Page 1
مقدمة
ربما يكون من الصعب وضع مقدمة وافية شافية لمثل هذا الكتاب الذي يجمع بين دفتيه سيرا مختصرة لعشرات من أبناء البشرية الذين أثروا الحياة الإنسانية وأفادوها على مر القرون بما مكنها من تحسين حياتها ويسر لها عمارة الأرض كهدف من أهداف وجودها عليها، وكواجب - قبل أن يكون حقا - من الواجبات التي فرضها الله سبحانه وتعالى على بني البشر حين شاءت إرادته أن يكون آدم وبنوه خلفاء في الأرض، مصداقا لقوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) الآية..
وتكمن الصعوبة في هذا المقام في أنه لا رابط بين الشخصيات سوى أنها اشتهرت بين الناس، سواء بسبب خدمتها للبشرية أو بسبب إلحاقها الأذى بها، وبالتالي فإن بعض الطالح له مكان في هذا الكتاب، على الرغم من أن الصالح أعم وأكثر بكثير.
وهناك صعوبة أخرى واجهتنا في تصنيف هؤلاء المشاهير أو العظماء، إذ أن منهم من انحصر إبداعه في زمن معين وتاريخ محدد بينما كان لآخرين امتداد في التأثير على مدى الأزمان ومر العصور، وليس أدل على ذلك من رسول الله محمد ﷺ الذي امتد تأثيره وما يزال على كل أبناء البشرية منذ بعثته ﷺ وإلى اليوم وسوف يستمر إلى يوم القيامة.
مسألة أخرى شغلتنا ونحن نجمع ونصنف معلومات هذا الكتاب ولا بد لنا أن نشير إليها في هذه المقدمة، تلك هي تصنيف المشاهير والمتميزين بين مسلمين وغير مسلمين، فالثابت الذي لا مراء فيه أن المشاهير والمتميزين و «العالقين في ذهن البشرية» من المسلمين لم يكن بينهم واحد ممن يمكن أن يقال إنه أضر بالبشرية أو ألحق بها الأذى، بل على العكس من ذلك، فإن المسلمين من المتميزين كانوا دائما السباقين إلى إثراء الحياة البشرية بكل ما هو مفيد ونافع، بل ومتميز في نفعه للبشرية، وبالتالي فقد كان لزاما علينا وإحقاقا للحق أن نضع هؤلاء قبل غيرهم وأن نقدمهم على من سواهم، ليس فقط لأنهم قدموا ما أكثر تميزا وإنما أيضا لأننا واثقون من أن نواياهم ومنطلقاتهم في خدمة البشرية كانت صادقة وصحيحة وخالية من كل غرض رخيص وصغير.
أخيرا نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون قد وفقنا في الوصول إلى هدفنا من هذا الكتاب وهو تعريف القارئ بأهم وأعظم الشخصيات التي تركت أثرا واضح المعالم في حياة بني البشر على مر العصور.. والحمد لله رب العالمين.
عيسى الحسن
Page 2
رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)
(570 - 632 م)
لا عجب أن يكون رسول الله محمد ﷺ في أول هذه القائمة من الخالدين المتميزين الذين أثروا الحياة الإنسانية وخدموا البشرية، أو ربما يكون البعض منهم قد آذى الإنسانية ، ولكن عظم أذاه لها جعله
محفورا في ذاكرتها على مر العصور... نقول لا عجب أن يكون الرسول ﷺ في أول هذه القائمة ذلك أنه الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على المستوى الديني والدنيوي.
وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائدا سياسيا وعسكريا ودينيا، وبعد 14 قرنا من وفاته فإن أثر الرسول ﷺ ما يزال قويا متجددا، مثلما أنه سيبقى كذلك إلى يوم الدين.
لقد تميز معظم الخالدين بأنهم عايشوا حضارات ونشئوا في مراكز ساعدتهم على الإبداع والتميز إلا سيدنا محمدا ﷺ فهو قد ولد سنة 570 ميلادية في مدينة مكة جنوب شبه الجزيرة العربية في منطقة متخلفة من العالم القديم، بعيدة عن مراكز التجارة والحضارة والثقافة والفن. ولقد مات أبوه وهو لم يخرج بعد إلى الوجود، وأمه وهو في السادسة من عمره، وكانت نشأته في ظروف متواضعة وكان لا يقرأ ولا يكتب.
