Page 1
تقديـــم
من دولة متصدعة إلى دولة محطمة
يحوم في سماء سورية اليوم شبح راعب يهدد بتقطيع أوصال هذا البلد، الذي عرف العمران والاجتماع منذ نحو عشرة آلاف سنة· وهذا الشبح بات ينذر بمحو علائم التحضر والتمدن الذي انطلق من دمشق وحلب قبل أربعة آلاف سنة ليغمر بلاد الشام كلها، ويَسِمُها بميسم الحضارة الآرامية الزاهية التي امتزجت فيها الثقافة الهيلينية بالعربية أيما امتزاج، ونشأت في ربوعها، وفي سياق نهوضها التاريخي، المسيحية الأولى، ثم الدولة الإسلامية الأولى أيضاً· ولولا دمشق ودولة الأمويين التي أطلقت الفتوحات اللاحقة، لربما بقي الإسلام مجرد ارتحال قبلي من الفيافي القاحلة في نجد والحجاز إلى الأفياء الخصبة في العراق والشام ومصر، على غرار غزوات بني هلال وغيرهم من قبائل العرب· لكن دمشق وفرت لهذه الحركة السياسية والاقتصادية الجديدة المتسربلة بفكر ديني جديد إمكان الاستمرار والانتشار، فتحول الإسلام جراء ذلك، إلى مؤسسة راسخة في مدينة آرام ذات العماد·
ظلت دمشق دائماً العاصمة التاريخية لبلاد الشام قاطبة، وانعقدت لها مكانة لا تضاهى بسبب موقعها الفريد الذي يتوسط آسيا الصغرى والعراق ومصر· وكانت فتحتها البحرية تمتد من مرسين وأضنة في الشمال حتى غزة والعريش في الجنوب· وقد اجتمعت في أرجائها أقوام شتى طلباً للتجارة أو للاستقرار أو للعبادة، كالأكراد والشركس والتركمان والأروام والأرناؤوط والأبخاز والهوارة والداغستان واليهود والأرمن والعجم والمغاربة، الأمر الذي منحها طابعاً كوزموبوليتياً· لكن هذه الفتحة البحرية الممتدة على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط راحت تضيق وتتقلص بالتدريج منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعداً، حتى إذا أطل القرن العشرون كانت ضربة قاصمة تتهيأ للانقضاض على دمشق العاصمة، وعلى بلاد الشام كلها، فتفككت سوريا التاريخية إلى كيانات جديدة، وانتزعت اتفاقية سايكس ـ بيكو منها الساحل الفلسطيني، وفيه ميناءي حيفا ويافا، لمصلحة وطن قومي يهودي، ثم الساحل اللبناني، وفيه موانئ صيدا وبيروت وطرابلس، ليكون شاطئاً لـِ دولة المسيحيين، ثم لواء الاسكندرون وفيه ميناءا مرسين واسكندرونة، ولم يبقَ لها إلا فتحة صغيرة بين رأس البسيط ومدينة طرطوس، وتحولت دولة شبه برية تجهد لاستعادة مكانتها المفقودة، في الوقت الذي كانت تجاهد للاحتفاظ بنصيبها من التجارة والسياسة· وفي معمعان هذا الهول الذي حل بدمشق خلال أقل من نصف قرن (بين سنة 1860 واتفاقية سايكس ـ بيكو في سنة 1916)، وفي غمرة صراع حلب من أجل استعادة مكانتها القديمة، بعد أن انحطت أحوالها غداة افتتاح قناة السويس في سنة 1869، كانت دمشق تغرق، أكثر فأكثر، في خلافات أعيانها وصراعات أجزائها الجغرافية الجديدة وانقلابات جيشها، الأمر الذي يفسر أسباب الاضطرابات التي عصفت بسورية بعد استقلالها في سنة 1946·
