرَّة الأولى.
اذهب وزُرْ شركاتٍ تعتقدُ أنَّها تَفهمُ فنَّ تغيير النظرة. استَمعْ إلى الطريقة التي يتحدَّثون بها بشأن أنفسهم وبشأن زبائنهم. من المحتمل أنَّ أسلوبَهم في الحديث يختلف عن أسلوبك أنت.
ها هي فائدةُ تغيير النظرة إلى الأمور. يساعدُك التغيير لا على رؤية نفسك بصورة مختلفةٍ فحسب، بل هو يبيِّن لزَبائنك كيف تنظرُ إليهم.
يرغبُ الزَّبائن في التعامُل مع شركات ذكيَّة ويتجنَّبون العمل مع شركات غبيَّة. عندما تبيِّنُ لزَبائنك أنَّك تراهم بالطريقة التي يرَون فيها أنفسهم، أو حتَّى بطريقةٍ أفضل؛ وعندما تفاجئهم بتقديم أفكارٍ ثاقبة إليهم عن أنفسهم لم يدركوها حتَّى كشفتَها أنت لهم، فإنَّهم يضعونَك في فئة الشركات الذكيَّة فعلًا. إنَّ هذا أعظمُ تقديرٍ يمكن أن يقدِّمه إليك زبونٌ ما. وهذا ما يزيدُ من احتمال أن يستمرَّ هذا الزبون في تقديم ما هو أكثر من الإطراء والمديح.
القاعدة رقم ٧
النظامُ هو الحلّ
إنَّه القانونُ الأوَّلُ في علم البيئة.
إنَّه البصيرةُ الأصليَّة وراءَ ثورةِ إعادة تصميم بنية الأعمال في الثمانينيَّات، والتي بدأها مايكل هامر (Michael Hammer).
إنَّه القاعدة الأولى في كتاب پيتر سينج (Peter Senge) العظيم حول خلق التغيير واسمه ’’قاعدة الانضباط الخامسة‘‘ (The Fifth Discipline).
إنَّه متأصِّلٌ تقريبًا بعُمقٍ في جميع أعمال مايكل پورتَر (Michael Porter) حول الاستراتيجيَّة.
وهو ذلك النوعُ من التفكير الذي ينبغي أن تتعلَّمَه إنْ أرَدْتَ أن تُنافِسَ وتربحَ في عالَم الأعمال الجديد.
لمساعدتك في إدراك السبب الذي يجعل التَّفكير المركَّز على الأنظمة أساسيٌّ جدًّا، فَلْأعلِّمْك كيف تبدأ بإصدار مجلَّة. ستَرى لماذا يكون التفكيرُ المركَّز على الأنظمة هو المجال الذي ينجَحُ فيه العمل أو ينهار.
في المصطلحات الكلاسيكيَّة، المجلَّة هي كرسيٌّ بلا ظهرٍ أو يدَين بثلاثة أرجل. القدم الأولى هي المفهوم التحريريّ- الفكرةُ التي في مركز المجلَّة. إنَّ المقالاتِ والكتابةَ والتصميمَ تشكِّل جميعُها الأداءَ التحريريَّ للمجلَّة. (بالمناسبة، هناك نظامٌ داخلَ نظام: ينبغي أن تُعزِّز الكلماتُ والتصميمُ بعضَها بعضًا، نزولًا إلى اختيار مخزون الورق). والأداء التحريريُّ يكشفُ شَغَفَ المجلَّة ورسالتها. إنَّه ما يجذِبُ القُرَّاء.