ولما قارب الأربعين من عمره كانت هناك أدلة كثيرة على أنه ذو شخصية فذة بين الناس.
وكان العرب في ذلك الوقت وثنيين يعبدون الأصنام. وكان يسكن مكة عدد قليل من اليهود والنصارى.
وفي الأربعين من عمره امتلأ قلبه إيمانا بأن الله واحد أحد، وتنزل عليه وحي الله سبحانه من السماء، و اصطفاه الله ليحمل رسالة سامية إلى الناس.
وأمضى محمد ﷺ ثلاث سنوات يدعو لدينه الجديد بين أهله وعدد قليل من الناس.
وفي سنة 613 ميلادية أذن الله لرسوله ﷺ بأن يجاهر بالدعوة إلى الدين الجديد فآمن به قليلون. وفي 622 ميلادية هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة، وهي تقع على مدى 200 كيلومتر من مكة المكرمة. وفي المدينة المنورة اكتسب الإسلام مزيدا من القوة واكتسب رسوله عددا كبيرا من الأنصار.
وكانت الهجرة إلى المدينة المنورة نقطة تحول في حياة الرسول ﷺ . وإذا كان الذين تبعوه في مكة قليلين، فإن الذين ناصروه في المدينة كانوا كثيرين. وبسرعة اكتسب الرسول والإسلام قوة ومنعة، وأصبح محمد ﷺ أقوى وأعمق أثرا في قلوب الناس.
وفي السنوات التالية تزايد عدد المهاجرين والأنصار، واشتركوا في معارك كثيرة بين أهل مكة من الكفار وأهل المدينة من المهاجرين والأنصار. وانتهت كل هذه المعارك في سنة 630 ميلادية بدخول الرسول ﷺ منتصرا إلى مكة.
وقبل وفاته بسنتين ونصف السنة شهد محمد ﷺ الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ولما توفي الرسول ﷺ كان الإسلام قد انتشر في شبه الجزيرة العربية.
Page 3
وكان البدو من سكان شبه الجزيرة مشهورين بشراستهم في القتال، وكانوا ممزقين أيضا، رغم أنهم قليلو العدد، ولم تكن لهم قوة أو سطوة العرب في الشمال الذين عاشوا على الأرض المزروعة.
ولكن الرسول استطاع لأول مرة في التاريخ أن يوحد بينهم وأن يملأهم بالإيمان وأن يهديهم جميعا بالدعوة إلى الإله واحد. ولذلك استطاعت جيوش المسلمين الصغيرة المؤمنة أن تقوم بأعظم غزوات عرفتها البشرية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) فاتسعت الأرض تحت أقدام المسلمين من شمالي شبه الجزيرة العربية وشملت الإمبراطورية الفارسية على عهد الساسانيين وإلى الشمال الغربي واكتسحت بيزنطة والإمبراطورية الرومانية الشرقية. وكان العرب أقل بكثير جدا من كل هذه الدول التي غزوها وانتصروا عليها.
وفي سنة 642 ميلادية انتزع العرب مصر من الإمبراطورية البيزنطية، كما أن العرب سحقوا القوات الفارسية في موقعة القادسية في سنة 637 وفي موقعة نينوى 642.
وهذه الانتصارات الساحقة في عهد الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما لم تكن نهاية الزحف العربي والمد الإسلامي في العالم. ففي سنة 711 ميلادية اكتسحت القوات الإسلامية شمال أفريقيا حتى المحيط الأطلسي، ثم اتجهت القوات الإسلامية بعد ذلك إلى مضيق جبل طارق وعبرت إلى أسبانيا، وساد أوروبا كلها شعور في ذلك الوقت بأن القوات الإسلامية تستطيع أن تستولي على العالم المسيحي كله.
لقد استطاع هؤلاء البدو المؤمنون بالله وكتابه ورسوله أن يقيموا إمبراطورية واسعة ممتدة من حدود الهند حتى المحيط الأطلسي، وهي أعظم إمبراطورية أقيمت في التاريخ حتى اليوم، وفي كل مرة تكتسح هذه القوات بلدا فإنها تنشر الإسلام بين الناس.
