قالوا عن الكتاب...
‘‘لقد استمتعتُ جدًّا بقراءة هذا الكتاب لما يحويه من نصائح مهمَّةٍ وهادفة ومرحة وواضحة في الوقت نفسه، وهي نصائح تساعد على تحقيق النجاح في المشاريع الناشئة في السعوديَّة. وتأتي هذه النصائح من رياديٍّ واسع الخبرة، خاض العديد من مغامرات الأعمال في قطاعات شتَّى، وقدَّم في الكتاب عصارة عقود من الخبرة بأسلوب بسيط يسهُل فهمُه، ممَّا سيجعل الكتاب مرجعًا ضروريًّا لجميع الطموحين الذين يشقُّون طريقهم في مجال ريادة الأعمال’’.
معالي المهندس عادل فقيه
وزير العمل السعوديّ
‘‘حينما تنظر إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنَّك تجد تجمُّعًا صاخبًا لرياديِّي الأعمال الذين يحاولون الشروع في أعمالهم التجاريَّة. ويُعدُّ هذا الكتاب مرجعًا ومُعينًا رائعًا لكلِّ رياديٍّ يسعى إلى الارتقاء بعمله في الشرق الأوسط، إذ يخوضُ الكتاب في المراحل التي يمرُّ بها العمل التجاريُّ من الألف إلى الياء، ويفتح أعين الرياديِّين على أمورٍ من السهل أن يغفلوا عنها’’.
يوسف حميد الدين
الرئيس التنفيذيُّ- أويسِس 500
‘‘مع أنَّ ريادة الأعمال تزدهر بقوَّة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنَّ الرياديِّين الشباب يكافحون ليجدوا التوجيه السليم الذي يهدي سبيلهم. ويعمل كتاب المهندس خالد سليماني بامتياز على جَسر هذه الهوَّة، حيث يأتي بدروسٍ وتجارب عديدةٍ من العالم، ويطبِّقها على سياق المنطقة. وقد نجح المؤلِّف في إنجاز هذا العمل بأسلوب مرحٍ ومنوَّع، حيث عرضَ نصائحَ عمليَّةً يمكن لقادة الأعمال في المنطقة الاستفادة منها والاستعانة بها’’.
البروفيسور وليم كير، كلِّيَّة هارڤرد للأعمال
William Kerr, Harvard Business School
‘‘أنا مهتمَّةٌ منذ زمن بالنهضة التي تشهدها بيئة ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وقد أنجز المهندس خالد سليماني عملًا رائعًا ببصيرته الثاقبة التي أثرى بها مجتمع الأعمال السعوديِّ، وذلك بأسلوب تعامله مع التحدِّيات والفرص المتاحة في هذا المجتمع. يُعدُّ أسلوب عرض هذا الكتاب مثاليًّا لرجال الأعمال وقادة التكنولوجيا المشغولين؛ فهو يقدِّم نصائحَ سريعةً تبيِّن طرقًا سهلة وقابلةً للتطبيق سواء للمشاريع الناشئة أم للشركات التي تودُّ أن تنموَ بأسلوب ذكيٍّ ومستدام. وسواءٌ كنت رياديًّا جديدًا أم ترغب في توسيع إطار أعمالك في السعوديَّة والشرق الأوسط، فإنَّ هذا الكتاب هو مرجعٌ أساسيٌّ لك’’.
كلير-دياز-أورتيز, مديرة الابتكار الاجتماعيِّ في تويتر
Claire-Diaz-Ortiz, Manager of Social Innovation at Twitter
‘‘في هذا الكتاب، يضع المهندس خالد سليماني أداةً تعليميَّة مُثريةً وبسيطة أمام جيل الشباب والرياديِّين الطموحين في منطقتنا. وبينما يتناول الكتاب فرصَ السوق السعوديَّة وتحدِّياتها ومتطلَّباتها، فإنَّه يُسدي للرياديِّين بنصائح عمليَّة ضمن سياق بيئة الأعمال، ولا سيَّما بشأن ما على المنشآت الجريئة أن تفعله، وما ليس عليها أن تفعله أيضًا. وقد تجاوزَ المؤلِّف مسألة تقديم مجرَّد نصائح تقليديَّة، حيث قدَّم أيضًا بعمقٍ المعرفة الخاصَّة الضروريَّة بالأسواق المحلِّيَّة، وما يعنيه ذلك للمشاريع الناشئة والتي هي في طور النموّ’’.
د. خالد الخزرجي
رئيس مجلس إدارة الكوثر للاستثمار
إهداء
إلى والدي ووالدتي
إلى زوجتي سحر ملهمتي ورفيقة دربي
إلى فلذة كبدي، أبنائي تامر ولينا ولجين
أقدِّم هذا الكتاب الذي ينير الطريق لكلِّ مَن يبحث
عن النجاح في مشاريعه.
شكرٌ وتقدير
أودُّ بداية أن أتقدَّم بالشكر إلى جميع الرياديِّين المذكورين في هذا الكتاب، والذين ضربوا أروع الأمثلة في المثابرة والبحث والعمل الجادِّ المضني الذي ألهمَني وقدَّم إليَّ محتوى العديد من الأمثلة المنثورة على صفحات هذا الكتاب. وأتوجَّه بالشكر الخالص إلى كلٍّ من يحيى البشري وقسورة الخطيب لمشاركتنا بقصَّتَيهما بالتفصيل.
كما أودُّ أن أشكرَ زوجتي الحبيبة سحر بحراوي لدعمها لي طَوال فترة هذا المشروع. لقد ساعدتني وساهمت بجهودها المباركة في إجراء مراجعةٍ شاملة للكتاب وألهمَتني ببصيرةٍ ثاقبة وعظيمة في ما يتعلَّق بالتسويق، ولا يفوتني أيضًا أن أشيد بالدور الكبير الذي قامت به ابنتي لينا في فَهرسةِ الرسوم الهزليَّة الاسترشاديَّة.
