eKtab
EN ع
ع ر ب
Read free sample

ع ر ب

by منال حمدي

Page 1
هذه الرسالة
 
لست أدري، كيف عبرنا كل الأزمنة في زمن واحد، ولماذا تَفَتَّقَت عيوننا على كل الأمكنة في مكان واحد، وكيف اختصرنا كل هذه المسافات حتى نلتقي!
 
كل ما أدركه، أنها كانت رحلة طويلة شاقة، داهمني الوقت، ولم يتبق المزيد، فقررت أن أتحول إلى علقة، تتطفل على دماء (الحي الميت)·
 
فتسربت من خلال مسامات ما كتبت، داخل مجرى دم الرجل المطلق، وخرجت من أديم امرأته الولود، التي تحكمها عادات هشة، وتقاليد عمياء، حَجَبَت عنها مداد الرؤية، وسَلَبَت منها فكرها، وأسنَدَت إليها عكازاً دائماً، يرتكز عليه الرجل في حياته، فإن مات هذا الرجل، دفنوا معه عكازه، فلا حياة لها ولا بقاء !
 
وكثيرا ما ساهمت مثل هذه الرواسب العصبية، في تهيئة الفراغ المناسب، الذي يتحول فيه العقل، إلى عقل مُجَمَّد، تتناسب أجواؤه لغزو فكري غربي، مرن في أساليبه، وبرّاق في خدعه، مستخدمٍ نسيجاً محكماً، وإن كان من خيوط واهية !
 
فاستطاع أن يصهر الشباب العربي في مجتمعاته، مباغتاً اندهاشه به، ليعود هؤلاء العرب من معاهدهم، ومؤسساتهم، ومجتمعاتهم، مهجنين، يحملون الفكر الغربي، بكل صوره وأشكاله وأنماطه، فتسهل أمام الغرب الوسيلة، بعدما أصبح أبناء اللغة العربية، أداة مطواعة في أيديهم، ويسهل الإيقاع بهم، بعدما باتوا يحملون بنية ثقافية قاصرة، بل بنية ثقافية مُجَمَّدَة·
 
وما يزال الغرب يحدق في عقرب ساعته، ليبدأ العد التنازلي، الذي لن يبدأه، حتى آخر قطرة دم عربية، تتحول بفعل التجميد إلى تابع، يحاول اللحاق بهم دون الوصول، كأنه يلهث خلف سراب·
 
إنَّ الغرب لا يدرك أبداً، أنَّ في عقرب ساعته الصغير، حضارة عربية تأسست في عهد بابل، قُسِّم على أثرها النهار إلى إثنتي عشرة ساعة، والساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية، وأنَّ هذه الساعة لن تدق أجراسها، إلا بالتئام الفكر العربي الواحد، وهو يتحرر من تجمده إلى الأبد، عائداً إلى ثقافته الأصيلة، لاغياً كل الخرائط السياسية والجغرافية، التي صنعها الغرب، لتنسجم مع أطماعه·
Page 2
ومن هنا جاء عنوان الكتاب ( عَ رب )، متدفقا حضارة، تحيا من خلاله عقيدة الخصب عند العرب، التي ظهرت مع الثورة الزراعية، ما بين الألف الثاني عشر، والألف الثامن ق·م·، مقدسة مجموعة من الأسماء، التي كانت تطلق على كبار القوم، أبرزها ( سر، مر، رب ) وكل منها يحمل معنى السيد·
 
وكل اسم من هذه الأسماء اشتق منه أسماء أخرى، تستخدم في حياتنا اليومية·
 
إنني أرفض أن يكون القص نسيجاً فنياً خلاباً، وحديقة غنَّاء، تحفل بألفاظ بديعة، وتشابيه منفردة، وأسلوباً مغايراً، إلا إنه بعيد كل البعد عن منهجية الفكر·
 
يجب أن يتحول القاص إلى مفكر أيضاً، يحمل همَّاً أخلاقياً، وفكرياً، واجتماعياً، ليشكل من خلال هذه الثلاثية، المدهشة الأبعاد، رسالة تحرر المجتمع من قصر النظر، وتصلب الأفكار، وتطرفها، وذلك لأهمية طرح الأفكار على شكل قصة، خروجاً عن قالبها المألوف، محاولة في تحرير الفكر من المباشرة الجامدة، التي قد يعاني منها القارئ، مع محاولة في إيجاد الحلول المقترحة·
 
أحداث يومية وسلوكيات لا تنتهي، نجدُنا أمامها نطرح كثيراً من الأسئلة، أسئلة لا نجد لها إجابة!
 