القُرَّاء هم القَدَمُ الثانيةُ لهذا الكرسيّ. يتطلَّبُ الأمرُ شيئَين عندما يتعلَّقُ بالقرَّاء: العددُ الصحيح والنوع الصحيح. أمَّا العدد الصحيح فيعتمدُ على نوع المجلَّة التي ستبدأ بإصدارها- إلى فئاتٍ محدَّدة، أو اهتمام عامّ- وعلى نموذج الأعمال. عندما كنتُ أدير مجلَّة ’’هارڤرد بزنس ريڤيو‘‘، كان عددُ قرَّائنا ٢٠,٠٠٠٠ تقريبًا؛ وفي أوْج ذروتِها وَصلَ قُرَّاء مجلَّة ’’فاست كومپاني‘‘ إلى ٨٠,٠٠٠٠. إنَّ عددَ القرَّاء الذين تجذبُهم ونَوعيَّتهم يتعلَّقان بِرِجلِ الكرسيِّ الأولى، المنتَج التحريريّ، وبالرجل الثالثة أيضًا: المعلنون.
ينظرُ المعلنون إلى المنتَج التحريريِّ ليَروا إذا كانوا يحبُّونَه (أو حتَّى إذا كانوا يفهمونَه). لكنَّهم ينظرون أيضًا نظرة دقيقةً إلى قرَّائك: هل هم الأشخاص الذين تستهدفُهم الإعلانات؟ هل هناك عددٌ كافٍ من القرَّاء يستحقُّ العناء؟ هل لديهم المالُ والسلطةُ لشراء المنتَجات التي يقدِّمها المعلنون؟
بطريقةٍ بسيطة جدًّا، إنَّ أرجُلَ كرسيِّ المجلَّة ذاك هي النِّظام. إذا خرجَ أيُّ شيءٍ عن تَوازنه، سيَنقلِبُ الكرسيّ. إنَّ ٩٩% تقريبًا من كلِّ المجلَّات تفشَلُ في سنتها الأولى. ذلك كان قبل أن يبدأ المعلنون بالانتقال إلى شبكة الإنترنت، مَّما أدَّى إلى الإخلال بتَوازُن نموذَج الكرسيِّ ذي الأرجُل الثلاث بكامله بالنسبة إلى كلِّ المنتج المطبوع.
لكنْ من المنصف أن نقولَ عندما تفشل المجلَّة، إنَّ النظامَ قد فَشِل. لهذا السبب، على القادة أن ينظروا إلى أعمالهم ليس بصفتها أجزاءً منفصلة، بل بصفتها نِظامً مترابطً ومتكافِلًا.
وعليهم أن يعرفوا قوانينَ النظام ويطيعونَها. إنَّ كلَّ شيءٍ يرتبطُ بكلِّ شيءٍ آخر، ولكلِّ شيءٍ أهمِّيَّتُه.
وإذا ارَ النظامُ يعملُ بشكلٍ صحيح، فإنَّ الكلَّ هو في الحقيقة أكبرُ من مجموع أجزائه.
ماذا بعد؟
ليس هدفي في الواقع أن أعلِّمَك كيف تبدأُ في إصدار مجلَّة.
هدفي هو أن أقول إنَّ هناك نظامًا ما متأصِّلًا بعُمْقٍ في كلِّ شركةٍ وفي كلِّ منظَّمة. عندما ترى النظامَ وليس الأجزاء المنفردة، فإنَّك تزيدُ من فُرَص ربحك.
ينظرُ معظمُ الناس إلى شركةٍ ما ويرَونَ المخطَّطَ التنظيميَّ أو هَرَمَ الوظائف، أو المنتَجات والخدمات التي تقدِّمُها الشركة كمُخْرَجات عملها.
إنَّ ما يراه مفكِّرو النُّظُم هو العلاقاتُ وليس الأجزاء المنفردة أو المخرَجاتِ النهائيَّة. إنَّ هذا الفَرقَ هو كالفرق بين النَّظر إلى السياج ورؤية الأسلاك الشائكة الممتدَّة أفقيًّا بدلًا من أعمدة السياج التي تنتصب عموديًّا.