أودُّ أيضًا أن أشكر كلَّ مَن ساهموا معي: وأخصُّ بالذكر رسَّامَي الكاريكاتير المبدعَين راندي غلاسبيرجن (Randy Glasbergen) ومارتي بوسيلا (Marty Bucella) من نيويورك، وكاسي پينغ (Cassie Peng) من إنكلترا الذي جسَّد وأحيا أفكاري لتصيرَ مطبوعةً على الورق. والشكر موصولًا لجميع الذين تعامَلتُ معهم عبر الإنترنت والذين أحمل لهم كلَّ مودة وتقدير، وأتمنَّى أن أقابلَهم يومًا ما.
أخيرًا وليس آخرًا، أودِّ الإشارة إلى أنَّ هذا الكتاب قد كُتب ونُشر باللغة الإنكليزيَّة أوَّلًا لكثرة المصطلحات الجديدة غير المعرَّبة بعدُ، وذلك لرغبتي في إخراجه إلى النور بسرعة، ولا يسعني هنا إلَّا أن أقدِّم جزيل شكري إلى الأستاذ عصام داود خوري مترجم الكتاب، والأستاذ عبدالله ذياب أبو حميدان الذي دقَّق الكتاب لغويًّا وكان عونًا كبيرًا لي في تعريب المصطلحات بتأنٍّ بالغ.
مقدِّمة
لقد ساورتني فكرةُ تأليف هذا الكتاب أوَّل مرَّة في عام 2011م حينما كنتُ أخطِّط لتَرْكِ العمل في إحدى شركاتي بعد أربع عشرة سنة من تأسيسها وإدارتِها، وهو ما وفَّر لي الكثير من وقتِ الفراغ بعد تَركِها. حينها شعرتُ بأنِّي أريدُ أن أنقل إلى شبابِ وشابَّات الأعمال الواعدين جزءًا ممَّا اكتسبته وتعلَّمته من ممارسة الأعمال في السعوديَّة. ولم أكن راغبًا في إصدار كتابٍ خاصٍّ بالسعوديَّة فقط، وعندما التحقْتُ بدَورةٍ في جامعة هارڤرد صيف 2013م تعرَّفت خلالها إلى نخبةٍ من الرياديِّين من جميع أنحاء العالم، والذين يزيدُ عددُهم على ثمانين شخصيَّة، فقد تأكَّدت أن جميعَ المشاريع الناشئة في سائر الأقطار تواجه مشكلاتٍ متشابهة، وأدركتُ حينها أنِّي لو ألَّفتُ كتابًا يتضمَّن أمثلةً من خبرتي المحلِّيَّة، فإنَّ كثيرًا من الرياديِّين والرياديَّات- بالإضافة إلى رجال وسيِّدات الأعمال حول العالم- سيستفيدونَ منه ويكون لهم نبراسًا يرسم طريق المستقبل أمامهم.
يستهدفُ هذا الكتابُ أولئك الرياديِّين الذين شرعوا بأعمالهم التجاريَّة أو هم على وشك البدء بها، حيث يحاولُ الكتابُ أن يعطيَ القارئ فكرةً عن كيفيَّة تأسيس المشاريع، ويقدِّم عرضًا لما قد تواجهه تلك المشاريع من مشكلات، فضلًا عن سردٍ لبعض الاستراتيجيَّات التطبيقيَّة لمعالجة هذه القضايا. ثمَّ إنَّ الكتابَ حافلٌ بالأمثلة وقصص النجاح والتجارب العمليَّة (Business Cases). وقد حرصتُ وعملتُ جاهدًا أن أضعَ بين يدي الرياديِّين الجدد من الجنسين (رجال وسيِّدات أعمال) كتابًا سهلًا ممتعًا يحتوي على نصائحَ ذات جدوى، حافلًا بأمثلةٍ حقيقيَّة من وحي تجرِبتي الشخصيَّة، إضافةً إلى أمثلةٍ من رياديِّين مشهورين على نطاقٍ عالميٍّ مثل توماس إديسون (Thomas Edison) وستيڤ جوبز (Steve Jobs)، وبِل غيتس (Bill Gates)، ومارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg)، والعديد من الرياديِّين العرب والسعوديِّين الذين عرفتُهم، والهدف من ذلك هو تَسليط الضَّوء على كلِّ نصيحة.
لقد جرى إعداد هذا الكتاب ليُنتفَع به ‘‘محلِّيًّا وعالميًّا على حدٍّ سواء’’. وأحسبُ نفسي مواطنًا عالميًّا، إذ جعلتُ مهنتي مبنيَّة على تسويق التكنولوجيا المنقولة من الغرب إلى منطقة الشرق الأوسط، واستثمار تلك التكنولوجيا. ولا شكَّ أنَّ هذا النوع من العمل يتطلَّبُ فهمًا للثقافات المختلفة في أطراف المعمورة. فإن أنت نجحتَ في تقليص تلك الهوَّة الثقافيَّة، فإنَّها ستُدرُّ عليك المالَ كما فعلَتْ معي شخصيًّا. فقد بدأت أحقِّق أحلامي الرياديَّة في مجال الأعمال حينما كنتُ أعمل لدى موران ستاهل آند بوير (Moran Stahl and Boyer) في بولدر (Boulder) بولاية كولورادو الأميركيَّة بوظيفة مستشار ثقافيّ، وكان ذلك في عام 1993م، حيثُ ساعدْتُ الوافدين الموشكين على الانتقال إلى السعوديَّة للعمل على فَهْم كيفيَّة التعامُلِ مع الحواجز الثقافيَّة الضاربة أطنابها في العالم العربيّ، ممَّا كان موضع ثناء وتقدير من قبل مديرة البرنامج، والتي عبَّرت عنه في رسالتها التي غصَّت بشهادات الشكر والتقدير من طلَّابي، والتي أحتفظ بها في مكتبتي بكلِّ فخرٍ واعتزاز.