مهما يكن الأمر، فإن سورية التي مزقتها اتفاقية سايكس ـ بيكو في سنة 1916، تمزق معها جميع مَن حاول إعادة توحيدها· فالعائلة الهاشمية التي صار أحد أبنائها، أي فيصل الأول، ملكاً دستورياً على سورية، تناثرت هنا وهناك، فبعض أفرادها قُتل (الملك غازي والملك فيصل الثاني والملك عبد الله)، وبعضها انتحر (الأميرة جليلة بنت الملك علي)، وبعضها حاقت به اللعنة فتشرد بائساً في المنافي (الأميرة عزة بنت الملك فيصل الأول)، وبعضها جُنَّ (الملك طلال بن عبد الله والأميرة جليلة قبل انتحارها احتراقاً)· والحزب السوري القومي الاجتماعي الذي اغتيل زعيمه أنطون سعادة في سنة 1949، لم يلبث أن اندفع إلى مغامرات كانت بلا عقل سياسي (اغتيال عدنان المالكي في سنة 1955، والتصدي لجمال عبد الناصر في سنة 1958، والقيام بانقلاب عسكري في لبنان في آخر يوم من سنة 1961)، وأدت هذه المغامرات كلها إلى تمزقه اللاحق· وكذلك اندثرت حركة القوميين العرب ولم تتمكن من توحيد فروعها· وتناثر حزب البعث العربي الاشتراكي كحطام المراكب المبعثرة، وحطم العراق معه، وربما سورية أيضاً·
حاولت النخب السورية التي وصلت إلى الحكم في أثناء الانتداب الفرنسي، والتي ورثت دولة متصدعة، أن تؤسس دولة متماسكة· إلا أن أحفاد هذه النخبة بـِ قومتهم المسلحة في سنة 2011 ربما يحولون سورية اليوم إلى دولة محطمة غداً· وهذه النخبة التي برزت غداة صدور قانون الأراضي العثماني في سنة 1858، والتي درس أبناؤها في اسطمبول وأوروبا، وعملوا في الوظائف العامة، حُرمت من تسلم أي مناصب مهمة في العهدين الفيصلي والانتدابي، إلا القلة التي تعاونت مع الانتداب الفرنسي بالتحديد· غير أن الاتجاه العام لهذه النخبة كان النضال في سبيل الاستقلال وتوحيد سورية· وقد تمكن أبناء هذه الفئة من الوصول إلى سلطة الحكم في سورية في العهد الاستقلالي، وأقاموا نظاماً برلمانياً ومقادير من الحريات على قاعدة حلف العائلات الكبرى في دمشق وحلب وحمص وحماه، وتركوا للمناطق الطرفية بعض المواقع الهامشية في الدولة الجديدة· فمنذ زوال الحكم العثماني إلى ما بعد الاستقلال، ظل رؤساء الجمهورية ورؤساء الحكومات والوزراء والنواب يأتون، في أغلبيتهم الكاسحة، من نحو خمسين عائلة موزعة بين مُلاك الأرض ورجال الدين والتجار (علاوة على بعض الصناعيين) أمثال آل الأتاسي في حمص، وآل الحوراني والكيلاني والبرازي والعظم في حماه، والقدسي والكيخيا والجابري في حلب، والسيد وشلاش والشعلان في دير الزور، والقوتلي والعسلي والحفار والدواليبي ومردم بك والعظمة والعابد والغزي في دمشق·
Page 2
سورية، بعد الاستقلال، كانت جمهورية أوليغارشية (حكم القلة) شبه ليبرالية· وكان الهم الأول للنخبة الحاكمة هو تماسك الدولة الجديدة في وجه مطامع الهاشميين في الأردن والعراق، ثم التنافس على تقاسم المغانم· فمالكو الأرض والتجار نظروا إلى الدولة السورية الجديدة على أنها مجموعة من المؤسسات التي تخدم مصالحهم وتحميهم من الاضطرابات الاقتصادية· ويتجلى ذلك في قوانين العمل التي صدرت آنذاك، وفي قانون الإصلاح الزراعي الصادر في كانون الثاني 1952· ففي قانون الإصلاح الزراعي جرى فرض حدود على الملكية العقارية· لكن، بعد أشهر قليلة، صدر قانون جديد يتضمن سقفاً عالياً للملكية، الأمر الذي جعل قانون الإصلاح الزراعي كأنه لم يكن· أما قانون العمل فلم يمنح العمال أو الفلاحين أو العمال الزراعيين أي ضمانات جديدة إلا بعد تنظيم تظاهرات وإضرابات في سنة 1954· وقد وجدت الطبقة الحاكمة مخرجاً من مطالب الفلاحين في ريف حماه هو توزيع أملاك الدولة على الفلاحين بدلاً من توزيع أجزاء من أراضي الملاك الكبار على فلاحيها؛ فقد كانت أربع عائلات تملك مئة وعشر قرى، كلياً أو جزئياً، في محيط حمص هي: العظم، البرازي، الكيلاني، طيفور·
