Page 1
أعواد ثقاب
قال الراوي، بعد أن ذكر الله وأثنى عليه:
وقعت الواقعة، ودارت فوق الرؤوس القارعة، ووجدوا أنفسهم في صحراء التيه، لكأنهم في أرض يباب يسيرون وراء أوهام كلّها سراب، كيف توالت حادثات الزمن عليهم، يوم أن عمّهم الهجيج؟ وكلّهم في شتات ما بَعْده شتات، ذهبت المروج والقرايا والمدن وقطعان الأبقار، ومَهْر المليحة بقرة، وانقطعت الجذور عن الفروع، التحق الرجال بجموع الإنقاذ وعزَّ السلاح والخبز، صار الفضاء أضيق من خرم الإبرة تباً لها·
وقال الراوي يا سادة يا كرام:
- إنّ قرط أم حمد المشنشل كان معلقاً بجانب مرآة ريش النعام في صدر الدار، وهي تتوسل زوجها··· فأسكتها بلكزة في خاصرتها صاكاً أسنانه صارخاً:
- الحلق ولا كرم الزيتون، ولا العيال؟
سكتت على مضض وتفقدت موسى عهد اللحم الأبدي في حزامها·
وينحدر الزوج باتجاه الكرم عاداً فشكاته القليلة، والأفق بحرٌ لجبٌ لا يتبدى عن شاطئ وعليه أن يبحث في جيوب كل الدنيا عمّا يبقي فيه فتيل الحياة منونساً·
أما ما كان من أمر الحاج عبدالله في ذلك الموكب من الهجيج، فقد كان مما تشيب له الولدان، ضاعت زوجته في الزحمة، فتوالت عليه المحنْ، وحلت في قلبه النوائب، كان يسير خطوات إلى الأمام ثم يعاود راجعاً رجوع القهقرى، سائلاً كلَّ هؤلاء الخلق عن رضا·
وقال الراوي: إنه قال قصيدة رثاء خرجت من أعماقه في ذلك الموقف العظيم فاكراً الجدة رضا الضائعة، وما قاله في هذه القصيدة قيل أنه ذكره في قصائد أخرى لما كان سجيناً في السويس، سجنه الانجليز بحسبة انه جندي عثماني وأنه فقد في تلك الحروب أحد عشر أخاً عداً ونقداً، من فلسطين إلى اليمن، إلى مصر، إلى الشام ولات حين مناص، كما أنه تعلم القراءة دون الكتابة في السجن بحصتَّّه من التتن العربي، يعطيها لمدخن نهم، اكتراه بها لتعليمه القراءة، وليقرض الشعر الشعبي من بعد راثياً داره قائلاً:
Page 2
ببكي على زهــــو اللـــيــالي وطيبــــها
وديارنــــا ووطـــــانا والمنــــــــــــازل
ياما سكـــناها على الجود والعــــــــطا
ياما طعمنا ضيفــــــنا وكـل زايـــــر
يــــامــــا دِلال الـــــــبن تــــندار بــيـــنا
على صينية ما شافها الراس مايل
أجيـــــــت انا للــــــدار تنــي أزورهــــا
لقيت حارسها على الــباب حـــاضر
بقـــــوله يــــا ســـــوّد اللّه وجــــهك
انا صاحب للبـــــيت وباني العـماير
قال لما سمعتنا الدار وفهــمت كلامنا
فرّت مذعــــــورة كما رَجُـل غــــافل
يا صاحبي من يوم غابت اقدامـــكـم
والعـــــــين تلفــــانه والقــــلب سـاهر
سايق عليك الله تظـــــــلك تزورنــــي
ولا تقــــــطع العــــادات ليوم حـاشر
Page 3
نذر علي يا دار لو عـــادوا أهـــلــك
لاذبــــح وليـــــــمة لوجه الله قـــادر
منها أحنيـــكي واحـــني اعتــــــابـك
يـــوم الضــــــــــحية يوم عيد المـناحر
توادعت انا والـــدار العـــين باكيـة
ودمــــوعنا تجري كــــما نهر سـايــل
بوصـّيـــك يا دار علي يسكـــــنوك
ولا تفرحـــــــــي بكل جبــــار كــافــــر
لا تفرحي بمن كثروا اللعب بينهـــم
ولا تفـــــرحي بطـــــبولهــــم والمـــزامر
يا مؤمنين الدهر كونوا عــــــلى صـــحى