ولم يستقر العرب على هذه الأرض التي غزوها، إذ سرعان ما انفصلت عنها بلاد فارس، وإن كانت ظلت على إسلامها. وبعد سبعة قرون من الحكم العربي لأسبانيا والمعارك المستمرة تقدمت نحوها الجيوش المسيحية فاستولت عليها وانهزم المسلمون ولكن الإسلام بقي فيها إلى اليوم. أما مصر والعراق مهدا أقدم الحضارات الإنسانية فقد انفصلتا ولكن بقيتا على دين الإسلام وكذلك كل شمال أفريقيا.
وظل الإسلام يتسع على مدى القرون التالية، فهناك مئات الملايين في وسط أفريقيا وباكستان وإندونيسيا.
بل إن الإسلام قد وحد بين إندونيسيا المتفرقة الجزر والديانات واللهجات، وفي شبه القارة الهندية انتشر الإسلام بشكل واسع رغم وجود عدد من الديانات الأخرى.
لقد كان للرسول الله محمد ﷺ دوره العظيم في نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد الشريعة الإسلامية في الأرض وبين الناس.
كما كان المسؤول الأول والأوحد عن إرساء قواعد السلوك الاجتماعي والأخلاقي وأصول المعاملات بين الناس في حياتهم الدينية والدنيوية، كما أن القرآن قد نزل عليه وحده، وفي القرآن الكريم وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وآخرتهم.
Page 4
والقرآن الكريم نزل على الرسول ﷺ كاملا، وسجلت آياته وهو ما يزال حيا، وكان تسجيلا في منتهى الدقة، فلم يتغير منه حرف واحد، وليس في المسيحية مثلا شيء مثل ذلك، فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن الكريم. وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق. ولذلك كان أثر محمد ﷺ على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذي تركه عيسى على السلام على الديانة المسيحية.
فعلى المستوى الديني كان أثر الرسول ﷺ قويا في تاريخ البشرية، وكذلك كان عيسى . وكان الرسول ﷺ على خلاف عيسى رجلا دنيويا، فكان زوجا وأبا، وكان يعمل في التجارة ويرعى الغنم، وكان يحارب ويصاب في الحروب ويمرض، ثم مات.
ولما كان الرسول ﷺ قوة جبارة، فيمكن أن يقال أيضا إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ.
وإذا استعرضنا التاريخ فإننا نجد أحداثا كثيرة من الممكن أن تقع دون أبطالها المعروفين، مثلا: كان من الممكن أن تستقل مستعمرات أمريكا الجنوبية عن إسبانيا دون أن يتزعم حركاتها الاستقلالية رجل مثل سيمون بوليفار، هذا ممكن جدا، على أن يجيء بعد ذلك أي إنسان ويقوم بنفس العمل. لكن من المستحيل أن يقال ذلك عن البدو وعن العرب عموما وعن إمبراطوريتهم الواسعة، دون أن يكون محمد ﷺ ، فلم يعرف العالم كله رجلا بهذه العظمة قبل ذلك ولن يعرف بعد ذلك. وما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الانتصارات الباهرة بغير رعاية الله وحفظه وتوجيهه بالإضافة إلى زعامة الرسول ﷺ وهدايته وإيمان الجميع به.
ربما أورد بعض المؤرخين أمثلة أخرى من الغزوات الساحقة، كالتي قام بها المغول في القرن الثالث عشر، والفضل في ذلك يرجع إلى جنكيز خان، ورغم أن غزوات جنكيز خان كانت أوسع من غزوات المسلمين، فإنها لم تدم طويلا، ولذلك كان أثرها أقل خطرا وعمقا. فقد انكمش المغول وعادوا إلى احتلال نفس الرقعة التي كانوا يحتلونها قبل ظهور جنكيز خان، إلا أن فتوحات المسلمين ليست كذلك، فالعرب يمتدون من العراق إلى المغرب، وهذا الامتداد يحتوي دولا عربية لم يوحد بينها الإسلام فقط، ولكن وحدت بينها اللغة والتاريخ والحضارة، ومن المؤكد أن إيمان العرب بالقرآن، هذا الإيمان العميق، هو الذي حفظ لهم لغتهم العربية وأنقذها من عشرات اللهجات الغامضة. صحيح أن هناك خلافات بين الدول العربية، وهذا طبيعي، ولكن هذه الخلافات يجب ألا تنسينا الوحدة المتينة بينها.