في بعض الأحيان، يكونُ من المفيد عَمَلُ شيءٍ بسيطٍ مثل رَسْم صورةٍ تحوي أسهُمًا لإظهار ما يمكن أن يكون غير ما يُرى من ارتباطاتٍ غير مرئيَّة. إنَّ صورةَ كرسيٍّ بثلاث أرْجُل ليست مخطَّطَ عمليَّاتٍ معقَّدًا ومتطوِّرًا، لكنَّها تبيِّنُ بالتَّأكيد كيف ينبغي أن تعملَ المجلَّات بوصفها نِظامًا.
يمكن أن يساعدَك التفكيرُ الذي يركِّزُ على الأنظمة أيضًا عندما تحاوِلُ أن تَجِدَ حلًّا لمشكلةٍ محيِّرة. إذا أردْتَ أن تستَوضحَ سببَ فشلِ شيءٍ ما، فكِّر كمحقِّق: اكتَشِفْ مَن هم اللَّاعبون وما علاقاتهم بعضهم ببعض. عادةً ما يكونُ النظام، وليس شخصٌ واحدٌ أو دائرةٌ واحدة، هو ما يُفسِّر السببَ الحقيقيَّ للمُشكلة.
هناك شيءٌ واحدٌ مؤكَّد: المستقبل مُلكُ المفكِّرين الذين يركِّزون على النِّظام.
القاعدة رقم ٨
الواقعُ الجديد يتطلَّبُ أصنافًا جديدة
تطلَّبَ الأمر منِّي أربعةَ أعوامٍ من السفر والإصغاء والاجتماع بأشخاصٍ في جميع أرجاء العالَم قبلَ أن أرى الصورةَ كاملةً: أنَّ حلَّ مشكلات اليوم يعني التحرُّك إلى ما هو أبعدُ من أصنافِ يوم أمسٍ التي عفا عليها الزمن.
ذهبْتُ لزيارة برنامج أوسكار موتومورا (Oscar Motomura) للتَّعليم التنفيذيِّ البَصريِّ في ساو پاولو (Sao Paolo)، وشاهدْتُه وهو يستخدم مسرحًا في الشارع ليعلِّم خمسينَ من كبار رجال الأعمال البرازيليِّين كيف ينبغي أن تُدرِجَ الشركات رسالةً اجتماعيَّةً ضمن أعمالها.
كما ذهبْتُ إلى نيويورك لحضور اجتماع وطنيٍّ لعُمَد المدينة بشأن موضوع وَضْع نهايةٍ للَّذين لا مأوى لهم، واستَمعتُ إلى لويس كيسي (Louise Casey) التي وَضَعَتْ نهاية للمشكلة المزمنة للَّذين لا مأوى لهم خلال فترة تَولِّي طوني بلير (Tony Blair) رئاسة الحكومة البريطانيَّة، وهي تصِفُ الدَّور اللَّامسؤول الذي قامت به المؤسَّسة العسكرية في إبراز المحاربين القدماء، ثُمَّ التَّخلِّي عنهم ليصيروا مشرَّدين.
ذهبتُ إلى ديترويت، إلى المقرِّ الرئيسيِّ لشركة جنرال موتورز (General Motors) ورأيت بنفسي مباشرةً كيف ساعد نظام ’’أُنْستار‘‘ (OnStar) في جنرال موتورز في توفير موادِّ الإغاثة لضحايا إعصار كاترينا (Katrina) الذين كانوا محاصرين في سيَّاراتهم.
ذهبتُ إلى سنغافورة وتعلَّمْتُ أنَّ المديرين التنفيذيِّين من الولايات المتَّحدة وأوروپا يقاومون نقلَهم إلى ذلك الجزء من العالَم؛ لأنَّ تلوُّثَ الهواء الذي لا يُحتَمَلُ يشكِّل خطرًا صحِّيًّا غيرَ مقبول.
القصَصُ هي ذاتُها في كلِّ مكان. عندما نُصرُّ على تطبيق الحدود القديمة بين الأعمال والحكومة والمنظَّمات غير الربحيَّة، فإنَّ كلَّ ما سنَلقاه هو الفشل.
