eKtab
EN ع
700 يوم في بغداد
Read free sample

700 يوم في بغداد

by لورا مقدسي

Page 1

رحلة إلى بغداد

ـ‬ لماذا بربك نقوم بهذه المخاطرة المجنونة؟ تساءل دايف بصوت خافت مترقب. أنا جئت من كندا وأنت من السويد، أكثر بلدان العالم سلماً وأماناً، وخلال ساعتين نحط وسط الحرب المستعرة في بغداد. ألست خائفة؟
‫‬ـ أظن أن الفضول يطغى عندي على مشاعر الخوف، قلت وأنا أستعيد في ذهني كل ما قرأت عن بغداد طوال أعوام.‬ ‬‬
عاصمة الخلفاء، وفخر العرب، بلاد ما بين النهرين. مهد الحضارات القديمة التي شكّلت مفاهيمنا الحديثة حول الحق والباطل، والخير والشر، استناداً إلى مدونة حامورابي وملحمة جلجامش التي ألهبت خيالي وسكبت فيّ جنون الرغبة في أن أمشي دروب الحياة بأخطارها ومغرياتها على خطى الملك جلجامش، في البحث عن سر الخلود، ومعنى الحياة‫‬.
انقطع حبل أفكاري عندما دفع دايف صوبي بكوب القهوة. جلسنا في مطار ماركا في عمان هذه الصبيحة من شهر أيار 2005 ننتظر الصعود إلى متن الطائرة الحربية التي ستقلنا إلى بغداد. باحة الانتظار كانت تعج بالأميركيين:‬ من ديبلوماسيين ورجال أمن السفارة ومقاولين وتجار انشغلوا جميعاً في إكمال المعاملات الجمركية قبل الرحلة. وخلافاً لمطار علياء الدولي يقع مطار ماركا وسط العاصمة عمان: مطار صغير مجهّز بعدد محدود من المقاعد غير المريحة؛‬ ومدرج يتسع فقط لطائرات النقل الأميركية.‬
التقيت بدايف لأول مرة خلال الدورة التدريبية الإجبارية في الزرقاء التي تبعد مسافة نصف ساعة بالسيارة عن عمان . حينها كانت الزرقاء قد ذاع صيتها في الشرق والغرب لاعتبارها مسقط رأس زعيم تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين أبو مصعب الزرقاوي. هذا الرجل الذي قضَّ مضاجع الأميركيين في العراق وأفلت من قبضتهم مرات ومرات؛ حتى أن مكافأة بقيمة 25 ألف دولار لم تفلح في الإيقاع به.
اسمه ارتبط بأبشع الاعتداءات في العراق؛ ومن بينها الهجوم الذي استهدف مقر الأمم المتحدة في بغداد في آب/أغسطس 2003 والذي حصد 22 قتيلاً.‬ ويحكى أيضاً أنه أمر بخطف وقتل وقطع رؤوس العديد من الأجانب العاملين في العراق وكان الرأس المدبر للعديد من الأعمال الإرهابية في عمان. وهو لشدة قسوته غدا الناس يرتجفون قصباً لمجرد ذكر اسمه. والزرقاوي واحد من هؤلاء العرب الذين توجهوا إلى أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي للانضمام إلى حركة المجاهدين المدعومة من الولايات المتحدة في مواجهة قوات الاحتلال السوفياتية. وعند عودته إلى الأردن حُكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات بتهمة التآمر على أمن المملكة؛ لمشاركته في التخطيط لانقلاب على العرش وإقامة خلافة إسلامية في الأردن.‫‬
وعندما أُطلق سراحه عام 1999 على أثر عفو ملكي غادر الزرقاوي الأردن متوجهاً إلى أفغانستان ومنها إلى العراق.‬ ‬
وبعد طول تعقب؛ تلقى الأميركيون في حزيران/يونيو 2006 إخباراً عن موقع سري في مدينة بعقوبة السنية قيل إن الزرقاوي اتخذه ملجأ له. فشنوا هجوماً جوياً مكثفاً على المنزل؛ وتوفي الرجل خلال ساعة واحدة متأثراً بجراحه. ونقلت جثته لاحقاً إلى مسقط رأسه؛ الزرقاء حيث أقيمت مراسم الدفن التي حضرها لفيف من أهل السياسية إلى جانب عائلة الزرقاوي ومعارفه.
ففي الزرقاء كان الزرقاوي بطلاً وشهيداً. هناك عرفه الناس باسمه الحقيقي وهو أحمد فضيل الخلايلي.‬‬‬
ولم تكن الزرقاء تتمتع بأية مواصفات جذابة تجعل منها مقصداً؛ بل كانت بالأحرى بقعة من الفقر والإهمال يستخدمها الجيش الأردني للتدريبات الميدانية في المنشآت العسكرية المنتشرة في المنطقة.‬ وبإشراف أفراد من الجيش الأردني جرى تدريبنا على كيفية التصرف في حال تعرضنا للخطف أو الاعتقال؛ أو الاعتداء بسيارات مفخخة أو عند توقيفنا على الحواجز المسلحة. وفي نهاية التمارين سمعنا من القيّمين على الدورة أن سلامتنا الشخصية مسؤولية شخصية يقتضي إزاءها التصرف بحكمة وتعقُّل.‬ واقشعرّ بدني لهذه الحقيقة المقلقة؛ فهبط بطني مرتجفاً إلى أسفل فخذي.
عندما حان وقت الصعود إلى الطائرة ساد هرج ومرج بين المسافرين المنهمكين في ارتداء السترة الواقية والخوذة. دايف وأنا كانت لكل منّا سترة زرقاء اللون محشوة بلوحات معدنية ثقيلة وخوذة من اللون نفسه. وشعرت بنفسي أترنّح تحت وطأة الوزن الثقيل فوق رأسي وكتفيّ حتى كدت أفقد توازني.
‫ـ‬ يا إلهي؛ سأصاب بديسك في ظهري من جراء هذا؛ قلت بلهجة شاكية‫. ‬‬‬‬
وتمتم دايف قائلاً إن معدّاتنا من طراز قديم؛ وإن في الأسواق ستراً وخوذات حديثة أقل وزناً وأكثر فاعلية.
ـ يعني المسألة مسألة فلوس؟
ـ بحق السماء! همس دايف بغيظ. يرسلوننا إلى أخطر بقعة في العالم؛ كان بإمكانهم صرف القليل من المال لتزويدنا بمعدات حديثة.‬
أومأت برأسي إيجاباً بينما كنت أخطو خطواتي الثقيلة باتجاه باص المطار.‫ ‬‬
Page 2
وساد صمت مفاجىء بين المسافرين كأن طيراً حطّ على رؤوسهم.‬ عند اقترابنا من الطائرة فوجئنا أن محركاتها كانت لا تزال تهدر زعيقاً ودخاناً أسود. دخلت الطائرة وصوت المحركات لا يزال ينخر في رأسي وحرارة جسدي ترتفع. ثم بدأ العرق البارد يتصبب مني وكأن خرطوم مياه رش مخزونه عليّ من رأسي حتى أخمص قدميّ. تهالكت بنفسي فوق أحد المقاعد المصنوعة من حبال المطاط المشبّك وظهري صوب هيكل الطائرة في مواجهة الركاب الآخرين.