لقد وضعتُ في الحسبان عند الشروع في تأليف هذا الكتاب أن يكون كتابًا عصريًّا يحاكي الإعلام الحديث وقنوات التواصل الاجتماعيِّ ويواكبها جميعًا. وفي سبيل ذلك حرصت على الاستعانة بآراء القرَّاء والمثَّقفين المهتمِّين بمضمون الكتاب، وتلقَّيت الكثير من الردود عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، حيثُ أسَّستُ قبلَ سنة تقريبًا (من إنتاج الطبعة الإنكليزيَّة) مجموعةَ فيسبوك (Facebook) بعنوان ‘‘كيف تنجح في السعوديَّة’’، وقادني نجاحُ المجموعة إلى إنشاء صفحةٍ للمتابعين على فيسبوك والتي اجتذبَتْ في خمسة أشهر عددًا كبيرًا من المعجَبين وصلَ إلى أكثرَ من ثلاثين ألفَ متابع في وقتِ نشرِ الكتاب بطبعته الإنكليزيَّة، حيث نُشِرت جميعُ النصائح الواردة في هذا الكتاب على تلك الصفحة، وجرى قياس مدى قبول المستخدم لها. ولا أدلَّ على نجاحها من إعادةِ تغريدِ كثيرٍ من هذه النصائح على تويتر(Twitter) أيضًا، كما أنَّ بعضَ القصص التي سردتُها في الكتاب نُشِرت على موقعي الشخصيِّ على الإنترنت، ولذلك حرصت على تضمين الكتاب لبعض النصائح الخاصَّة بالتسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، فضلًا عمَّا استوعبه من نصائح في مجالاتٍ شتَّى.
أكثر من ربع النصائح الواردة في هذا الكتاب ينطبق أثرها على المملكة العربيَّة السعوديَّة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمومًا، وقد جرى ترميز النصائح الخاصَّة بالسعوديَّة برمزٍ خاصّ. وبالرغم من إمكانيَّة تطبيق الكثير من هذه النصائح تطبيقًا مماثلًا في أيِّ قُطر آخر، لا سيَّما في البلدان التي تواجه فيها المشاريع الناشئة صعوبةً في الانطلاق، فإنَّ هناك عددًا من قصص النجاح والتجارب العمليَّة ستجذبُ بشكلٍ خاصٍّ أولئك الذين يرغبون في بدء عمل تجاريٍّ في السعوديَّة تحديدًا، حيث تتمتَّع المملكةُ بنموٍّ اقتصاديٍّ كبير واستقرار جيوسياسيّ، بينما تعاني دول كثيرة في العالم أزماتٍ اقتصاديَّة في أعقاب الأزمة الماليَّة العالميَّة التي عصفت في عام 2008م، الأمر الذي أدَّى بالكثير من الرياديِّين ورجال الأعمال إلى التوجُّه بأعمالهم إلى السعوديَّة لتَوسيع قاعدة أسواقهم، أو لإنشاء مشاريعَ تستفيدُ من الثروة الهائلة في المملكة.
قد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال عن سبب اقتصار هذا الكتاب على 84 نصيحةً فقط وليس 100 أو 99 مثلًا. والجواب أنَّه في عام 1984م كانت برمجة الحاسوب إحدى هواياتي، وبدأتْ تبرز مهاراتي في البرمجة باستخدام لغة بيسك (BASIC) على حواسيب من نوع تي آر إس 80 (TRS 80)، وذلك بعد أن اتقنتُ البرمجة باستخدام لغة فورتران (Fortran) العلميَّة في وحدة المعالجة المركزيَّة على حاسوب آي بي أم (IBM) في الجامعة، وبعد عام من إجادتي البرمجة رأيتُ أن أستثمر هذه المهارات في الأعمال الحرَّة لدى العديد من الشركات التي ساعدتُها كثيرًا في تصميم برامج حاسوب تتوافق مع متطلَّبات التشغيل بها. وفي تطوُّر آخر، ساعدتني هذه الخبرة على إطلاق مهنة ريادة الأعمال الخاصَّة بي بعد عشر سنواتٍ من الخبرة والعمل الدؤوب في مجال برامج الحاسوب، وقد أشرتُ في هذا الكتاب إلى كتاب جورج أورويل (George Orwell) بعنوان ‘‘1984’’ والذي لم أقرأه حتى رأيتُ إعلانَ شركة أپل (Apple) الشهير عام 1984م، والذي انتهى بالرسالة التالية: ‘‘في 24 كانون الثاني/يناير، ستطرحُ شركة أپل حاسوب ماكنتوش (Macintosh). وستَرَون لماذا لن يكون عام 1984م مثل «84»’’، بمعنى أنَّ هذا العام هو علامة فارقة في تاريخ شركة أپل، وقد كان عام 1984م بالنِّسبة إليَّ كذلك نقطة تحوُّلٍ أيضًا، فقد أحببتُ أن أتيمَّنَ به لدى اختياري لعدد النصائح وليكونَ عنوانًا للكتاب.