فمثلا لم تشترك إيران المسلمة وإندونيسيا المسلمة في فرض حظر البترول على العالم الغربي فيما بين 1973 و 1974. بينما نجد أن الدول العربية البترولية شاركت جميعا في هذا الحظر!
وهذا الموقف العربي الموحد يؤكد لنا أن الفتوحات العربية الإسلامية التي سادت القرن السابع ما يزال دورها عميقا وأثرها بليغا في تاريخ الإنسانية حتى يومنا هذا. فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذي يجعلنا نؤكد بأن محمدا ﷺ هو أعظم الشخصيات أثرا في تاريخ الإنسانية كلها.
Page 5
المسيــح عليه السلام
(6 ق.م - 30 م)
أثر المسيح على البشرية قوي ضخم، ولا أحد يمكنه أن يعترض على كونه في قمة هذه القائمة. والسؤال: كيف أن المسيح وهو صاحب أكثر الأديان أثرا في الإنسانية لم يكن أول هذه القائمة؟
ولا شك أن المسيحية بمرور الوقت أصبحت أكبر الديانات عددا، وعلى كل فليس المهم في هذه الدراسة هو أثر الديانة في الناس، ولكن أثر أصحاب هذه الديانة فيهم. والديانة المسيحية تختلف عن الإسلام، فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان.
فالمسيح قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظرتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني، أما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس. فالمسيح هو صاحب الرسالة الروحية، ولكن القديس بولس أضاف إليها عبادة المسيح. كما أن القديس بولس هو الذي ألف جانبا كبيرا من «العهد الجديد» وكان المبشر الأول للمسيحية في القرن الأول للميلاد.
وقد رفع المسيح إلى السماء وهو ما يزال شابا (على خلاف الرسول محمد ﷺ) وترك المسيح وراءه عددا من الحواريين، وعند رفع المسيح إلى السماء ألف أتباعه طائفة يهودية صغيرة، ولكن القديس بولس هو الذي جعل هذه الفئة الصغيرة هيئة كبيرة نشطة شملت اليهود وغير اليهود، حتى أصبحت المسيحية واحدة من الديانات الكبرى.
ولهذه الأسباب فإن عددا من الباحثين يرون أن مؤسس هذه الديانة المسيحية هو القديس بولس وليس السيد المسيح. وهذا يؤدي إلى أن نضع القديس بولس قبل السيد المسيح في هذه القائمة، وليس واضحا ما كان سيئول إليه أمر المسيحية لولا القديس بولس، ولكن من المؤكد أيضا أنه لا مسيحية بغير المسيح.
وليس من المنطقي في شيء أن يكون السيد المسيح نفسه مسؤولا عن الذي أضافته الكنيسة أو رجالها إلى الديانة المسيحية، فكثير مما أضافوا يتنافى مع تعاليم المسيح نفسه، فالحروب بين المسيحيين، تناقض تماما كل الذي دعا إليه السيد المسيح، ويستحيل أن يقال إن السيد المسيح هو الذي أوصى بهذا كله.
وإذا كانت العلوم تطورت في العالم الغربي المسيحي، فليس من المنطق أن يقال إن المسيحية هي المسؤولة عن نهضة العلوم في العشرين قرنا الماضية، فلم نجد في شروح رجال الدين المسيحي من يقول إن المسيحية تدعو إلى التأمل في الكون أو الدعوة إلى التفكير العلمي، ومن المؤكد أن تحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية قد صاحبه في نفس الوقت انحطاط رهيب المستوى للتكنولوجيا والاهتمام بالعلم.