ولأننا لم نجد لها إجابات، وإن حاولنا، جَرحت قلوبنا وما زلنا نقاوم هذا الجرح·
 
فتشبعت بعض القصص بلون القلب، ولكي تمنحوني عذرا، فسأطرح عليكم بعض الأمثلة، عن تلك الهشاشة التي تسري في شراييننا، لتضخ الدم الميت في القلب باقتدار:
 
-لماذا نريد أن ننجب ذكوراً دون البنات؟
 
ولماذا تحزن الأم قبل الأب عندما تبشر بالأنثى؟
 
ولماذا يعتبر الأب نفسه عاقراً، إن أنجب إناثاً فقط، وكأنه لم ينجب، بل ويتزوج ثانية، وثالثة، ورابعة، وربما يُجري قرعة لطلاق إحداهن، ليتزوج الخامسة، أملاً في إيجاد الحل، على أن لا يبدأ الحل، من عنده مهما كانت الأسباب؟
 
ولماذا إن أرادوا أن يتبنوا طفلاً من أحد الملاجئ، كان ذكراً؟
 
لماذا يحكم على المرأة الزانية بالموت، دون التمحيص والبحث، أو حتى إخضاعها للقوانين الرادعة، وفي كثير من الأحيان، تعتبر المرأة زانية، إن هي أحبت، أو عبرت عن رأيها في موضوع ما، لماذا يجب أن ترضخ دائماً، لماذا عادت مؤوودة؟
 
أما الرجل، فله أن يتمرغ على أسرة الخطيئة دون كلل، وعلى زوجته التزام الصمت، الصمت المقهور، وهي تشم عطوراً أنثوية رخيصة، تلتصق بجسده، فلا قوانين تردعه، ولا حرمة يصونها، ولا حدّ يقام عليه!
 
- لماذا تُوجّه بطاقة الدعوة للمرأة مكتوباً عليها، حَرم السيد فلان، هل وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها اسم المرأة عيباً، وليسَ مهمشاً فقط، علماً بأنَّ زوجات الرسول [ عرفن بأسمائهنَّ وأنسابهنَّ، مثل: خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وصفية بنت حيي بن أخطب، زعيم يهود بني النظير؟
Page 3
لماذا تدمن المرأة على فكر زوجها ـ وليس كل النساء ـ فتكون السلطة التنفيذية في بيته، متحولة بذلك أغلب النساء إلى أشباه رجال، إلا أن هويتهم لا تمنحهم الاستناد على عكاز؟
 
ولا تسألني عزيزي القارئ لماذا لن تمنحهم هوية العكاز، الذي مُنح صانعه حق الامتياز، ليستعبد النساء من خلاله·
 
إنَّ المرأة تمتلك عقلاً ذكياً مبهراً، إلا أنه ليس عقلاً متمرداً بجانب ذكائه في كثير من الأحيان، مؤكدة بذلك إدمانها استعبَاده، وكيف تتحرر من استعباده، وهي ما تزال تجلس فوق ذاك العرش الأعرج، الذي أجلسها فوقه، وهو بمثابة وريد رئيسي، يسري بحيوية في شرايينها·
 
إنها تريد أن تمارس السلطة ذاتها التي يمارسها الرجل، ممثلة بذلك الوجه الآخر له، لا أن تتحرر منه!
 
