eKtab
EN ع
أعوام ضائعة
Read free sample

أعوام ضائعة

by د. عيسى الناعوري

Page 1
أعوام ضائعة
 
يقول البعض: إنّ عهد الدراسة هو أجمل أيام العمر؛ فهو عهد اللهو والمرح وفراغ البال من هموم العيش؛ عليك أن تعيش مع كتبك ودفاترك، وعلى غيرك أنْ يتولوا أمر إطعامك وكسائك ورفاهيتك.
 
وأسمع كلامهم وأضحك في أعماقي ضحكة حزينة سوداء، ليس فيها شيء من معاني الموافقة على ما يقولون.
 
أترى كانت كذلك حقاً أيام دراستي، أو كانت كذلك عهود دراستهم هم؟
 
حين أستعيد في ذهني السنين المتعاقبة التي قضيتها على مقاعد الدراسة، أشعر بأنها لم تكن في الواقع سنيّ لهو ومرح وفراغ البال. لعله كان فيها شيء من فراغ البال من هموم العيش، ولكنها في الواقع لم تكن كذلك بمعنى فراغ البال بشكل عام: كانت على العكس من ذلك تماماً: فلم أكن أعرف فيها فراغ البال مطلقاً منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية الدنيا، بل كانت شواغل البال وشوارهه حينذاك أكثر بكثير مما يحمله طالب في عمر المراهقة أو قبلها. وكل ما يشده بالي وبال لداتي حينئذ الأساتذة أنفسهم قبل كل شيء.. وإذا كنت اليوم أستطيع أن أذكر القليلين منهم بخير، فإنّني لأشعر بالحسرة على تلك السنين الثمينة التي أضعتها في أيدي الكثيرين منهم.
 
ولست أريد أن أظلم أولئك المعلمين بإطلاق الكلام على عواهنه، فالمثل الذي طالما سمعته منذ طفولتي يقول: "من علّمني حرفاً صرت له عبداً" وهو مثل جميل نبيل، يعلّم معنى نبيلاً من معاني العبودية لذوي الفضل، ولكنه لا يعني مطلقاً العبودية الذليلة لمن يفسدون حتى على الطفل نعومة الحياة وراحة البال، ويدوسون بذلك رسالة التربية التي يفترض فيهم حملها.
 
إنّني أشعر برضى نفسي تام حين أجدني عبداً أميناً وخادماً لأولئك المعلمين القلائل الذين هذّبوني بضمير سليم، ولم يحاولوا أن يفسدوا ضميري بعقائدهم المتعددة الألوان، والتي ليس لها في مجموعها من قاسم مشترك غير تعليم الفوضى، والتمرد، والغوغائية، وهذه كلها تدمير لرسالة التربية، وإفساد لضمائر الأجيال الطرية البريئة.
 
منذ أنْ كنت في السنة الثالثة الابتدائية كان بعض المعلمين يدخلون قاعة الصف متعاقبين، حسب الحصص المقررة لهم، لا لكي يعلمونا الدروس المقررة، ولا لكي يغرسوا في نفوسنا الطرية حب الوطن، وحب الخير للمواطنين، ومبادئ التعاون مع الآخرين لأجل سعادتنا وسعادة بلدنا، بل ليملأوا نفوسنا ببذور التمرد والكراهية المطلقة للآخرين، وحب الفوضى المدمرة وليحرضونا على الإضرابات والمظاهرات وهتافات التعييش والتسقيط.
Page 2
وبدافع من طيش الطفولة وخبثها الذي لا يدرك معه الطالب منفعته، كنا نحوّل الدروس إلى أشياء أخرى بعيدة كل البعد عن روح المدرسة، لكي نفوز برضى أولئك الأساتذة: كنا ننافق لكل معلم، ونداعب في نفسه نوازع الشر والهروب من رسالة التربية لكي ننال العلامات الجيدة، وننجح في الامتحانات دون جهد حقيقي نبذله في الدرس والحفظ. وكنا نعرف لماذا ينال بعض رفاقنا علامات سيئة، ولماذا يرسبون على الرغم من اجتهادهم وانصرافهم التام إلى دروسهم، وتأدية واجباتهم كما يمليه عليهم الضمير السليم: لقد كانوا يرسبون لأنهم لا يشتركون في ما نفعله نحن الآخرون من دغدغة عقائد المعلمين الحزبيين والتحمس لها، ولو في الظاهر ودون أدنى إيمان، ولا يتقبلون منشوراتهم السرية، أو يشتركون في توزيعها على زملائهم، وفي حملها في جيوبهم إلى بيوتهم، ولا يخرجون في إضراب أو مظاهرة.
 