‬ عند إغلاق الباب الخلفي؛ أطبقت الظلمة على صالون الطائرة ؛ إذ لم يكن هناك من نوافذ باستثناء فتحتين ضيقتين حجب النور المنبعث منهما جنديان من سلاح الجو الأميركي وقفا قبالتهما وعيونهما مصوّبة كالرماح إلى الأسفل لرصد كل حركة مشبوهة على الأرض. ثم اقترب منا جندي مدجّج بالسلاح وطلب من الركاب إغلاق هواتفهم الخلوية وقدم إليهم سدادات للأذن وأكياس التقيء الورقية شارحاً أن انحدار الطائرة في مطار بغداد سيكون عمودياً وسريعاً؛ وقد يحتاج معظم الركاب إلى هذه الأكياس.‬‬
وأصاب الجندي في تقديره. فبعد رحلة دامت ساعتين ونصف الساعة كانت غالبية الأكياس قد امتلأت قيئاً وفاضت!‫ ‬‬
عندما هبطت طائرتنا في مطار بغداد الدولي كان الليل قد أطبق على المدينة. الجو جاف وساخن وأنوار المصابيح الفاقعة الكاشفة لبعض أجزاء المطار تعمي البصر؛ فيما أصوات خافتة كالأنين تتأرجح في الهواء. قطعنا المدرج سيراً على الأقدام نحو باحة الوصول لتطالعنا أفواج من الجنود الأميركيين؛ بالمئات…بالآلاف… بعشرات الآلاف مدججين بالسلاح. بعضهم يهرول شمالاً ويميناً سعياً لإتمام عمل أو خدمة والبعض الآخر افترش الأرض تعباً بانتظار الطائرة التي تحملهم إلى مهمة جديدة أو إلى خارج البلاد للاستجمام.
أصابتني الدهشة لهذا الوجود العسكري الكثيف؛ وسمعت دايف يهمس مبتسماً بسخرية:‬‬
‫‬ ـ من قال إن هذا احتلال؟‬‬
قصدنا مكتب التسجيل حيث يتجمهر الركاب عادة بانتظار الباص الذي سيقلهم إلى وسط بغداد. وهذه الرحلات لم تكن لتبدأ إلا بعد منتصف الليل؛ عند سريان حظر التجوال؛ وبعد أن تكون المدينة قد غرقت في الظلمة والسكون.‬
لكن الأخبار هذه الليلة لم تكن مشجّعة. فغيوم الرمل التي تتكثف شيئاً فشيئاً في الجو تعيق حركة المروحية المواكبة للباص. وطلبت إلينا عاملة المكتب العودة خلال ساعتين لعل جديداً ما يطرأ. تهالكت خائرة القوى على مقعد جلدي عريض علّني أستطيع أن أغفو للحظة. لكن ملائكة النوم بقيت على مسافة مني. فأغمضت عينيّ أستمع إلى محطة سي.إن.إن.
‫‬‬وصدر قرار مكتب التسجيل ليؤكد استحالة العبور إلى القاطع الآخر من المدينة تلك الليلة؛ وأحيل الركاب إلى الخيم العسكرية المنصوبة في محيط المطار للخلود إلى الراحة. زعيق مولدات الكهرباء العملاقة في الخارج لم يخفت طوال الليل؛ أما في الداخل فكان شخير النائمين كوخز الإبر في أذنيّ. وتسللت داخل كيس النوم الذي كنت أحمله معي ‫‬‬وسحبت السحاب إلى أعلى رأسي مستسلمة لنوم عميق.‫‬‬
في الصباح؛ مشيت ببطء صوب الكافيتريا لتناول الفطور. كانت عيناي تلتقطان المشهد الممتد أمامي وكأنه اقتطع من فيلم هوليوودي تاريخي.‬ رمال الصحراء لوّنت الهواء والسماء بالأصفر والبرتقالي. والشمس كرة نار تحوّل كل شيء إلى حصى. عشرات آلاف الخيم العسكرية انتشرت بانتظام في المساحات الشاسعة المفتوحة. عند أبوابها يقف جنود أميركيون وهم مدججون بسلاح أوتوماتيكي أسود؛ وزنار من الذخيرة مربوط بين الكتف والورك؛ ومسدس بين الورك والفخذ؛ وخنجر بين الفخذ والكاحل. كلهم كانوا يرتدون ستراً رملية اللون محشوة بلوحات معدنية تغطي القلب والرئتين؛ وخوذة من اللون نفسه. وكلهم كانوا يضعون نظارات شمسية سوداء اشتروها من محلات بيع التذكارات في المطار لتحميهم من الشمس الحادة ومن الرمال والشظايا الطائرة. كان مظهرهم الخارجي يوحي وكأنه تم استنساخهم على شاكلة رامبوـ بطل أفلام الأكشن الأميركي.‬
في الصالة العملاقة التي تحولت إلى مطعم انهمك الجنود بالتهام البيض والبايكون؛ وسلاحهم يفترش الأرض محولاً المكان إلى غابة من آلات الحرب والدمار. ورحت أقفز فوق البنادق الأوتوماتيكية في طريقي إلى البوفيه التي امتلأت بكميات من الطعام والشراب تكفي لسد جوع العالم بأسره.‬ قضيت اليوم الطويل بصحبة دايف وآخرين ننتظر هبوط الليل لرحلة الباص إلى بغداد. لعبنا الورق وروينا النكات وسخرنا بصوت خافت من اعتمادنا المذهل على الأميركيين.‫ ‬‬‬
‫‬ ـ نركب طائراتهم ونأكل طعامهم وننام في خيمهم وننتظر بصبر باصاتهم لنتوجه إلى مقرنا في المنطقة الخضراء. كيف يمكن أن ننتهج سياسة مستقلة عنهم عندما نكون بحاجة قصوى إلى خدماتهم؟ قلت متسائلة.‬ ‬‬
هز دايف رأسه إيجاباً. أما الآخرون فلم يهمسوا ببنت شفة.‬
Page 3
دقائق قبل منتصف الليل جاءنا الخبر اليقين. نحن ذاهبون! طلب إلينا الضابط الأميركي بصوت واثق أن نسجّل أسماءنا لدى موظف مكتب الاتصال؛ نودع بعدها حقائبنا في شاحنة النقل وننتظر إشارة الانطلاق.
وهرولنا إلى الخارج نفتش كلٌ عن باصه بين مجموعة من ست أو سبع مركبات رصاصية اللون مصفّحة وعازلة للرصاص. وكانت النوافذ الداكنة اللون تضيف أجواء من الرهبة والخوف. وانصرف السائق يتأكد من عمل راديو الاتصالات؛ ويمرّر إشارات بالشيفرة إلى السائقين الآخرين؛ بينما أحكم الركاب خوذاتهم على رؤوسهم وشدوا جانبي السترة الواقية بالأطراف اللاصقة.‬
وبتنا على أهبة الاستعداد للانطلاق!