وسيكون حزنها أشد، وهي تشعر بطاقات كامنة، تعيش داخلها، تنمو كغريزة، حتى درجة الانفجار، انفجار بلا دماء، وسيخرج من هذا الانفجار، ملايين الخلايا، التي تحمل الجينات الوراثية نفسها، لتصبح المرأة مجسماً مصنوعاً من قبل الرجل، وليست مخلوقاً متساوياً في الحقوق والواجبات، مكملة بهذا المشوار العقيم·
 
وعندما تدرك أنَّ كل محاولاتها كانت مجافية للواقع، ولم تخدمها كأنثى، ستتيقن من أنها مخلوق مستعبد، وستشعر بالاستسلام، وأي استسلام، استسلام قهري، لتعود إلى حيث أرادها الرجل، وهو يغط في استبداده الطويل، متكئاً عليها من جديد، فتبرز هذه المعادلة من بين أنقاض أحلامها وتخيلاتها، قائلة لنا بصراحة:
 
- إن اعتبرنا أنَّ الرجل بمثابة أربعة جدران للمنزل، فهي الباب الموصد، الذي لا ينفرج أبداً، وإن تهدمت الجدران الأربعة، لأنَّ المرأة ستكون تركته، ولكن بلا سلطة، بلا حق، بلا فكر أو وعي، وقد تكون بلا إنسانية، فالعكاز لا يسير إلا فوق طريق، له عينان معصوبتان !
 
ولهذا كله، فإنّ انغماسها في الظلمات، يعادل مواجهتها لأشعة الشمس المفاجئة، التي ستجبرها على أن تغمض عينيها طويلاً، مغرقة ذاتها في الظلمات مرة أخرى، فكلاهما تحجب العقل، إن لم تجد من يساعدها في الخروج اللبق، ولندرك بالتالي، أن تفاعلنا مع الآخرين، لا يعني أبداً أن نتنازل عن بصمتنا·
Page 4
إنهم يريدون بذلك مجتمعا ذكورياً فقط، ليدركوا بعد فوات الأوان، أنَّ العالم كله أنثى·
 
إنني لا أنحاز ضد الرجل، ولكنني حزينة لأجله، ماضية في تحريره، ممن يريدونه مفككاً من الداخل، ليخدم أهدافهم، حتى وهو يجلس بين زوجته وأولاده، أو مع أمه وأخواته، أو حتى مع نفسه، مقزماً بذلك من دوره، فلا الجدران تحميه إن سقط السقف فوق رؤوسهم، ولن يخرج سالما دونهم·
 
هذا الرجل الذي بنى الحضارات القديمة التراكمية، خلال عشرات الآلاف من السنين، وقد كانت فيه المرأة العربية جنباً إلى جنب معه، مستحقة بذلك تلك التماثيل، التي نحتت تخليداً لها، والتي ما تزال موجودة في المتاحف الغربية حتى الآن، شاهدة على الحقيقة·
 
لا يهم تأنيث أو تذكير العقول التي تكتب، المهم كيف نبرز هذه الرسالة، وكيف نوجهها، ولمن نكتبها، ليكون التقويم موضوعياً، صامداً أمام من يحاول تثبيطها، لمآرب ذاتية أو غير ذلك·
 
ولطالما سرّني ذاك الهمس الدافئ من بعضهم، وهو يحزم أمتعته للرَحيل معي، مكتشفا ًما بين السطور، بعدما تتلمذت في مدارسهم، لأنهم أصحاء النفس، متعافو العقول، يمتلكون الإرادة الكافية، لإزالة الستار المثخن بالحقائق المريرة·
 
الســادة القــراء:
 
إليكم ما كتبت، حضارة تحثُ أبناء رحمها العاقين على الرحمة، وتأمرهم بالطاعة والولاء·
 
وثقافة ترفض التجزؤ·
 
عقول غير مصابة بالتلوث، ذكورية وأنثوية، تسير لعبور الطريق، يداً بيد، غير آبهة بالأشواك، التي تنتظرها في نهايته·
 
ولن أنسى
 
الذي حمل على عاتقه برد أنياب النور، ليفترس الظلمة التي داهمتنا ردحاً من الزمن، والذي شاركني ولادة كل قصة كتبتها، لترتدي أجمل حللها قبل أن تخرج للنور، فكان الأب الروحي لكل ما كتبت·
 