كنت أرى ذلك كله وأدركه جيداً، بل كنت أزداد له إدراكاً مع مرور السنين، فكنت أنافق لأجل ذلك لكل معلم، وأتلوّن مع كل عقيدة، وأخرج في كل مظاهرة، بل صرت مع الأيام أُحرّض مع المحرضين على الإضرابات المتلاحقة، لأن للإضرابات فوائد متعددة:
 
فنحن بها نهرب من الدروس، ثم حين نخرج من مدرستنا نمضي إلى مدرسة البنات القريبة ولا نغادرها حتى تخرج معنا البنات ويشتركن في إضرابنا ومظاهراتنا. ولعل هذه كانت غايتنا الأولى من الإضراب والمظاهرة: أنْ نختلط بالبنات ويختلطن بها ولو في عمل فوضوي تخريبي، ألا يتيح لنا هذا الاختلاط مغازلة من نشاء من الفتيات، باسم الوطنية طبعاً، دون أن نجد من يردعنا؟!
 
كان المحرضون من الأساتذة يعلّموننا أنّ هذه كلها أعمال وطنية ماهرة، وكنا نحن الصغار مرغمين على تصديق ذلك، بل لقد كان يطيب لنا أن ننغمس كل الانغماس في هذه "الأعمال الوطنية الباهرة"، ما دامت تحقق لنا ثلاثة أهداف غالية، هي:
 
الهرب من الدروس والنجاح في علامات الامتحانات دون درس أو عناء ثم مغازلة الفتيات والاحتكاك بهن بحجة الغيرة الوطنية، ما دام ليس لنا من سبيل إليهن غير سبيل المظاهرات..
 
واعتُقلتُ أكثر من مرة بسبب اشتراكي في المظاهرات والإضرابات وتوزيع المناشير السرية على الطلاب والطالبات، وإن لم تكن تلك المناشير كلها من لون واحد، بل كانت تدعو إلى عقائد لا يربط بينها غير التحريض الفوضوي، والدعوة إلى التخريب
Page 3
وضُربت أكثر من مرة ضرباً مبرحا، وسجنت مراراً متعددة، ثم كان يطلق سراحي في كل مرة وأعود إلى المدرسة لأعاود سيرتي من جديد مع كل معلم: فلقد أصبح المعلمون يعرفونني جيداً، وكل واحد منهم يحاول كسبي لدعوته، وكنت أعطيهم من قيادي ما يشاؤون رغم ما ينالني من تقريع أبوي وأقاربي ورغم ما يصيبني من الضرب والاعتقال والسجن، فالتقريع والضرب والاعتقال والسجن كلها أهون من الرسوب في المدرسة بسبب عداء بعض المعلمين المبشرين بدين الفوضى والتمرد والتخريب، وعرقلة الأمن وتدمير سلامة الوطن وأمنه.
 
ومضيت أرتقي من صف إلى صف، لا بفضل اجتهادي وذكائي وسمو أخلاقي، بل بفضل معرفتي كيف أرضي حزبيات بعض المعلمين، وأداري دعواتهم المتعددة الوجوه والألوان دون أن أؤمن قط بواحدة منها. حتى كان امتحان الدراسة الثانوية، وهناك كانت الصدمة التي فتحت عيوني على الحقيقة المرة الرهيبة.
 
إنَّ الامتحانات هذه المرة لا يمكن فيها مداراة معلم، ولا مسايرة عقيدة، فما يمكن أنْ ينجح فيها غير الطالب الجاد المجتهد، وأنا قد بلغت هذه المرحلة ولم أكن قط جاداً ولا مجتهداً. وكان طبيعياً جداً أنْ تظهر الصحف وليس فيها اسمي بين أسماء الناجحين.
 