صمت رهيب ساد بين المسافرين بانتظار المروحية التي سترافق موكب الباصات على طول الطريق المؤدية إلى المنطقة الخضراء والتي تعتبر أخطر طريق في بغداد.‬
«طريق الإيرلندي» كانت المنفذ الوحيد الذي يربط المطار الدولي ببغداد. ورغم أن طول الطريق لا يتعدى 12 كيلومتراً إلا أن اجتيازها كان يتطلب ساعة كاملة.‬ فعشرات الحواجز ودشم الباطون المسلح نصبت على جانبيها وفي وسطها إضافة إلى الأسلاك الشائكة والمتاريس وأكياس الرمل المكدّسة أمتاراً. لكن هذه التدابير الوقائية لم تحجب عن الركاب الهجمات الإرهابية المتكررة. إذ مافتىء المتمردون يقومون دون كلل أو ملل بزرع المتفجرات على جانبي الطريق؛ في براميل القمامة وداخل جثث الكلاب الراقدة وسط الشارع. متفجرات صنعها على الأرجح عاطلون من العمل مقابل دنانير قليلة تسدّ الرمق. لا يمر يوم واحد من دون أن يقع تفجير أو اثنان أو ثلاثة على هذه الطريق. وضحايا بالعشرات من المدنيين والعسكريين. وهكذا؛ وعلى مدى عامين؛ أصبح «طريق الإيرلندي» رمزاً للفشل الأميركي في ضبط الأمن في العراق.‬
وفجأة تراءت لي خيوط من الضوء ترقص في الأفق؛ وأيقنت أننا أصبحنا في أمان. المروحية المواكبة لنا عادت أدراجها و أزيز صوت محركها تلاشى شيئاً فشيئاً في الهواء. عند محطة الباصات؛ وضعنا حقائبنا في صفوف عمودية على الأرض؛ وجاء مدرّب محترف يصطحب كلباً ضخماً راح يشمّ حقائبنا بحثاً عن سلاح أو ذخيرة. وعند انتهاء مهمة التفتيش سُمح لنا بالتوجه إلى الفندق ذي الطبقات الإثنتي عشرة ـ الرشيد.
في حالة من الإعياء الشديد صعدت إلى غرفتي. حنفية المياه في الحمام كانت أكثر جفافاً من حلقي. استعنت بقناني مياه معدنية لأغسل رمال الصحراء العالقة على وجهي؛ وتهاويت فوق السرير وأنا أكاد أموت من التعب.‬
لم أعرف كم من الساعات استغرقت في النوم؛ لكني استفقت على صوت تدفق المياه من الحنفية. قفزت من السرير لأفاجأ بالمياه قد غطّت الغرفة كلها والممشى؛ وأغرقت قدميّ حتى الكاحل.‬
ما هذا الطوفان يا ربي! قلت في نفسي ثم استدركت أنني في بلاد الرافدين.‬
عندما أزحت الستارة صبيحة هذا اليوم الأول؛ كنت أتوقع أن أرى من نافذتي نهر دجلة متدفقاً طروباً منشرحاً في ظلال أشجار البلح الباسقة في قيظ بغداد. لكنني لم أر أثراً للنهر المزاجي المجنون كما لو أن قائد المغول هولاكو قد محاه من الوجود عندما دخل المدينة في القرن الثالث عشر وأحرق مكتبتها الهائلة وألقى بمحتوياتها في النهر. كانت مكتبة بغداد تحوي أعداداً لا تحصى من المؤلفات والكنوز الأدبية ما كان كفيلاً بأن يحوّل دجلة الكبير إلى نهر من الرماد!
Page 4

بيتي... الرشيد

هجوم دموي ضد الرشيد عام 2003 أكسب هذا الفندق شهرة واسعة في العالم؛ إذ وقع الهجوم بينما كان بول وولفويتز؛ نائب وزير الدفاع الأميركي حينها؛ يستغرق في النوم في الطابق الثاني عشر من المبنى. لم يصب وولفويتز بأذى غير أن جنرالاً أميركياً قتل وأصيب خمسة عشر عسكرياً أميركياً بجروح. وقد تناولت وسائل الإعلام الغربية الهجوم بشكل واسع على اعتبار أنه يستهدف نائب وزير الدفاع علماً أن التحقيقات لم تستطع أن تثبت ذلك. وخلصت إلى أن الفندق تحول بعد الغزو الأميركي إلى مقر لجنود االتحالف؛ ومن الطبيعي أن يتصدر لائحة المواقع المستهدفة من قبل المتمردين ضد الاحتلال الأميركي.
بعد هذا الاعتداء الشهير بقيت طوابق الفندق الوسطى فارغة.‫ ‬‬‬فالجنود الأميركيون الذين تمترسوا على السطح لمراقبة المنطقة الخضراء من أقصاها إلى أقصاها؛ كانوا ينامون في الطبقات العليا التي تم إصلاحها واستحدثت مفروشاتها. أما الطبقات السفلى المخصصة لموظفي الأمم المتحدة فكانت مقززة لتراكم الأوساخ بين ثنايا الستائر والمفروشات الفاخرة. رائحة العفن كانت تملأ الغرف والنتانة المنبعثة من المماشي والجدران تصيبني بالغثيان. ولم تكن الفرش المفتتة الأوصال من الداخل والمخدات المشبعة برائحة العرق والموكيت الملطخ بالبقع اللزجة، والتي منعتني من المشي حافية القدمين طوال فترة إقامتي في الفندق؛ إلا لتزيد من اشمئزازي.
وباستثناء النقص الفاضح في النظافة العامة؛ كان الرشيد فندقاً مسلياً. فعند مدخل كل طابق كان يجلس جنديٌ مسلّح على مدار الساعة؛ بين يديه مفتاح واحد يشدّ عليه بأصابعه خوفاً من الضياع؛ ويفتح به كل الغرف بعد أن نكشف له عن بطاقة هويتنا. لم نكن نعرف ما إذا كان لهذا التدبير السوريالي طابع أمني أم أنه فرض علينا لعدم توافر المفاتيح!
وعلى سورياليته؛ فقد كان الجندي والمفتاح موضوع نكتة بين الزملاء الذين قرأوا «علي بابا والأربعين حرامي»، فشاع القول إن نسخة حديثة من الحكاية تعرض ليلياً في مماشي الرشيد.
وبين الطبقات العليا والسفلى سكنت أشباح بغداد!
كانت الأشباح تختبىء في الفرش الممزقة ووراء الأبواب المخلعّة. وفي الغرف التي تناثر زجاج نوافذها كانت تعصف الرياح الساخنة المحملة برمال الصحراء. أجواء شبيهة بأفلام الرعب. عندما استدرك دايف صبيحة اليوم الأول أنه كان الوحيد الذي نام في الطابق السابع أسرع إلى موظف الاستقبال أحمد ليحتجّ ويطالب بتغيير غرفته فوراً.‬
ـ أنا مستعد لأن انام مع العدو على أن أتقاسم الفراش مع الأشباح؛ قال دايف بجدية. ‬
وأطلق أحمد ضحكة مدوية ووعد دايف بأن يتحقق من إمكانية استبدال غرفته بأخرى كما فعل لأجلي من قبل. وكان هذا وعد يستحق الشكر والمديح! فقد علمنا فيما بعد أن موظفي الاستقبال درجوا على إظهار المودة والاحترام دون أن يفعلوا الشيء الكثير. كان النزلاء يأتون إليهم بشكاوى متكررة: تارة التلفاز وطوراً الحنفية أو جهاز التبريد. أما إذا خرجت الأمور عن طورها فكانوا يقومون بإرسال المحتجين إلى المكتب المجاور الذي يحتله جندي من المارينز يقوم بادارة الفندق. غير أن الأوراق الخضراء كان لها فعل الساحر على عقول الموظفين العراقيين فيهبّون للمساعدة بحماسة قل نظيرها.