يتألَّف هذا الكتاب من خمسة فصول رئيسيَّة تتمحورُ حول المراحل التي تمرُّ بها المنشأة الرياديَّة: الاستكشاف، والتحقُّق، والإطلاق، والنموّ، والانتقال- هذه هي المراحل تقريبًا التي يمرُّ بها أيُّ مشروع ناشئ، وقد اقتبست العديدَ من الأوصاف من تقرير ‘‘ستارت أپ جينوم’’[1] لوَصف المراحل المختلفة للمنشأة الرياديَّة، على أنَّه ينبغي لمن يشرع في تأسيس أيِّ عملٍ تجاريٍّ أن يدركَ متطلَّبات هذه المراحل، وأن يكونَ قادرًا على استخدام الأدوات المناسبة لكلِّ مرحلة، كما تُشيرُ كلُّ نصيحة، ويحتوي كلُّ قسمٍ على عددٍ من النصائح التي تتعلَّق بكلِّ مرحلة من مراحل دورة حياة المشروع الرياديّ. وتسهيلًا على الرياديِّ استيعاب تلك النصائح وفهمها، جرى شرح كلِّ نصيحةٍ بفِقرتَين فقط تجنُّبًا للإطالة، ومقترنة بمثال حقيقيٍّ أو قصَّةِ نجاح عمليَّة، إضافةً إلى رسمٍ كاريكاتيريٍّ بقَصد الفكاهة ومساعدة القارئ على فَهم النصيحة والمثال؛ ففي بعض الحالات يكون التعبير بالرَّسم أبلغَ من الكلام وأسرع في توصيل الرسالة المستهدفة، وهو عامل مساعد حتَّى لا يصاب القارئ بالضَّجر في أثناء القراءة. كما أودُّ أن أنوِّه إلى أنَّ النصائحَ ليسَتْ بأعدادٍ متساوية لكلِّ مرحلة؛ حيثُ تَستهدِفُ أكثرُ النصائح المراحل الأولى من إنشاء المشروع الرياديِّ لأهمِّيَّة هذه المراحل كونها الأساس للعمل. ووَفقًا لما تضمَّنه الكتاب، فإنَّ النصائح مترابطةٌ في ما بينها بدرجةٍ كبيرة، لذا فإنَّ كلَّ نصيحةٍ تُذكِّر بنصيحةٍ أُخرى أو تُشيرُ إليها، ولعلَّ القارئ يلاحظُ أنِّي أدرجتُ أرقامَ بعض النصائح ذات الصِّلة في نهاية كلِّ نصيحة بغرض الاختصار. وبالنظر إلى كَون الكثير من المصطلحات الخاصَّة بمجال ريادة الأعمال جديدة، ولا يوجد اتِّفاقٌ على ترجمة موحَّدة لها، فقد ترجمناها بما يعكس المعنى ووحَّدناها في كلِّ الكتاب، كما أضفنا في آخر الكتاب جدولًا بتلك المصطلحات وغيرها من تلك التي تكرَّرت كأسماء بعض الشركات، وذلك تسهيلًا على القارئ.
إنِّي أتطلَّع لأن يجدَ القارئ في هذا الكتاب أجوبةً لما قد يجول بخاطره من تساؤلاتٍ حول المشاريع الناشئة، ولا سيَّما الرياديِّين والرياديَّات ممَّن ينتقلون إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعمل، أو بغرض تأسيس مشروع تجاريّ.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أنَّ هذا كتابٌ يتناول نصائحَ عمليَّة قائمة على التجربة الفعليَّة، وليس كتابًا أكاديميًّا نظريًّا؛ فالمادَّة النظريَّة متوافرةٌ في كتبٍ أخرى تزخرُ بها المكتبات، أمَّا هذا الكتابُ فهو كتابٌ تطبيقيٌّ يقدِّم إلى القارئ أمثلةً عمليَّة وعلميَّة عن كيفيَّة تطبيق الأمور النظريَّة في الواقع العمليِّ من خلال التجارب والممارسات التي قام بها الرياديُّون، وكيف تخطَّوا الصعاب للوصول إلى ريادة الأعمال.
م. خالد سُليماني
تشرين الثاني/نوڤمبر 2013م
الفصل 1
مرحلةُ الاستكشاف
تُعرَف أيضًا بمرحلة ‘‘الفكرة’’، وهي المرحلة التي يستغرقها الرياديُّ في التفكير في مشروعه محاولًا تحديد أهدافه، ورسم صورة ذهنيَّة لخُطَّته وما يريدُ القيامَ به، وتجميع قدراته وإمكانيَّاته، ودراسة مدى ملائمتها وكفايتها لإنشاء المشروع.
الأنشطة الرئيسيَّة: تتطلَّب هذه المرحلة تشكيل فريق التأسيس، ودراسة احتياجات السوق واختباره والفرص المتاحة والبدائل، ودراسة المنافسة، وإجراء مقابلات مع العملاء، وتحديد أهمِّيَّة المنتج أو الخدمة وقيمتهما، ومدى الحاجة إليه والطلب عليه، وإنشاء النموذج الأوَّليِّ(Minimum Viable Product) في السوق، ودعوة أوائل المرشدين والمستشارين للانضمام إليك.
نوع التمويل: قد يجري تمويل هذه المرحلة من خلال أموال شخصيَّة، أو منحٍ حكوميَّة محدودة أو منحِ بحوث تقدِّمها المؤسَّسات العلميَّة والتعليميَّة لنَوعٍ معيَّنٍ من الأفكار، أو من الأصدقاء والعائلة. وينضمُّ كثيرٌ من فرق المشاريع الناشئة أيضًا إلى مُسرِّعٍ أو حاضنةِ أعمال في هذه المرحلة، ممَّا يوفِّر مصدرًا غير مباشر للتَّمويل.
نصيحة 1
إنْ أردْتَ أن تُغيِّر العالم،‘‘فكِّر بطريقةٍ مختلفة’’!
لقد شهدنا في العصر الحديث العديد من الاختراعات المؤثِّرة في العالم، والتي صارت من ضروريَّات الحياة لكلِّ فرد، رغم أن أحدًا لم يطلبها أو يساوره التفكير فيها. فقد انبثقت تلك الاختراعات عن مخترعين رياديِّين يفكِّرون خارجَ المألوف. ولن يطلبَ عملاؤك إلَّا ما يعرفونه بالفعل، لذا عليك أنتَ أن ‘‘تفكِّر بطريقةٍ مختلفة’’ وتكشفَ للعملاء شيئًا ما لم يفكَّروا فيه قَطّ، وهكذا تخلقُ حاجةً جديدةً وتلبِّيها في الوقت ذاته.