الأساتذة الذين ضلّلوني ودمّروني لم يعد في وسع أحدهم أنْ يساعدني على النجاح كما كانوا يفعلون من قبل؛ ولهذا سقطت في الامتحانات العامة، واسمي في أضابير الأمن غير نظيف، لكي يساعدني على وجود وظيفة أعيش منها بشرف وكرامة رغم سقوطي في الامتحان، والأحزاب السرية التي خدمتها طوال مرحلة الدراسة-مداراة ولا اقتناعاً – ليس في وسعها أنْ تفعل لي شيئاً غير الاستمرار في إغوائي لأجل القضاء على مستقبلي كله.
 
وهكذا خرجت من المدرسة: لا نجاح في امتحان، ولا أمل في عمل شريف يمكنني به أن أسترد حريتي وكرامتي. ولم أجد من أبويّ غير التقريع المتواصل والاحتقار.
 
اثنا عشر عاماً قضيتها في المدرسة التي يقولون أنَّ عهدها هو أجمل أيّام العمر، فلم تكن كذلك بالنسبة إليّ في حينها، ولم أستفد بعد خروجي منها غير الاحتقار من الأهل والجيران، وغير كلمة (ساقط) تطرق مسمعي همساً وعلانية في كل مكان.
 
أصبحت أنا المجرم وحدي، ولم أجد من يعزيني بعبارة واحدة تنسب الجريمة إلى الذين عُهد إليهم بأمري منذ طراوة عمري، فضلّلوني وعلّموني أنْ أكون فوضوياً، وأنْ أدمر نفسي أولاً وقبل كل شيء.
Page 4
لقد صحوت على الحقيقة المرة، ولكن بعد فوات الأوان، فكان عليّ أن أبدأ من جديد وأنْ أبدأ بجد واجتهاد حقيقيين.
 
وبدأت فعلاً بالدراسة الجادة.
 
وفي العام التالي، تقدمت لتأدية امتحان الدراسة الثانوية الذي رسبت فيه أول مرة. ومرة أخرى لم يظهر اسمي في الصحف بين أسماء الناجحين، ولكنني كنت أتوقع هذه النتيجة فعلاً، ولهذا لم أغضب ولم أقنط هذه المرة، فقد كنت أعرف أنَّ السنة الواحدة التي قضيتها في الدراسة وحدي، لم تكن كافية لتعيد إلى رأسي ما أضاعه عليّ بعض المعلمين في مدى اثني عشر عاماً.
 
وعدت أدرس من جديد وبكل اجتهاد وجدّ وتصميم، لقد تخلصت من توزيع المناشير السرية، والاشتراك في المظاهرات والإضرابات، ولم يعد يهمني أنْ أمضي إلى مدرسة البنات ليخرجن معي ومع رفاقي في المظاهرات باسم الوطنية، لقد كفرت بهذا النوع من الوطنية كفراناً مطلقاً، وصمدت بصبر تام أمام كل عبارات السخرية والازدراء من الجيران والأقارب، فقد كنت مصمماً على أنْ أنجح هذه المرة.
 
وتقدمت للامتحان مرة أخرى، وفي هذه المرة فاضت عيناي بالدموع وأنا أقرأ اسمي في الصحف بين أسماء الناجحين الأوائل.
 
ولا أطيل الكلام، فقد دخلت الجامعة مصمما كل التصميم على أنْ أكون إنساناً جديداً نافعاً، دخلتها إنساناً جديداً فعلاً، حريصاً على أنْ لا يضيع لحظة من وقته في شيء خارج عن روح الجامعة، وعن التهيؤ الواعي الحكيم للمستقبل.
 
في المدرسة الابتدائية والثانوية كنت أتعلم على الحزبيين من أساتذتي كيف أكره المواطنين باسم الوطنية؛ وأنا الآن أروض نفسي على حب جميع المواطنين باسم الوطنية أيضاً – وشتّان بين الوطنية المفرّقة، والوطنية المجمّعة – وآخذ نفسي بالتعاون مع كل إنسان في ما يساعد على بناء وطني وخير أمّتي، وعلى الاستقرار والسلام والرخاء في بلدي.
 