‫‬ ـ أتقاضى 150 ألف دينار في الشهر؛ قال أحمد عندما سألته عن مرتّبه.‬‬‬
‫‬ـ كم بالدولار الأميركي؟ تساءل دايف.‬‬‬
‫ـ 100 دولار‫.‬‬‬‬‬
أصيب دايف بالذهول؛ ثم سأل أحمد:‬
‫ـ هل تستطيع أن تتدبّر أمورك بمرتب كهذا؟ ‬‬
‫‬ـ لا أزال أعيش مع أهلي. لكن هذا المبلغ لا يكفي لشراء الخبز.‬‬‬
‫ـ لماذا مرتباتكم منخفضة إلى هذا الحد إذن؟ ‬‬
‫‬ـ لأنها لم تُعدّل منذ زمن العقوبات. كنا نعيش دوماً على البخشيش عندما كان الرشيد يعجّ بالأمراء والسياسيين؛ قال أحمد.‬ ‬‬
Page 5
وصار الرشيد بيتي لعام ونيّف. شُيد الفندق في الثمانينيات وسمي على إسم الخليفة الذي اشتهر برؤيته وحكمته وحبه الكبير للحياة هارون الرشيد. خلال حكمه في القرن الثامن كانت الخلافة قد بلغت أوج عزها سياسياً وثقافياً وتربعت بغداد عاصمة لدولة الخلافة الإسلامية يحج إليها المثقفون من أنحاء الدنيا ليشهدوا على التاريخ الإنساني في قمة إبداعه.
في عهد صدام حسين كانت للفندق مكانته وجرى تجهيزه بأفخر الأثاث المستورد من الخارج وثريات الكريستال التشيكي ليكون على مستوى يليق بنزلائه من الرؤساء والملوك. لكن بعد العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق لم يجرؤ أحد على زيارة بغداد. ونتيجة لذلك أهملت أعمال الصيانة؛ فخسر الفندق مكانته شيئاً فشيئاً ليصبح رمزاً لسقوط العراق و تخلّفه عن الركب.
ويطلُ الرشيد على قصر المؤتمرات الذي يأوي الجمعية الوطنية ولجانها؛ وعلى قصور وأبنية فخمة شُيدت شرفاتها من الرخام، وزُينت واجهاتها بالقناطر والأعمدة.‬ والمنطقة التي عرفت سابقاً باسم الكرادة شاعت تسميتها بعد الغزو بـ«المنطقة الخضراء». مساحتها لا تتعدى العشرة كلم مربعة؛ وفيها مقر الدولة من حكومة وجيش؛ وإدارات إضافة إلى السفارة الأميركية ومنظمات حكومية وأجنبية. وكان يوجد أيضاً محل لبيع الكحول؛ ومصبغة لاروزا؛ ومركز تجاري يروّج لبضاعة أميركية؛ ومطعم بيتزا وهمبرغر؛ ومشفى ابن سينا؛ وصالون حلاقة رجالية.‬
ففي مدينة عادية لا تتجاوز المسافة بين الرشيد والمكتب الخمس دقائق.‬ ولكن هذه ليست مدينة عادية.‬
أسوار شاهقة وسدود منيعة تحيط بالمنطقة ؛ تذكر بالجدار العازل الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية.‬ حواجز كثيرة نصبت على الطرقات. أحدها يعمل بإمرة الكتيبة البيروفية وآخر بإمرة الأميركيين وثالث ورابع بإمرة الفيجيين؛ وهكذا دواليك على طول الطريق بين الفندق والمكتب.‫‬‬
وكانت الأمم المتحدة قد اتخذت من مدرسة ابتدائية مركزاً لها. كنت أصعد خلسة إلى سطح المبنى لألقي نظرة على دجلة رغم أن السطح كان منطقة ممنوعة على المدنيين لتعرّضه لنيران القناصة من الجهة الأخرى. وفي الباحة الخارجية أقيم نصب تذكاري جميل تكريماً للزملاء الإثنين والعشرين الذين سقطوا في الهجوم ضد مكتب الأمم المتحدة في بغداد قبل عام. وقفت أمام النصب وقرأت الأسماء المنقوشة في الحجر بصوت عال وشعرت كم أن الزملاء موجودون في هذا المكان؛ وفي كل ما سنحققه أو نطمح إلى تحقيقه في هذا البلد الذي مزقته الحرب.
كان مكتبي يقع بالقرب من مدير قسم الموظفين السيد فريد. وهو عرف بصرامته وأناقته وتباهيه بسنوات خدمته كسفير لبلاده. كان يتصرف كزعيم إقطاعي مغرور.‬ لا يخشى المواجهات؛ بل يفتش عنها لهوى في داخله.‬
رئيس البعثة؛ أشرف قاضي؛ يمثل النقيض بشخصيته المحببة المتواضعة وصوته الخافت. عمل سفيراً لبلاده لدى الأمم المتحدة قبل أن يختاره أمين عام المنظمة كوفي أنان ممثلاً خاصاً له في بغداد. لم يتباه يوماً بعمله في السلك الديبلوماسي أو ارتضى الدخول في تحديات أو مؤمرات مع أي طرف. لكنه كان متطلباً وصاحب مزاج. كان يدخل مكتبه صباحاً متجهماً في بعض الأحيان ثم لا يلبث أن يستعيد توازنه خلال النهار ويوزع ابتساماته على المحيطين به. معظم الزملاء درجوا على الانفضاض عنه صباحاً والتجمع حوله بعد الغداء. وقد درج على أن يمر بمكتبي الصغير في الصباح ليطلب منّي موافاته بموجز سريع للأخبار.‬
ـ نعم سيدي. سأوافيك خلال خمس دقائق؛ أجيبه ولغة الجسد تقول إني منهمكة بأمر آخر.‬
‫ـ‬ أكون قد غادرت المكتب وقتها‫! ‬‬
ـ إذن سأجمع أوراقي حالاً .
وأروح ألملم الصحف المبعثرة فوق مكتبي ودفتر ملاحظاتي ثم أهرول خلفه إلى مكتبه الواسع كي أقدم ملخصاً مرتجلاً لآخر التطورات على الساحة العراقية.