Page 6
أما نهضة العلوم في أوروبا فترجع في الحقيقة إلى أن هناك شيئا ما في الحضارة الأوروبية والتراث الفكري يناسب لأسلوب العلمي في التفكير، وهذا الشيء ليس من تعاليم السيد المسيح، وإنما هو التفكير العقلي الإغريقي ممثلا في مؤلفات الفيلسوف أرسطو وهندسة إقليدس. ولم ينتعش العلم في أوروبا في عصر المد المسيحي ولكن في عصر النهضة، تلك الفترة التي عاودت فيها أوروبا تقديم كل ما سبق الديانة المسيحية من تراث إنساني.
أما قصة حياة السيد المسيح فهي معروفة كما وردت في العهد الجديد، وإن كانت تجدر الإشارة إلى جوانب منها، وأكثر المعلومات عن حياة السيد المسيح ليست مؤكدة.
ومما هو معروف أن الأناجيل يناقض بعضها بعضا، مثلا نجد أن إنجيل «متى» وإنجيل «لوقا» يتناقضان في إيراد الكلمات الأخيرة للسيد المسيح، وإن كانت هذه الكلمات مأخوذة حرفيا من التوراة - أي العهد القديم.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون للسيد المسيح كلمات مقتبسة من التوراة، فمؤسس المسيحية يهودي ويهودي مخلص، وقد أشير كثيرا إلى أن السيد المسيح كان يشبه من وجوه كثيرة أنبياء اليهود الذين جاؤوا في التوراة، كما أنه كان قد تأثر بهم أعمق الأثر، ويسوع كالأنبياء كلهم كان عميق الأثر في الناس حوله، وكان في غاية الشجاعة بكل معاني وأعماق هذه الكلمة.
وهو على خلاف محمد ﷺ لم يمارس السياسة ولا السلطة الدينية، فلم يكن ليسوع أي دور سياسي في حياته. ولا كان للمسيحية أثر سياسي والحقيقة أن هذه المبادئ لم تلق رواجا واسعا بين الناس، ولا حتى هي مقبولة عند الناس، فأكثر المسيحيين يرون أن الدعوة لأن «نحب أعدائنا» إسراف في المثالية لا يمكن تطبيقه إلا في عالم خيالي، ونحن عادة لا نطبق هذا المبدأ، ولا نتوقع من الآخرين أن يفعلوا ذلك، ولا حتى ننصح أطفالنا بأن يمشوا على هداه، وكذلك معظم تعاليم السيد المسيح ظلت محيرة، كما أنها نصائح لم يحاول تطبيقها كثيرون!
Page 7
نبي الله إبراهيم عليه السلام
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا )[مريم:41]، وقال تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)[الأنبياء:51].
هو إبراهيم بن تارخ (وهو آزر) بن ناخور
ابن ساروغ بن ارغو بن فالَع بن غابر بن شالخ بن قينان بن ارفخشذ بن سام بن نوح ، وقيل: إن إبراهيم كان يكنى أبا الضِّيفان لأنه كان مضيافًا كثير الكرم لمن استضافه.
كان أهلُ بابل في العراق يتنعمون برغد العيش ويتفيأون ظِلال النعم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم، ولكنهم كانوا يتخبطون في دياجير الظلم ويتَردّون في وهاد الضلال والكفر، فقد نحتوا بأيديهم الأصنام واتخذوها من دون الله آلهة وعكفوا على عبادتها، وكان عليهم حاكم ظالم مُستبدّ يقال له نُمرود بن كنعان بن كوش، قيل هو الضحاك وقيل غيره، وكان أحد الملوك الذين ملكوا الأرض وأحاط ملكه مشارق الأرض ومغاربها، فلما رأى ما هو عليه من الزعامة وما يتمتعُ به من سطوة المُلك وقوة السلطان، ورأى ما أطبق على قومه من الجهل والفساد ادعى الإلوهية ودعا قومه إلى عبادته، وقيل: كان قوم إبراهيم يعبدون الكواكب السبعة وكان لهم أصنام بشكل الشمس والقمر وأصنام بشكل الكواكب.
في وسط هذه البيئة المنحرفة وفي زمن وعهد هذا الملِك الجبار الكافر النمرود كان مولدُ إبراهيم ﷺ ، وفي موضع ولادته خلاف قيل: ولد بالسُّوس من أرض الأهواز، وقيل: ولد ببابل وهي أرض الكلدانيين، وقيل: بحران، وقيل: بغُوطة دمشق في قرية يقال لها بَرزة في جبل يقال له قاسيون، والمشهور عند أهل السير والتاريخ أنه ولد ببابل.