وما تزال أكاليلُ الغار تَتَمَلمَلُ على جبينه، لا أدري من يتباهى بالآخر، وأيّهما ينحني للآخر إجلالاً وإكباراً، مُحَملةً إياه، مسؤولية هذه الرسالة، التي كلما اقتحمها موج متلاطم، أخرج من جوفها حقيقة، تَقُدُّ مضجعها المتجمد الشمس، مصمماً على إزالة الغشاوة عن عيون هؤلاء، الذين تحولوا إلى وسيط ناقل لحضارة الغرب المزعومة، وهم لا يدركون أن التاريخ سيحاسبهم، وأن التراث سيكون شاهداً عليهم·
Page 5
لقد كبرت كثيراً، عندما قررت أن تخلو مدرستك من مقاعد الدراسة، المتخذة صفة الديمومة، فلم نشعر ولو للحظة، أننا تلاميذ، فشاركناك الحديث، وخرجنا معك عن المألوف، لنتأمل تلك الجوانب، التي خفيت عنا طويلا،ً فكنت إماماً، نصلي خلفك في محراب الأصالة والتراث، تحفنا أنفاس الآباء والأجداد·
 
إنه من المؤمنين، الذين ألبسهم الصدق ثوبه، فدخلوا الكهوف ليعتكفوا داخلها، فخرجوا منها، يحملون المنحوتات العربية، وقد نفضوا عنها الغبار، وحكايا التاريخ العربي المنسية، التي واكبت رحلة الطوفان قبل الميلاد، ثم رحلة البناء والعمران، المدشنة بأسمائهم، والتي بقيت عالقة في أذهاننا، ثم رحلة الطيور، التي هجرت أعشاشها، تاركة فراخها البيَّاضة، تلتهمها الغرباء·
 
ربما دخلوا الكهوف بشعر أسود، وإن تحولت إلى اللون الأبيض، فلأنها منحتهم أعمارها الغائرة منذ آلاف السنين، متحولين بذلك إلى رسل مخضرمين، مستحقين بذلك الخلود·
 
إنهم فئة لا تموت، إنهم أبداً خالدون، وإن أرادوا يوماً أن يمنحوني الخلود، فهي لقصصي التي كتبتها، بماء القلب، وعَرق الحضارة، ونبض التاريخ·
 
هذا هو المعلم
 
الذي شكل اللبنات الأساسية لكل الشرفات المطلة على المحطات المختلفة، فكان حديثاً ليناً متمرداً، صلباً مطواعاً، حديثاً خرج من بين السطور، جاثماً فوق العادات والتقاليد، التي تداولتها أزمنة مختلفة متباينة، بغية في خدمة زمنها الحالي، فإذا هي ملتصقة برحم أمهاتنا، لتعبر كل الأزمنة، مع كل إنجاب، وقد تتخذ في كثير من الأحيان طابعاً دينياً بغير حق، تفرض علينا أن نعيش صراعاً إقطاعياً كهنوتياً، ليس له علاقة بالدين، يحاولون بشتى الطرق إلباسه معتقداتهم الخاصة ليخدمهم، كونه السلطة الروحية التي قد تُستثمر بنجاح في خدمة المصالح الشخصية، فأين تلك الآية التي تُحَمِّل المرأة الذنب في خروج آدم من الجنة كما يجزم الكثيرون·
 
ولكل من يفكر بهذه الطريقة، أوضح لهم منشأ هذا المعتقد، الـذي يعود إلى أصول توراتية يهودية، حمَّلت المرأة مسؤولية إخراج آدم من الجنـة راجع -سفر التكوين الفصل الأول من التوراة -، وقد قال الله تعالى في هذا الموضوع، مؤكداً معصية آدم وحواء ؟
 
سورة البقرة·
 
وقـــد قــال اللــه تعالــى أيضــاً مؤكــداً توحيــد المنشـــأ ؟
 
الآية (1) من سورة النساء·
 
وبالتالي، فالمرأة سواء مع الرجل، بالتكليف، والتكريم، والمكانة، وممارسة حقها في التعلم والتعليم، شاملة مختلف المجالات، وحقها في الدية، والشهادة، والميراث، فلا تعتبر موروثاً عند موت زوجها، مع المتاع الموروث، وبالتالي تساويها مع الرجل، بالثواب والعقاب·
 
وإزاء كل هذه المعطيات، أقول بلسان الحال:
 
-كم نحن بحاجة إلى ألف ألف منه، وهم موجودون، إنهم بيننا يتنفسون، وآخرون ينتظرون لحظة المخاض·