كنت أكن احتراماً كبيراً للسفير قاضي رغم مزاجه المتقلب؛ وأتمنى الاستمرار في عملي في بغداد طالما هو موجود فيها. فالمهمة كانت بلا شك حبلى بالإثارة شكلاً ومضموناً والظروف مؤاتية لتحقيق تقدم نوعي يضع العراق والعراقيين المتقاتلين على سكة الأمان.‬
هذا الأمل بتوفير السلام لشعوب العالم تملكني منذ سنوات المراهقة وزادني إعجاباً بالقيم النبيلة التي تعمل الأمم المتحدة لتحقيقها في مناطق النزاع‫.‬ ولكني لم أسع مطلقاً إلى ترجمة هذا الإعجاب الرومانسي إلى مبادرة عملية كطلب الانضمام إلى المنظمة أو العمل تحت لوائها؛ فبقي الإعجاب فكرة في البال! ولذا فإن اختياري لهذه المهمة في بغداد يلفها الكثير من الغموض. والرواية مثيرة بتفاصيلها.‬ ‬‬
Page 6
في صبيحة يوم استوكهولمي بارد من شباط 2005 ؛ رنَّ هاتفي الجوال. كان واضحاً أن المكالمة خارجية‫ فالخط يطقطق وصوت ذكوري عميق يسأل بالانكليزية إن كنت السيدة مقدسي؟‬‬
‫ـ‬ نعم، أنا هي‫. ‬‬‬‬
ثم تابع بالعربية قائلاً إنه يُدعى أيمن الصفدي وإنه الناطق باسم الأمم المتحدة في العراق. وسألني إن كنت أرغب في أن أعمل لبعثة الأمم المتحدة في المنطقة الخضراء في بغداد. لم أكن أعرف الكثير عن المنطقة الخضراء لكني شعرت بالحماسة تنبض في أوصالي. لم أسأل شيئاً؛ ولا حتى كيف وجد إسمي أو رقم هاتفي؛ بل أجبت باقتضاب بأني كلّي رغبة للعمل في بغداد. فالصحافية القديمة في داخلي شعرت أن المهمة تنطوي على شرف كبير، شرف الشهادة عن قرب على جزء مفصلي من تاريخ العراق المعاصر ورؤية انحلال نظام الظلم والاستبداد وقيام نظام جديد لم يكن قد تكوّن بعد!
لكن الصوت الذكوري المجهول انقطع! مرّ شهران وأنا أتأرجح بين اليأس والأمل. اعتقدت أني ضحية مقلب ثقيل الظل ورحت أبحث على الانترنت عن هوية أيمن؛ ووجدت أنه المدير التنفيذي لأكبر قنوات التلفزيون الأردني وأنه شخصية معروفة في الإعلام العربي، فارتاحت ظنوني.
وهكذا؛ وبعد انقضاء ثلاثة أشهر وصلتني رسالة التعيين من الأمم المتحدة في نيويورك. فانقلب القلق إلى فضول وحماسة. عندما وصلت إلى بغداد في أيار 2005 كان أيمن قد غادر منصبه وترك لي مسؤولية ضخمة في إدارة مكتب الإعلام.
فريق العمل الصغير الذي تتألف منه البعثة كان يقوم بعمل دؤوب على مدار الأسبوع. عند لقائي الأول بهم لم يهتم أحد بمن أنا ومن أين أتيت؛ بل كان على شفاههم سؤال وحيد: لماذا أتيت إلى بغداد؟ ولم أعرف أن أجيب بأكثر من أنني فضولية وأعشق المغامرات. وكانت الأمانة العامة في نيويورك قد حددت سقفاً لعدد العاملين في بغداد بحيث تسهل عملية الإجلاء عندما تستدعي الظروف. وكان الهجوم على مقر البعثة قبل عام ونيف والذي حصد عدداً كبيراً من الموظفين من بينهم رئيس البعثة آنذاك سيرجيو فييرا دي ميللو ـ الصديق المقرّب من كوفي أنان ـ لا يزال يؤرق بال الأمين العام.‬
ولدهشتي، فقد كان عدد العراقيين العاملين في البعثة لا يتجاوز عدد أصابع اليد.‬
العراقي الوحيد سرمد، كان سعيداً جداً بالعمل وحيداً في مكتب الإعلام. وبات فجأة تعيساً للغاية عندما علم أن مديراً جديداً انضم إلى المكتب. كان سرمد يرغب بالعمل وحيداً كما اعتاد؛ ويجد متعة في مساعدة الآخرين في أبحاثهم على الإنترنت. وعندما طلبت إليه أن يتوقف عن ذلك ويركّز على المهمات التي أسندتها إليه؛ انتفض غيظاً وهرول إلى الخارج احتجاجاً. رأيته وهو يتأفف مني على مسمع من الآخرين ويبحث عن وظيفة أخرى في قسم آخر.‬ وعندما لم يجد سبيلاً عاد إلى مكتبه وقد عدّل شيئاً من لهجته.‬
كان سرمد بأعوامه الثمانية والعشرين من خيرة الشباب العراقي. قوي البنية، عريض الكتفين، طويل القامة كشجرة النخيل. أصيل. لا يهاب الموت.‬
‫ـ مدراء يأتون ويذهبون والمطلوب مني أن أرضي الجميع وأنفذ تعليماتهم؛ أليس كذلك؟ سألني بانفعال. ‬
ـ ‬أبداً. المطلوب فقط أن تتعاون معهم.
ـ ومن أكون إذن؟ وماذا أفعل هنا؟ وهل دوري أن أتعاون وأساند الأجانب الذين لا هم لهم إلا توزيع الأوامر؟‬
‫ـ‬ المدراء الأجانب يأتون ويذهبون وأنت تبقى. أنت الاستمرارية في هذا المكان، وهذا أهم بكثير من كل ما أحاول ويحاول الآخرون تحقيقه‫.‬‬‬‬‬
للتو، اضمحلت نقمة سرمد كالثلج في ضوء الشمس وكأنه شعر بنفسه ممتلئاً، مزهواً بهذا الدورالجديد. شرحت له خططي لتنشيط عمل مكتب الإعلام، فازداد اعتداداً. ‫‬‬
‫ـ‬ هذا مخطط طموح؛ قال. ولكن ليس هناك إلا أنت وأنا ونحن لا نستطيع جر العربة وحدنا‫.‬ ‬‬‬‬
‫‬ـ سنفتح باب التوظيف أمام العراقيين الكفوئين ونوسع نشاطاتنا. أريد فقط أن تكون موضع ثقتي وأنا متأكدة أننا سننجح.‬ ‬‬
وصمت سرمد. وخلته في تلك اللحظة قد وعد نفسه بألا يخذلني أبداً. ومنذ ذلك الحين بات هذا الشاب البغدادي من أوفى الأصدقاء وأقربهم إلى قلبي. ربما ساهمت نشأتي البيروتية خلال الحرب الأهلية وإدراكي لمعاناة العراقيين في إرساء الثقة والتفاهم فيما بيننا.
 
Page 7
‫ـ‬ تعرفين، قال، كان الرفاق في المدرسة يعتقدون أني مسيحي‫.‬ ‬‬‬‬
ـ لماذا؟
ـ يعتقد العراقيون أن المسيحيين قوم محبون للسلام. فالمسيحيون العراقيون لا يتشاجرون وهم إجمالاً يتحلون بالأدب وحسن التصرف. وخلال أعوام الدراسة كنت دوماً أتجنب الخناقات وأبحث عن حلول سلمية لكل المشكلات.
ثم راح يريني فخوراً صور زوجته الجميلة ويحدثني عن أبويه اللذين انفصلا عندما كان صبياً يافعاً.