حطمت نكبة فلسطين الجمهورية الأوليغارشية في سورية، وهزت شرعية جيشها، فبدأت سلسلة من الانقلابات العسكرية التي كنت تعكس، بشكل جلي، التدخل الخارجي من جهة (تركيا والأردن والعراق ومصر والسعودية)، ومن جهة أخرى، التشقق الداخلي· وفي خضم هذه الاضطرابات، وجراء بعض الإجراءات المساواتية في الكليات الحربية التي صارت تقبل أبناء الأرياف بعدما كانت مقصورة على أبناء العائلات المدينية، صعد إلى السلطة ضباط من طوائف منشقة على الإسلام (إسماعيليون وعلويون ودروز)، ومن مناطق طرفية سنية (حوران ودير الزور)، وتحول الجيش إلى مؤسسة تتصادم فيها المكونات السورية كلها· وبالتدريج، راح النفوذ السني المديني ينحسر في هذه المؤسسة لمصلحة الطوائف والجماعات الريفية، بمن فيها أبناء السنة القادمون من المناطق الطرفية· واستمرت الأحوال على هذا المنوال حتى استيلاء اللواء حافظ الأسد على السلطة في 16 تشرين الثاني 1970، فدخلت سورية في طور جديد، كان من بين علائمه عقد تحالف وثيق بين السلطة العسكرية الجديدة والتجار ورجال الدين· فقد ظفر الجيش بالسلطة، وأحكم سيطرته على الدولة، وكان عليه أن يُحكم سيطرته على المجتمع حتى يستتب له الأمر· وفي هذا الميدان نال تجار دمشق، وتجار سورية معهم، كل ما أرادوه من قوانين وتسهيلات لزيادة ثرواتهم وعائد تجارتهم وحماية رساميلهم، وبات رجال الدين أسياد الناس· وحدهم مالكو الأرض التقليديون (وبعضهم تجار في الوقت نفسه) ما عادوا أسياد الدولة، فتحول بعضهم تجاراً عقاريين، أو نقل أبناؤهم ثرواتهم إلى الخارج ولا سيما إلى لبنان وأوروبا، علماً أن هروب الرساميل الصناعية والعقارية وقع، أول مرة، في سنتي 1957 و 1958 عشية الوحدة المصرية ـ السورية، ثم في سنة 1965 غداة التأميمات العشوائية، وكان له الأثر الكبير في الازدهار العمراني الذي شهده لبنان في خمسينيات القرن العشرين وستينياته، كما كان له الأثر السلبي الكبير أيضاً في الاقتصاد السوري الذي لم يلبث أن ظهرت عليه علائم الركود· ولولا حرب تشرين الأول 1973، وارتفاع أسعار النفط، وتدفق المساعدات العربية على سورية لما تحملت سورية عقابيل هذا الركود، الذي توارى خلف بعض القطاعات الخدمية التي ازدهرت موقتاً كالإسكان والطرق والتوسع في وظائف القطاع العام والسياحة ··· الخ· غير أن سورية التي شهدت سنوات مرة جراء كبح قطاع الاستيراد والاعتماد على السوق السوداء ومنافذ التهريب من تركيا والأردن ولبنان، انقلبت على ذلك كله ابتداء من منتصف تسعينيات القرن العشرين·
اتبعت سورية منذ صدور المرسوم رقم 10 في سنة 1995 سياسة عامة حاولت نسخ الطراز الصيني، أي نظام سياسي مركزي واقتصاد ليبرالي إلى حد ما· لكن الطراز الصيني حين جرى تطبيقه في سورية تحول إلى كاريكاتير· فالانفتاح الاقتصادي الجديد، في غياب البرجوازية الصناعية والعقارية القديمة، أدى إلى ظهور مئات رجال الأعمال الجدد الذين تركزت استثماراتهم في الخدمات كالعقارات والإسكان والنقل والسياحة (وهي قطاعات مترابطة المنافع)، وهؤلاء صاروا، بالتدريج، شركاء للسلطة العسكرية ويعتاشون، في الوقت نفسه، على العقود التي توفرها لهم هذه الشراكة، ولا سيما في حقل الإنشاءات والتوريد إلى المؤسسات الحكومية· ورويداً رويداً أصبحت السلطة، على المستوى الاقتصادي، اللاعب