لو انتظرَتِ الاختراعاتُ العظيمة العملاءَ ليَطلُبوها، لكانَ العملاءُ حينئذٍ هم المخترعين! وفي العالم الحقيقيّ، يطلبُ العملاءُ تحسيناتٍ على حلولٍ موجودةٍ أصلًا، حيث إنَّهم يعتمدون في طلباتهم على ما هو في متَناول يدهم، إذ ليسَ من مسؤوليَّة العملاء أن يفكِّروا خارج المألوف أو يتَخيَّلوا حلًّا جديدًا لمشكلةٍ قديمة؛ فهذا ما يفعلُه المخترعون، وما يفعلُه الرياديُّون العُظَماء أيضًا.
سأضربُ هنا ثلاثة أمثلة عن رياديِّين عظماء في عصرنا قدَّموا منتجًا كان العملاء يحتاجون إليه، لكنَّهم ما كانوا ليفكِّروا بتاتًا في طلبه. ولنبدأ باقتباسٍ شهير من ستيڤ جوبز: ‘‘لا يمكنك أن تسألَ العملاءَ عمَّا يريدونه فقط ثمَّ تحاولَ أن تُعطيَهم إيَّاه؛ لأنَّه في الوقت الذي ستَنتهي فيه من إعداده، سيُطالبون بشيءٍ جديد’’.[2] قد يختلف معه الكثير ممَّن يؤكِّدون على ضرورة البدء بدراسة السوق (وهو ما سنناقشه في النصائح ذات الصلة). فلا بأس من الاستعانة بدراسة السوق لتَقييم الحاجة والاعتماد عليها في اتِّخاذ القرار، إلَّا أنَّ من الضروريِّ أيضًا التفكيرَ بطريقةٍ مختلفةٍ عند محاولة تلبية هذه الحاجات بصورةٍ أفضل. ويمكنك أن تستخدمَ تفكيرك الخارجَ عن المألوف لتَبتكرَ مطالبَ تلبِّي احتياجاتٍ جديدة، فلم يطلبْ أحد من جوبز أن يبتكرَ جهاز آيپاد (iPad)؛ فالفكرة كانت موجودةً في المختبرات لسنوات وقد لاقى تَنفيذُها فشلًا ذريعًا قبل أن يلتقطَها جوبز ويجعل منها منتجًا عليه طلب في السوق (راجع المثال الذي أوردتُه في النصيحة 43).
ويمكنُ أن يُقالَ الشيء نفسُه عن أجهزة الآيفون (iPhone) والآيپود (iPod)، وحتَّى عن آي كلاود (iCloud). ويُقتبَس عن هنري فورد (Henry Ford) أنَّه قال عن اختراع السيَّارة: ‘‘لو أنَّي سألتُ الناسَ عمَّا يريدونه، لقالوا خيولًا أسرع’’. هنا يتجلَّى التناغم ما بين كلام فورد وتعليق جوبز؛ فهنري فورد صنعَ السيَّارات- سيَّارات سريعة وبأسعارٍ معقولة- وليس خيولًا أسرع. وبالمثل تخلَّى توماس إديسون عن إنتاج مصباح غاز أكثر سطوعًا، وابتكر بدلًا من ذلك المصباحَ الكهربائيّ. وبالرغم من أنَّه كان من السهل الاقتناع بالعُدول عن المشروع بسبب جسامة المهمَّة- بسبب البنية التحتيَّة الجديدة الهائلة التي كان ينبغي إقامتها لكي تعملَ مصابيح الكهرباء- فقد ثابرَ فعلًا وكان اختراعه هو ما أنارَ العالم وليس مصباح الغاز. فقد غيَّر المصباحُ الكهربائيُّ البنيةَ التحتيَّةَ في مُدنٍ ودولٍ في شتَّى أرجاء الكرة الأرضيَّة، تمامًا كما غيَّرتِ السيَّاراتُ عمليَّة إنشاء الطرقات، وغيَّر الآيپاد مَسارَ استخدام الحوسَبة الشخصيَّة.
النصائح ذات الصِّلة: 15، 43
نصيحة 2
لا تبدأ بالتنفيذ قبل الانتهاء من تصميم استراتيجيَّتك.عليك أن تتيقَّنَ بأنَّك تفحَّصتَ جميعَ جوانب عملكالتجاريِّ قبل الشُّروع فيه
تفشلُ العديدُ من الأفكار العظيمة لأنَّها لم تُنفذ بصورةٍ صحيحة. فمثلًا، إنَّ الحصول على فكرةٍ في مجال الإنترنت أو الحاسوب، ومن ثمَّ تحويلها إلى موقع إلكترونيٍّ أو برنامج حاسوب أو منتج هو نصف القصَّة فقط، إذ إنَّ هناك الكثير من الاستعدادات والمتطلَّبات التي ينبغي إتمامها قبل أن يتبلوَرَ العمل التجاريُّ حول هذه الفكرة.
إنَّ حجر الزاوية لبناء عملٍ تجاريٍّ هو إتمام (مراجعة، تمحيص، تجربة) نموذج العمل التجاريِّ (Business Model)، والأسئلة المرتبطة بديموغرافيَّة العملاء وخصائصهم، وعمليَّة جذب العملاء وتكاليف المنتج وتكاليف التسويق والمبيعات وقنوات البيع، وهذه مجرَّد عوامل قليلة ينبغي لك التعاملُ معها قبل أن تحوِّل فكرتَك إلى عملٍ تجاريٍّ مُربح.