‫ـ‬ تشاجرت مع أبي وقاطعته لسنوات. لقد خذلني وتخلى عن أمي وتزوج بامرأة أخرى. لكني عاودت الاتصال به قبل سنتين بتشجيع من والدتي. إلا أن علاقتنا ليست متينة كما كانت من قبل.‬‬‬
نشأ سرمد في كنف أمه التي تنتمي إلى طائفة الفيليين؛ وهي طائفة من الأكراد الشيعة طردهم صدام حسين في الثمانينيات من القرن الماضي إلى إيران. والفيليون يعودون بأصولهم إلى جبال زاغروس التي تفصل بين العراق وإيران. وكان أجدادهم قد عاشوا في العراق لأجيال عندما قام الرئيس العراقي بسحب جنسياتهم العراقية منهم وسلبهم جوازات سفرهم ثم رماهم خارج البلاد.
وهكذا، وفي ليلة من دون ضوء قمر، أصبح عشرات الآلاف من الفيليين مشردين بلا هوية ويعيشون كلاجئين في مخيمات اللجوء في إيران. وراح رجال المخابرات العراقيين يطرقون أبواب الناس باباً باباً ويطلبون مراقبة أوراقهم الثبوتية للتأكد من مواطنيتهم على مدى أجيال. ووعدت أجهزة الدولة بدفع عشرة آلاف دولار لكل عراقي يطلق زوجة أو زوجاً من الفيليين.‬
‫ـ‬ والدايّ تطلقا بعد ذلك. طلاقهما لم يكن مرتبطاً بهذه الحملة الحاقدة. أظن أن أبي سئم من انشغال أمي بعملها في وزارة الشؤون المائية والكهربائية؛ وقرر أن يفتش عن غرام جديد مع امرأة جديدة‫.‬‬‬‬‬
مشكلتي الوحيدة مع سرمد كانت جهاز التبريد في الغرفة. كنت أطفئه كلما جلست إلى مكتبي وكان هو يشغله كلما خرجت إلى اجتماع عمل. كنت لا أقوى على التكيف بين نقيضين: جليد المكتب وجهنم الخارج. وجع الرأس لم يكن يفارقني؛ والرمال لا ترحم رئتيَّ المعطوبتين أصلاً بالربو.‬
وعندما وصلت ذات صباح إلى المكتب وحرارة أربعينية تلهب جبهتي أصيب سرمد بالذعر. أسرع إلى الكافيتيريا ليحضر إليّ أكواب الشاي؛ الواحد تلو الآخر؛ ووعد بألّا يشغّل جهاز التبريد بعد اليوم؛ وأن يتكفّل بتسيير أعمال المكتب لو أردت أن أخلد إلى سريري في الفندق.
غادرت المكتب متسلحة بالمضادات الحيوية وقدت سيارتي بجفون شبه مطبقة ورأس ثقيل باتجاه الرشيد.‫‬‬
اجتزت حاجز الأمم المتحدة ووقفت في الطابور أمام الحاجز الأميركي. وعندما رنّ هاتفي الجوال؛ ظننت لوهلة أن الزملاء في غرفة الاتصالات يذكرونني بوجوب التواصل معهم على الراديو. وبعفوية سحبت جهازي من حقيبة اليد وقبل أن تتسنى لي الإجابة وجدت سلاحاً نارياً مصوباً باتجاهي؛ والجندي الأميركي على وشك أن يضغط على الزناد. ارتعدت خوفاً. وانزلق الجوال من يدي ونظري متجمد على الجندي، أعد الثواني التي ستخرق فيها الرصاصة الزجاج الأمامي لتستقر في جبيني.‬ رفعت يدي عالياً باستسلام مطلق؛ فخفض الجندي سلاحه وأمرني بالتقدم. كان الأدرينالين يهتاج في جسدي كأمواج البحر العاتي ويسلبني كل قواي.‬ انتظرت نهاية التفتيش وأكملت سيري.
‫ـ هذه هي المنطقة الخضراء إذاً؛ تمتمت لنفسي. وها هي الأمثولة الأولى تأتي بمثابة الصفعة؛ كضربة على الرأس.‫‬‬‬‬
أسبوعان والإعياء لا يفارقني. وفي تقدير الطبيب أن الضغوط النفسية أثّرت لربما على جهاز المناعة؛ فنصحني بالراحة لمدة يومين في عمان.
Page 8

عقوبات... وسقوط

عاصفة رملية تضرب بغداد لليوم الثالث على التوالي؛ والرحلات الجوية من وإلى العاصمة العراقية معلقة. والطائرة التي كان من المفترض أن تأخذني إلى بغداد حطت برحالها في القاعدة العسكرية الأميركية في الكويت ـ قاعدة علي السالم.‫ ‬‬
كنت بصحبة الأميركي جون سميث الذي عمل سابقاً في برنامج الغذاء مقابل النفط وبدا متحمساً لوظيفته الجديدة في إطار مشاريع الإعمار والتنمية. لم يكن جون من مؤيدي الرئيس جورج بوش بل كان يعتبر غزو العراق خطأ استراتيجياً. كان يجيد بعض الكلمات العربية ويدخن النرجيلة ويتحدث بحرارة عن أصدقائه العراقيين وحسن ضيافتهم وإنسانيتهم وقدرتهم على التحمل والصبر في وجه ظلم الحياة وصعوباتها.
على مدى ثلاثة أيام كنا نستفيق في الثالثة فجراَ ونتوجه إلى قاعدة علي السالم التي تبعد مسافة ساعة عن العاصمة. نقدم جوازات سفرنا إلى الضابط الأميركي وننتظر حتى التاسعة صباحاً ليأتينا الخبر اليقين ومفاده أن الرحلة أُلغيت لرداءة الأحوال الجوية في بغداد.
ونعود إلى الفندق والنعاس يطبق على أجفاننا فننام حتى غياب الشمس. فقيظ الصيف الكويتي مزعج إلى حد لا يطاق‫، والمدينة مملة إلى حد لا يطاق. ترف ومظاهر ثراء ومطاعم ومقاه أميركية تكتسح الشوارع والأسواق بحيث يصعب الوقوع على الروح الكويتية.‬‬‬‬‬
من هنا بدأ سقوط العراق!‫‬‬
صحيح أن صدام حسين خسر حروبه جميعاً؛ وصحيح أيضاً أنه خلق بيئة مذهبية لوّثت فضاء المنطقة عندما نبش في قبور الصراع العربي ـ الفارسي وخاض ضد إيران حرب المليون شهيد. لكن سقوطه الفعلي بدأ عند اجتياح الكويت.‫‬‬
وخلفية هذا النزاع أن الكويتيين طالبوا باستعادة الإعانة الاقتصادية بقيمة 14 مليار دولار التي كانوا قد قدموها لصدام حسين خلال حربه ضد إيران بحجة أنها قرض وليست هبة. وتمنّع الرئيس العراقي عن تسوية الخلاف المالي مع الكويتيين بحجة أن حربه ضد إيران كانت بالنيابة عن العرب في مواجهة الخطر الإيراني وامتداداته الدينية في كل المنطقة العربية . وتحول النزاع إلى خصام شخصي بين حكام البلدين تخلله السباب والإهانات العلنية. وشنّ صدام هجومه على الكويت في آب،أغسطس 1990 بعدما حصل على ما كان يظنه موافقة ضمنية من الأميركيين.
ثم جاءت سلسلة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق لتقصم ظهور المواطنين العراقيين وتشجع أساليب الفساد والغش التي اعتمدها صدام حسين والمقربون.
ورأى جون أنه من الناحية الأخلاقية لا فرق بين صدام حسين والولايات المتحدة.