هذا الدهر على الانســان مثل دولاب داير
ساعات تعدل بالفتى وقــــت عـــزه
وســـاعات ترجــــح برجال الهــمـــــايل
Page 4
سبـــــحان ربــــــي جــــــل جـــلالــــــــه
بعـــد كثــــــرتنـــا صـــــــــرنا قلايـــــل
يا رب صبـــــرني صــــــبر أيـــــــوب
وأيــــوب من قـــــبل نايل الفضــــايـل
يا رب صـــــــبرني صـــــــــبر يونــــس
ويونس في بطن الحوت والحـــوت داير
فلمّا فرغ الحاج عبدالله من بكائيته هاته، وفهم الناس فحوى كلامه، وعمق نظامه، بكوا هم الآخرون، هجموا على الحزن يفترعونه، ويكرعون ماءه، ويعبّون وقد أذهلهم الدهر مثل دولابٍ داير، وبكوا القتال والطراد، والتفاف الأجناد بالأجناد، وحنّوا حنين ناقة للقاء يتضارب فيه بالسيوف الحداد، والرماح المِداد حتى تنوش من الآعداء الجماجم والأكباد···· أنى لهم ذلك وهم يسجنون لحملهم سكيناً غير حادة، يقطعون بها أعشاب الله، قاتل الله المستعمرين، لمدية غير ماضية يأكل السجن من جنوبهم، ولفشكة فارغة، لا تساوي بشلك يُشنّع فيهم···
Page 5
ها هم اليوم وقد حلَّ بهم النكال وتضعضعت منهم الأحوال وابتلاهم الله بويل ودمار، كانوا وما زالوا وقود حروب طاحنةٍ لحمر ومردٍ، انجليز وتركمان، يدخلون البيوت من غير أبوابها تخاف النساء فيها من عيون برقاء ووجوه مُرْد، تأمرهنّ الجدات بأن يعمدن إلى طناجر النحاس مطبوخ فيها حلو المواسم، ليتسخمن من قيعان القدور، يشحبرن وجوهاً بيضاء منعنعة وصبا حشره الخوف والحزن من ضياع شرف لا يراق على جوانبه الدم، الجدات لا يخفن على أنفسهن من الجنود المرد الشُقر بألسنةٍ ملوية، عمّ يبحثون، ولِمَ يُخلط الرز بالعدس، بالسكر بالزيت بالحلو، ثم تسكب الخلطة على المصاطب وتعلو فيهم القهقهات· يا ربّ صبّرنا يا ربّ صبرنا، تدعو الجدة رضا ربها طالبة رضِاه، ويدعو الحاج عبدالله:
يا رب أهلكهم، يا ربّ شتت الاستعمار واجلعهم ونساءَهم غنيمة لنا·
يسكت الحاج عبدالله لهنيهة مستفسراً:
- أين نسوانهم؟؟ ويكمل:
- ملاعين الحرسي، شذاذ الآفاق··· الله يلعن أبو لحاهم
يسكت لهنيهه أخرى يستفسر من نفسه:
- أين لحاهم؟
قصيدة الحاج عبدالله شعار المرحلة، يرددها موكب الهجيج، ويعلو البكاء، ناس إلى الشمال، آخرون إلى الجنوب، هائمون، هائمون، الحاج عبدالله والحاج رشيد، الشايب عبدالدايم، يهذرون بليلة الدفاع الأخيرة عن القرية، بنادقهم المخرطشة في أيديهم، وهم على سناسل الكروم، يرفعون رؤوسهم قليلاً ويغبسون، الحاج رشيد يقترح على الجماعة أن يكون اطلاق النار متزامناً لتقليد صوت البرن، الشايب عبدالدايم يلفت نظر الجماعة·
Page 6
- يا جماعة الخير، البقر حرّم النظر إلى الغرب، لكأنه يعلم متأتى الموت،
الأطفال في الخروج على ظهور الدواب، موكب الهجيج يطوي مراحات أم الشقف طياً، يسير الركب وبين خطوة واخرى يدير كبار السنَّ رؤوسهم لمزيد من نظرات الوداع، وتبدو الدور ثم تختفي وراء أسراب الأشجار والحواكير، الحاج عبدالله ينطلق بمقطع قصيد·
عليوم لنو الوطن بنشال فوق الراس
تردد الوديان والجبال والمراعي والمقاثي الصوت خلفه، عليوم لنو الوطن بنشال فوق الرأس، عليوم لنو الوطن بنشال فوق الرأس، كيف ينشال فوق الرأس، في نكبات الزمان وطوارق الحدثان وهم يؤدبون بعقارب ما قبل التاريخ·
قال الراوي: قتلهم الحزن والغمَّ إلى أن جاءهم مندوب الوكالة طارشاً، قال الطارش·
- أيها الفقراء: يا مَنْ تقلب وجوهكم في البؤس، وأنتم في شقاء هل أدلكم على من يشتري همومكم؟·
قال الحاج رشيد: ألان لنا والله الفقر، وقربّ لنا كلَّ بعيد، ودقَ في قلوبنا بيارق الفرح، ومستهل أيام العيد، وبتنا نرجو أن يذهب الله عنّا حزننا وغمّنا، ويحللنا مقامة نرجو ألا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب، إلى أن يطقوا لنا على التنكة لنعود، وو···· طلع المخيم·
Page 7
قال الراوي:
- قال الطارش مندوب الوكالة:
- كونوا من الطائعين، واياكم أن تفرق بكم السبل، ولا تسرينَّ في ذات كبدكم ضغينة، ولا تصطرخوا فتدخلوا في اللجاج، فتبور همومكم ولا تشتريها الوكالة، ولا تجد من يشتريها بقدح من قطين وأكمل:
- انظروا لحاكم تريد أحناكاً تحملها، فلا تلجوا· فتذل أعناقكم إلى الأذقان·
تحسسوا ذقونهم فكانوا في تلك اللحظة والساعة مُرداً، يخبون باتجاه الواد القريب البعيد، عازمين، حازمين أمرهم على بيع همومهم للوكالة دفعة واحدة، وقد عمّهم الحبور، وهزجوا بالسرور، وبدأوا بجمع همومهم وهموم أطفالهم ونسائهم، واشترطت النساء أن يبعن همومهن أولاً فقد ضاقت صدورهنّ بها، قلن لهم أشياء تفضي إلى معاناتهنَّ المزدوجة، واضطهادهنَّ التاريخي، فسحب بعضهم الشباري، ولكن أعادوها خوفاً من سيلان الدم والاصطراخ، وعندها لا بد َّ من جاهات وعطاوي وقد تتدخل قوى الدرك مما سيعيق خببهم لبيع همومهم، فوافقوا على مضض اتقاء دخولهم في اللجاج .وقالوا لهنّ:
الله محيكّن، بعن قدامنا فلسنا من المتعجلين، وأنَّا لمن الصابرين·
وكانوا ركباً مخبين، قافلة فيها النساء والأطفال والدواب، والأمتعة وبعض الزاد، لم يعقهم في تلك الرحلة إلاّ تحنان الأمهات من الأتن، اللعنة ذلك أنَّ الكرَّ يستوقف الأتانة أمه لتعتني به لساعة أو يزيد، سمعت أحدهم يسرُّ لرفيقه قائلا:
- لم يذبحنا إلاّ تحناننا كتحنان الحُمر·
Page 8
عاد الراوي يقول:
في الواد القريب البعيد ضرب الربع لأنفسهم سوقاً، ثم اصطفوا بعد أن وضعوا متاعهم وبعض الزاد، وحفروا لجرار الماء في التراب كي يظل الماء بارداً، فلربما نشفت الأرياق وهم ما بين أخذ ورد وكانوا يستذكرون وصايا الطارش كي يحافظ عليها، وكان همّهم ألاّ يخلف أحدهم النية يوصي بعضهم بعضاً···
- اياكم وقلب النّية، كل شيء ولا قلب النيّة
إلا الشايب عبدالواحد الذي قطع متعة أن يكونوا على قلب رجل واحد قائلاً:
- إن اليوم الثلاثاء، وقد قالوا: يوم الثلاثاء لا تسيروا بنية إلاّ أربعاء ولا تكود خميس، صاحوا في وجهه مجتمعين:
- لماذا؟ اقنعنا بعدم المسير في يوم الثلاثاء؟·
ردّ واجماًَ·· وانتم قنّعوني بمبرر عدم قلب النية في يوم الثلاثاء؟
صاحوا في وجهه جميعاً قائلين، البيضة من الدجاجة ولا الدجاجة من البيضه يا عبدالواحد حتى أن الشايب عبدالدايم قام يعيره، وينّبش في جذوره ويقوم بحركات من يديه تنقص من قيمته، اسكتوا بعضهم بعضاً، وقالوا لبعضهم بعضاً·
- يا جماعة الخير استهدوا بالله العظيم، ولا تنقضوا غزلكم بعد قوة أنكاثاً·
عاودهم الصمت: وكان سأم الانتظار قد بدأ يلم بهم: أقترح أحدهم أن يغنوا أن يقصّدوا، أن يقولوا: هبت نسمة من الوادي، خطفت منديل الحلوة، ولم يلق الاقتراح ترحيباً، فقد كانت حلواتهم في هرج ومرج وهيصة تتعالى اصواتهنّ بلغط كثير وصرحن لهم بأن أم حمد الداية، قد أعدت ما يزيد عن الف همٍ ستبيعها دفعة واحدة، أم حمد الداية، هي أم حمد الذلاق، امرأة برزة كانت خاتنة نساء فيما مضى، يفزعون بما تقدم يداها الصغار، يفرون من أمامها خائفين، تخاف أن يكون ثمن بيع همومها بخساً، يسكتها الذلاق بلكزة في خاصرتها، تصرخ في سِحنته قائلة: إن قدرت سأبيعك أنت، أنت الهم الذي اسمه خميس·
قاربت الشمس عمودها في كبد السماء في ذلك السوق ضربوه طوعاً، اعتلت منصّتها ترسل أشعة ذهبية لاسعة أوقف عبدالواحد عصاه ليرى ظلها ويقدر الوقت قدر كل ذلك وقال:
- حان موعد الصلاه فحيَّ عليها·
أما النساء فقد لفهنَّ وعمهنَّ ضجيج استثنائي، وقد سرت فيهنَّ همهمات، وهنهنات، استفسر الرجال فقلن لهم أن الشابة محُيلة قد عمّها الطلق، وهي على وشك ولادة، ولا بدَّ أن تضرب لها خيمة تلد فيها في الحال، دبَّ فيهم حماس الحياة، وتناسوا الهموم التي سيبيعون بعض الوقت، رمى الرجال على النسوان عباءاتهم كردَّ فعل أول، وأسرعوا يضربون في العراء خيمة الموشكة التي بات صوت مخاضها، يشق الصفوف ويخترق الآذان، أم حمد الذلاق، وقد اسرعت تلج الخيمة توصي الجمع:
- إن جاء دوري عددوا همومي، واشرحوا حالي، وكثروا عيالي·
طمأنها بعضهم بأنَّ السوق قد يمتد ليوم وأكثر، وأنهم قد لا ينفقّون همومهم في يوم واحد وأنَّ الوكالة قد لا تشتريها بالجملة وانما بالتقسيط، وضربوا مثلاً بأن من يبيع بقرة في السوق، سوق الحلال، قد يبيت في الخان ليوم أو اثنين، مفطراً فلافل، متغدياً فلافل متعشياً كذلك·
الخيمة المضروبة صارت واقعاً معيشاً والمرأة الموشكة···· ويرهفون السمع وتغضنات وجوههم، تشاكل الحصى الممتد أمامهم بحراً من اللظى، هم يبتهلون قائلين:
يا مخلص الروح من الروح·
أم حمد الذلاق، صاحبة طريقة في توليد النساء، كانت في البلاد تنسف وجه الموشكة إلى صفِّ شوالات القمح أو العدس تخزن في البيوت، تأمرها بأن تعض بأسنانها الشوال، ثم تدق ركبتها في ظهرها، عتمة وتوجعات وابتهالات، ولما تدنو لحظة الولادة، ويخرج الطفل مالئاً صراخه القنطرة، تقطع الحبل السري بعد أن تقيسه بالشبر، ثم تربط طرفه الآخر بأصبع قدم الأم لتذهب بعيداً معتنية بالوليد، وعلى الأم أن تخوض رحلة خلاصها··
Page 9
اللحظات تمرَّ بطيئة ويجيء من الفزيع الشرقي مناد يقول: إنّ الشايب بدوي بدا كما لو أنه ينازع، تسارع الرجال تاركين النساء يتحلقن حول خيمة المرأة الموشكة، يهرولون صوب الشايب بدوي، من فورهم غطوه بعباءة، وقبّلوه أي جعلوا وجهه بمواجهة القبلة وتحلقوا حوله وقد جلس أكبرهم سناً أمام وجههه المتغضن وقد سُجّي جسده آمراً:
- حضروا اللثام
- ما الذي بيدهم إن يفعلوا الساعة واللحظة، ومحتضر بكل ألق احتضاره، يبدو كسراج على وشك أن ينطفئ، هم في العراء الذي جعلوه بضجيجهم وعجيجهم كسوق الحلال تناثرت دوابهم، واحاطت بهم، امرأة تحتضر لولادة، ورجل يحتضر لموت، ما الذي هم فيه الساعة؟ والصِغار الأكثر اقتراباً من جمع النساء اختاروا التقافز بين الخيمة والعراء، يتلقطون الاخبار وينقلونها ما بين الجمعين يقولون:
- إنّ الطلق تسارع مع المرأة في الخيمة فيردُّ جمع الرجال
- احتضار الرجل تسارع هو الآخر ونحن ننتظر شيئا ما·
لهفة أن يتخلص من الهموم والأسى وشتى الآحزان، تصادرها مواجهة الموت وجهاً لوجه بعضهم أشار بأن يسقى المحتضر ماء شيح، أو قيصوم، وأشار آخر بأن يوقدوا ناراً يأنسوها لعلّ به رعدة من برد، فتزايله اللحظة والساعة، وكانت البرية أشجاراً من حطب وشيح، ما عليهم إلا أن يشبّوا النيران، وقال أحدهم: بهمومنا تُمَّ بيعنا، بهمومنا طلقت أمنا·
يطول احتضار الرجل ويقلٌّ تسارع الطلق مع المرأة
ينتهر الكبار الصغار قائلين:
- احتضار المرء ليس فرجة وصندوق عجب·
معاناة بدوي، تقتلع منهم الدموع والتجلد والهنهنات، حين يأتي صوته ضعيفاً في صحوة قالوا إنها صحوة الموت مقصداً:
يا خال خلي الجوح والنوح والبكا
واعجل بقبري يا قوي العزايم
ويقول الراوي
كانوا كالعاري في مهب ريح، ولا ورق بخصفون منه على أنفسهم لمداراة العُري أمام الموت قال بعضهم، نحضر تسليم الروح لباريها، وانا لمن الطائعين
وفردوا أكفهم يستمطرون شآبيب رحمة، فأصرَّ كبار السنِّ على ابعادهم قائلين:
- قد يشهق الرجل، وقد يأتي بما يجب أن يظلَّ مستوراً، فابتعدوا وانتبذوا من الأمكنة أقصاها، ومثلما فعلوا فعلت النساء كبيرات السنِّ ذوات الشعيرات السوداءء الطويلة تنمو بأسفل الذقن، فلا يعدن يلاحقنها بالاقتلاع، تتطاول وتأخذ وجهتها باتجاه أسفل الحنك، وكانت النساء دائبات الدخول والخروج من خيمة الولادة فصرخت فيهن أم حمد قائلة:
- اخجلن هل الخيمة سوق حلال، الداخل داخل والخارج خارج، المرأة امسكت وشفعت·
Page 10
ابتعدت النسوان، وتركن محُيلة وهي المولودة في سنة محل وقحط، بين يدي أم حمد، تحتضن واسط الخيمة، وتشرأب بعينين تترقرق فيهما الدمعات إلى باب السماء، وكان في تلك اللحظة على مصراعيه، يتحلق الرجال حول بدوي بانتظار فِعل انتهاء وتتحلق النسوان حول خيمة مُحيَلة وفيها بانتظار فعل ابتداء، يستعيد الحاج رشيد مشهداً مرِّ به قبل الهجيج، يمعن في هذه اللحظة باستدعاء المشهد···· وقد انقطع حبل الرجاء، دخل على ابنته الثريا، فوجدها باكية نائحة، لم تنتظر الثريا تقدمه، بل وقفت تتقدم منه وهي تبكي، بادرها الحاج رشيد:
- اعلميني ما اصابك يها الثريا؟
أجابته الثريا:
- لقد رأيت حلماً في المنام اصبحت منه في الأوهام·
يجيبها والدها:
- لا تخافي يها الثريا من هذا المنام فهو اضغاث أحلام·
الثريا: حلمت أني شارب البحر كلّه واشرب واشرب وفي التالي ما اني رويان
الحاج رشيد: إنه الرحيل، إنّّه الهجيج حين لا يروي البحرُ من الظمأ·
ثم قام مردداً·
يقول أبو زيد الهلالي سلامة····· ونيران قلبي زايدات اللهايب
وعيني من كثر البكا قلْ شوفها···· جرى دمعي فوق خدي سكايب
ومن أجلنا ذا النجع باكي وناحب···
قال الراوي:
وجدوا أنفسهم في صحراء التيه، أحلهم شاري الهموم دار البوار، يصلون المحل ويصلاهم، وشبح الجوع يسارق أمنهم ينشدون:
نبكي على زهو الليالي وطيبها وديـــارنـا ووطـــــانا والمــــنازل
ياما سكناها على الجود والعطا ياما طعمنا ضيــــفنا وكــل زاير