خلال الفعَّاليَّات العديدة التي شاركتُ فيها بصفة محكِّم، قابلتُ الكثيرَ من الرياديِّين الشباب الذين كانت لديهم أفكار تبدو جذَّابة لهم، لكنَّها في الحقيقة لا تعني أيَّ شيء للعمل التجاريّ، فكنت أنصحهم بالقول: ‘‘إنَّ تفكيركم بهذا الشكل لن يؤدِّي إلى خلق فرص تجاريَّة لجني المال. وعليكم الشروع بابتكار فكرة غيرها’’. ومع ذلك نجد أنَّ كثيرًا منهم ليست لديه سوى فكرةٍ غير ناضجة أو منتج غير جاهز، وبطاقة عمل شخصيَّة (Business card). لذا أحثُّ أمثالَ هؤلاء بقوَّةٍ على التفكير في كيفيَّة بَيع منتجهم والجهات المستهدفة قبل الذهاب إلى تطوير الفكرة. فمنذ فترةٍ وجيزة، أبلغني أحد الأشخاص بأنَّ لديه فكرةَ تأسيسِ موقع على الإنترنت في مجال التوظيف الإلكترونيّ (Social recruitment). غير أنَّ كلَّ ما كان لديه هو وسم تجاريّ (Brand) وصفحة واحدة على الإنترنت لا تفي بأيِّ غرض، وأقلُّ من 100 مستخدم للمَوقع، يقتصرون على أصدقائه فقط. وسألني إنْ كان عليه أن يطلبَ تمويلًا لإنشاء هذا المشروع، فسألته مستغربًا: ‘‘أيَّ تمويل تقصد؟ وماذا ستَبيعُ بالمناسبة؟’’ وأفهمته بأنَّه لم يكن هناك مصدرٌ واضحٌ للدَّخل ولا دليلٌ على وجود طلبٍ في السوق على هذا المنتج. ولم يكن هناك تصميمٌ مكتملٌ للمنتج ولا خُطَّة عمل؛ حيث إنَّه كان في بداية عمليَّة إعداده، فضلًا عن عدم وضوح رؤيته بشأن ما يريدُ أن يحقِّقه. وقد نصحتُه بالتفكير في الطريقة التي سيجعل بها عملَه التجاريَّ مقبولًا ورائجًا في الأسواق، وكيفيَّة تحويله إلى دخلٍ قبل أن يبتكر النموذجَ التالي.
النصائح ذات الصلة: 14، 19، 22، 31
نصيحة 3
في الشراكة، توازنُ القوىيكون مفتاح الاستمراريَّة
يشبه شريكُ العمل شريكَ الحياة. بحيث يجب أن يكون التعامل بثقة متبادلة في السرَّاء والضرَّاء مع التنويه أنَّ شركاءَ الأعمال الأقوياء لا يهتمُّون بالشراكة معك إلَّا لجني المال والأرباح. إنْ لم يكن أولئك الأشخاص مُنصفين؛ وإنْ لم تكن حريصًا، فالأرجح أنَّهم سيتغدَّون بك قبل أن تفكِّر في العشاء بهم. إنَّ وجود شريكٍ قويٍّ معك سيَفتحُ لك الأبوابَ بالتأكيد، وسيجلبُ الأعمال ويساهم في وقوف المشروع الناشئ على قدميه، لكنَّ كلَّ ذلك الدعم والمساعدة القويَّة لا تأتي دون ثمن.
كما أوضحتُ في النصائح ذات الصلة، من المهم جدًّا أن تفحَصَ خلفيَّة شركائك فحصًا صحيحًا قبل أن تقرِّر مشاركتهم؛ فلدى بعض رجال الأعمال سمعةٌ جيِّدة، بينما ليس لبعضهم الآخر سوى المشكلات والمتاعب. وإذا ما اقترنَتْ قوَّةُ شريكٍ محتمل بمبادىء أخلاقيَّة مهزوزة وضيعة، فإنَّ ذلك قد يكون مدمِّرًا لرياديٍّ شابّ. وليس من الضروريِّ أن تكونَ القوَّة ماليَّة فحسب، لكنَّها قد تتمثَّل أيضًا في السيطرة على أسرار العمل التجاريّ. وينبغي أن تتوازنَ هذه القوَّة مع قوَّة رأس المال؛ فتَوازُنُ القوى في الشراكة هو المفتاحُ للأعمال التجاريَّة المستدامة.
إذا كنت قد قرأتَ عن تأسيس موقع فيسبوك في كتاب ‘‘أصحاب المليارات بالصدفة’’[3] (The Accidental Billionaires)، أو شاهدت فيلم ‘‘الشبكة الاجتماعيَّة’’ (The Social Network) فإنَّك ستستوعب رسالتي في هذا الجزء. إنَّ الصدعَ الذي حدثَ بين مؤسِّسَي فيسبوك هو مثالٌ عظيمٌ على شراكةِ أعمال انهارت. (نحن لا نعلمُ يقينًا ما إذا كانَتِ الأحداث المبيَّنة في الكتاب صحيحة تمامًا أم لا، لكنْ لنفترض وبغرض الاستفادة من هذا المثال أنَّها صحيحة). عندما تنازلَ إدواردو ساڤيري (Eduardo Saveri) عن حقوقه ووضعَ ثقتَه في شريكه زوكربيرغ، ارتكَبَ الخطأ الكلاسيكيَّ الفادحَ لرجل أعمالٍ فشلَ في حماية نفسه من مكائد شريكٍ قويّ (أو في هذه الحالة شريك نما وصارَ قويًّا). لم يكن زوكربيرغ يملكُ المال لكنَّه كان مسيطرًا على أسرار العمل التجاريِّ الذي كان في الواقع في مراحله الأولى؛ لأنَّه كان يسيطرُ على شركة فيسبوك بوصفه المبرمجَ الوحيد، وكان من السهل عليه أن يتخلَّصَ من أوَّل شريكٍ مستثمر فرديّ (شريك مؤسِّس) عندما حصل على التمويل من مصدرٍ آخر، وهنا تضاءلَتْ قيمةُ المستثمر الفرديِّ عندما حصلَ زوكربيرغ على أموالٍ أكثر، في حين أنَّ مبلغ التمويل الذي قدَّمه ساڤيري كان مهمًّا لفترةٍ قصيرةٍ فقط في حياة المشروع، وصار دوره هامشيًّا عندما نما العمل التجاريّ، ممَّا جعلَ الشراكة بينهما غير متوازنة. ولو كان لدى ساڤيري مالًا ومواردَ كافيةً ليختارَ بديلًا آخر عن شريكه زوكربيرغ، لربَّما انتهَتْ قصَّةُ فيسبوك بطريقةٍ مختلفة.