ـ صدام أرد السيطرة على منابع النفط؛ كذلك جورج بوش. صدام كان يطمح لضم الكويت وإعلاء نفوذه؛ كذلك كان بوش. صدام نهب الكويت وأحرق آبار النفط؛ والغرب وافق على العقوبات التي أهلكت الشعب العراقي وتركت ملايين الأطفال يموتون جوعاً. العراق انسحب من الكويت بعد ستة أشهر؛ فيما احتلال الولايات المتحدة للعراق مستمر بعد سنة ونيف من الغزو. فما الفرق بربك بين ديكتاتور كصدام وقوة عظمى كالولايات المتحدة؟ تساءل جون في معرض تحليلنا للأوضاع التي آلت اليها العراق.‬
عندما وصلنا فجر اليوم الثالث إلى القاعدة العسكرية كان الانزعاج بادياً على وجوه الجميع باستثناء جون. أحكم إغلاق حقيبته الجلدية، ثم تناول حبة دواء وقال بهدوء:‬
ـ لا تقلقي. سنغادر اليوم إن شاء الله‫‬‬‬.
‫ـ‬ وكيف لك أن تعرف؟ هل أخبرتك الملائكة بذلك؟ ‬‬
‫ـ‬ لا طبعاً؛ قال مبتسماً. اتصلت بأصدقائي في بغداد وقالوا إن العاصفة قد هدأت‫. ‬‬‬‬
وغادرنا أخيراً الكويت الساخنة لنحط في بغداد أكثر سخونة!
كانت الأمور لا تزال على حالها. التطور الجديد كان وصول مساعد السفير أشرف قاضي في إدارة الشؤون السياسية الذي قفز نحوي بحماسة المراهقين لحظة دخولي المكتب؛ مدّ يده صوبي وقدّم نفسه. لوهلة أُخذت بحماسته فلم أسمع الاسم.
ـ عفواً ؛ من تكون؟
‫ـ‬ أدعى مايك فون شولنبرغ وأكون نائب السفير قاضي ويده اليمنى‫. ‬‬‬‬
Page 9
رجل في الخمسين فارع القوام وسيم الوجه يضحك لأشياء تافهة كحذائه غير الأنيق أو شعره الخفيف الذي يكاد يكشف صلعته. ملابسه بسيطة من الطراز الذي يستهوي الشباب في أوروبا.‫‬‬
غير أن هذه الشخصية المازحة التي تفتقر إلى الوقار؛ لم تستهو لا العراقيين ولا العاملين الدوليين. فخلف هذا البرقع كان فون شولنبرغ يخفي وجهاً بشعاً غيوراً. والزملاء كانوا ينادونه همساً «بالشرير مايك».
وانهمكت في توظيف زملاء جدد. وكان أول المنضمين إلينا المترجم علي؛ ثم عصام؛ فالسكرتيرة الإدارية شروق. ولدهشتي، فقد ساد التفاهم بين الزملاء رغم أن السياسة العراقية كانت شغلهم الشاغل. كان يكفي أن أعلّق على تصريح أحد السياسيين حتى ينخرط الجميع في حديث سياسي لا يعلم إلا الله متى ينتهي! لم أرغب أن أعرف شيئاً عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية باعتبار أن ذلك لا يمت إلى الوظيفة بصلة؛ لكن آراءهم المختلفة حول التطورات السياسية كانت أوضح دليل.
علي كان شيعياً كإسمه. يدخن دون توقف ويبدي اهتماماً ملحوظاً بالنقاشات التاريخية. عصام كان شيعياً أيضاً ويسكن منطقة غالبية سكانها من الفلسطينيين السنّة. شروق كانت سنية قلباً وقالباً؛ أما سرمد فكان يتباهى بتعدد انتماءاته:‬ والده شيعي وأمه كردية وزوجته سنية.‫ ‬‬
‫ـ‬ أحمل في داخلي كل أطياف العراق. أنا الوطن الحقيقي، كان يحلو له أن يردد‫.‬ ‬‬‬‬
والاعتزاز بالنفس والهوية كانا ظاهرين على شروق أيضاً ولو بشيء من الانكسار. انفصلت عن زوجها قبل عشرين عاماً، وأمضت حياتها في إعالة وخدمة ولديها اللذين تخاف عليهما كما تخاف الدجاجة على صيصانها.‬
هي واحدة من أولئك الذين نجوا من الهجوم الذي تعرض له مقر الأمم المتحدة في بغداد قبل عام ونيف؛ ولا تزال تحمل ندوباً على خدها الأيمن‫‬ مما حسم الأمر لصالحها في حصولها على الوظيفة رغم تقدم مرشحين آخرين من أصحاب الكفاءة. فالمسؤولية الأخلاقية كانت تقتضي أن نعيد إليها الوظيفة التي كادت أن تموت بسببها.‬‬
لم يخطر ببالها يوماً أن تتزوج ثانية. ربما من أجل التفرغ لولديها؛ وربما لأنها لا تحب الرجال العراقيين لقسوة قلوبهم. وكانت تروي تعرضها للضرب والإهانة منذ أول يوم تلا شهر العسل أو ما درجت على تسميته «بأسبوع العسل».
كانت ترتدي العباءة السوداء التي تغطي جسدها من الرأس حتى الكاحل؛ وتضع غطاءً مناسباً على الرأس لا تلبث أن تنزعهما ما أن تصل إلى المكتب. وتروح تتمختر بين الأقسام المختلفة بملابسها الصارخة الألوان كما لو كانت ترغب في أن تنتقم من العباءة وكل الذين أرغموها على ارتدائها. تضع الكحل على عينيها الجميلتين بإتقان الفنان وتهوى تمشيط شعرها مرات عديدة خلال النهار؛ وتتذكر بحنين ذكريات طفولتها في مصايف لبنان.
ـ كان والدي يستأجر منزلاً للعائلة في الشوف وكنا نلعب في الطبيعة الخلّابة ونتمتع بالطقس الجميل.‫ كنا نعيش طويلاً في بحبوحة حتى جاءنا الأميركيون فخربوا علينا بهجة الحياة. اليوم نحن فقراء بائسون لا يكفينا الراتب حتى للضروريات.