قال أهل التواريخ في السير: إنّه لما أراد الله عز وجل أن يبعث إبراهيم وأن يجعله حجة على قومه نبيًّا ورسولاً إليهم، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبي قبله إلا هودًا وصالحًا عليهما السلام، ولما تقارب زمان إبراهيم أتى المنجّمون إلى هذا الملِك نمرود وقالوا له: اعلم أننا نجد في علمنا أن غلامًا يُولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم، يفارقُ دينكم ويكسرُ أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا.
فلما دخلت السنة التي وصف أصحاب النجوم لنمرود بعث نمرود هذا إلى كل امرأة حُبلى بقريته فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم زوجة آزر والد إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها، وذلك أنها كانت جارية لم يعرف الحبل في بطنها، فجعل هذا الملك الطاغية لا تلدُ امرأةٌ غلامًا في ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذُبح، فلما وجدت أمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدّت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها، وكانت تزوره وتطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فكان يشبّ في اليوم ما يشبُّ غيرُه في الشهر وكانت تأتي فتجده حيًّا يمصّ إبهامه، فقد جُعل رزقُ إبراهيم في إبهامه فيما يجيئه من مصّه، ولم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسةَ عشَر شهرًا، ثم ترعرع وكَبرَ واصطفاه اللهُ تعالى لحمل رسالته وإبانة الحقّ ودعاء قومه إلى عبادة الله وحدَه وإلى العقيدة الصافية من الدنس والشرك، وإلى ترك عبادة الكواكب والأصنام وإلى الدخول في دين الإسلام الذي هو دين جميع الأنبياء.
ذكرت قصة سيدنا إبراهيم في عدّة مواضع من القرآن، تارة باختصار وتارة بالتطويل وتارة بذكر شأن من شؤونه في سورة، ثم شأن آخر من شؤونه في سورة أخرى.
وقصة إبراهيم تَرتبط بها قصص أخرى كقصة لوط، لأن إبراهيم ولوطًا كانا متعاصرين، ونبي الله لوط هو ابن أخي إبراهيم ، وقد آمن لوط بعمّه إبراهيم كما قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العنكبوت 26
Page 8
اختارَ الله تبارك وتعالى إبراهيم وجعله نبيًّا رسولاً واصطفاه لهداية قومه ودعوتهم إلى دين الإسلام وتوحيد الله وترك عبادة الكواكب والأصنام التي لا تخلق شيئًا ولا تستحق العبادة، لأن الذي يستحقّ العبادة وحده هو الله تبارك وتعالى خالق كل شيء.
وقد كان إبراهيم كغيره من الأنبياء منذ صغره ونشأته مسلمًا مؤمنًا عارفًا بربّه معتقدًا عقيدة التوحيد مُنزّهًا ربَّه عن مشابهة المخلوقات، ومُدركًا أن هذه الأصنام التي يعبدها قومُه لا تُغني عنهم من الله شيئًا، وأنَّها لا تضرّ ولا تنفع لأن الضارّ النافع على الحقيقة هو الله تعالى وحده. يقول الله تبارك وتعالىفيحق إبراهيم : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )[آل عمران:67]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)[الأنبياء:51].
ولقد كان نبي الله إبراهيم مفعم النفس بالإيمان بربه وعارفًا به ممتلئ الثقة بقدرة الله وأن الله تعالى قادر على كل شيء لا يعجزه شيء، وكان غير شاكّ ولا مُرتاب بوجود الله سبحانه مؤمنًا بما أوحي إليه من بَعث الناس بعد موتهم يوم القيامة وحسابهم في الحياة الأخرى على أعمالهم وما قدموا في هذه الحياة الدنيا.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْأَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَعَزِيزٌ حَكِيمٌ)[البقرة:260].