النصائح ذات الصلة: 8، 23
نصيحة 4
صحيح أنَّ غيتس وجوبز لم يُكملا دراستهماالجامعيَّة، لكنَّ هذا لا يعني أنَّ ترْكَ الجامعةسيجعل منك رياديًّا ناجحًا
أنت تحتاج اليوم إلى المعرفة في ضَوء تطوُّر أنظمة الحاسوب وتعقيدها وتنوُّعها؛ حيث تتقدَّم تكنولوجيا الحاسوب بسرعةٍ عظيمة، ولن تتمكَّن من مجاراة هذه التطوُّرات إلَّا بأساسٍ تعليميٍّ جيِّد. قد تتمكَّن من اليوم الحصول على المال الكثير على المدى القصير من خلال برمجة تطبيقك الخاصّ، لكنَّك تحتاج إلى التزوُّد بمزيد من العلوم الأكثر تقدُّمًا لخلق الفرص القادرة على الاستمرار على المدى الطويل في ظلِّ المنافسة والتغيُّر السريع في هذا العالم.
يبدو أنَّ الكثيرَ من المقالات الملهمة اليوم تركِّز على المستوى التعليميِّ لأعظم الرياديِّين في زماننا، مثل بِل غيتس وستيڤ جوبز ومارك زوكربيرغ. وفي الواقع، هناك كثيرٌ من الرياديِّين الناجحين تركوا الجامعةَ في مرحلةٍ ما ليصيروا أشخاصًا بارزين، لدرجةٍ توحي للقارئ أنَّ ترْكَ الدراسة يكادُ يكون السمةَ الأساسيَّة لأيِّ رياديٍّ ناجح. ولعلَّ تجرِبتي الشخصيَّة تعزِّز هذا المفهوم، حيث تُظهر سيرتي الذاتيَّة أنِّي تركتُ برنامجَ الدكتوراه في جامعة كولورادو لأُديرَ مشروعي الناشئ الثاني. غير أنَّ هذا المفهوم لا يمكن أن يعمَّم لأنَّه غير سليم، وقد يقود إلى الفشل الذريع ولا يؤخذ به كأحد عوامل النجاح، لأنَّ ظروفًا معيَّنةً لعبت دورًا أساسيًّا في حياة بعض الرياديِّين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهو ما لا يُتاح لدى عموم الرياديِّين، ولا نرغب في بعث رسالةٍ خاطئة عن هذا المفهوم الخطأ. عندما بدأ غيتس وجوبز وديل (Dell)وآخرون، كانت تكنولوجيا المعلومات جديدةً لعامَّة الناس، ولا تزال في عمليَّة التحوُّل من أعمالٍ حصريَّة لقطاع الأعمال (B2B)[4]، إلى تكنولوجيا استهلاكيَّة للجميع (B2C)[5]، وفتحَ هذا الأمرُ البابَ أمام الرِّيادة. استخدَمَ جوبز مزيجًا من عبقريَّته الخاصَّة ومعرفة ووزنياك (Wozniack) بالحاسوب ليبتكرَ أوَّل حاسوب أپل شخصيّ. حتَّى مع ذكائه الخارق، كان يحتاجُ إلى علم ووزنياك بهندسة الحاسوب لكي ينجح. وهكذا فعل بِل غيتس وزوكربيرغ اللذان تعلَّما برمجةَ الحاسوب في الجامعة قبل تركها لإنشاء شركاتهما. ومن هنا ننصح قبل أن تتركَ دراستك تأكَّد من أنَّ لديك ما يلزمُ لتَحقيق النجاح- أو على الأقلِّ احرِصْ أن تكونَ لديك معرفة كافية تمكِّنك من الحصول على وظيفةٍ لائقةٍ إنْ لم تنجَح.
بصفتي رئيسًا لِلَجنة التَّقييم لشبكة سرب (SIRB) للمستثمرين الأفراد، كنتُ أُقيِّم مشروعًا ناشئًا في وقتٍ سابقٍ من عام 2013م يتعلَّق بتطوير تطبيق للهواتف النقَّالة. وكان عليَّ أن أحدِّدَ ما إذا كان مؤهَّلًا للعرض أمام مجموعة المستثمرين الأفراد، الذين هم أعضاء الشبكة، ومثَّل المشروعَ الناشئ رياديٌّ بدأ عرضَه بالإعلان أنَّ جميعَ أفراد الفريق المؤسِّس هم من الذين تركوا الدراسة الجامعيَّة قبل إنهائها مثل ما فعل بِل غيتس وزوكربيرغ! كان يمكن أن تكونَ هذه المعلومة ممتازةً ومقبولةً لو أنَّ الشركةَ حقَّقت بالفعل الشُّهرة والثروة، أو في حالِ لاقى الفريقُ نجاحًا سابقًا من أيِّ نَوع، لكنْ في تلك الحالة كان ذلك الإعلان مؤشِّرًا سلبيًّا أدَّى إلى تَقويضِ مصداقيَّة الفريق بالإضافة إلى كون هذه المعلومة عاملًا غير مساعد في تعزيز المشروع. وقد ظهرت أيضًا عوامل أخرى كنقصٍ في العملاء، وغياب نموذج الأعمال السليم، وعدم وجود استراتيجيَّةٍ واضحة، وهو ما أفرز متاعب جمَّة ومشكلات على أصعدة مختلفة جعلت وضع فريق العمل أكثر سوءًا وهو الفريق المكوَّن من مجموعةٍ من ‘‘المنسَحِبين من الدراسة’’ كما لقَّبوا أنفسَهم. كان علينا أن نقرِّر السماح لهم بتقديم عرضهم أمام مجموعة ‘‘مستثمري سرب’’. وعندما سألتُ صاحبَ العرض عن سبب تقديمه نفسه وفريقه على هذا النحو أجاب: ‘‘أردتُ أن أُبيِّن التزامنا’’، حينها نصحتُه بأن يجدَ عبارةً أو شعارًا آخر. فلو أنَّهم كانوا مهندسين طموحين مع بعض الإنجازات السابقة، لكنَّا شعرنا بالثقة نوعًا ما بأنَّ الفريقَ سيكونُ قادرًا على حلِّ مشكلات الشركة، لذا كان القرار الطبيعيُّ والمعقول في هذه القضيَّة أنَّنا لم نوافقْ على طلبهم، وبذلك فقدوا فرصةَ الوُصول إلى هدفهم.