كانت شروق والزملاء الآخرون يرون أن عشر سنوات من العقوبات وانقطاع العلاقات الديبلوماسية والتبادل الاقتصادي مع العالم قد حولت مجتمعاً متطوراً كالعراق إلى مجتمع فقير عاجز عن اللحاق بالركب. وأدى برنامج الأمم المتحدة «النفط مقابل الغذاء» إلى رواج الفساد والصفقات السرية والأموال المتبادلة تحت الطاولة. والمداخيل لم تكن تكفي لشراء الطعام أو الدواء. فبات المواطنون يعتمدون على البطاقة التموينية للحصول على المواد الغذائية؛ ولم يعد بإمكانهم شراء الدواء لأولادهم المصابين بالسرطان. ووقف الأطباء عاجزين عن إنقاذ الأطفال من الموت.‬
‫ـ‬ العراق بلد غني يملك أكبر ثاني احتياطي من النفط في العالم؛ قال عصام فخوراً؛ لكن عقوبات الأمم المتحدة جعلت منا شعباً فقيراً يستعطي الغذاء ببطاقات إعاشة؛ وهذا لا يليق بأمة عظيمة كالعراق‫.‬ ‬‬‬‬
‫ـ‬ لم يعد من وجود للطبقة الوسطى؛ أضافت شروق. وبات الغذاء يأكل كل رواتب الناس ومدخراتهم‫.‬‬‬‬‬
‫ـ‬ والتعليم الذي كان مجانياً لجميع العرب أصبح مكلفاً إلى درجة أنه لم يعد بالإمكان إرسال أولادنا إلى المدرسة. عدد الطلاب في تراجع بشكل حاد. اليوم نتحدث عن جيل عراقي أمّي بالكامل. وهذا له نتائج مدمّرة على مجتمعنا للسنوات العشرين المقبلة، قال عصام.‬ ‬‬
‫ـ‬ مهما فعلت الأمم المتحدة لأجلنا اليوم؛ فنحن لا ننسى تخليها عنا في فترة العقوبات؛ قال سرمد‫. ‬‬‬‬
ورغم الوضع الأمني المتردي في بغداد كان الزملاء يدأبون على الحضور إلى المكتب في الوقت المحدد كل صباح. ‬ يقفون في طوابير حواجز التفتيش؛ يقدمون بطاقات هويتهم ويرسلون أغراضهم عبر جهاز اللايزر؛ ويستسلمون لتفتيش جسدي دقيق قبل السماح لهم بدخول المنطقة الخضراء المحصنة ضد الإرهابيين. ولم تكن هذه الصباحات تمر دوماً على خير! فقد حدث مراراً أن انفجرت عبوات ناسفة فيما كانوا ينتظرون دورهم على هذه الحواجز؛ ورأوا بأم العين القتلى من الصغار والكبار يسقطون وهم في طريقهم إلى العمل أو المدرسة.
Page 10
وصبيحة يوم من أيام شهر آب/أغسطس دوى انفجار بالقرب من مقر البعثة. حاولت الاتصال بالزملاء للاطمئنان لكن خطوط الهاتف مقطوعة كالعادة! فتحت التلفزيون ورحت أنتظر بقلق...ودخلت شروق وهي تجهش بالبكاء. ووصل الآخرون الواحد تلو الآخر ورووا قصصاً مروعة عن قتلى وجرحى في محيط وزارة الدفاع التي كانت تقع على مرمى حجر من مقرنا.‬
قالت شروق إنه في زحمة هذه الفوضى والدم السائل قام جندي عراقي على أحد الحواجز ضمن إطار التفتيش الجسدي بلمس نهديها.
ـ الحقير! السافل.. وكأنه لا يكفينا كل هذا الرعب والموت.
ـ ‫‬ يمكن أن تبلغي عنه لو أردت؛ قلت لها بسذاجة.
‫ـ‬ ماذا؟ هل تعتقدين أننا هنا في بلد ديمقراطي يتمتع فيه المواطنون بكامل حقوقهم؟ ‬‬‬‬‬قبل العدوان الأميركي كان الحكم في العراق ديكتاتورياً؛ قالت شروق. وقد لا يكون هذا أفضل أنواع الحكم لكن لا أحد كان يتعرض للنساء. كنا نذهب إلى الوظيفة من دون مشاكل؛ ونرفّه عن أنفسنا في المطاعم ودور التسلية ولا نعود إلى البيت إلا بعد منتصف الليل. كانت الدنيا أماناً، والنساء بأمان. الآن يجب أن نتبع قوانين المجرمين. الاحتلال سجننا ‬في منازلنا وتركنا عرضة لهواجس كثيرة. نحن سعداء لمجرد أننا لم نقض في هذا الانفجار أو ذاك. أنا لست من المدافعين عن صدام حسين لكن يجب قول الحقيقة مهما كانت صعبة. الأميركيون وعدونا بالديمقراطية وأعطونا حكماً دينياً.
ـ لم يكن أحد يسأل إن كان المرء سنياً أم شيعياً؛ عربياً أم كردياً. النساء احتللن أرفع المناصب في مؤسسات الدولة. كنا كلنا عراقيون؛ أضاف علي متحسراً وهو مدرك تماماً أن حال اليوم يكاد يكون على نقيض ذلك تماماً.‬
فالانقسام السني ـ الشيعي قد بلغ حداً مخيفاً وبدا أن العراق يغرق إلى أدنى مستوى من العنف المذهبي. فتقارير الأمم المتحدة كانت تتحدث يومياً عن خطف مواطنين وتعذيبهم واغتيالهم استناداً إلى انتماءاتهم المذهبية. وطاولت الاعتداءات المساجد والحسينيات؛ وجرى تهجير العائلات من بيوتها والأحياء التي سكنتها لسنوات.‬
ويبدو أن الحادثة التي أججت هذا الصراع بين الطرفين هي انفجار سيارة ملغومة أمام مسجد الإمام علي في النجف عام 2003 والذي أسفر عن مقتل 85 شخصاً؛ من بينهم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق آية الله محمد باقر الحكيم. واستشرى العنف بين مناصري القاعدة من جهة والذراع العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ـ منظمة بدر، من جهة أخرى. فما أن يفجر انتحاريون سنّة أنفسهم بين جماعات المصلين الشيعة حتى تبادر قوات بدر أو جماعة الصدر إلى خطف متعاطفين مع القاعدة أو حزب البعث والتنكيل بهم ورمي أشلائهم فيما بعد في سلات الزبالة على الطرقات.‬
في السنوات الأولى للغزو الأميركي كانت حوادث من هذا النوع تُواجه بدعوات إلى التعقل والمسامحة. فالخطاب السياسي يومها كان يشدد على الأخوة بين العراقيين ويلقي باللوم على عناصر خارجية كالقاعدة والاستخبارات الإيرانية. لكن الأجواء أخذت بالتشنج شيئاً فشيئاً بعد الانتخابات العراقية الأولى في كانون الثاني/يناير 2005. حينها حققت الغالبية الشيعية فوزاً ساحقاً مما حدا بالسنّة الذين كانوا قد قاطعوا الانتخابات، للتنبه إلى الخطر الشيعي الزاحف إلى البلاد مع عودة أحزاب المعارضة من المنفى.‬
‫ـ تاريخ العراق مليء بالعنف والدم، قال سرمد مستاءً. نعيش على الحروب والخراب ونتغذى بالدم والموت ؛ ولا تحلو لنا الحياة إلا هكذا‫.‬ ‬‬‬‬
وساد جو من الكآبة بين الزملاء. ربما هزّهم كلام سرمد فاستغرقوا في تفكير عميق في محاولة لتبيان مدى صحته. كنت أرتجف هلعاً لمجرد التفكير أن أحداً منهم قد يصيبه مكروه بسبب هذا الجنون المستشري الذي حوّل بغداد إلى مدينة أشباح وشبيحة!
‫‬ـ غداً يصادف ذكرى الإمام كاظم؛ والشيعة يحجون إلى ضريح الإمام إحياء لذكراه؛ وقد تشهد بغداد أعمال عنف وشغب؛ شرح علي.‫‬‬
‫ـ‬ الله أكبر، هتفت بإعياء. لا تغادروا منازلكم لو سمحتم! التزموا الحذر! ‫ ‬‬‬‬