نرى حكوماتٍ غيرَ قادرةٍ على تقديم المساعدة لشعبها- سواءٌ أَأَزمة تسونامي كانت في سيريلانكا أم إعصارًا في نيو أورليانز.
نرى شركاتٍ تربحُ من الناحية الاقتصاديَّة البحتة، لكنَّها تفقِدُ ثقةَ زبائنها وموظَّفيها بسبب عدم وجود مسؤوليَّةٍ اجتماعيَّة لديها- سواء أشركةً ضخمةً كانت هي وتَبيعُ بالتَّجزئة في الولايات المتَّحدة، أم شركةً صغيرةً لإنتاج الأطعمة في الصين.
نرى المنظَّماتِ غيرَ الربحيَّة وهي تبتعدُ عن العطاء الاجتماعيِّ القديم الطراز، الذي يتضمَّن دَعْمَ الناس سنةً بعد أخرى بالهبات وأعمال الخير، وبدلًا من ذلك، تتعلَّمُ فنَّ الريادة الاجتماعيَّة الهجين- سواءٌ أفي بنك ’’غرامين‘‘ (Grameen) في بنغلادش، أم في منظَّمة كيڤا (Kiva) في سان فرانسيسكو.
تَتَجاوَزُ مشكلاتُنا اليومَ الحدودَ الجغرافيَّة والأصنافَ التنظيميَّة.
على مَن تقعُ مسؤوليَّةُ مشكلة نظام الرعاية الصحِّيَّة الباهظ الذي يقوم بعمل دون المستوى ويترك ثمانيةً وأربعين مليون أميركيٍّ من دون تأمين؟ إذا التزمنا نحو الأصناف القديمة، فإنَّها مشكلةُ الحكومة. غير أنَّ محالَّ ستاربكس (Starbucks) تذكُرُ أنَّها تُنفقُ على الرعاية الصحِّيَّة أكثر ممَّا تُنفقُه على حبوب القهوة. وهذا ما يجعلُها مشكلةَ أعمال.
على مَن تقعُ مسؤوليَّة الارتفاع المفاجىء في كلفة النَّفط المستَورَد؟ إذا نظرتَ إلى هذه القضيَّة نظرةً ضيِّقة، فإنَّ تكلفة الطاقة وتوافرها هما من مشكلات صناعة السيَّارات؛ حيث إنَّ السيَّارات في الولايات المتَّحدة تتسبَّبُ في استهلاك نسبةٍ مُذهِلةٍ تبلغ ١١% من استهلاك النفط العالميِّ الإجماليّ. لكنَّ الطاقةَ هي من ذلك النوع من المشكلات الذي يُسبِّبُ الحروبَ والانهياراتِ الاقتصاديَّة. وهذا ما يجعلُها مشكلةَ الحكومة.
منذ فترة قريبة رأينا انهيارَ أصنافٍ قديمةٍ بسبب عدم استخدامها. تشتري الحكوماتُ البنوكَ الخاسرة وتكفَلُها. وتَتَبنَّى الشركاتُ المدارسَ العامَّة الفاشلة. وتُطلِقُ المنظَّمات غير الربحيَّة مَشاريعَ أعمالٍ تدرُّ الدَّخل، من شركاتِ النقل إلى المطاعم.
صارَتِ الخطوطُ القديمةُ مُبهَمةً ومُندَمجة. وصارَتِ الحلولُ أكثرَ إبداعًا وابتكارًا وفاعليَّة.
ماذا يحدُثُ عندما لا تعودُ الأصناف القديمة ملائمةً للواقع؟
بإمكانك أن تستمرَّ في حَشْوِ أنواع الواقع الجديد ضمن الأصناف القديمة. أو بإمكانك أن تخترعَ أصنافًا جديدة تلائم الواقع الجديد. الطريقُ الأوَّلُ يقود إلى انقطاع الصِّلةِ بالواقع، فيما يقودُ الطريق الثاني إلى الابتكار.
ماذا بعد؟
لن يكونَ المستقبل مُتَساهلًا مع الذين يرتكبون أخطاءً تتعلَّق بالأصناف.