الأول بين لاعبين، وما عادت قادرة وحدها على احتكار السياسة والاقتصاد والعنف معاً· وفي الوقت الذي كان الاقتصاد السوري يشهد تنوعاً في المستثمرين، كان احتكار القلة هو السائد في بعض القطاعات شديدة الربحية؛ كالاتصالات الخلوية والإعلانات والتبغ وغيرها· وفي المقابل، لم تؤد هذه التحولات الاقتصادية إلى توسع نطاق المجتمع المدني، بل بدأ هذا المجتمع بالضمور لمصلحة المجتمع الأهلي، بعدما اختلج مرة واحدة مع تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة في سنة 2000، وإطلاقه الوعود الإصلاحية· وبدلاً من أن تنطلق عملية إعادة تكوين المجتمع المدني في سورية على صورة المجتمع السوري نفسه، أي إطلاق الحرية في تأليف الجمعيات والنقابات والمنظمات المدنية والصحف ··· الخ، بدأ هذا المجتمع بالتخلخل عند أول اصطدام له بالسلطة، وخصوصاً بعد احتلال العراق في سنة 2003، واكتفى الناشطون بوسائط التواصل الاجتماعي، والكتابة في وسائل الإعلام اللبنانية، الأمر الذي عكس هشاشة هذا المجتمع الذي خضع للتهميش والإلغاء منذ نحو أربعين عاماً، في الوقت الذي استعادت السلطة قدرتها على القمع المدروس بدقة بعد عودة القوات السورية من لبنان إلى مواقعها في سورية في سنة 2005·
تكونت البرجوازية السورية الجديدة في ظل البعث· واشتهر من رجالها صائب نحاس ورياض سيف ورامي مخلوف وفراس طلاس ومحمد بهجت سليمان وجمال خدام وسامر العطار وراتب الشلاح وغيرهم كثيرون· غير أن هذه البرجوازية المحدثة لم تكن قادرة بالتأكيد على مواجهة العولمة وشروط التجارة العالمية في عصر حرية التبادل، حتى إن بعض الاتفاقات الاقتصادية، مع تركيا مثلاً، أدت إلى إفلاس كثير من الصناعات الحدّية ذات الحجم المتوسط، علاوة على انهيار بعض الحرف· والسياسات الاقتصادية التي اتبعها النظام منذ سنة 1990 فصاعداً، والتي جاء معظمها كتوصيات من صندوق النقد الدولي، أدت إلى انفكاك جماهير الريف عنه·
حزب ريفي بات الريف ضده· هذه هي صورة الأحوال في مطلع الألفية الثالثة· وحزب شبه علماني انجرف أعضاؤه إلى التدين· ذلك لأن ظهور المدن المتضخمة سكانياً ذات الأرياف المهمشة وأحزمة البؤس حول المدن التجارية الباذخة، علاوة على أخبار الفساد والثروات الهائلة، ثم الوقاحة في المجاهرة بالثراء، أدى، ذلك كله، إلى الانجراف نحو التدين كردة فعل تلقائية على السلوك الاستفزازي للأثرياء الجدد· أما الوجه الآخر لهذه العملية الاجتماعية فقد تجسد في سهولة إدارة الظهر للعلمانية، وفي الاتجاه نحو شعبوية إسلامية رثة، تماماً كما فعل صدام حسين إبان الحرب مع إيران وغداة هزيمته في الكويت في سنة 1991، حين كتب عبارة الله أكبر بالأخضر على العلم العراقي· والأمر نفسه حدث في سورية منذ سنة 1970 فصاعداً: الإصرار على تأكيد إسلام حافظ الأسد، من خلال الصلاة في الجامع الأموي في عيدي الأضحى والفطر إلى جانب الشيخ أحمد كفتارو؛ تأسيس مدارس تحفيظ القرآن؛ اتساع ظاهرة النساء القبيسيات (منيرة القبيسي)؛ تزعم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي ومحمد حبش منابر الإعلام الرسمي، فضلاً عن محمد غول أغاسي (أبو القعقاع) إمام جامع الإيمان في حلب، قبل أن يغتاله بعض مريديه في سنة 2007 بتهمة الردة عن الفكر الجهادي· لقد بُني من الجوامع في عهد حافظ الأسد أكثر ما بني في سورية منذ الاستقلال حتى سنة 1970· لذلك ليس من المستغرب ألا تتخذ ردة فعل أحزمة الفقر على المدينة وثقافتها شكل الاحتجاجات الواعية والمنظمة والشاملة، بل شكل الاحتجاجات الدينية أو القومية المتطرفة·