النصائح ذات الصلة: 67
نصيحة 5
إذا كنتَ تتوقَّعُ دخلًا شهريًّا ثابتًا، ولا تستطيعُ تحمُّل الضغوط، كما لا تحبُّ المخاطَرة، وليسَتْ لديك أموالٌ احتياطيَّة، ولا مرشد يرشدُك في مشروعك الناشئ-فلا تتركْ وظيفتَك لتدخلَ في مجال الأعمال التجاريَّة
كثيرٌ من الناس الذين يريدون الدخول في مجال الأعمال يركِّزون رؤيتهم على المنافع الملموسة كالحصولِ على المنصب الإداريِّ الأعلى في المنشأة، حيث ساعات عملٍ مرنة، كَونهم مديري أنفسهم، وجني الأرباح والفوائد التي لا تمنحُها أيَّة وظيفةٍ أُخرى.
ما يغيب عن أذهان مثل هؤلاء الناس هو أنَّ الشخصَ في المشروع الناشئ، يدفعُ عادةً من أمواله الخاصَّة لفترةٍ طويلةٍ قبل أن يحصِّل أيَّةَ عوائد، فكلُّ مشروعٍ ناشئٍ يتطلَّب في البداية بذل أكثر من عشر ساعات عمل يوميًّا، إضافة إلى أنَّ على المؤسِّس أن يعمل في عُطل نهاية الأسبوع ويسهر لياليَ دون نَومٍ حاملًا أوراقَ عمله وملفَّاته إلى البيت يوميًّا وفي العطلات الرسميَّة والموسميَّة- هذا إن استطاعَ أن يحصلَ على عطلة- حيث لا يكفي وقت الدوام في المكتب لإنجاز الأعمال في وقتها. إنَّ مستويات الإجهاد الناتج عن إدارة عملك التجاريِّ الخاصِّ هي أعلى من نظيراتها في أيَّة وظيفةٍ أُخرى.
يمكن القول إنَّ إطلاقَ مشروع ناشئ هو مثل الذَّهاب في رحلة مغامرات؛ فهي رحلة تتَّسم بالمخاطر غير المعلومة، لا سيَّما في ظلِّ عدم وجود مرشد، فأنتَ تحتاجُ إلى شخصٍ يوجِّهُك بينما تشقُّ طريقَك في عالم الأعمال تمامًا كمَن يسير في أدغال أفريقيا أو الأمازون. وإذا كنتَ موظَّفًا، تذكَّر أنَّ مؤسَّستكَ تحميك من التعرُّض لمخاطر العديد من جوانب العمل التجاريِّ والتي لن تتعاملَ معها إلَّا عندما تكون أنت مالك العمل، لذا فمن الصعب جدًّا أن تقومَ بهذا التحوُّل دون تَوجيه، والمثال التالي يوضح ذلك. في عام 1994م، شاهدتُ فِقرةً على محطَّة سي. أن. أن (CNN) عن ألعاب الڤيديو. وقد جرت الإشارة في الفِقرة إلى أنَّ عائداتِ ألعاب الڤيديو ستَتَجاوَزُ قريبًا عائداتِ الأفلام، وحينها خطرت في ذهني فكرة عمل تجاريٍّ مربح. فبدأت أبحث عن إمكانيَّة تمثيل شركات الألعاب في السعوديَّة. وقادَني بحثي إلى قرار أنِّي لن أستطيعَ أن أكونَ وكيلًا لأجهزةٍ مثل سوني (Sony) أو نينتندو (Nintendo) حيث كان لديهم وكلاء حصريُّون في السعوديَّة، لكنِّي كنتُ أستطيعُ أن أصير وكيلًا حصريًّا لشركات الألعاب نفسها (Video game labels) ولجميع الأجهزة. لذا عدتُ إلى الولايات المتَّحدة وبدأت أجمعُ امتيازاتِ بيع ألعاب الڤيديو من منتجيها، وحصلتُ على عشرة امتيازات. وكان من بين تلك الامتيازات أشهرُ منتجي الألعاب اليوم مثل إلكترونيكس آرتس (Electronic Arts) ويوبي سوفت (UbiSoft) كما أنِّي تعاقدت مع شركةٍ أخرى كنديَّةٍ لتَعريبِ إحدى ألعابهم، وبدأنا في طبع كتيِّباتِ الاستخدام (الكتالوجات) والملصَقات باللغة العربيَّة تمهيدًا لتوزيعها مع اللعبة في السوق المحلِّيَّة. غير أنَّ الشحنة الأولى من هذه الألعاب أُوقِفت في الجمارك ولم أستطع تخليصَها وتسلُّمَها؛ حيث لم تكن لديَّ المعرفة أو القدرة على متطلَّبات التخليص الجمركيّ، كما أنَّها أمورٌ لم تكُنْ لدى شريكي أيضًا. وكدنا أن نفقدَ كلَّ أموالنا في تلك الصفقة التجاريَّة التي أتلفَتْ بضاعتَها إدارةُ الجمارك، ولو لم تكن الإرادة والتحدِّي والعزيمة متاحةً لديَّ في تلك المرحلة، لكان ذلك إيذانًا بنهاية مهنتي الرياديَّة. في هذا الموقف، لن ألوم سوى نفسي؛ لأنِّي لم أستشر خبيرًا، ولم أسعَ إلى الحصول على توجيه خبيرٍ محترفٍ في أمور التخليص، كان في وُسعه تجنيبي الشعورَ بالأسف. إضافةً الى خسارة الكثير من المال.
النصائح ذات الصلة: 84