إذا وضعْتَ أعمالك أو منظَّمتك ضمن الصنف الخاطىء؛ وإذا أصرَرْتَ على العيش ضمن الأصناف القديمة التي لَمْ تَعُدْ ذاتَ صلة، فإنَّك ستَحذفُ سنواتٍ من فترة حياتك المتوقَّعة. وإذا اعتقدْتَ أنَّك محصَّن ضدَّ هذه القضايا الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي تحدِّدُ عَصرَنا وتميِّزه، فإنَّك تَضَعُ نفسَك أمامَ احتماليَّة الفشل. لكي تربحَ اليوم، فإنَّك تحتاج إلى أكثر من رؤيةٍ خارجيَّةٍ سطحيَّة، إذ إنَّك تحتاج إلى بصرٍ بمقدار ٣٦٠ درجة يَرى كلَّ ما حَوله.
إذا نظرتَ إلى دائرتك أو إلى الجزء الخاصِّ بك في الشركة، واعتقدْتَ أنَّ وظيفتك وحدَها تحدِّدُ الصنف أو الفئة، فإنَّك إنَّما تكونُ بصَدَدِ إعدادِ نفسك للفشل.
إذا كنتَ جزءًا من شركة تقوم بالأعمال في أرجاء العالَم (أو لها مَوقعٌ على شبكة الإنترنت ممَّا يجعلُك عالميًّا بصورة تلقائيَّة)؛ وصنَّفت عمليَّاتك ضمن حدود دولةٍ واحدة، فإنَّك تكونُ بصَدَدِ كتابةِ تذكرةِ سفرك الخاصَّة إلى الانقراض.
بدلًا من هذا، عندما ترى صنفًا ما يبرُزُ أمامك، تساءَل عنه. هل ينطبق على الطريقة التي يعملُ العالَم بموجبها أم أنَّه من البقايا الأثريَّة؟ منذ عهدٍ قريب، تحدَّى الرئيس التنفيذيُّ لشركة جنرال إلكتريك (General Electric)، جيفري إيميلت (Jeffrey Immelt)، الأصناف القديمة. قال إنَّنا اعتَدْنا التفكير في شأن الدُّوَل النامية والمتقدِّمة، لكنَّك إذا سافرْتَ بالطائرة من بيجين (بكين) إلى نيويورك، أيُّ مطارٍ يبدو لك مثل مطاراتِ دولةٍ نامية، وأيُّ مطارٍ يبدو لك مثل مطارات دولةٍ متقدِّمة؟ قال إيميليت، في الحقيقة، تنظِّم جنرال إلكتريك الآن العالَم حول فئاتٍ جديدة: دولٍ غنيَّة بالمصادر الطبيعيَّة، ودولٍ أفرادُها أغنياء، ودولٍ غنيَّة بالتكنولوجيا والتعليم.
ابحث عن أصنافٍ جديدة تبرز إلى الوجود. إذا حدَّدْتَ صنفًا ما قبل أن يصيرَ حكمةً تقليديَّة، فإنَّك تكون قد حصلْتَ على ميِّزة فوريَّة. فمثلًا، يقولُ المراقبون في الولايات المتَّحدة إنَّنا نشهدُ بُروزَ فئتَين ديموغرافيَّتَين جديدتَين، للمرَّة الأولى منذ ابتكارنا مرحلة المراهقة. الفئة الأولى تأخُّر مرحلة البلوغ، حيث يحتاج الناس إلى وقتٍ أطول لاكتشاف أنفسهم والعالَم قبل أن يستقرُّوا في مِهَنهم وعائلاتهم؛ والفئة الثانية هي فترة كبار السنِّ المطوَّلة، حيث إنَّ الذين وُلِدوا بعد الحرب العالميَّة الثانية يعيشون فترةً أطول ويمارسون حياةً أنشط.
فئاتٌ جديدة، وفرصٌ جديدة، وواقعٌ جديد.