Page 3
إن جانباً من الاحتجاجات التي اندلعت في سورية في 2011/3/15 لا علاقة لها بالديمقراطية، ولم تتخذ شكل الاحتجاج السياسي في سياقه الديمقراطي، بل شكل الاحتجاجات الرثة (السلفيون)، أو الطائفية الثأرية (الإخوان المسلمون)، أو الإثنية (الأكراد)، ومثال ذلك شعار لا عرب ولا سريان، هذه كردستان الذي رُفع في أثناء تشييع معشوق الغزنوي في القامشلي في 2005/6/2· أما الفئات التي خرجت إلى الاحتجاج فيمكن تصنيفها كالتالي:
1· سكان الأرياف المهمشة المحيطة بالمدن·
2· ضواحي المدن التي تعج بالعاطلين عن العمل·
3· النازحون من مناطق القحط إلى ضواحي المدن·
4· أبناء الطبقة الوسطى المتعلمون والباحثون عن مكانة اجتماعية تليق بشهاداتهم، والذين ما عادوا يطيقون نظاماً استبدادياً·
5· مناضلون ومثقفون ومفكرون وكُتّاب وناشطون في هيئات المجتمع المدني·
6· أكراد وتركمان وأبناء أقليات قومية·
في أي حال، فإن ما يهمنا اليوم هو انتصار الديمقراطية في سورية، لأن الديمقراطية تعني أن شرعية السلطة لا تأتي من الله أو من الحاكم بأمر الله، بل من الشعب، الأمر الذي يعني أن في إمكان هذا الشعب أن يغير السلطة أو أن يحاسبها· وبمعنى آخر، فإن انتصار الديمقراطية ليس انتصاراً على الاستبداد وحده، بل على الفكر التكفيري السلفي والإخواني معاً· غير أن الثورات لا تجلب الديمقراطية بالضرورة· فالثورة الروسية ضد الاستبداد القيصري في سنة 1917 جلبت الاستبداد الستاليني· وثورة 23 يوليو 1952 ضد الملكية في مصر، لم تأتِ بالديمقراطية· والثورة الشعبية ضد شاه إيران في سنة 1979 أتت بالاستبداد الديني وسلطة الملالي· والثورة الشعبوية على نظام المجاهدين في أفغانستان حملت إلى السلطة جماعة متخلفة ورثة ومتعصبة هي طالبان
الديمقراطية، في مضمونها الجوهري، لا تعني، على الإطلاق، حكم الأغلبية ونقطة على السطر· ففي هذه الحال لنتذكر أن الديمقراطية أتاحت لهتلر وفرانكو وموسوليني الوصول إلى الحكم· والديمقراطية كما نتطلع إليها في سورية المقبلة، وفي بقية أرجاء العالم العربي، ليست مجرد نظام سياسي قائم على فصل السلطات فحسب، بل هي نظام للمجتمع التعددي، أي أنها عقد اجتماعي لا يجيز أبداً لمن وصل إلى السلطة بالانتخابات أن ينقلب عليها بذريعة الأغلبية، لأن من شروط سريان العقد التزام جميع الأطراف بنود هذا العقد·
الثورات العربية، كما بشرت الناس في بداياتها، تطلعت إلى الحرية في مواجهة الاستبداد، وإلى الديمقراطية في مواجهة الدكتاتورية، وإلى الكرامة كنقيض لامتهان الكرامة، وإلى العدالة الاجتماعية ضد الظلم الطبقي والفساد، وإلى المشاركة السياسية ضد التهميش· لكن ما حصل في مصر وتونس وليبيا وسورية كان قطعاً للطريق على هذه الأهداف، وعلى إمكان بناء مجتمع حديث ودولة عصرية· فقد وصلت جماعات دينية إلى السلطة تقوم في بنيتها على علاقة الشيخ (الرئيس) بأتباعه ومريديه على أساس البيعة· هكذا وظف الإسلاميون الجهل، وهكذا فازوا، وهذا نكوص عن المسار التحديثي الذي ظهر في تونس منذ سنة 1864 (خير الدين التونسي)، وفي مصر وسورية منذ القرن التاسع عشر مع محمد علي وابنه إبراهيم باشا·