ورأيت زملائي في الجامعة ينخرطون في روابط واتحادات وحزبيات هي، في يقيني، استمرار للمدرسة من قبل، ولكنني لم أفعل مثلهم رغم كل المحاولات، ولم أخرج مع أيّة جماعة منهم في مظاهرة، ولا اشتركت في إضراب، لقد علّمتني دروس الماضي أنَّ هذا كله هدر للجهد النافع وللطاقات الشابة، وتفتيت للوحدة الوطنية التي نريد بناءها للخير، ولم أعد أبالي برأي أحد فيّ.
 
لقد كان الدرس الذي تعلمته أنَّ الوطنية الصامتة هي التي تبني الوطن، وتساعد على تقدمه وازدهاره ورخائه، وأنَّ تمزيق الوحدة الوطنية بالحزبيات والعقائد والمظاهرات أبعد ما يكون عن معاني الوطنية.
 
وحين أعود الآن إلى الماضي، وأستعرض في ذهني المعلمين الذين كانوا من أهم عوامل فشلي وتأخري، أجدهم جميعاً من المعلمين الفاشلين الذين لم يكن التعليم رسالتهم في الحياة، فكانوا يسترون عجزهم وفراغ رؤوسهم بالسياسة وادعاء الوطنية، وبالتحريض على التظاهر والإضراب. أما المعلمون الناجحون، المتمكنون من مواضيعهم، والواثقون من مقدرتهم العلمية والتربوية، فهم وحدهم الذين لم يلجأوا إلى السياسة ليبعدوا الطلاب عن الدرس والجد، وهؤلاء وحدهم هم الذين أذكرهم الآن بالخير، وسأظل أذكرهم بالخير مدى الحياة.
Page 5
دماء في العام الجديد
 
كانت الليلة عابسة ظلما، والبروق تمزق آفاق السماء بصعقاتها المتعاقبة، مصحوبة برعود تقصف بين الحين والحين كأصوات مئات المدافع الثقيلة، والمطر ينهمر غزيراً، متدفقاً، كأنما شاءت السماء أنْ تصب على الأرض كل مياه البحار المتجمعة في غيومها السوداء الكثيفة، أو تلقي على دنيا البشر كل غضب الجحيم وشياطينها الساخطة. وكان النزلاء في فندق سميراميس، في أعلى حي القطمون في القدس، يحيون ليلة رأس السنة بالشراب، ولعب الورق، والغناء والرقص، غير عابئين بما في خارج الفندق من عناصر الشر الهائجة في السماء وعلى أديم الأرض.
 
كان في الفندق إلى جانب الرجال والنساء الساهرين، أطفال مع ذويهم يرقدون ناعمين كالملائكة، ولا يحسون بغضب السماء ولا بما يبيته غدر الأرض في تلك الليلة العبوس، الأحلام الجميلة تداعب أخيلتهم البريئة.
 
وكنت في الفندق مع زوجتي وطفلي الذي لا يزيد عمره على سبعة أيّام: طفلنا البكر، الثمرة الأولى لحبنا، الذي انتظرناه بشوق ولهفة، وانتظرته معنا أمي وجدتي، ليكون الفاتحة التي نرجوها لتجديد أسرتنا التي لم يعد فيها رجل سواي، كنت أنا الذكر الوحيد الباقي من الأسرة، وكانت الأسرة ستنقرض بعدي لولا أنَّ ولادة طفلي ذلك قد فتحت أمامنا باب الأمل في أن تستمر الأسرة، وتنمو وتزدهر مع الأيّام.
 
كنت في ذلك اليوم قد أخرجت زوجتي وطفلي من المستشفى، ولم أشأ أن أعود بهما رأساً إلى قريتنا (الطيبة)، القريبة من رام الله، بل أردت أن أريحها يومين آخرين في القدس ثم أعود بها وبالطفل إلى القرية.
 
وفي هذه الليلة لم أشأ أنْ أتعب زوجتي بالسهر ومشاركة المحتفلين بليلة رأس السنة، بل تركتها تأوي إلى الفراش قبل الساعة التاسعة مساء، وعدت أنا أسهر مع الساهرين، وبين الفينة والفينة أعود إلى الغرفة لأطمئن عليها وعلى الطفل، ثم أرجع إلى مكاني في السهرة.
 
كان العام يلفظ أنفاسه شيئاً فشيئاً، ويكاد يقترب من نهايتها، والليل الأسود ذو الأسرار العجيبة يتفرج شامتاً على أنفاسه المتسارعة نحو النهاية، وهو في الوقت نفسه يعلن المخاض الجديد بالعام للطفل الذي يتململ ململاته الأخيرة في رحمه، ليطل على الكون في غفلة الأعين التي أثقلها الكرى، وسكرة الرؤوس التي أثملها الشراب، وفي ثورة الرياح الهائجة، والبروق والرعود المتلاحقة، والمطر المنصب على الكون في جنون.
Page 6
ودقت الساعة على الجدار تعلن الثانية عشرة، وارتفعت الكؤوس في أيدي الساهرين، وانطلقت تهاني العام الجديد من الأفواه: عام سعيد.. عام سعيد .. وتركت الشرب، وأخذوا يتبادلون أنخاب العام الجديد.. "عام سعيد".. وذهبت لأطبع قبلة العام الجديد على خد طفلي، ولأهنئ زوجتي بالعام الذي ولد في تلك اللحظة.
 
طفلي.. والعام الجديد.. والأمل الجديد، والأمل الجديد.. رياح هوج تصفر في الخارج، ومطر أهوج مجنون يصفع زجاج النوافذ كالسياط المجدولة الجبارة، وأصوات رصاص تلعلع من بعيد في أحياء المدينة، لا تحس بأن عاماً قد مات، وعاماً آخر قد وُلد..
 
لماذا الرصاص والدماء؟
 
لقد كنت كل عمري أكره القتل، وأهرب من منظر الدم.. كنت أكره أنْ أذبح دجاجة، أو زغلول حمام، أو أرنباً، فكنت أدع أمي تقوم بذلك عني، أو يقوم به واحد من الجيران، أما أنا فما كنت أطيق أنْ تتلوث يدي بدم كائن حي.. ولكن دماء البشر أصبحت رخيصة في بلدي: أرخص من دماء الدجاج والزغاليل، والأرانب، كذلك شاءت الإرادة الغريبة التي فرضت حكمها علينا، وزرعت أرض بلدي بالغرباء لكي يقتلوا أهل بلدي، أو يشردوهم، ويقيموا هم مكانهم، وما أكثر ما سفكت تلك الإرادة المجردة من الضمير من دم في مختلف أنحاء بلدي: من دماء أبناء بلدي ومن دماء الغرباء الوافدين كالوباء الخبيث الرهيب!!
 
وحتى ذلك الحين لم أكن قد دخلت معركة، ولا طاوعتني نفسي على حمل السلاح، ولو لحماية نفسي في وسط المجزرة التي تمور في بلدي، والتي طالما تكررت مشاهدها فيه منذ الآن سبب جديد يزيدني ابتعاداً عن المعركة، وعن خوض المجزرة الدامية.. إنَّ لديّ طفلي الذي يجب أنْ يعيش ليجدد بناء أسرتنا، وليملأ حياتي بالأمل والسعادة ويملأ كذلك بالأمل والسعادة حياة أمي وجدتي.
Page 7
كل ذلك كان يدور في رأسي وأنا أغادر عتبة القاعة الصاخبة متوجهاً نحو غرفتي في الطابق الثاني من الفندق، وحانت مني التفاتة من فوق سلم الطابق الأوّل إلى مدخل الفندق، فرأيت ثلاثة شبان يتعاونون على حمل حقيبة ثقيلة، وعند أسفل السلم يضعها اثنان منهم في زاوية خلفية مظلمة، بينما يتحدث الثالث إلى بواب العمارة حديثاً سريعاً، ثم يخرجان معاً ليجيئا بحقيبة أخرى، كما فهمت من حديثهما ويتبعهما الشابان الآخران، ثم يغيب الجميع في ظلام الخارج، وانتظرت قليلاً عند رأس السلم أنظر إلى مكان الحقيبة التي غابت خلف أقدام السلم، وقد داخلتني الريبة في هؤلاء الزوار الليلييين المتأخرين.. ماذا جاء هؤلاء يفعلون والفندق غاص بالنزلاء، والليل مجنون الرياح والأمطار في الخارج؟
 
وشعرت بالخوف يستولي عليّ.. لا يمكن أنْ تكون الحقيبة الضخمة الثقيلة لمسافر انقطعت به السبل في مثل هذه الساعة المتأخرة من مثل هذه الليلة الرهيبة.. ثم .. ها هي السيارة تزمجر وتشخر في قلب العاصفة، ثم تنطلق بسرعة، والبواب لم يعد..
 
وراح عقلي يعمل بسرعة: يجب أنْ أسرع لأطمئن على طفلي وزوجتي، ولكني ركبتي تخاذلتا فهممت بجرهما نحو الغرفة، وفي تلك اللحظة دوّى انفجار رهيب، لم تستطع العاصفة الهائجة أن تمنع صوته من الوصول إلى سائر أطراف المدينة، وفي لحظة واحدة كان الفندق ركاماً فوق ركام.. إلا جوانب قليلة منه ظلت قائمة تتعالى منها أصوات فزع وذعر رهيبين، ورأيتني أمسك بالسلم الصاعد إلى الطابق الثاني، والركام ينهال حولي من كل جانب، وعقلي وقلبي عند زوجتي وطفلي اللذين لن أراهما بعد الآن وفي عيني رعب لا حد له، ولا وصف لهوله..
 
زوجتي .. وطفلي
 
وتنهار بعض درجات السلم التي تمسك بها يداي المتخاذلتان، فأسقط على الأرض فاقداً الوعي، لا أدري أسقطت تحت الردم كما سقط الآخرون، أم على أرض سليمة.
 
ثم وجدتني في اليوم التالي أصحو في المستشفى وأنا أصرخ مجنوناً (زوجتي.. طفلي.. أريد زوجتي .. أريد طفلي) ثم أعود إلى غيبوبة جديدة حين أعلم أنَّ زوجتي وطفلي ما يزالان تحت الأنقاض، مع عشرات آخرين من نزلاء الفندق، والأمطار الغزيرة تحول دون الإسراع في إنقاذهم، وإخراج الجثث من تحت الطوابق الأربعة التي أصبحت جبلاً من الردم..
 
وحين صحوت من جديد كانت صورة من اليأس والرعب، والألم تملأ كياني كله، وشعرت بالدموع تجف في عيني، وبتصميم رهيب يعتلج في أعماقي: "سأنتقم"..
 
وغادرت المستشفى بعد أيام قليلة لأحمل السلاح، وأشترك في قتل الأعداء.. منذ ذلك اليوم أصبحت أحب السلاح، وأحب القتل، وأحب رؤية الدم.. لقد صممت على الانتقام ولن أشبع منه.. لن أشبع منه حتى تطهر أرضي ممن قتلوا زوجتي وطفلي.. طفلي ذا السبعة أيام، الذي لم يخرج من تحت الأنقاض، لأن لحمه الطري انطحن تحتها، وتمزق لاصقاً بقطعة هنا وأخرى هناك.
Page 8
التمثال الذي لم يُقم
 
ما يزال ماثلاً أمام عينيّ، ذلك الموقف الذي كان قبل ستة عشر عاماً ونحن في الخندق معاً، وأمامنا أكياس الرمل، تطلُ من فجوة صغيرة في وسطها فوهة مدفعنا الرشاش من طراز (برن)، لكأنني أراه الآن: كلماته ترن في أذني مع لعلعة الرصاص المنهمر علينا من كل جهة في تلك اللحظة قبل ستة عشر عاماً: "يريدونها وطناً قومياً لهم؟ فلينتظروا إذن أن تكون مقبرتهم القومية، اليوم أو غداً، بإذن الله".
 
كنا آنذاك في خطوط النار الرهيبة عند محطة طول كرم، في اليوم الثالث عشر من أيار، والجيوش البريطانية تغادر البلاد تاركة أسلحتها وحصونها وقلاعها لليهود، ومخلفة في نفوسنا الحقد والنقمة عليها وعلى عهدها الأسود اللعين، ومع الحقد والنقمة الأمل الأشد مضاء من أسلحتها، والأمنع من قلاعها وحصونها، بوصول الجيوش العربية الجرارة الرهيبة التي ستقضي على العدو والذي زرعته بريطانيا على أرضنا. كان أملنا عظيماً جداً: يوم واحد وتدخل الجيوش العربية متدفقة من كل مكان، إنها تملك المدافع الجبلية، والطائرات والدبابات، في حين لا يملك العدو شيئاً من ذلك، ستدمره الطائرات العربية، وستسحقه الدبابات، وستجعل الجيوش الزاحفة كل أحلامه هباء منثوراً قبل أن يدور الأسبوع، ثم تنتهي آلامنا كلها، وتزول الغراس الشريرة القذرة التي قضت بريطانيا ثلاثين عاماً وهي تغرسها في أرضنا، وتتعهدها بالرعاية والسقي والحلم الطويل.
 
ويئز رشاشنا مزغرداً، ينقل الزغردات المتدفقة في صدرينا: رضوان وأنا، ونحن في الخندق من خلف متاريس الرمل نتلقى أزيز رصاص اليهود ونرد عليه فرحين بمعركة الكرامة التي نخوضها.
 
لقد تركنا مقاعدنا في مدرسة خضوري الزراعية ونحن في أواخر العام الأخير من دراستنا، وحملنا السلاح لأن الوطن كان أحوج إلينا في الخنادق مع الرشاش والبندقية منه إلينا مع الكتاب والقلم في المدرسة، وقد حالت الظروف النضالية الرهيبة دون استمرار الدراسة حتى نهاية العام. طلاب الصفوف الثلاثة كلهم الذين من أبناء المدينة حملوا السلاح ونزلوا إلى المعركة، لم يتخلف منهم غير أفراد قلائل ممن لا طاقة لهم على الصمود في قلب الخنادق وراء المتاريس، وقد توزعوا جميعهم بكل ما لديهم من سلاح على الخنادق، وخلف النوافذ والمتاريس يحمون أرضهم بالنار والحديد، وبقلوب أشدّ من النار والحديد، لا تعرف يوم الروع لينا ولا تراجعاً.
Page 9
وكنا رضوان وأنا، نتناوب العمل على الرشاش في قلب الخندق، ونتناوب كذلك التسلل بين الحين والحين لإحضار الذخيرة كلما قربت أن تنفد من عندنا، أو تحملها إلينا مع الزاد مديحة، خطيبة رضوان، والنساء الأخريات اللواتي يعملن خلف الخنادق وخطوط النار في البيوت القريبة لكي يزودن المناضلين بالزاد والماء والذخيرة، إنَّ النفوس لتهتاج حين تقع الواقعة، وينتفي كل معنى للخوف، فما يرى المرء بعينيه غير مناظر الدماء، ولا تشتاق نفسه إلى غير الخوض في دم الأعداء وسحق أشلائهم.
 
أيموت هو برصاص العدو؟ تلك أتفه التوافه في حسابه، إنَّ الموت حينئذ شهادة يترقبها المؤمن ويتمناها، ولا يبالي بها، لأن روحه تكون أهون عليه من رصاصة يطلقها أو يتلقاها، إنّه لا يدخل المعركة وهو موقن بأنه سيخرج منها حياً، وساعة الجد لا يحسب المرء فيها حساب الموت، فكيف به وهو يرى شرفه، وعرضه وبيته وأسرته وحقله كلها عرضة لأن تصبح غنيمة سهلة للعدو وهو لم يستمت في الدفاع عنها؟
 
"لعينيك يا مديحة".. هتف رضوان بهذه العبارة في نشوة غامرة، وأنا من خلفه أرى (البرن) يصرع ثلاثة من اليهود المهاجمين، ثم يتلوهم اثنان آخران وتنقلب سيارة الجيب التي تحملهم، وتندلع بها النار، فتنفجر الذخيرة التي في داخلها بعنف بفعل النار المندلعة.
 
ورأيتني دون وعي أهجم على رضوان وأعانقه وأنا أهتف: (تعيش يا رضوان.. تعيش) وأعود بسرعة فألتقط بندقيتي وأصوبها نحو جهة العدو، وأمضي أطلق النار من خلف أكياس الرمل، وصورة مديحة تضحك في خيالي مع لعلعة الرصاص واحتدام المعركة، وهي دون شك تضحك أكثر من ذلك في خيال رضوان الذي يفكر فيها وينتخي لها وهو يشد على زناد رشاشه، ويفكر في البراعم الغضة الستة عشر من عمرها التي تعطر خيال أعوامه الواحدة والعشرين بالأمل في اقتطافها بعد النصر، وكان من قبل يأمل أنْ يقتطفها بعد انتهاء الدراسة في خضوري.
 
حبّان يتنازعان قلبه وضميره الآن في الخندق وراء الرشاش، والمعركة محتدمة، والنار تنطلق من نافذة كل بيت، ومن خلف كل شجرة، ومن وراء كل متراس في المدينة نحو المستعمرات العدوة القريبة: حب مديحة، وحب فلسطين، وهو هنا وراء أكياس الرمل ويده على زناد الرشاش الملعلع لكي يفوز برضى الحبيبتين معاً: ينقذ إحداهما من اغتصاب الغزاة الطامعين، وينعم بلقاء الأخرى بعد ذلك في ظل الحرية والأمن والسلام
Page 10
ويزداد الرصاص أزيزاً من الجانب الآخر، وتندفع فجأة من بعيد سيارة مصفحة، وتروح وهي تتقدم تطلق النار من ثلاثة رشاشات في آن واحد إلى كل جهة أمامها، وأنتزع من حزامي قنبلة يدوية، وأهمّ بأن أقفز من الخندق وأزحف نحو السيارة المصفحة لأقذفها بها بعد أن أصبحت قريبة، فتشدني يد قوية بساقي وتعيدني إلى الخندق، وصوت رضوان يقول صائحاً: (نزّل رأسك) وبينما أنا أنقلب من جديد في الخندق يثور الغبار والدخان على مقربة منا بفعل قذيفة مدوية، ومع الغبار والدخان تتطاير شظاياها في الفضاء بعد أن تحفر حفرة عميقة، وتقفز أكياس الرمل من أمامنا مبعثرة ممزقة هنا وهناك.
 
لقد أنقذني رضوان، إني مدين له بحياتي، فلولا أنّه شدني إلى قاع الخندق بقوته لحفرت القذيفة حفرتها في جسدي بدل الأرض، ولنثرت دماغي على كل شظية من شظاياها المتطايرة.
 
والتفت من قلب الخندق إلى رضوان لكي أشكره، فأرى يده ترقص على زناد الرشاش رقصاً عنيفاً، والرصاص ينطلق من فوهته متلاحقاً نحو السيارة المصفحة، ولكنني أرى دماً يسيل من جبينه غزيراً، وأرى قميصه الكاكي المفتوح الياقة ينزف الدم الغزير كذلك من أثر شظايا القنبلة، وهو لا يحس بهذا ولا بذاك، بل يمضي يقذف النار من رشاشه متلاحقة بقوة وحقد: إنه يقذف مع الرصاص كل ما في قلبه من حقد وانتقام، وأقذف أنا القنبلة التي كانت من قبل في يدي نحو السيارة المصفحة المتقدمة فوق الأرض المحروثة، وتنطلق قذائف أخرى عديدة، واحدة تلو الأخرى في وسط أزيز الرصاص المنهمر من كل مكان في المدينة، فتنفتح تحت إحدى العجلات حفرة عميقة لا تلبث السيارة أن تميل عندها، ثم تهوي ساقطة على جنبها وتندلع فيها النار، وتعلو من قلبها الأصوات متصايحة مذعورة، بينما تنصب نيراننا نحوها في جنون، لئلا ينجو أحد ممن في داخلها.
 
وأعود إلى رضوان فأسحب يديه عن مقبض الرشاش لأنجو به من الخندق لأجل إسعافه في البيوت القريبة ولكنه يدفع يدي ويصيح بي هائجاً: (دعني، دعني! لم يموتوا كلهم بعد – سأقضي عليهم أولاً).. وتزداد يداه ضغطاً على الزناد وفي عينيه لهيب محتدم، وفي وجهه تصميم رهيب، ويتابع كلامه: "يريدونها؟ يريدون أرضنا؟ فليأخذوا إذن، إنها ليست رخيصة كما يتوهمون، مع كل حبة تراب سيأخذون حفنة من دم سيظل يصيح في وجوههم إلى الأبد، إذا ظفروا بها، طالباً الثأر"!!.