ومعناه أن إبراهيم كان مؤمنًا ومصدّقًا بقلبه تصديقًا جازمًا لا ريب فيه أن الله تبارك وتعالى قادرٌ على إحياء الموتى وإعادة الخلق يوم القيامة، ولكنه أراد أن يزداد بصيرةً ويقينًا فسأل الله تعالى أن يُريه كيف يحيي الموتى بعد مَوتهم، وقول الله تعالى: ﴿ ﭛ ﭜﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﴾ أي أنا مؤمن غير شاكّ ولا مُرتاب ولكن تاقت نفسي لأن أرى بعينيَّ ليطمئنَّ قلبي ويزداد يقيني، فمعنى قول إبراهيم ﴿ ﭡ ﭢﭣ﴾ أي ليطمئنَّ قلبي بإجابة طلبي، لأنَّه من الجائز أن يعطي الله تعالى بعض الأنبياء جميعَ ما طلب أو أن يعطيَه بعضَ ما طلب ولا يعطيه بعضًا، فسيدنا محمد ﷺ الذي هو أشرفُ خَلق الله وأكرمُهم على الله ما أُعطي جميعَ ما طلب، بل أُعطي بعضَ ما طلب ومُنع بعض ما طلب، وإبراهيم ما كان جازمًا وقاطعًا في نفسه بأن الله يعطيه ما سأل، لكنَّه كان مُؤمنًا بأن الله تبارك وتعالى قادرٌ على ذلك، لكن كان عنده احتمال أن الله يريه كيف يحيي الموتى واحتمال أنّه لا يريه، فأجابَ الله تبارك وتعالى سؤال إبراهيم وأمرَه أن يأخذ أربعةً من الطير ويتعرف على أجزائها ثم يُفرقها أشلاء وأجزاء ويجعل على كل جبل منهنّ جُزءًا ثم يدْعوهنَّ إليه فيأتينه سعيًا بإذن الله، فلمَّا فعل إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ما أمره الله تعالى صارَ كلُّ جُزءٍ ينضمّ إلى مثلهِ وعادت الأشلاء والأجزاء كما كانت وعادت الروحُ إلى كل طير، ورجعت الطيور الأربعة بقدرة الله تعالى ومشيئته إلى إبراهيم ، وهو يرى آيات الله البينات وآثار قدرته العظيمة التي تدل أنه تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فتبارك الله أحسن الخالقين أي أحسن المقدّرين.
Page 9
نبي الله نوح عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[نوح:1].
هو نوح بن لامَك بن مَتُّوشَلَخَ بن أخَنوخ - وهو إدريس - بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر. وكان بين نوح وآدم عشرة قرون كما جاء ذلك في حديث ابن حبان.
وبالجملة فنوح أرسله الله إلى قوم يعبدون الأوثان قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا )[نوح:23]. وقد قيل أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم إدريس وكان لهم رجال يقتدون بهم فلما هلكوا أوحى الشيطان أي بث إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وانتسخ العلم عبدت.
بعث الله نوحًا إلى هؤلاء الكفار ليدعوهم إلى الدين الحقّ وهو الإسلام والعبادة الحقّة وهي عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، وقال لهم: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ)[الأعراف:65]، وقال:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍعَظِيمٍ﴾[الأعراف:59]، وقال:﴿ أن لا تعبدوا إلّا اللّه إنّي أخاف عليكم عذاب يوم أليم )[هود:26]، وقال: ﴿قال يا قوم إنّي لكم نذير مبين﴾(أن اعبدوا اللّه واتّقوه وأطيعون)[نوح:2-3]، ودعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والإجهار، وبالترغيب تارة وبالترهيب أخرى،لكنأكثرهم لم يؤمن بل استمروا على الضلال والطغيان وعبادة الأوثان ونصبوا له العداوة ولمن آمن به وتوعدوهم بالرجم ﴿قال الملأ من قومه إنّا لنراك في ضلال مبين﴾ [الأعراف:60] فأجابهم ﴿قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكنّي رسول من ربّ العالمين﴾ (أبلّغكم رسالات ربّي وأنصح لكم وأعلم من اللّه ما لا تعلمون)[الأعراف:61-62] وقالوا له فيما قالوا بعد أن تعجبوا أن يكون بشر رسولاً ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود:27].