إن توظيف الجهل والغرائز الدينية، وحتى المشاعر الوطنية، ليس جديداً في الحياة السياسية· ولعل أفضل مثال لذلك هو المافيا· ففي صقلية، وبالتحديد في سنة 1860، ظهر شعار Morte Alla Francia Italia Anelia (موت الفرنسيين هو صرخة إيطاليا)، والحروف الأولى لهذا الشعار تشكل كلمة MAFIA· وكان أعضاء هذه المجموعة وطنيين متعصبين يهاجمون جنود الاحتلال الفرنسيين والمتعاونين معهم· ثم راحوا يفرضون الإتاوات على التجار، ومن يرفض يُقتل أو تدمر متاجره· وكان القضاة يتغاضون عن جرائمهم، لأن القاضي الذي يتجرأ ويحكم على أحدهم يُقتل أو تُقتل عائلته· وفي سنة 1880 طلب منهم ملك إيطاليا بعدما ضجت الناس بأعمالهم الرحيل إلى أميركا، فرحلت العائلات الخمس الكبرى، وبدأت رحلة المافيا الأيطالية في البلاد الجديدة·
ما يجري اليوم في سورية يشبه، ولو شكلياً، ما حدث في ايطاليا في سنة 1860· فالمطالب الصحيحة للشعب السوري، وهي الحرية والديمقراطية والقضاء على النهب والفساد، ومحاسبة اللصوص والمجرمين، وتأسيس دولة عصرية جديدة، لا يجادل فيها أحد· لكن هذه الغايات النبيلة راحت تتحول على أيدي الجماعات التكفيرية والجماعات الثأرية والطائفية والعصابات المقاتلة إلى مجرد صرخة على غرار صرخة الأيطاليين ضد الفرنسيين· وما نخشاه هو أن تكون غاية الحرب في سورية هي فرط الجماعة الوطنية، وتفكيك الاجتماع البشري السوري، الأمر الذي سيؤدي إلى فرط الدولة التي نشأت على فكرة العروبة، عقب الاستقلال، وسيكون من المحال إعادة تكوينها إلا بصورة شوهاء، وعلى صورة المجتمع المفكك والمتكاره والمتعصب· العروبة هنا قوة دمج لمجتمع شديد التعدد والتنوع· ومن دون العروبة لن يتمكن السوريون من بناء دولة المستقبل القائمة على المواطنة المتساوية، بل سيصبحون سنة وعلويين وإسماعيليين ودروزاً ومسيحيين وأكراداً وتركماناً وشراكسة وأيزيديين وأرناؤوط وأبخاز، أي مجرد متحف بشري لأقوام متناحرة·
لماذا أُعيقت العلمانية في سورية بعد الاستقلال؟ لماذا ضمرت الديمقراطية في أرجائها مع أن النخبة شبه الليبرالية كانت موجودة طوال أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته؟ هذا ما سيحاول هذا الكتاب أن يجيب عنه في الفصول اللاحقة·
بيروت في 2013/1/5
Page 4
مـدخــل
الأطروحة الرئيسة في هذا الكتاب هي أن أعيان مدينة دمشق، لأسباب تاريخية متراكمة، حالوا دون أن تتطور سورية بعد الاستقلال في سنة 1946 إلى دولة ديمقراطية حديثة، وأن عدم تطورها على هذا النحو، لم يكن خياراً خالصاً للحكام الذين تعاقبوا على السلطة السياسية، بل إن أسباباً تاريخية واجتماعية واقتصادية ودينية كانت تعيق مثل هذا التحول منها ركاكة البنية التجارية للمدينة في عصر اندماج السوق السورية بالسوق العالمية في القرن التاسع عشر، وغلبة مالكي الأرض على الحياة الاقتصادية للمدينة، ودور رجال الدين (وبينهم كثير من مالكي الأرض والتجار) في السعي الدائم لتلطيف الصراعات الاجتماعية بصفة كونهم وسطاء اجتماعيين بين الفلاحين والملاّك الذين كانوا مرتبطين، إلى حد بعيد، بعلاقات أبوية متوارثة (1)، والطابع المحافظ للصناعيين والحرفيين ورجال الأعمال· وهذه العناصر كلها تشابكت معاً لتصبح سبباً رئيساً، من بين أسباب أُخرى، في عدم تبلور فئة اجتماعية (أو طبقة اجتماعية) تتبنى، عضوياً، مفاهيم الحرية والتعددية، وتحمل مشروعاً سياسياً جدياً لبناء نظام سياسي ديمقراطي معاصر·
سأحاول أيضاً البرهنة عن أن مثلث ملاك الأرض والتجار ورجال الدين، وهم أعيان دمشق، أعاقوا العَلمانية في سورية، أيما إعاقة، جراء الطابع المحافظ لهذا الثالوث التاريخي، ومهدوا الطريق، جراء فشل سياستهم الإقصائية، لاكتساح الأرياف البائسة معالم الدولة الحديثة المتبرعمة، الأمر الذي أدى إلى إقصاء المدينة نفسها، ولو جزئياً، عن الأفكار العَلمانية وعن التيارات السياسية الديمقراطية، وإلى تهميش الأرياف التي وجد أبناؤها في الأحزاب العَلمانية ملاذاً يعدهم بالمساواة والمواطنة المتساوية، ووجدوا في الجيش ميداناً للترقي الاجتماعي· وهذه العملية المركبة والمتفاعلة كانت، على الأرجح، الأساس الذي أدى إلى ظهور الدولة التسلطية المعاصرة في سورية· وبهذا المعنى، فإن التسلط (أو الاستبداد) لم يكن مجرد خيار حر للحاكم أو للجماعة الحاكمة، بقدر ما كان نتيجة غير محسوبة تماماً لهيمنة الأعيان على السياسة والثروة في المدينة العاصمة، لا لسورية وحدها، بل لبلاد الشام كلها تقريباً·
Page 5
المستبد والطاغية
التسلط ظاهرة تاريخية عرفتها جميع الحضارات البشرية بلا استثناء· غير أن الإنسانية المفكرة والمتألمة تمكنت، في إحدى مراحل تطورها، وخلال مخاض اقتصادي واجتماعي وسياسي وفكري عسير، من أن ترمي عن كاهلها قيود التسلط والاستبداد، وتنطلق إلى رحاب الحرية حتى باتت الدولة الاستبدادية مجرد ذكرى نافرة في تاريخها المكتوب بالألم· أما الشعوب العربية فما برحت تدفع ثمن الفَوَات التاريخي الذي جعلها تتخلف سنينَ طويلة عن بقية شعوب الأرض، وما زالت عالقة في شباك الدولة التسلطية، ما إن تقوم مرة حتى تقع مجدداً· وفي خضم ما يثيره هذا الواقع المروِّع من أسئلة تاريخية ومستقبلية معاً، فإن ثمة مجموعة من الأسئلة قلما نالت ما تستحق من التأمل والاستقصاء على غرار: هل إن الحاكم العربي يختار الاستبداد هكذا بحسب رغبته، أم إن للاستبداد والتسلط منشأً تاريخياً واجتماعياً يُرغم الحاكم أحياناً على سلوك هذا الطريق؟ هل إن الحاكم العربي يختار بمزاجه تطبيق القاعدة المشهورة التي تقول إن مــن الأفضل للحاكم أن تهابه الرعية بدلاً من أن تحبه، وأن صداقة الجنود المسلحين أهم من صداقة الشعب الأعزل؟ وهل يسير الحاكم هكذا بإرادته على هدي قاعدة كاليغولا اللاتينية التي تقول: ليكرهوا شرط أن يطيعوا؟ ولماذا لا يختار الحاكم أن تحبه الرعية وأن تهابه في الوقت نفسه؟ ومع تحفظنا من كلمة الرعية، فلماذا حتى الذين يدعون إلى الديمقراطية من زعماء الشعب هم دكتاتوريون في أحزابهم وفي جماعتهم وفي طوائفهــم؟
يقدم لنا لبنان أفضل مثال لهذه المفارقة، حيث كل زعيم فيه هو دكتاتور حقيقي يورِّث زعامته التي ورثها بدوره، وهو غير مستعد للتزحزح عنها إلا بالموت· ولبنان الذي تمتع بحريات كثيرة قياساً على محيطه العربي جراء نظام الاقتسام الطائفي للدولة، لم تكن الحريات متاحة فيه خارج الطوائف؛ فالشيوعيون والبعثيون والقوميون العرب والفلسطينيون كانوا زواراً دائمين للسجون في خمسينيات القرن العشرين وستينياته· وليس بعيداً عن الذاكرة الفتك الذي أنزله النظام الطائفي اللبناني بالفلسطينيين وبالحزب السوري القومي الاجتماعي في مطلع سنة 1962 غداة الانقلاب العسكري الفاشل· والسبب الواضح هو أن هذه الأحزاب كانت ذات طابع علماني، ونشأت خارج الطوائف، وكثيراً ما خاضت اشتباكاً فكرياً وسياسياً مع زعماء الطوائف، الأمر الذي جعلها بلا حمايــــة البتة، في الوقت الذي تمثل الطائفة في لبنان عصبية دمّية تحمي المنتمين إليها(2)·
في موروثنا الكلامي عبارة سائرة في الأفواه هي: إنما العاجز مَن لا يستبد وفي إرثنا الشعري ما هو قريب منها مثل البيت التالي:
والظلمُ من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلمُ
الاستبداد، بهذا المعنى، غير الطغيان· فالمستبد هو من استبد برأيه كالأب والزعيم· والمستبد ربما يرغب أحياناً، في حماية شعبه ويتطلع إلى تقدمه· بينما الطاغية يكون فاسداً بالضرورة، وهدفه السلطة والثروة فقط، وهو كمن يقطع شجرة لينال ثمرة (3)· والاستبداد ليس شأناً يختاره الحاكم هكذا بملء إرادته أو بمزاجه، إنما له منشأ تاريخي واجتماعي وديني أيضاً· بينما الديمقراطية في بلادنا ما زالت بلا جذور في التاريخ والاجتماع والدين معاً، ومن المحال أن تنبت جذورها في الهواء· وجذور الاستبداد موجودة في الحضارات النهرية والصحراوية بالدرجة الأولى (وفي الحضارات البعلية جزئياً)، وهي الحضارات التي ظهرت الواحدية في رحابها، وقضت على التعددية فيها· أما الديمقراطية فقد نشأت، في أول نشوئها، في المدن التجارية الساحلية أو في الجزر (أثينا مثلاً)· والديمقراطية كنظام سياسي لا تنشأ في البوادي أو في الجبال العاصية البعيدة عن طرق التجارة والحضارة· الديمقراطية هي بنت المدينة التجارية الحديثة التي تغلبت على أريافها بالإنتاج، وتغلبت على الإقطاع بشعار الحرية (حرية العمل وحرية المرور وحرية التجارة )· أما المدينة العربية فقد كانت دوماً مدينة الحاكم وشرطته وجنده، وتغلبت على الريف لا بالإنتاج، بل بالفتح العسكري·
كانت المدينة الأوروبية التي ظهرت فيها بشائر الديمقراطية الحديثة هي مدينة الطبقة الثالثة (البرجوازية)، أي مدينة التجار الذين حوّلوا التبادل إلى علم، وفيها ظهرت مفاهيم الادخار والاستثمار والإنتاج· بينما كان أعيان المدن العربية يرسخون مفاهيم الاستهلاك والتبذير في الوقت الذي كان التجار والحرفيون فيه يلجأون إلى الاكتناز خوفاً من المصادرة ومن بطش السلطان المستبد· فالدولة الإسلامية العربية الأولى كانت دولة ريعية طفيلية اغتنت بغنائم الفتح وبخراج الأراضي المفتتحة والجزية والرسوم والأعشار، وأغنت الحاكم عن نهب سكان المدن بالضرائب والمصادرات، فازدهر وضع التجار والحرفيين في بداية الأمر· لكن، ما إن انحسرت الفتوحات، وانكمشت عوائد الجزية بدخول الناس أفواجاً في دين الله، حتى فتح الحاكمون أبواباً لنهب التجار والحرفيين، وراحوا يصادرون الأراضي من الذين أُقطعت لهم، أو من الذين استولوا عليها بالفتح· لنتذكر رسالة سليمان بن عبد الملك إلى صاحب الخراج في مصر التي يقول له فيها: إحلب الضرع فإن انقطع فاحلب الدم ولعل ضعف التجار وهو أن أصحاب الحرف، علاوة على عدم احترام الملكية الخاصة للأرض، أدى، ذلك كله، إلى إعاقة ظهور المدينة التجارية الحديثة المرصودة لانبثاق قيم الحرية والتعدد والديمقراطية فيها، وأفسحت في المجال لمالكي الأرض ورجال الدين كي يتسيدوا الدولة ومصالحها تاركين لبقايا التجار والحرفيين فتات الثروة·