لبث سيدنا نوح في قومه يدعوهم إلى الإسلام ألف سنة إلا خمسين عامًا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:14]، وكان قومه يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، حتى تمادوا في معصيتهم وعظمت منهم الخطيئة فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي كان قبله، حتى إن كان الآخر ليقول:قدكان هذا مع آبائنا وأجدادنا مجنونًا لا يقبلون منه شيئًا. ومن جملة ما قال لهم ﴿ ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان اللّه يريد أن يغويكم هو ربّكم وإليه ترجعون﴾ [هود:34] أي أن الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن اليأس لم يدخل قلب نوح بل أخذ يجاهد في إبلاغ الرسالة ويبسط لهم البراهين، ولم يؤمن به إلا جماعة قليلة استجابوا لدعوته وصدقوا برسالته.
ثم إن الله أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن قال تعالى: ﴿وأوحي إلى نوح أنّه لن يؤمن من قومك إلّا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون﴾ [هود:36]، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الّذين ظلموا إنّهم مغرقون)(إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولايلدوا إلّا فاجرا كفّارا) [نوح:26-27] فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الّذين ظلموا إنّهم مغرقون﴾ [هود:37]، قال تعالى: ﴿ ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون﴾(ونجّيناه وأهله من الكرب العظيم) [الصافات:75-76].
فأقبل نوح على عمل السفينة وجعل يهيئ عتاد الفلك من الخشب والحديد والقار وغيرها، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفلك قبل ذلك، ويقولون: يا نوح قد صرت نجارًا بعد النبوة! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهن. وصنع الفلك من خشب الساج وقيل غير ذلك، ويقال إن الله أمره أن يجعل طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا. وقيل: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقيل غير ذلك والله أعلم.
Page 10
ويقال إن نوحًا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [هود:40] وقد جعل التنور آية، وقيل: إنه طلوع الشمس، وكان تنورًا من حجارة كانت لحواء، وقيل: كان تنورًا من أرض الهند، وقيل: بالكوفة. وأخبرته زوجته بفوران الماء من التنور، ولما فار التنور حمل نوح مَن أمر الله بحمله وكانوا ثمانين رجلاً، وقيل غير ذلك. وكان فيها نوح وثلاثة من بنيه سام وحام ويافث وأزواجهم وتخلف عنه ابنه قيل اسمه يام وقيل كنعان وكان كافرًا. ويقال إن نوحًا حمل معه جسد آدم ، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:41].
ثم إن المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القرَبِ، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربًا من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذ حمل فيها من كل زوجين اثنين.
لما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من أمر به جاء الماء كما قال تعالى: ﴿ ففتحنا أبواب السّماء بماء منهمر ﴾(وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ )(وحملناه على ذات ألواح ودسر) [القمر:11-13] والدسر: المسامير. وقوله تعالى: (تجري بأعيننا) أي بحفظنا وحراستنا.
وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال قال الله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:42]، وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله وأمر الأرض فنبعت من جميع فِجاجها، ونادى نوح ابنه الذي هلكلأن يؤمن ويصعد وكان في معزل: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود:42] وكان كافرًا خالف أباه في دينه، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:43]، فقال نوح ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ [هود:43].
قال جماعة من المفسرين: أرسل الله المطر أربعين يومًا، ويقال: إنهم ركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، وكان الماء نصفين نصفًا من السماء ونصفًا من الأرض وقد ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض قيل: خمسة عشر ذراعًا، وقيل ثمانين والله أعلم، وقد عم جميع الأرض سهلها وحَزنها وجبالها وقفارها، فلم يبق على وجه الأرض أحد ممن عبد غير الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ [الأعراف:64]، وقال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:77]. وطافت السفينة بالأرض كلها لا تستقر حتى أتت الحرم فدارت حوله أسبوعًا، ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى جبل الجودي وهو بأرض الموصل فاستقرت عليه.
قال تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [هود:44]. ثمّ لما غاض الماء أي نقص عما كان وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها هبط نوح ومن معه من السفينة التي استقرت بعد سيرها على ظهر جبل الجودي قال الله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود:48].
ثم إن نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده فالناس كلهم من ولد نوح، ولم يُجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلٌ ولا عقبٌ سوى نوح قال تعالى: ﴿وجعلنا ذرّيّته هم الباقين ﴾ [الصافات:77]، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة.