Page 1
1
كيف أبدأ والبدايات مقلقة؟
وهذا ما جعلني أمحو عشرات الصفحات قبل أن أستدل على أسلوب يمنح ما أكتبه مزيداً من التألق. وما جعلني أيضاً أعتني بقصاصات اختزلت فوقها في أوقات متفرقة بعض التفاصيل.
أما العناوين فلها أيضاً قلق البدايات وزحمتها. منها "الحب الحرام"، "الحب الحلال"، "أن أتذكر"، "أن أنسى"، "العاشقة"، "الخائبة"، وكلها عناوين لا تخلو من المباشرة؛ فأتركها قليلاً لتذهب عيناي للنظر إلى صورتك المستلقية على طرف المنضدة. هذه الصورة التي لا تشبهك كثيراً والتي شكّلتها بقلمي الداكن أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أفشل في نقلها. ليس معنى هذا نسياني لتقاطيع وجهك، بل على عكس ذلك، فكل ما يتعلق بك محفور في مخيلتي التي لاتزال صافية جداً.
أهم من ذلك هو أن عجزي عن الدخول إلى عالم الكتابة، جعلني أغيّر أجوائي، فقد يكون ما أصابني من عقم له علاقة بضجيج المدينة، أو بأبنيتها المتراصّة والمنتشرة بعشوائية على مد البصر.
لست أدري كيف ولدت الفكرة؟ فعلى عجل قررت وعلى عجل تحركت. فنصب عيني الابتعاد بطريقة ما.
كان عليّ ألا أنسى ما يلزمني من أجل غياب أسبوع. دفتر للكتابة. أقلام. نظّارة للقراءة. عباءة للنوم. عباءة للنهار. حقيبة العقاقير. حقيبة التبرج.
إنها فرصة للتغيير، مادام زوجي سيغيب شهراً في رحلة عمل كما أطلق على سفرته تلك، وبما أنني على يقين أن بصحبته امرأة ما، وبما أنني أيضاً أعبر فوق علاقاته تلك بلا مبالاة، ولهذا أتى القرار غير قابل للتغيير، وفي الحال أشرت للعاملة بالاستعداد.
كل شيء يوحي بالتفاؤل.
ابتسمت العاملة وربما تذكرت وقفتي وأنا أصغي إلى قارئة الفلك وتعليقاتها هذا الصباح، فقد أكدت أن في حياة مولود هذا اليوم نقلة جديدة، فإن تم استثمار معطياتها جيداً، ستحدث انطلاقة تدوم أعواماً.
لا. فليس لمهاترات كهذه دور في قرار السفر، وليس لنصيحة نعمة صديقتي الوفية التي ترى أن ابتعادي عن أجواء المدينة سيساعدني على استرداد صحتي التي بدأت بالتدهور منذ شهر تقريباً. فقد أتى كل شيء كومضة أضافت إلى قناعاتي الرضا.
الومضة أيضاً حملت في داخلها مزيداً من التفاصيل التي لها علاقة بالنصائح، ومع أنني على ثقة أن مدة أسبوع لن تتكفل بنسيانك، كما أن غياب عام سيعجز عن ذلك، غير أن الفكرة ستكون وسيلة لإعلامك عن مرحلة جديدة في التجاهل، ما دمت سأغيب عن حياتك بضعة الأيام هذه.
إذن حديثي موجه إليك. أنا أكتب لتقرأ. أقدم تقريراً بتحركاتي، السابق منها واللاحق، إلى لحظة القرار، مروراً بمراحل التنفيذ.
لم يبق سوى الهتاف لنعمة. ولأنها تمارس العمل الكتابي منذ شبابها، أخبرتها عن محاولاتي الكتابية، التي ربما سأفشل في نقلها إلى الورق. فدهشت من خبر كهذا؛ أكدت لها أن ما أقوم به لا علاقة له بالكتابة الجادة، وأنه مجرد أفكار تعتمل في رأسي، وستبقى حبراً على ورق، ولن يخرج إلى العلن أو إلى الصحف كما تفعل هي. كل ما هنالك أنني أستوحي الأفكار من سيرة زوجي وسيرة بعض الرجال، فقد يكون الاستغراق في العشق وإن كان فوق صفحات الورق، لأنه يخص امرأة، أكثر ضجيجاً واستهتاراً من حياة صاخبة لرجل يعيش العلاقة بكل أبعادها في الواقع.
أتتني ضحكتها على الهاتف، وبطريقة لا تخلو من مزاح أشارت إلى خيالي الذي سيعجز عن الوقوف أمام سياق الحقيقة، وعليّ الانتباه من خيال يتضمن في اللاشعور كشفاً لما هو غاف في مخزون الذاكرة، ولم تنس اتهام الثقافة بأنواعها -وهي المولعة بتلك الأحاديث- عن منعنا من التحرك في فضاء الواقع، حيث نضطر للسباحة في عالم الخيال، حالمين بتحقيق ما لا نستطيع تحقيقه، بينما نجهل مدى الخسارة ومردودها علينا أو على الآخرين، ونحن نحلم أو نتمنى في فضاء أقرب إلى الوهم منه إلى الخيال. ولم تنس التعليق حول ما يترتب على المرأة في حال ممارستها للحرية أو عدم ممارستها لها من دفعها لثمن باهظ في الحالتين.
نسيت للحال ما قالته.
أصبحنا أنا والعاملة على استعداد.
عددت ما يحمله الأسبوع من ساعات. دقائق. ثوان. رقم مشبع بالرضا. رقم تخطى ساعات متواصلة من الترقب. الآن. بعد قليل ثم الآن. لماذا تطول الساعات والدقائق في انتظار صوت لم يأت وكلمة لم تقل؟
أشبه امرأة منحوتة على جدار نسيها فنان لا يتقن صنعته. امرأة تدب الحياة في جسدها كل لحظة ولا تعرف كيف تنتقل إلى مكان آخر كي تتلقى لفحات من الدفء. البرد. الفرح. الحزن. مشاعر وأحاسيس تؤكد أنها في صلب الحياة التي وجدت نفسها تحلم بها على حين غرّة.
أجل أتى كل ذلك بطريقة فجائية.
وبطريقة فجائية أيضاً قررت أن أبدأ صفحة جديدة.
بين الاستمرار والتوقف ومضة قدرية تحمل لهفة الإنقاذ. أما لحظة الاستجابة فأتت ضمن سياق رغبة في استنجاد بالهروب، أو في نقلة جديدة أكدت عليها قارئة الفلك.
لم يكن الطريق طويلاً، بل مسافة تكفي لاسترجاع بعض الذكريات لا أكثر.
كل شيء جميل. السماء. الشمس. رائحة الجوري. عبق الزهور. زقزقات العصافير ولون عينيك.
كيف أبدأ والبدايات مقلقة؟
وهذا ما جعلني أمحو عشرات الصفحات قبل أن أستدل على أسلوب يمنح ما أكتبه مزيداً من التألق. وما جعلني أيضاً أعتني بقصاصات اختزلت فوقها في أوقات متفرقة بعض التفاصيل.
أما العناوين فلها أيضاً قلق البدايات وزحمتها. منها "الحب الحرام"، "الحب الحلال"، "أن أتذكر"، "أن أنسى"، "العاشقة"، "الخائبة"، وكلها عناوين لا تخلو من المباشرة؛ فأتركها قليلاً لتذهب عيناي للنظر إلى صورتك المستلقية على طرف المنضدة. هذه الصورة التي لا تشبهك كثيراً والتي شكّلتها بقلمي الداكن أكثر من مرة، وفي كل مرة كنت أفشل في نقلها. ليس معنى هذا نسياني لتقاطيع وجهك، بل على عكس ذلك، فكل ما يتعلق بك محفور في مخيلتي التي لاتزال صافية جداً.
أهم من ذلك هو أن عجزي عن الدخول إلى عالم الكتابة، جعلني أغيّر أجوائي، فقد يكون ما أصابني من عقم له علاقة بضجيج المدينة، أو بأبنيتها المتراصّة والمنتشرة بعشوائية على مد البصر.
لست أدري كيف ولدت الفكرة؟ فعلى عجل قررت وعلى عجل تحركت. فنصب عيني الابتعاد بطريقة ما.
كان عليّ ألا أنسى ما يلزمني من أجل غياب أسبوع. دفتر للكتابة. أقلام. نظّارة للقراءة. عباءة للنوم. عباءة للنهار. حقيبة العقاقير. حقيبة التبرج.
إنها فرصة للتغيير، مادام زوجي سيغيب شهراً في رحلة عمل كما أطلق على سفرته تلك، وبما أنني على يقين أن بصحبته امرأة ما، وبما أنني أيضاً أعبر فوق علاقاته تلك بلا مبالاة، ولهذا أتى القرار غير قابل للتغيير، وفي الحال أشرت للعاملة بالاستعداد.
كل شيء يوحي بالتفاؤل.
ابتسمت العاملة وربما تذكرت وقفتي وأنا أصغي إلى قارئة الفلك وتعليقاتها هذا الصباح، فقد أكدت أن في حياة مولود هذا اليوم نقلة جديدة، فإن تم استثمار معطياتها جيداً، ستحدث انطلاقة تدوم أعواماً.
لا. فليس لمهاترات كهذه دور في قرار السفر، وليس لنصيحة نعمة صديقتي الوفية التي ترى أن ابتعادي عن أجواء المدينة سيساعدني على استرداد صحتي التي بدأت بالتدهور منذ شهر تقريباً. فقد أتى كل شيء كومضة أضافت إلى قناعاتي الرضا.
الومضة أيضاً حملت في داخلها مزيداً من التفاصيل التي لها علاقة بالنصائح، ومع أنني على ثقة أن مدة أسبوع لن تتكفل بنسيانك، كما أن غياب عام سيعجز عن ذلك، غير أن الفكرة ستكون وسيلة لإعلامك عن مرحلة جديدة في التجاهل، ما دمت سأغيب عن حياتك بضعة الأيام هذه.
إذن حديثي موجه إليك. أنا أكتب لتقرأ. أقدم تقريراً بتحركاتي، السابق منها واللاحق، إلى لحظة القرار، مروراً بمراحل التنفيذ.
لم يبق سوى الهتاف لنعمة. ولأنها تمارس العمل الكتابي منذ شبابها، أخبرتها عن محاولاتي الكتابية، التي ربما سأفشل في نقلها إلى الورق. فدهشت من خبر كهذا؛ أكدت لها أن ما أقوم به لا علاقة له بالكتابة الجادة، وأنه مجرد أفكار تعتمل في رأسي، وستبقى حبراً على ورق، ولن يخرج إلى العلن أو إلى الصحف كما تفعل هي. كل ما هنالك أنني أستوحي الأفكار من سيرة زوجي وسيرة بعض الرجال، فقد يكون الاستغراق في العشق وإن كان فوق صفحات الورق، لأنه يخص امرأة، أكثر ضجيجاً واستهتاراً من حياة صاخبة لرجل يعيش العلاقة بكل أبعادها في الواقع.
أتتني ضحكتها على الهاتف، وبطريقة لا تخلو من مزاح أشارت إلى خيالي الذي سيعجز عن الوقوف أمام سياق الحقيقة، وعليّ الانتباه من خيال يتضمن في اللاشعور كشفاً لما هو غاف في مخزون الذاكرة، ولم تنس اتهام الثقافة بأنواعها -وهي المولعة بتلك الأحاديث- عن منعنا من التحرك في فضاء الواقع، حيث نضطر للسباحة في عالم الخيال، حالمين بتحقيق ما لا نستطيع تحقيقه، بينما نجهل مدى الخسارة ومردودها علينا أو على الآخرين، ونحن نحلم أو نتمنى في فضاء أقرب إلى الوهم منه إلى الخيال. ولم تنس التعليق حول ما يترتب على المرأة في حال ممارستها للحرية أو عدم ممارستها لها من دفعها لثمن باهظ في الحالتين.
نسيت للحال ما قالته.
أصبحنا أنا والعاملة على استعداد.
عددت ما يحمله الأسبوع من ساعات. دقائق. ثوان. رقم مشبع بالرضا. رقم تخطى ساعات متواصلة من الترقب. الآن. بعد قليل ثم الآن. لماذا تطول الساعات والدقائق في انتظار صوت لم يأت وكلمة لم تقل؟
أشبه امرأة منحوتة على جدار نسيها فنان لا يتقن صنعته. امرأة تدب الحياة في جسدها كل لحظة ولا تعرف كيف تنتقل إلى مكان آخر كي تتلقى لفحات من الدفء. البرد. الفرح. الحزن. مشاعر وأحاسيس تؤكد أنها في صلب الحياة التي وجدت نفسها تحلم بها على حين غرّة.
أجل أتى كل ذلك بطريقة فجائية.
وبطريقة فجائية أيضاً قررت أن أبدأ صفحة جديدة.
بين الاستمرار والتوقف ومضة قدرية تحمل لهفة الإنقاذ. أما لحظة الاستجابة فأتت ضمن سياق رغبة في استنجاد بالهروب، أو في نقلة جديدة أكدت عليها قارئة الفلك.
لم يكن الطريق طويلاً، بل مسافة تكفي لاسترجاع بعض الذكريات لا أكثر.
كل شيء جميل. السماء. الشمس. رائحة الجوري. عبق الزهور. زقزقات العصافير ولون عينيك.
Page 2
2
أذكر اللقاء الأول، لم يكن ذلك الرجل هو أنت الآن، وتلك المرأة لم تكن أنا التي هي الآن.
وكنا في صالة واسعة. نحتفل مع الآخرين بليلة رأس السنة. اكتشفت يومذاك أن الرجل الذي أصبح نجم السهرة يختلف عن الرجل الذي صورته في ذاكرتي. بجسدك النحيل وعينيك السوداوين، ببزتك البيضاء التي اشتهرت بها، قيل يومها إن لهندامك خصوصية لها علاقة بهذا اللون؛ لم تفاجئني ألوانك، كنت أفتش عن سر تفضحه حركتك أو نظرتك، عن أشياء تغيب لتحضر، أفتش عن رجل رسمت صورته في الذاكرة، وشكلت له قامة وألواناً، لم تكن عيناك في الذاكرة سوداوين، بل تخرجان من غابة تغص بالأشجار، لم تكن بزتك بيضاء، ولم تكن سوداء، كانت خليطاً لكل الألوان، ولم تكن ساحراً كما وصفوك، فعمر الأربعين يضفي ذلك السحر.
حين تعانق عقربا الساعة، تعانق الأزواج والأبناء، كنت وحيداً وبلا شريك، وكنت أفتش عن آخر حبيبة لك فهل هي بيننا. هل في مكان قريب؟
ما أعرفه عنك يعرفه غيري، ويعرفه كل مجتمعي، أناس يصطادون الخبر للتندر في ساعات الضجر، تعدّدت أسماء عشيقاتك ونهاياتهن، كما تعدّدت ألقابهن ومواصفاتهن. ولدت لدي تلك الليلة رغبة بصفع كل النساء. كنت قاسية على كل حبيباتك. كن رخيصات، أو هكذا خيّل إليّ.
جاء دور زوجي لاستضافتك بيننا، دعاك مرحباً. بدوت كطفل هادئ وأنت تمد يدك للسلام، ولا أدري كيف أتاني شعور النفور. كان ذلك أول انطباعاتي، فقد هيئ لي أن لك سطوة على العقول والقلوب، ولا أدري كيف استحضرت في ذاكرتي نساء مختلفات الأعمار والألوان وهيئ لي أنهن امرأة واحدة، قد تكون هي أو تلك، وقد تكون أنا، مادام الاختيار لا يقع ضمن شرط أو تمييز.
اكتشفت ذلك المساء أيضاً أن وجودك محبب عند الجميع، استغربت في البداية، غير أن لهفة زوجي بلقائك التي اعتبرتها تواطؤاً، استطعت تفسيرها بعد ذلك بأشهر، واستطعت التبرير للجميع، فأصبحت في نظري بعيداً كل البعد عن الشبهات.
بدت ليلة رأس السنة أكثر جمالاً، رقص الجميع على أنغام الجاز، رقصت كغيري بحرية وفرح، تحولنا إلى أسرة واحدة تحتفل بقدوم عام جديد، عام يجدد أحلامنا، عداك أنت، كنت منزوياً، بيدك كأس من الفودكا، قلت إنها المفضلة لديك، وقلت أيضاً إن بقية المشروبات لا تستهويك، أما انزواؤك فلأنك تهوى الهدوء والصمت. في الحقيقة لم أرتح لسلوكك، أو إنني اعتبرته أسلوباً لغاية ما.
لماذا أعود الآن إلى ذلك اليوم؟ هل لأنني استسلمت أخيراً لسطوتك؟
كيف تسللت إلينا؟ إلى أجوائنا وأسرارنا وخفايانا؟ كيف تغلغلت في أشيائنا؟ إلى كل فرد في أسرتنا.
توطّدت علاقتك بزوجي، أصبح أكثر طمأنينة إليك، أصبح يتصدّى لمن يتّهمك بالمواربة، أو لمن يثير حولك الشكوك، فأنت مغلوب على أمرك، لا ذنب لشخصيتك البراقة باستقطاب النسوة من حولك، هن من يسئن إليك، يشوهن اسمك وحاضرك، آراء زوجي لا جدال فيها، وينتهي كما يبتدئ، فأنت الخروف الذي تطارده الذئاب، وقد يكون لهذه المطاردة سبب كبير في إعاقة زواجك إلى الآن.
هل كانت علاقتكما صحيحة؟ هل كنت تستغل زوجي أو أنه استغل صداقتك؟ كيف صدّقك؟ وكيف صدّقتك أنا؟ وكيف استملت ابني الوحيد، ليعجب بك، ويخصص من وقته لزيارتك؟ كان مكتبك في أهم موقع في المدينة، هنالك تمكثان طويلاً، تتحاوران معاً، تستمع إلى همومه وشكواه، فأنت المحامي المشهور والقدوة الكبرى، وهو الذي تخرج قبل عامين في كلية الحقوق.
أفسّر الآن كل خطوة قمت بها، لم يعنك في بيتنا أول الأمر سوى زوجي، هل تعمدت هذا؟ كانت لقاءاتكما تتم في مكتبك أو في مقهى عام، وحين تهتف إلينا فلأن موعدكما اقترب، وحين توسعت العلاقة وشملت ابني، بدت الأمور على أفضل حال.
أسئلة بدأت في بداية العامين، وراحت تتضاءل مع الأيام، لأكتشف حقيقتك التي غابت عني، وأعتنق شيئاً فشيئاً آراء زوجي، وبات الاستئثار بنا أهم ما قمت به خلال عمرك، كأنك أتيت لتنقل حياتنا من الركود إلى الحيوية والتدفق.
بالنسبة لي لم أفكر بالسعي إليك لأكثر من سبب، فلا شيء يؤهلني لإقامة علاقة ما، كما لا مواصفات عندك تسمح لك بدخول عالمي، في وقت لم يستهوني بك شيء، كنت أنظر إليك وأقيّمك كغريب يعبر حياتنا، لم تنل من آرائي صفة جميلة، عدا نجاحك في العمل، ومؤهلاتك التي تثير حولك احتمالات الترقية.
لكن! هل كنت تسعى إلي؟
أعترف أنني استسلمت، بكل ما أحمل من قيم وأفكار، بكل ما لدي من ثقة واعتداد، بكل قوتي واستطاعتي، بكل ما لدي من إيمان.
وأعترف أننا متناقضان، أنت من عالم وأنا من عالم آخر، قد أكون من الخيال وأنت من الواقع، لكل منا عالمه، ولكل منا قناعاته، وببساطة أقول: أنا قريبة من السماء وأنت قريب من الأرض، وقد أكون أقرب إلى الوهم، في حين أنت أقرب إلى الواقع من الخيال. قد تكون من البشر، لكنني كالقلّة منهم، أنت تعرف ما تريد وتخطط له، تدرس الأمور كي ترد عليك بالمنفعة، في حين أستسلم أنا للمشيئة، وأدخل عالم الإلوهية التي قد تدلني على الطريق.
من منا يجني الثمار؟
من منا يصل لمبتغاه؟
أعرف الجواب تماماً كما تعرفه أنت، أعرف من منا يسير في الطريق الصحيح، لكنني أجبن أمام اتخاذ المواقف، على الأقل في هذه اللحظات.
قلبي يعرف الأسرار، فليس للحب طريق إلي، قلبي غفا ذات يوم على أجمل الأحلام، الحب هو الذي يأتي مرة فيأخذك إلى البعيد، يستأثر بك ويمنعك من خوض التجربة، يصلّي معك في الصبح وفي المساء، يهدهد لك كي لا تسقط، ويمنع عنك الأحزان.
ما الذي شدني إليك؟
هل هي الأرض التي أستكشف معالمها للمرة الأولى؟ هل هي التي تناديني لأهبط إلى أحضانها؟ لأتعلم طقوسها ولغتها، وأحفظ تلافيف جسدها؟
أنت وأنا مدرستان، مدرسة لها علاقة بالروح، وأخرى علاقتها بالجسد، أنت جاهل بأمور النفس، وأنا أجهل ماهية العلاقة مع الجسد.
لماذا أتحدث عن هذا الآن؟
هل استنكاراً أم استسلاماً، أو هو إصرار على دخول التجربة، أو هو لا هذا ولا ذاك، كالزلزال الذي يدمّر في طريقه أجمل الأشياء؟
تساءلت ذلك المساء، من منا سينتصر، ولمن ستكون الغلبة؟
كان أبي يقول: أكبر منك سناً أكثر منك معرفة.
لو كان أبي حياً لهرعت إليه وقلبت مقولته، فعلى الرغم من أنني أكبر منك سناً، أراك أكثر معرفة وأعمق تجربة.
ألا تكفي خمس سنوات لأقول هذا؟ سنوات قليلة في عمر طفل، تكفي ليمشي ويتكلم ويحفظ كل ما يقال. خمس سنوات إخالها دهراً.
أذكر اللقاء الأول، لم يكن ذلك الرجل هو أنت الآن، وتلك المرأة لم تكن أنا التي هي الآن.
وكنا في صالة واسعة. نحتفل مع الآخرين بليلة رأس السنة. اكتشفت يومذاك أن الرجل الذي أصبح نجم السهرة يختلف عن الرجل الذي صورته في ذاكرتي. بجسدك النحيل وعينيك السوداوين، ببزتك البيضاء التي اشتهرت بها، قيل يومها إن لهندامك خصوصية لها علاقة بهذا اللون؛ لم تفاجئني ألوانك، كنت أفتش عن سر تفضحه حركتك أو نظرتك، عن أشياء تغيب لتحضر، أفتش عن رجل رسمت صورته في الذاكرة، وشكلت له قامة وألواناً، لم تكن عيناك في الذاكرة سوداوين، بل تخرجان من غابة تغص بالأشجار، لم تكن بزتك بيضاء، ولم تكن سوداء، كانت خليطاً لكل الألوان، ولم تكن ساحراً كما وصفوك، فعمر الأربعين يضفي ذلك السحر.
حين تعانق عقربا الساعة، تعانق الأزواج والأبناء، كنت وحيداً وبلا شريك، وكنت أفتش عن آخر حبيبة لك فهل هي بيننا. هل في مكان قريب؟
ما أعرفه عنك يعرفه غيري، ويعرفه كل مجتمعي، أناس يصطادون الخبر للتندر في ساعات الضجر، تعدّدت أسماء عشيقاتك ونهاياتهن، كما تعدّدت ألقابهن ومواصفاتهن. ولدت لدي تلك الليلة رغبة بصفع كل النساء. كنت قاسية على كل حبيباتك. كن رخيصات، أو هكذا خيّل إليّ.
جاء دور زوجي لاستضافتك بيننا، دعاك مرحباً. بدوت كطفل هادئ وأنت تمد يدك للسلام، ولا أدري كيف أتاني شعور النفور. كان ذلك أول انطباعاتي، فقد هيئ لي أن لك سطوة على العقول والقلوب، ولا أدري كيف استحضرت في ذاكرتي نساء مختلفات الأعمار والألوان وهيئ لي أنهن امرأة واحدة، قد تكون هي أو تلك، وقد تكون أنا، مادام الاختيار لا يقع ضمن شرط أو تمييز.
اكتشفت ذلك المساء أيضاً أن وجودك محبب عند الجميع، استغربت في البداية، غير أن لهفة زوجي بلقائك التي اعتبرتها تواطؤاً، استطعت تفسيرها بعد ذلك بأشهر، واستطعت التبرير للجميع، فأصبحت في نظري بعيداً كل البعد عن الشبهات.
بدت ليلة رأس السنة أكثر جمالاً، رقص الجميع على أنغام الجاز، رقصت كغيري بحرية وفرح، تحولنا إلى أسرة واحدة تحتفل بقدوم عام جديد، عام يجدد أحلامنا، عداك أنت، كنت منزوياً، بيدك كأس من الفودكا، قلت إنها المفضلة لديك، وقلت أيضاً إن بقية المشروبات لا تستهويك، أما انزواؤك فلأنك تهوى الهدوء والصمت. في الحقيقة لم أرتح لسلوكك، أو إنني اعتبرته أسلوباً لغاية ما.
لماذا أعود الآن إلى ذلك اليوم؟ هل لأنني استسلمت أخيراً لسطوتك؟
كيف تسللت إلينا؟ إلى أجوائنا وأسرارنا وخفايانا؟ كيف تغلغلت في أشيائنا؟ إلى كل فرد في أسرتنا.
توطّدت علاقتك بزوجي، أصبح أكثر طمأنينة إليك، أصبح يتصدّى لمن يتّهمك بالمواربة، أو لمن يثير حولك الشكوك، فأنت مغلوب على أمرك، لا ذنب لشخصيتك البراقة باستقطاب النسوة من حولك، هن من يسئن إليك، يشوهن اسمك وحاضرك، آراء زوجي لا جدال فيها، وينتهي كما يبتدئ، فأنت الخروف الذي تطارده الذئاب، وقد يكون لهذه المطاردة سبب كبير في إعاقة زواجك إلى الآن.
هل كانت علاقتكما صحيحة؟ هل كنت تستغل زوجي أو أنه استغل صداقتك؟ كيف صدّقك؟ وكيف صدّقتك أنا؟ وكيف استملت ابني الوحيد، ليعجب بك، ويخصص من وقته لزيارتك؟ كان مكتبك في أهم موقع في المدينة، هنالك تمكثان طويلاً، تتحاوران معاً، تستمع إلى همومه وشكواه، فأنت المحامي المشهور والقدوة الكبرى، وهو الذي تخرج قبل عامين في كلية الحقوق.
أفسّر الآن كل خطوة قمت بها، لم يعنك في بيتنا أول الأمر سوى زوجي، هل تعمدت هذا؟ كانت لقاءاتكما تتم في مكتبك أو في مقهى عام، وحين تهتف إلينا فلأن موعدكما اقترب، وحين توسعت العلاقة وشملت ابني، بدت الأمور على أفضل حال.
أسئلة بدأت في بداية العامين، وراحت تتضاءل مع الأيام، لأكتشف حقيقتك التي غابت عني، وأعتنق شيئاً فشيئاً آراء زوجي، وبات الاستئثار بنا أهم ما قمت به خلال عمرك، كأنك أتيت لتنقل حياتنا من الركود إلى الحيوية والتدفق.
بالنسبة لي لم أفكر بالسعي إليك لأكثر من سبب، فلا شيء يؤهلني لإقامة علاقة ما، كما لا مواصفات عندك تسمح لك بدخول عالمي، في وقت لم يستهوني بك شيء، كنت أنظر إليك وأقيّمك كغريب يعبر حياتنا، لم تنل من آرائي صفة جميلة، عدا نجاحك في العمل، ومؤهلاتك التي تثير حولك احتمالات الترقية.
لكن! هل كنت تسعى إلي؟
أعترف أنني استسلمت، بكل ما أحمل من قيم وأفكار، بكل ما لدي من ثقة واعتداد، بكل قوتي واستطاعتي، بكل ما لدي من إيمان.
وأعترف أننا متناقضان، أنت من عالم وأنا من عالم آخر، قد أكون من الخيال وأنت من الواقع، لكل منا عالمه، ولكل منا قناعاته، وببساطة أقول: أنا قريبة من السماء وأنت قريب من الأرض، وقد أكون أقرب إلى الوهم، في حين أنت أقرب إلى الواقع من الخيال. قد تكون من البشر، لكنني كالقلّة منهم، أنت تعرف ما تريد وتخطط له، تدرس الأمور كي ترد عليك بالمنفعة، في حين أستسلم أنا للمشيئة، وأدخل عالم الإلوهية التي قد تدلني على الطريق.
من منا يجني الثمار؟
من منا يصل لمبتغاه؟
أعرف الجواب تماماً كما تعرفه أنت، أعرف من منا يسير في الطريق الصحيح، لكنني أجبن أمام اتخاذ المواقف، على الأقل في هذه اللحظات.
قلبي يعرف الأسرار، فليس للحب طريق إلي، قلبي غفا ذات يوم على أجمل الأحلام، الحب هو الذي يأتي مرة فيأخذك إلى البعيد، يستأثر بك ويمنعك من خوض التجربة، يصلّي معك في الصبح وفي المساء، يهدهد لك كي لا تسقط، ويمنع عنك الأحزان.
ما الذي شدني إليك؟
هل هي الأرض التي أستكشف معالمها للمرة الأولى؟ هل هي التي تناديني لأهبط إلى أحضانها؟ لأتعلم طقوسها ولغتها، وأحفظ تلافيف جسدها؟
أنت وأنا مدرستان، مدرسة لها علاقة بالروح، وأخرى علاقتها بالجسد، أنت جاهل بأمور النفس، وأنا أجهل ماهية العلاقة مع الجسد.
لماذا أتحدث عن هذا الآن؟
هل استنكاراً أم استسلاماً، أو هو إصرار على دخول التجربة، أو هو لا هذا ولا ذاك، كالزلزال الذي يدمّر في طريقه أجمل الأشياء؟
تساءلت ذلك المساء، من منا سينتصر، ولمن ستكون الغلبة؟
كان أبي يقول: أكبر منك سناً أكثر منك معرفة.
لو كان أبي حياً لهرعت إليه وقلبت مقولته، فعلى الرغم من أنني أكبر منك سناً، أراك أكثر معرفة وأعمق تجربة.
ألا تكفي خمس سنوات لأقول هذا؟ سنوات قليلة في عمر طفل، تكفي ليمشي ويتكلم ويحفظ كل ما يقال. خمس سنوات إخالها دهراً.
Page 3
3
لماذا أتذكر نعمة؟ هل لأنها الماضي والحاضر؟
نعمة في الذاكرة الأخت والصديقة، والبحر الذي أرمي فيه أحزاني وأخبئ أحلامي. هي المرآة التي تعكس صورتي من دون خوف أو ريبة.
كل شيء عندها له طعم الذكرى. هدوؤها. صمتها، ومسحة الحزن في عينيها. لذكرياتنا طعم الطمأنينة. لأحلامنا لمسات تدغدغ الروح. يفرض الحب وجوده علينا كلما غرد طير وشدا صوت. يحملنا إلى عالم من جمال. إلى عالم من رضا. إلى الانطلاق. إلى الانعتاق. إلى الشوق لوجه حبيب يعبر قربنا أو يلقي نظرة. إلى وجه يغدق علينا كنوز شوق. إلى فرح نحمله بين جوانحنا كمؤونة لتلك الجلسات المتقطعة بين حصص الدراسة، ننثرها كثروة تنعش النفس والروح.
كانت أكثرنا تميزاً في ثانوية البنات. لها بصيرة نحسدها عليها نحن الزميلات. فنلجأ إليها طلباً للمساعدة، فتروي قصصاً مذهلة؛ أحداثاً أقرب إلى الخيال والأساطير. نصدق أو نستغرب، فتبدو رقيقة وحزينة في آن. غير أن نظرة التحدي لم تفارق عينيها، ولم نكن ندرك تفسيرها، فنستمع إلى آرائها كأحجية لا تفسير لها، خاصة حين تنهمر الكلمات مصحوبة بغصة متجددة، تكون في مقارنة بين الأمس في ذاكرة أمها والحاضر في واقعه الحالي. فتتقاطع أفكارها. جدّها. جدّتها. أقاربها. تتهيّب من الذكرى. من القادم. من شر يغتال في كل لحظة طفلاً. من وهم أقرب إلى الكذب والنفاق. من خداع يتجّدد باستمرار. من حق مرتهن بأيد غاشمة.
برعت نعمة منذ أيام الإعدادية بكل ما يتعلق بالكتابة. أذكر انتباه مدرّسة اللغة العربية لها. خاصة وهي تشيد في كل مناسبة بأسلوبها ومواضيعها، وتشير إلى موهبة تفرض نفسها في كل المواد.
لم تتابع نعمة دراستها، واكتفت بنيلها الثانوية العامة. إذ كان عليها مساندة والدها الذي هدّه الحزن والمرض.
تلك الفترة تزوجت هي من ميّار، وتزوجت أنا من سامح.
لماذا أحدثك عن نعمة؟ هل لأنها رفيقة العمر؟ هل لأن صداقتنا استمرت، وبخاصة مع أفراد أسرتي. أذكر مفاجأة ابني يوم اكتشف أنها ليست أختاً لي. بقي في ذهول وهو يستعيد ذكرياته معها. اهتمامها به. هداياها. قضاء عطلة الأسبوع بصحبتها. اصطحابها له إلى دور السينما وإلى الحديقة القريبة.
حدّثته يومذاك عن طفولتها، وعن نزوح أهلها إلى سوريا، والإقامة في مخيمات خصصت لمهجري فلسطين، وعن تاريخ ولادتها ونشأتها، وكيف ضمتنا المدرسة لنتعارف ونتصادق ونستمر إلى ما بعد الزواج.
اختلفنا أنا وهي في أسلوب الحياة. فاهتماماتها تنحصر بوطن أهلها وأجدادها، وهي التي لم تولد فيه، لكنه يعني العودة والاستمرار.
لم تلبِّ نعمة في يوم دعوتي لاحتفال أو سهرة، ولم تستهوها المشاركة فيما له علاقة بعيد أو ذكرى ميلاد، فأعيادها مؤجلة إلى يوم تنتظره بفارغ الصبر، إلى يوم تتحقق فيه أحلامها وأحلام الكثيرين ممن حولها. وأكثر ما سعت إليه هو الحفاظ على ذكرى ميّار. زوجها الذي مات شهيداً قبل أن يصبح أباً. نصحتها كثيراً بترتيب حياتها من جديد. أن تتزوج وتنجب، أو ترسم لنفسها ما يليق بامرأة جميلة أن تحيا بسلام، فتبتسم بحزن، فهي خارج الحياة إلى أن تعود الحياة إليها، فلا يليق بزوجة شهيد أن تعيش خارج قدسية الشهادة.
لم يعد ميّار في آخر رحيل له، وهو الذي لم ينس وطنه، ولم ينس انتظاره لتلبية النداء. أذكر تلك الأيام بأدق تفاصيلها. كم بدت نعمة رائعة بدموعها وصمتها واستغرابها؟ بأحاديثها عن رجلها الذي قدم حياته لبلده؟ ويوم عاد بكفن الوطن مرّغت وجهها بأذياله.
جميلة نعمة، بوجهها الصبوح. بشعرها المعقوص وجديلتها الطويلة، التي تبرز فسحة من جبينها وتضفي على بشرتها السمراء مزيداً من النقاء.
لماذا أتذكر نعمة؟ هل لأنها الماضي والحاضر؟
نعمة في الذاكرة الأخت والصديقة، والبحر الذي أرمي فيه أحزاني وأخبئ أحلامي. هي المرآة التي تعكس صورتي من دون خوف أو ريبة.
كل شيء عندها له طعم الذكرى. هدوؤها. صمتها، ومسحة الحزن في عينيها. لذكرياتنا طعم الطمأنينة. لأحلامنا لمسات تدغدغ الروح. يفرض الحب وجوده علينا كلما غرد طير وشدا صوت. يحملنا إلى عالم من جمال. إلى عالم من رضا. إلى الانطلاق. إلى الانعتاق. إلى الشوق لوجه حبيب يعبر قربنا أو يلقي نظرة. إلى وجه يغدق علينا كنوز شوق. إلى فرح نحمله بين جوانحنا كمؤونة لتلك الجلسات المتقطعة بين حصص الدراسة، ننثرها كثروة تنعش النفس والروح.
كانت أكثرنا تميزاً في ثانوية البنات. لها بصيرة نحسدها عليها نحن الزميلات. فنلجأ إليها طلباً للمساعدة، فتروي قصصاً مذهلة؛ أحداثاً أقرب إلى الخيال والأساطير. نصدق أو نستغرب، فتبدو رقيقة وحزينة في آن. غير أن نظرة التحدي لم تفارق عينيها، ولم نكن ندرك تفسيرها، فنستمع إلى آرائها كأحجية لا تفسير لها، خاصة حين تنهمر الكلمات مصحوبة بغصة متجددة، تكون في مقارنة بين الأمس في ذاكرة أمها والحاضر في واقعه الحالي. فتتقاطع أفكارها. جدّها. جدّتها. أقاربها. تتهيّب من الذكرى. من القادم. من شر يغتال في كل لحظة طفلاً. من وهم أقرب إلى الكذب والنفاق. من خداع يتجّدد باستمرار. من حق مرتهن بأيد غاشمة.
برعت نعمة منذ أيام الإعدادية بكل ما يتعلق بالكتابة. أذكر انتباه مدرّسة اللغة العربية لها. خاصة وهي تشيد في كل مناسبة بأسلوبها ومواضيعها، وتشير إلى موهبة تفرض نفسها في كل المواد.
لم تتابع نعمة دراستها، واكتفت بنيلها الثانوية العامة. إذ كان عليها مساندة والدها الذي هدّه الحزن والمرض.
تلك الفترة تزوجت هي من ميّار، وتزوجت أنا من سامح.
لماذا أحدثك عن نعمة؟ هل لأنها رفيقة العمر؟ هل لأن صداقتنا استمرت، وبخاصة مع أفراد أسرتي. أذكر مفاجأة ابني يوم اكتشف أنها ليست أختاً لي. بقي في ذهول وهو يستعيد ذكرياته معها. اهتمامها به. هداياها. قضاء عطلة الأسبوع بصحبتها. اصطحابها له إلى دور السينما وإلى الحديقة القريبة.
حدّثته يومذاك عن طفولتها، وعن نزوح أهلها إلى سوريا، والإقامة في مخيمات خصصت لمهجري فلسطين، وعن تاريخ ولادتها ونشأتها، وكيف ضمتنا المدرسة لنتعارف ونتصادق ونستمر إلى ما بعد الزواج.
اختلفنا أنا وهي في أسلوب الحياة. فاهتماماتها تنحصر بوطن أهلها وأجدادها، وهي التي لم تولد فيه، لكنه يعني العودة والاستمرار.
لم تلبِّ نعمة في يوم دعوتي لاحتفال أو سهرة، ولم تستهوها المشاركة فيما له علاقة بعيد أو ذكرى ميلاد، فأعيادها مؤجلة إلى يوم تنتظره بفارغ الصبر، إلى يوم تتحقق فيه أحلامها وأحلام الكثيرين ممن حولها. وأكثر ما سعت إليه هو الحفاظ على ذكرى ميّار. زوجها الذي مات شهيداً قبل أن يصبح أباً. نصحتها كثيراً بترتيب حياتها من جديد. أن تتزوج وتنجب، أو ترسم لنفسها ما يليق بامرأة جميلة أن تحيا بسلام، فتبتسم بحزن، فهي خارج الحياة إلى أن تعود الحياة إليها، فلا يليق بزوجة شهيد أن تعيش خارج قدسية الشهادة.
لم يعد ميّار في آخر رحيل له، وهو الذي لم ينس وطنه، ولم ينس انتظاره لتلبية النداء. أذكر تلك الأيام بأدق تفاصيلها. كم بدت نعمة رائعة بدموعها وصمتها واستغرابها؟ بأحاديثها عن رجلها الذي قدم حياته لبلده؟ ويوم عاد بكفن الوطن مرّغت وجهها بأذياله.
جميلة نعمة، بوجهها الصبوح. بشعرها المعقوص وجديلتها الطويلة، التي تبرز فسحة من جبينها وتضفي على بشرتها السمراء مزيداً من النقاء.
Page 4
4
تزوجت في سن العشرين، بعد خطوبة دامت عامين. كنت آنذاك أحمل أفكاراً جميلة، وقناعة تصل إلى حد الاستسلام؛ فالارتباط يعني الصدق والوفاء، يعني البيت والأسرة والحب. كان لتلك الأيام طعم الاندفاع والأمل، فأزهو حاملة أحلامي، مجدّدة عهدي، فسأكون وبكل ما أحمل لمن اخترته شريكاً، أعيش معه في كل ظروف الحياة كيفما كانت هذه الظروف.
لم يأتني الزواج بالفرح، كان كل شيء غريباً عليّ، ربما لصغر سني، أو لعدم خبرتي بإدارة بيت أو ما يتعلق بمتطلبات زوج. وربما لأنني من أسرة محافظة، حظّر عليّ الخوض في الأمور التي لها علاقة بمتطلبات الجسد.
أكثر ما أذكره عن أمي، هو استسلامها في أوقات الفراغ لقراءة الكتاب المقدس. وحين تحادثنا تبدو كمرشدة وهي تستشهد بما قرأت. حفظنا أنا وأخي كثيراً مما رددته على مسامعنا. أكثر ما تعودت عليه آنذاك، نصائحها وإرشاداتها، كانت تستثني أخي أمام بعض المفاهيم، فالشاب لا تعيقه الأقاويل.
استطعت التأقلم مع زوجي في بداية الأمر، أو أنه أوحى إليّ بذلك، إلى أن اكتشفت مع الأيام أنني لم أستطع تلبية حاجات جسده، التي كانت من أوليات اهتماماته. في وقت أتاني اعتقاد بأننا متشابهان أمام الرغبات، التي باءت بالفشل منذ بداياتها وراحت تخف شيئاً فشيئاً، إلى أن كرهت تلك العلاقة، وبات التهرّب منها مكشوفاً، فتباعدت لقاءاتنا، ويوم أنجبت ابني الوحيد وبعد سنوات من الزواج كنت في منتصف العشرينيات.
لم تكن لي مشكلة أمام تلك العلاقة، خاصة ولأن في مجتمعاتنا نحن النساء تطرح مثل هذه الأمور، ففي سن معين يتصادق الزوجان. كان هذا أمراً جميلاً يدغدغ مشاعري. أليس جميلاً العيش بصحبة رجل هو الشريك والصديق؟
لم يدر في ذهني آنذاك أمر له علاقة بوجود امرأة تكون البديل، كنت أشعر بالتميّز والتفوق، ربما لثقتي بنفسي، أحمل آراء صقلتها قراءاتي المتنوعة، كان هذا أكثر ما كسبته وأنا أشبّ بين أحضان أسرتي.
أحببت زوجي كما أحبني، بقي بيننا ذلك الود والاحترام، لم نختلف على أمر، فنبدو في المناسبات أكثر تفاهماً، نبتهج أمام تعابير الاستحسان، أو لأننا القدوة لزوجين منحتهما الحياة فرص النجاح. غير أننا وحين ننفرد، نصبح شخصين آخرين، فيعرف أنني سأهرب من فراشه، أو أنه لن يحاول الاقتراب من فراشي، وأحاول بطريقة ما بث مشاعر الامتنان له، فأنا في غاية قصوى من التعب، وعليه احترام وضعي الذي لا يد لي فيه.
أفسر الآن كل تصرف أو حركة. أكتشف الآن معنى علاقتي بزوجي التي لم أعرف الخوض فيها، فهل كنت سبباً في انحرافه؟ هل حين اكتشفت دور الجسد عذرت بحثه عن البديل؟ وأتساءل الآن، هل لفتور العلاقة من سبب؟ وهل لو تمتنت تلك العلاقة لاختلف الأمر معك؟ وهل كنت ستبقى في عيني أبشع الرجال؟
لماذا لم تتبدّل نعمة وبقي ميّار في عينيها أجمل الرجال، ولماذا تبدلت أنا؟ سؤال خطر على بالي كثيراً، وكان الجواب يصر على اتهامي، فأنا التي تبدّلت ما دامت هي لم تتبدّل، وحافظت على ما يربطها بميّار في غيابه كما في حضوره، وربما لوفائها حافظت على استمرار العلاقة بيننا.
كان ميّار طويل القامة. أسمر اللون. على وجهه مسحة هدوء. أما من ينظر إليه فسيكتشف ابتسامة لا تهدأ، وتحتار في لون هاتين العينين، ربما كان خليطاً من لون البحر وورق الزيتون.
لم يكن لزوجي من صفات ميّار. كان أبيض اللون. بعينين سوداوين. كان متوسط الطول. ثقيل الحركة. يعتقد من يراه أنه مثقل بالهموم.
لماذا أحدثك بكل هذا؟
هل لأقول إن ميّار أحب امرأة واحدة، وإنّ سامح تعدّدت في حياته النساء.
كان هذا قبل سنوات طويلة، قبل أن أصح أماً، وقبل أن تتعدّد في حياته العشيقات.
لماذا أتذكّر كل هذا؟
هل لأخلق تبريراً لما أنا فيه؟ هل لأتوقف عن التساؤلات؟
لو كنت أصغر سناً، لأطلقت على ما أنا فيه حباً، ما الذي أقوله في عمري الآن؟ أشبه الغريق الذي يتمسك بآخر أمل، أو هي اليقظة قبل ساعة النهاية.
لا أذكر كيف كنت قبلك، أو كيف قضيت كل تلك السنوات. أذكر أنني كنت راضية بكل شيء.
لم يكن لي تطلعات عدا أمور بيتي الجميل، وتصيّد السهرات التي تضم أفراد مجتمعنا ذاك، فأزهو هناك، وقد أنتشي كما يحدث للجميع، فأنهض للرقص من دون استحياء، وأدرك أن الأكف ستعلو بالتصفيق، وربما استقبلت نظرات الإعجاب، من نساء ورجال على حد سواء، غير أنني لم أنس قط أول مرة أزحت الحياء عن وجهي.
تزوجت في سن العشرين، بعد خطوبة دامت عامين. كنت آنذاك أحمل أفكاراً جميلة، وقناعة تصل إلى حد الاستسلام؛ فالارتباط يعني الصدق والوفاء، يعني البيت والأسرة والحب. كان لتلك الأيام طعم الاندفاع والأمل، فأزهو حاملة أحلامي، مجدّدة عهدي، فسأكون وبكل ما أحمل لمن اخترته شريكاً، أعيش معه في كل ظروف الحياة كيفما كانت هذه الظروف.
لم يأتني الزواج بالفرح، كان كل شيء غريباً عليّ، ربما لصغر سني، أو لعدم خبرتي بإدارة بيت أو ما يتعلق بمتطلبات زوج. وربما لأنني من أسرة محافظة، حظّر عليّ الخوض في الأمور التي لها علاقة بمتطلبات الجسد.
أكثر ما أذكره عن أمي، هو استسلامها في أوقات الفراغ لقراءة الكتاب المقدس. وحين تحادثنا تبدو كمرشدة وهي تستشهد بما قرأت. حفظنا أنا وأخي كثيراً مما رددته على مسامعنا. أكثر ما تعودت عليه آنذاك، نصائحها وإرشاداتها، كانت تستثني أخي أمام بعض المفاهيم، فالشاب لا تعيقه الأقاويل.
استطعت التأقلم مع زوجي في بداية الأمر، أو أنه أوحى إليّ بذلك، إلى أن اكتشفت مع الأيام أنني لم أستطع تلبية حاجات جسده، التي كانت من أوليات اهتماماته. في وقت أتاني اعتقاد بأننا متشابهان أمام الرغبات، التي باءت بالفشل منذ بداياتها وراحت تخف شيئاً فشيئاً، إلى أن كرهت تلك العلاقة، وبات التهرّب منها مكشوفاً، فتباعدت لقاءاتنا، ويوم أنجبت ابني الوحيد وبعد سنوات من الزواج كنت في منتصف العشرينيات.
لم تكن لي مشكلة أمام تلك العلاقة، خاصة ولأن في مجتمعاتنا نحن النساء تطرح مثل هذه الأمور، ففي سن معين يتصادق الزوجان. كان هذا أمراً جميلاً يدغدغ مشاعري. أليس جميلاً العيش بصحبة رجل هو الشريك والصديق؟
لم يدر في ذهني آنذاك أمر له علاقة بوجود امرأة تكون البديل، كنت أشعر بالتميّز والتفوق، ربما لثقتي بنفسي، أحمل آراء صقلتها قراءاتي المتنوعة، كان هذا أكثر ما كسبته وأنا أشبّ بين أحضان أسرتي.
أحببت زوجي كما أحبني، بقي بيننا ذلك الود والاحترام، لم نختلف على أمر، فنبدو في المناسبات أكثر تفاهماً، نبتهج أمام تعابير الاستحسان، أو لأننا القدوة لزوجين منحتهما الحياة فرص النجاح. غير أننا وحين ننفرد، نصبح شخصين آخرين، فيعرف أنني سأهرب من فراشه، أو أنه لن يحاول الاقتراب من فراشي، وأحاول بطريقة ما بث مشاعر الامتنان له، فأنا في غاية قصوى من التعب، وعليه احترام وضعي الذي لا يد لي فيه.
أفسر الآن كل تصرف أو حركة. أكتشف الآن معنى علاقتي بزوجي التي لم أعرف الخوض فيها، فهل كنت سبباً في انحرافه؟ هل حين اكتشفت دور الجسد عذرت بحثه عن البديل؟ وأتساءل الآن، هل لفتور العلاقة من سبب؟ وهل لو تمتنت تلك العلاقة لاختلف الأمر معك؟ وهل كنت ستبقى في عيني أبشع الرجال؟
لماذا لم تتبدّل نعمة وبقي ميّار في عينيها أجمل الرجال، ولماذا تبدلت أنا؟ سؤال خطر على بالي كثيراً، وكان الجواب يصر على اتهامي، فأنا التي تبدّلت ما دامت هي لم تتبدّل، وحافظت على ما يربطها بميّار في غيابه كما في حضوره، وربما لوفائها حافظت على استمرار العلاقة بيننا.
كان ميّار طويل القامة. أسمر اللون. على وجهه مسحة هدوء. أما من ينظر إليه فسيكتشف ابتسامة لا تهدأ، وتحتار في لون هاتين العينين، ربما كان خليطاً من لون البحر وورق الزيتون.
لم يكن لزوجي من صفات ميّار. كان أبيض اللون. بعينين سوداوين. كان متوسط الطول. ثقيل الحركة. يعتقد من يراه أنه مثقل بالهموم.
لماذا أحدثك بكل هذا؟
هل لأقول إن ميّار أحب امرأة واحدة، وإنّ سامح تعدّدت في حياته النساء.
كان هذا قبل سنوات طويلة، قبل أن أصح أماً، وقبل أن تتعدّد في حياته العشيقات.
لماذا أتذكّر كل هذا؟
هل لأخلق تبريراً لما أنا فيه؟ هل لأتوقف عن التساؤلات؟
لو كنت أصغر سناً، لأطلقت على ما أنا فيه حباً، ما الذي أقوله في عمري الآن؟ أشبه الغريق الذي يتمسك بآخر أمل، أو هي اليقظة قبل ساعة النهاية.
لا أذكر كيف كنت قبلك، أو كيف قضيت كل تلك السنوات. أذكر أنني كنت راضية بكل شيء.
لم يكن لي تطلعات عدا أمور بيتي الجميل، وتصيّد السهرات التي تضم أفراد مجتمعنا ذاك، فأزهو هناك، وقد أنتشي كما يحدث للجميع، فأنهض للرقص من دون استحياء، وأدرك أن الأكف ستعلو بالتصفيق، وربما استقبلت نظرات الإعجاب، من نساء ورجال على حد سواء، غير أنني لم أنس قط أول مرة أزحت الحياء عن وجهي.
Page 5
أحببت الرقص منذ طفولتي، كنت أغتنم الفرص لأغني أو لأرقص، لم يلحظ والدايّ ذلك، كنت على ثقة أنهما سيؤنبانني، خاصة أمي، إذ يترتب على البنات مزيد من التحفظ، وكنت بيني وبين نفسي أستغرب ما تقول، وكم فكرت بإجابتها إنني سعيدة بذلك، وفي مرات أخرى أكتشف حركة قدمي وهي تتحرك على إيقاع كان يتهيأ لي أنه لحن حزين، فأشتاق للتمرد بطريقة أقرب إلى الحركة والرقص، فأضحك وأتساءل كيف سأرد عندها على أسئلة أمي بإجابتين مختلفتين؟
لم يتوقف ذلك على الرقص، فكل ما يتعلق بالخفر والحياء تلبّسني منذ الصغر، على عكس ما كان يحققه أخي من مكتسبات نفسية وجسدية، وكنا نشب وبيننا هوة في التجربة، يحق له ما لا يحق لي، في حين تقاسمنا بعض الأمور الأخرى التي لم تكن لتشكل هاجساً لي.
يوم حصل التحول، كنت في سني الزواج الأولى. ها أنا أسمّي تلك الأيام بالمرحلة الفاصلة بين ماقبل ومابعد. يوم اكتشفت علاقته بتلك المرأة، دخلت في حالة من ضياع، كيف ولماذا؟ حزنت. بكيت. غضبت، وحين صحوت من كابوس لم أكن أتوقعه راجعت نفسي، وقررت مشاركته مشاعر الذنب، فقد ساهمت بطريقة أو بأخرى بما إلنا إليه. ظننت أن هذا أفضل ما سأفعله، فقد بدا رائعاً وهو يقابل غفراني بالحب، إلى أن اعتقدت بأن ما حدث لن يتكرّر ثانية.
لكن ماحدث تكرّر أكثر من مرة. تلك الفترة لم تأخذ علاقاته صفة الاستمرار. كانت تعبر كنزوة، ووراء كل نزوة كنت أنتظر توبته بصدق، أنتظر عودته بقهر وقنوط، أذكر تلك الأيام جيداً، كنت امرأة حزينة، ضعيفة وواهنة، عفت الطعام والنوم، وما إن خرجت شيئاً فشيئاً من محنتي، حتى قررت استمالته من جديد، لأكتشف أنني عاجزة عن استرجاعه، وأنني امرأة لا يرغب بها رجل، وكنت آنذاك أحاول التمسك به بكل ما أستطيع.
لاأدري الآن. كيف تعودت على ما أنا فيه؟ كيف استسلمت لحياة لم أكن أحسب لها أو أرغب بها؟ أكثر ما أذكره ذلك المساء، وقد تملكني في تلك السهرة شعور غريب. كانت عيناه تلاحقان إحدى النساء الجميلات. تلك اللحظات تذكرت طفولتي وحركتي وأنا أخطو على نغم ما، تذكرت نصائح أمي، تذكرت الخفر الذي عليّ التحلّي به، لأكتشف أن هذا الخفر ليس مناسباً لي مادام لا يحقق وجودي، أو يبعدني عن الانخراط فيما حولي، أو يحوّل انتباه زوجي إلى أمور لاعلاقة لي بها.
رقصت يومها كما لم أفعل في حياتي. كنت منتشية مما في داخلي ومما حولي. اعتبرت تلك الليلة مكسباً أرد به اعتباري.
لم أستطع استعادة زوجي، أو أنه اعتاد عليّ، هذه أنا كيفما كنت ومهما فعلت، في حين استمرأت ذلك، وبدأت حياتي تأخذ منحى جديداً، ورحت أتألق في تلك السهرات، معتنية بمظهري، لباسي وكامل أناقتي، كان هذا كل ما استطعت القيام به، عمل أرضى غروري وأنعش روحي، أن أغدو امرأة مرغوبة في العيون، ولا أدري إلى الآن كيف استسلمت لوجود امرأة أخرى في حياته، فهل لأننا أردنا الحفاظ على وجه اجتماعي فيه مزايا أسرة ناجحة؟ أم لأسباب عدة قد أتذكر تفاصيلها في وقت آخر؟
كل ما أعرفه أنني كبرت سناً، لكنني أحب الحياة. كنت نعامة لا ترى ولا تريد لغيرها أن يرى، ودفنت غيرتي إلى غير رجعة.
لم يتوقف ذلك على الرقص، فكل ما يتعلق بالخفر والحياء تلبّسني منذ الصغر، على عكس ما كان يحققه أخي من مكتسبات نفسية وجسدية، وكنا نشب وبيننا هوة في التجربة، يحق له ما لا يحق لي، في حين تقاسمنا بعض الأمور الأخرى التي لم تكن لتشكل هاجساً لي.
يوم حصل التحول، كنت في سني الزواج الأولى. ها أنا أسمّي تلك الأيام بالمرحلة الفاصلة بين ماقبل ومابعد. يوم اكتشفت علاقته بتلك المرأة، دخلت في حالة من ضياع، كيف ولماذا؟ حزنت. بكيت. غضبت، وحين صحوت من كابوس لم أكن أتوقعه راجعت نفسي، وقررت مشاركته مشاعر الذنب، فقد ساهمت بطريقة أو بأخرى بما إلنا إليه. ظننت أن هذا أفضل ما سأفعله، فقد بدا رائعاً وهو يقابل غفراني بالحب، إلى أن اعتقدت بأن ما حدث لن يتكرّر ثانية.
لكن ماحدث تكرّر أكثر من مرة. تلك الفترة لم تأخذ علاقاته صفة الاستمرار. كانت تعبر كنزوة، ووراء كل نزوة كنت أنتظر توبته بصدق، أنتظر عودته بقهر وقنوط، أذكر تلك الأيام جيداً، كنت امرأة حزينة، ضعيفة وواهنة، عفت الطعام والنوم، وما إن خرجت شيئاً فشيئاً من محنتي، حتى قررت استمالته من جديد، لأكتشف أنني عاجزة عن استرجاعه، وأنني امرأة لا يرغب بها رجل، وكنت آنذاك أحاول التمسك به بكل ما أستطيع.
لاأدري الآن. كيف تعودت على ما أنا فيه؟ كيف استسلمت لحياة لم أكن أحسب لها أو أرغب بها؟ أكثر ما أذكره ذلك المساء، وقد تملكني في تلك السهرة شعور غريب. كانت عيناه تلاحقان إحدى النساء الجميلات. تلك اللحظات تذكرت طفولتي وحركتي وأنا أخطو على نغم ما، تذكرت نصائح أمي، تذكرت الخفر الذي عليّ التحلّي به، لأكتشف أن هذا الخفر ليس مناسباً لي مادام لا يحقق وجودي، أو يبعدني عن الانخراط فيما حولي، أو يحوّل انتباه زوجي إلى أمور لاعلاقة لي بها.
رقصت يومها كما لم أفعل في حياتي. كنت منتشية مما في داخلي ومما حولي. اعتبرت تلك الليلة مكسباً أرد به اعتباري.
لم أستطع استعادة زوجي، أو أنه اعتاد عليّ، هذه أنا كيفما كنت ومهما فعلت، في حين استمرأت ذلك، وبدأت حياتي تأخذ منحى جديداً، ورحت أتألق في تلك السهرات، معتنية بمظهري، لباسي وكامل أناقتي، كان هذا كل ما استطعت القيام به، عمل أرضى غروري وأنعش روحي، أن أغدو امرأة مرغوبة في العيون، ولا أدري إلى الآن كيف استسلمت لوجود امرأة أخرى في حياته، فهل لأننا أردنا الحفاظ على وجه اجتماعي فيه مزايا أسرة ناجحة؟ أم لأسباب عدة قد أتذكر تفاصيلها في وقت آخر؟
كل ما أعرفه أنني كبرت سناً، لكنني أحب الحياة. كنت نعامة لا ترى ولا تريد لغيرها أن يرى، ودفنت غيرتي إلى غير رجعة.
Page 6
5
ما الذي جعلك جميلاً في عيني؟ وكيف اخترقت عالمي الموصد؟ فهل لذاك المساء علاقة بما كان؟
دخل زوجي قلقاً ومنهمكاً ببعض العناوين والأرقام. اتجه نحو الهاتف. اتصل بأكثر من جهة. كان ينظر إليّ بأسى. عرفت أنك موقوف من قبل الأمن، وأن امرأة ادّعت عليك التغرير بها، وقبل أن يتم القبض عليك، أتت إلى مكتبك الفاخر، وأضرمت النار فيه.
عمل لا نراه في الحقيقة، نسمع به أو نقرأ عنه، أو نشاهده على الشاشات، لا أدري ما الذي أصابني. وجدت نفسي أساعد زوجي، كان يستعد للخروج، وكنت أستعد لإجراء ما أستطيع من اتصالات.
أرسلت لك الطعام والحلوى، وأرسلت وعداً بمساعدتك. كنت بالنسبة لي كطفل يعاقب على فعل لم يقم به، وعليّ ترطيب خاطرك والتهدئة من روعك.
لم أسأل إن كان لك صلة بتلك الفتاة؟ ولم أتساءل إن كانت قد عشقتك إلى حد الجنون. وهل كنتما على علاقة حقاً أو أنها تدّعي ذلك؟ وهل أصدق ادعاءها عليك، هل حقاً قد غرّرت بها؟ وكيف توصلت إلى حد الأذى وتقديم الشكوى؟
أكّد زوجي أنك لن تنام خارج فراشك، ستخرج قبل انتصاف الليل، أسعدني الخبر. فلن تذهب مساعينا سدى، كان لزوجي مكانة في المنطقة، وكان لدي ثقة عند أزواج صديقاتي.
يومها، قمت بفعل جميل، قدمت شيئاً خلق بيننا صلة، كان الإفراج عنك ولادة لي يد فيها، لم أكن آنذاك قد تلقيت إشاراتك التي كنت ترسم لها، ولم تكن رسائلك قد وصلت إلي، ولا أدري لِمَ لم أفكر بقصص لك سابقة، ولِمَ لم أتساءل كيف تنتهي علاقاتك بضجيج يشبه ضجيج الحريق ذلك المساء.
هكذا وبطريقة فجائية تحتمت عليّ مساندتك، كأنني الوحيدة المساهمة في إخراجك من محنتك، وبالتالي فأنا من ستدافع عن سيرتك بين الناس. ولا أدري إلى الآن هل كانت قصتك تلك هي الإشارة الأولى إليك؟ وهل هي التي منحتك مسحة الجمال الأولى أو أنني صبغت عليك من لهفتي فكنت جميلة بك أو كنت جميلاً بي؟
فهل لقصة امرأة أحرقت مكتبك تلد كل هذا الصدى؟ ضجة في الوسط وضجة في نفسي؟ بدأت الشائعات تكبر. كان أكثرها اقتراباً للمعقول هو اتهام المرأة بخلل عقلي أو نفسي. وكنت أندفع وراء الفكرة. وأستعيد قصصاً لك مرّت أيضاً بسلام، فحديث الحريق أعاد للناس حوادث سابقة. ساهمنا أنا وزوجي بنفيها والترويج لحظّك العاثر، الذي سبق وألقى في دربك قبل عام أيضاً، تلك الصبية الجميلة التي خرجت من مكتبك - كما قيل- نصف عارية.
قلت إنها وقعت في هواك، ولم تمنحها فرصة المتابعة، وصددتها أكثر من مرة، هذا قدرك أن تبقى عازباً، وألا تنشئ علاقات، فأنت راض بحياتك تلك.
غريب ما حصل، غريب أن تقع امرأة في هواك من دون تشجيع. فكيف وصلت في حبها لك إلى حد الجنون؟ كيف ارتمت على قدميك تائهة وناحبة ومهددة؟
أما مصادر أخرى فكانت تثبت أنكما تبادلتما العشق وتطارحتما الهوى، وكنتما تصطادان لحظات الغرام وتشبعان غرائزكما في الخفاء.
أي المقولتين أصدق؟ ولكلا الحادثتين طعم الجنون. فكيف تعشقنك كل هؤلاء النسوة وتبقى مغلوباً على أمرك. بل ومستغرباً ما الذي أوصلهن إلى ما هن عليه؟
شيئاً فشيئاً دخلت حياتي.
كلما التقت أعيننا تبثني عبارات الشكر.
وعلى قلة تلك اللقاءات كانت تكفي لبث مجمل الاهتمامات التي أردت إرسالها إليّ.
هل كانت فكرة البث في الخفاء متعمدة؟ لو صرّحت بها علناً أما كانت الأمور ستختلف؟
وبين البث وما يليه تمر أيام، فلا أكاد ألتقط أنفاسي لألتقي بك من جديد.
نلتقي لثوان فقط، ريثما يخرج زوجي إليك، غير أنك تترك ما يكفي من التفكير بك لأيام.
هل كان عليّ رفضك علناً، وأمام زوجي وابني؟ هل عليّ إثارة زوبعة من الاتهامات قد أخرج منها خاسرة؟ هل سأكون مجرد امرأة تستفزّ زوجها الذي استبدلها بالعشيقات؟ أو لكي أعلن للجميع أنني امرأة يرغب بها الرجال؟
ما الذي جعلك جميلاً في عيني؟ وكيف اخترقت عالمي الموصد؟ فهل لذاك المساء علاقة بما كان؟
دخل زوجي قلقاً ومنهمكاً ببعض العناوين والأرقام. اتجه نحو الهاتف. اتصل بأكثر من جهة. كان ينظر إليّ بأسى. عرفت أنك موقوف من قبل الأمن، وأن امرأة ادّعت عليك التغرير بها، وقبل أن يتم القبض عليك، أتت إلى مكتبك الفاخر، وأضرمت النار فيه.
عمل لا نراه في الحقيقة، نسمع به أو نقرأ عنه، أو نشاهده على الشاشات، لا أدري ما الذي أصابني. وجدت نفسي أساعد زوجي، كان يستعد للخروج، وكنت أستعد لإجراء ما أستطيع من اتصالات.
أرسلت لك الطعام والحلوى، وأرسلت وعداً بمساعدتك. كنت بالنسبة لي كطفل يعاقب على فعل لم يقم به، وعليّ ترطيب خاطرك والتهدئة من روعك.
لم أسأل إن كان لك صلة بتلك الفتاة؟ ولم أتساءل إن كانت قد عشقتك إلى حد الجنون. وهل كنتما على علاقة حقاً أو أنها تدّعي ذلك؟ وهل أصدق ادعاءها عليك، هل حقاً قد غرّرت بها؟ وكيف توصلت إلى حد الأذى وتقديم الشكوى؟
أكّد زوجي أنك لن تنام خارج فراشك، ستخرج قبل انتصاف الليل، أسعدني الخبر. فلن تذهب مساعينا سدى، كان لزوجي مكانة في المنطقة، وكان لدي ثقة عند أزواج صديقاتي.
يومها، قمت بفعل جميل، قدمت شيئاً خلق بيننا صلة، كان الإفراج عنك ولادة لي يد فيها، لم أكن آنذاك قد تلقيت إشاراتك التي كنت ترسم لها، ولم تكن رسائلك قد وصلت إلي، ولا أدري لِمَ لم أفكر بقصص لك سابقة، ولِمَ لم أتساءل كيف تنتهي علاقاتك بضجيج يشبه ضجيج الحريق ذلك المساء.
هكذا وبطريقة فجائية تحتمت عليّ مساندتك، كأنني الوحيدة المساهمة في إخراجك من محنتك، وبالتالي فأنا من ستدافع عن سيرتك بين الناس. ولا أدري إلى الآن هل كانت قصتك تلك هي الإشارة الأولى إليك؟ وهل هي التي منحتك مسحة الجمال الأولى أو أنني صبغت عليك من لهفتي فكنت جميلة بك أو كنت جميلاً بي؟
فهل لقصة امرأة أحرقت مكتبك تلد كل هذا الصدى؟ ضجة في الوسط وضجة في نفسي؟ بدأت الشائعات تكبر. كان أكثرها اقتراباً للمعقول هو اتهام المرأة بخلل عقلي أو نفسي. وكنت أندفع وراء الفكرة. وأستعيد قصصاً لك مرّت أيضاً بسلام، فحديث الحريق أعاد للناس حوادث سابقة. ساهمنا أنا وزوجي بنفيها والترويج لحظّك العاثر، الذي سبق وألقى في دربك قبل عام أيضاً، تلك الصبية الجميلة التي خرجت من مكتبك - كما قيل- نصف عارية.
قلت إنها وقعت في هواك، ولم تمنحها فرصة المتابعة، وصددتها أكثر من مرة، هذا قدرك أن تبقى عازباً، وألا تنشئ علاقات، فأنت راض بحياتك تلك.
غريب ما حصل، غريب أن تقع امرأة في هواك من دون تشجيع. فكيف وصلت في حبها لك إلى حد الجنون؟ كيف ارتمت على قدميك تائهة وناحبة ومهددة؟
أما مصادر أخرى فكانت تثبت أنكما تبادلتما العشق وتطارحتما الهوى، وكنتما تصطادان لحظات الغرام وتشبعان غرائزكما في الخفاء.
أي المقولتين أصدق؟ ولكلا الحادثتين طعم الجنون. فكيف تعشقنك كل هؤلاء النسوة وتبقى مغلوباً على أمرك. بل ومستغرباً ما الذي أوصلهن إلى ما هن عليه؟
شيئاً فشيئاً دخلت حياتي.
كلما التقت أعيننا تبثني عبارات الشكر.
وعلى قلة تلك اللقاءات كانت تكفي لبث مجمل الاهتمامات التي أردت إرسالها إليّ.
هل كانت فكرة البث في الخفاء متعمدة؟ لو صرّحت بها علناً أما كانت الأمور ستختلف؟
وبين البث وما يليه تمر أيام، فلا أكاد ألتقط أنفاسي لألتقي بك من جديد.
نلتقي لثوان فقط، ريثما يخرج زوجي إليك، غير أنك تترك ما يكفي من التفكير بك لأيام.
هل كان عليّ رفضك علناً، وأمام زوجي وابني؟ هل عليّ إثارة زوبعة من الاتهامات قد أخرج منها خاسرة؟ هل سأكون مجرد امرأة تستفزّ زوجها الذي استبدلها بالعشيقات؟ أو لكي أعلن للجميع أنني امرأة يرغب بها الرجال؟
Page 7
في الحقيقة لم أكن كل هذا. شيء خفي كان يتحكم بي، شيء لا أستطيع تفسيره. شيء منعني من اتهامك، وبخاصة أمام صديقتي نعمة. فقد كان لها رأي خاص في تلك الأمور؛ فكل علاقة بين رجل وامرأة يكون مصدرها النساء، ولا يتطاول رجل على امرأة إن لم تفسح له الطريق.
ما أدريه تلك الأيام هو سعادتي بما أنا فيه، وربما كنت سأكتفي بتلك السعادة، ولم أكن أدري أنه قد يصل إليك في يوم قادم بعض ما أنا فيه.
تلك الأيام بدأت علاقتي مع كل ما حولي تكبر وتزدهر. شرفات البيت وورود الحديقة. المرايا والأنوار والعطور. أثوابي وألواني وضحكتي. استقبالي للناس وحركتي ورؤيتي. كل أشيائي ضجّت بالبهجة. كنت أنتظر كل شيء. الصباح والظهر وما بعد الظهر. العصر والمغرب والمساء. أما الليل فأصبح مملكتي، أتنقل بين الحديقة والبيت. أستمع إلى موسيقى تأتيني من كل صوب وتترسّخ في أعماقي. تحفّز لديّ الترقب والانتظار، لأعلن عن شيء لا أدري ما هو. غير أنني أعيش فرحاً متجدّداً باستمرار.
ليتنا لم نلتق.
لكنت احتفظت بتلك القناعة، وهي أن رجلاً واحداً في العالم يستحقني. لكنه لن يأتي.
كما يخطف القلب قلباً. كما يؤخذ الفكر والعقل، كما تسلب المشاعر والأحاسيس. حدث ذلك بتخطيط من كل ذلك وسطو على كل ذلك، وترك ما بقي من جسدي في مهب الريح.
خرقة أنا. تأخذني نسمة وتأتي بي أخرى، خرقة تجف شيئاً فشيئاً، ريح وبرد وشمس محرقة.
استنجدت بالمرآة لتساعدني، استنجدت بهويتي وتاريخ ميلادي، استنجدت بالذكريات، بأمي. بأبي. بأخي المسافر. فكرت بزوجي بابني، بكل ما له علاقة بالطمأنينة فخجلت.
كان عليَّ أن أغلق دفتري وأترك الآتي للأيام. أن ألغي من الذاكرة كل حدث. كل فكرة. ألّا أترك فرصاً للتذكر أو الاستمرار، كي أتلقى القادم بعيداً عن المسؤولية أو مشاعر الذنب.
لأول مرة أستنجد بهواياتي، وأتأسف لتجاهلي موهبة ألمحت إليها معلمة الرسم منذ الطفولة. ربما لأنني أعتبر أمراً كهذا يشابه كل أمر آخر. يشابه مسؤوليات المرأة. البيت. التنظيف. الطبخ. يشابه جمال الحياة. الناس. الطبيعة. أن أرسم أو أتمم واجباتي المنزلية والأسرية. ألاقي تشجيعاً من المحيط. من زوجي. من ابني. أو ألاقي التجاهل. كل ذلك يصب في بوتقة الواجب، وكل نجاح له علاقة بالجمال، وأكثر النساء جميلات بطريقة أو بأخرى.
هل يكفي التفكير بالرسم أو تمنياتي في العودة إليه؟ وهل تكفي عزلتي والاختلاء بنفسي لأعود إلى الماضي بأشكاله؟
وهل ينفع استعطاف الله والقدر كي يمحوا من ذاكرة هذين العامين تفاصيل ما كان؟
هل بمقدوري إلغاء فترة من عمر اقتحمت الحياة فيه بكل جرأة ومن دون حسبان.
وأنت. هل تستطيع العودة والوقوف أمامي مختشياً خائفاً من أن تمس أحلامي البريئة؟
ما أدريه تلك الأيام هو سعادتي بما أنا فيه، وربما كنت سأكتفي بتلك السعادة، ولم أكن أدري أنه قد يصل إليك في يوم قادم بعض ما أنا فيه.
تلك الأيام بدأت علاقتي مع كل ما حولي تكبر وتزدهر. شرفات البيت وورود الحديقة. المرايا والأنوار والعطور. أثوابي وألواني وضحكتي. استقبالي للناس وحركتي ورؤيتي. كل أشيائي ضجّت بالبهجة. كنت أنتظر كل شيء. الصباح والظهر وما بعد الظهر. العصر والمغرب والمساء. أما الليل فأصبح مملكتي، أتنقل بين الحديقة والبيت. أستمع إلى موسيقى تأتيني من كل صوب وتترسّخ في أعماقي. تحفّز لديّ الترقب والانتظار، لأعلن عن شيء لا أدري ما هو. غير أنني أعيش فرحاً متجدّداً باستمرار.
ليتنا لم نلتق.
لكنت احتفظت بتلك القناعة، وهي أن رجلاً واحداً في العالم يستحقني. لكنه لن يأتي.
كما يخطف القلب قلباً. كما يؤخذ الفكر والعقل، كما تسلب المشاعر والأحاسيس. حدث ذلك بتخطيط من كل ذلك وسطو على كل ذلك، وترك ما بقي من جسدي في مهب الريح.
خرقة أنا. تأخذني نسمة وتأتي بي أخرى، خرقة تجف شيئاً فشيئاً، ريح وبرد وشمس محرقة.
استنجدت بالمرآة لتساعدني، استنجدت بهويتي وتاريخ ميلادي، استنجدت بالذكريات، بأمي. بأبي. بأخي المسافر. فكرت بزوجي بابني، بكل ما له علاقة بالطمأنينة فخجلت.
كان عليَّ أن أغلق دفتري وأترك الآتي للأيام. أن ألغي من الذاكرة كل حدث. كل فكرة. ألّا أترك فرصاً للتذكر أو الاستمرار، كي أتلقى القادم بعيداً عن المسؤولية أو مشاعر الذنب.
لأول مرة أستنجد بهواياتي، وأتأسف لتجاهلي موهبة ألمحت إليها معلمة الرسم منذ الطفولة. ربما لأنني أعتبر أمراً كهذا يشابه كل أمر آخر. يشابه مسؤوليات المرأة. البيت. التنظيف. الطبخ. يشابه جمال الحياة. الناس. الطبيعة. أن أرسم أو أتمم واجباتي المنزلية والأسرية. ألاقي تشجيعاً من المحيط. من زوجي. من ابني. أو ألاقي التجاهل. كل ذلك يصب في بوتقة الواجب، وكل نجاح له علاقة بالجمال، وأكثر النساء جميلات بطريقة أو بأخرى.
هل يكفي التفكير بالرسم أو تمنياتي في العودة إليه؟ وهل تكفي عزلتي والاختلاء بنفسي لأعود إلى الماضي بأشكاله؟
وهل ينفع استعطاف الله والقدر كي يمحوا من ذاكرة هذين العامين تفاصيل ما كان؟
هل بمقدوري إلغاء فترة من عمر اقتحمت الحياة فيه بكل جرأة ومن دون حسبان.
وأنت. هل تستطيع العودة والوقوف أمامي مختشياً خائفاً من أن تمس أحلامي البريئة؟
Page 8
6
لأول مرة أشعر بالغربة عن بيتي، لأول مرة وبعد ربع قرن من الزمن أرى ما لم أره في يوم مضى. لأول مرة أحاول الرجوع إلى يوم قرر زوجي إنشاء مسكننا الجديد.
أعترف أن كل ما في البيت منظم ومرتب وجميل. كان حلمي أن أسكن بعيداً عن الضوضاء، ومن أحلامي أيضاً أن تحيط أرض الدار حديقة ورود، أنام وأصحو على رؤيتها واستنشاق عبيرها.
من أرض الحديقة الغناء نعبر إلى غرف المعيشة والضيوف، ومن زاوية الصالة الواسعة، نصعد عبر درج خشبي إلى غرف النوم.
أَحَبُّ عاداتي هي استيقاظي باكراً واحتساء قهوتي الصباحية بسكون، فأركن تحت شجرة الياسمين أستنشق عبير أزهارها. أصبح للربيع مذاق مختلف، فكما تتفتح وروده تفتحت حواسي، فكل ما حولي جميل وعذب، وأتنقل بفرح من الحلم إلى الدفء والأمان.
لا أدري كيف كان انتباهي الأول، يوم جذبتني تلك الصورة، مشهد ولد للتو، كأنني أراه للمرة الأولى. سنوات وأنا أرعى شجرة الياسمين، وأتابع تطورها وما تتركه الفصول عليها، وأعد أيام عطاءاتها وأنتظرها بفارغ الصبر، غير أنني لم أعقد في يوم ما مقارنة بين ما قبل عبق زهورها وما بعده، ولا أذكر أن أغصانها العارية قد جذبتني لألتقط لها صورة إثر أخرى وأخبئها في الذاكرة إلى أن تعود وريقاتها للتبرعم، وأعلن بسرية تامة أنها أجمل الصور.
هل تزامن ذلك مع انتباهي الأول إليك؟ لا أذكر متى حدث ذلك وكيف. أذكر ما قبل ذلك. كان لتباطؤ الأيام فعل الاستسلام، ولعبور السنوات بساطة العيش، ولم يكن لوداع عام واستقبال آخر سوى العودة والذكرى. لا فرق أن ينقص عام أو يزيد آخر، مادام الاستقرار يطغى على كل شيء ويغلّف كل شيء، ومادام الكون قد أعلن عن ذلك وهو يجلل معالم الطبيعة بالهدوء. هدوء في الأرض، في البشر، وعند بقية الكائنات.
كيف تستيقظ الأحلام وتتبدل الرؤى؟ كيف يمتد البصر عبر خيال جامح إلى كل الأمكنة؟ كيف تنهمر الأفكار في لحظة انطلاق وتستقر أمام حالة تشبه القناعة معلنة عن كل جميل، مجيبة عن كل الأسئلة التي استيقظت ذات صباح، مشيرة إلى حقيقة غفت طويلاً لتنهض بقوة مؤكدة استمراريتها، عبر انتباه أو من دون انتباه، عبر كل الفصول، لتبقى أزلية الصورة، كما هي بلدتي الجميلة التي تركن بهدوء فوق أرض مزهرة وتحت سماء مشعة.
كم كنت سعيدة في الاستغراق بمشاعر الاطمئنان تلك، خاصة حين أخرج من بلدي وأعود ثانية محملة بالعشق لكل شبر فيه، وأستعيد في الذاكرة ببساطة وبراءة مطلقة عن آخر حدث مر به وغيّر معالمه، وأبقاه في استقرار مستديم.
كان حديث الكوارث بالنسبة لي قديم العهد كحديث الخيال أو الأساطير، أمور لا علاقة لها بالواقع، فإن حدث زلزال في ماض بعيد فهذا يعني استقراراً أخيراً لبلدي، بعد أن أعيد تشكيله بصورة أجمل وأفضل، وبأسلوب يليق بنا نحن البشر كي نعبر بسلام ومن دون ضجيج.
هل كنت أحب السفر لأجرب مدى حبي لبلدي؟ وهل كنت أرحل بعيداً لأكتشف في كل عودة مقدار تعلقي به؟ وهل كلما بعدت المسافات عدت بخفي حنين لأرتمي تحت أقدامه معلنة أنه عشقي الأول والأخير؟
تكررت رحلات السفر في حياتي، كان اسمي على قائمة أكثر الرحلات التي تقام في مدينتي الجميلة. مررت ببلدان كثيرة، وأقمت لأيام وأسابيع في بلدان كثيرة أيضاً. كان يكفيني أن أعدد الأمكنة التي حفظت جغرافية كل منها. لم يكن يستهويني من تلك الرحلات سوى أنني أقوم بعمل ما. أمارس حريتي التي منحها لي زوجي لقاء حريته التي أرادها بسرية، ولم يكن من عائق أمام تجديد السفر، فأنا أتمم مسؤولياتي على أكمل وجه، زوجي المنشغل بأعماله، ابني بدراسته، وكان يكفيني لغياب قصير، تأمين بعض المستلزمات والضروريات لكليهما، تحت إشراف العاملة التي حفظت كل شاردة وواردة في البيت.
لأول مرة أشعر بالغربة عن بيتي، لأول مرة وبعد ربع قرن من الزمن أرى ما لم أره في يوم مضى. لأول مرة أحاول الرجوع إلى يوم قرر زوجي إنشاء مسكننا الجديد.
أعترف أن كل ما في البيت منظم ومرتب وجميل. كان حلمي أن أسكن بعيداً عن الضوضاء، ومن أحلامي أيضاً أن تحيط أرض الدار حديقة ورود، أنام وأصحو على رؤيتها واستنشاق عبيرها.
من أرض الحديقة الغناء نعبر إلى غرف المعيشة والضيوف، ومن زاوية الصالة الواسعة، نصعد عبر درج خشبي إلى غرف النوم.
أَحَبُّ عاداتي هي استيقاظي باكراً واحتساء قهوتي الصباحية بسكون، فأركن تحت شجرة الياسمين أستنشق عبير أزهارها. أصبح للربيع مذاق مختلف، فكما تتفتح وروده تفتحت حواسي، فكل ما حولي جميل وعذب، وأتنقل بفرح من الحلم إلى الدفء والأمان.
لا أدري كيف كان انتباهي الأول، يوم جذبتني تلك الصورة، مشهد ولد للتو، كأنني أراه للمرة الأولى. سنوات وأنا أرعى شجرة الياسمين، وأتابع تطورها وما تتركه الفصول عليها، وأعد أيام عطاءاتها وأنتظرها بفارغ الصبر، غير أنني لم أعقد في يوم ما مقارنة بين ما قبل عبق زهورها وما بعده، ولا أذكر أن أغصانها العارية قد جذبتني لألتقط لها صورة إثر أخرى وأخبئها في الذاكرة إلى أن تعود وريقاتها للتبرعم، وأعلن بسرية تامة أنها أجمل الصور.
هل تزامن ذلك مع انتباهي الأول إليك؟ لا أذكر متى حدث ذلك وكيف. أذكر ما قبل ذلك. كان لتباطؤ الأيام فعل الاستسلام، ولعبور السنوات بساطة العيش، ولم يكن لوداع عام واستقبال آخر سوى العودة والذكرى. لا فرق أن ينقص عام أو يزيد آخر، مادام الاستقرار يطغى على كل شيء ويغلّف كل شيء، ومادام الكون قد أعلن عن ذلك وهو يجلل معالم الطبيعة بالهدوء. هدوء في الأرض، في البشر، وعند بقية الكائنات.
كيف تستيقظ الأحلام وتتبدل الرؤى؟ كيف يمتد البصر عبر خيال جامح إلى كل الأمكنة؟ كيف تنهمر الأفكار في لحظة انطلاق وتستقر أمام حالة تشبه القناعة معلنة عن كل جميل، مجيبة عن كل الأسئلة التي استيقظت ذات صباح، مشيرة إلى حقيقة غفت طويلاً لتنهض بقوة مؤكدة استمراريتها، عبر انتباه أو من دون انتباه، عبر كل الفصول، لتبقى أزلية الصورة، كما هي بلدتي الجميلة التي تركن بهدوء فوق أرض مزهرة وتحت سماء مشعة.
كم كنت سعيدة في الاستغراق بمشاعر الاطمئنان تلك، خاصة حين أخرج من بلدي وأعود ثانية محملة بالعشق لكل شبر فيه، وأستعيد في الذاكرة ببساطة وبراءة مطلقة عن آخر حدث مر به وغيّر معالمه، وأبقاه في استقرار مستديم.
كان حديث الكوارث بالنسبة لي قديم العهد كحديث الخيال أو الأساطير، أمور لا علاقة لها بالواقع، فإن حدث زلزال في ماض بعيد فهذا يعني استقراراً أخيراً لبلدي، بعد أن أعيد تشكيله بصورة أجمل وأفضل، وبأسلوب يليق بنا نحن البشر كي نعبر بسلام ومن دون ضجيج.
هل كنت أحب السفر لأجرب مدى حبي لبلدي؟ وهل كنت أرحل بعيداً لأكتشف في كل عودة مقدار تعلقي به؟ وهل كلما بعدت المسافات عدت بخفي حنين لأرتمي تحت أقدامه معلنة أنه عشقي الأول والأخير؟
تكررت رحلات السفر في حياتي، كان اسمي على قائمة أكثر الرحلات التي تقام في مدينتي الجميلة. مررت ببلدان كثيرة، وأقمت لأيام وأسابيع في بلدان كثيرة أيضاً. كان يكفيني أن أعدد الأمكنة التي حفظت جغرافية كل منها. لم يكن يستهويني من تلك الرحلات سوى أنني أقوم بعمل ما. أمارس حريتي التي منحها لي زوجي لقاء حريته التي أرادها بسرية، ولم يكن من عائق أمام تجديد السفر، فأنا أتمم مسؤولياتي على أكمل وجه، زوجي المنشغل بأعماله، ابني بدراسته، وكان يكفيني لغياب قصير، تأمين بعض المستلزمات والضروريات لكليهما، تحت إشراف العاملة التي حفظت كل شاردة وواردة في البيت.
Page 9
7
لا أذكر الآن. هل قصتي من الخيال ولم تخرج عن صفحات ورق؟ وهل هي رد اعتبار لوجودي وصرخة أثبت من خلالها مقدرتي على الاستجابة لرغبات رجل؟ وأن مفاتيحي قيد اهتمام محصور بنداءات رجل، وهمسات رجل، واشتياق رجل وحبّه؟
قبل مجيء رأس سنة آخر تبدلت كثيراً، بينما جهدت للمحافظة على سلوك أحببته في حياتي. كنت أكتشف كل يوم جمال ما أنا فيه، فلا يزال لديّ شيء جميل أستسيغه كما يستسيغه زوجي وابني، وكما يعتقد كل منهما أنه من صنعه، لأنني مثّلت ما يريدان على مدى عقود من الزمن، الزوجة الصالحة، الأم المثالية، السيدة المحترمة، أما بالنسبة إليّ، فلم يتعلّق الأمر بهما، وكلما تسرّب إلي ذاك الشعور الجميل أنتشي. فحين أعبر الأمكنة، تتساقط النجوم من حولي، ويبرق في داخلي شعور التميز الجميل.
جميل ورائع هذا الشعور. يحثّ على الاستغراق. يغني. ينقلك إلى الفرح. الحب. الاستمرار.
كلما استعدت هدوء الماضي أجفل، فأضيع بين التوقف والاستمرار. تتجاذبني قوتان. بين الدخول في مد مذهل له علاقة بالفرح وبين العودة إلى فرح له علاقة بالاستسلام. ولا أدري كيف تباغتني فكرة بتر كل ماهو دخيل على الماضي، فأشحذ من الذاكرة قوة تماثل ثقتي، في محاولة مني للهرب.
مر أكثر من يوم، لم أرك أو أسمع صوتك فيه. اكتشفت ذلك الصباح ضعفي وأنا أعد دقائق غيابك، واكتشفت أيضاً قوتي وأنا أحلم أن تطيل الغياب. أن تبتعد إلى ما لانهاية. أن يأتي القرار منك. كي تضع لي حلاً، فقد اكتشفت عجزي عن وضع النهاية، وبالتالي ستساعدني كي أتحرر منك. كي أصبح في أمان.
جميل أن أفكر بزوجي وابني، أمسح غبار الطنافس والمناضد والصور، أجلب الزهور وأشم عبق البنفسج، وأتحرك في حديقة البيت بحرية لا يحدّها طوق.
جميل أن أهتف إلى نعمة كي نلتقي مساء.
مر يوم آخر، لا يكاد زوجي يعود من العمل ويقضي حاجاته المنزلية، حتى يستعد للخروج. أعرف أنكما على موعد.
لا يكاد يخرج، حتى يأتيني صوتك عبر الهاتف متسائلاً: أين هو؟ ويعقبه السؤال الآخر، كيف أنت ومن ثم سؤالك إن اشتقت لرؤيتي.
أغلق الهاتف وقلبي يخفق بجنون، تتداعى قوتي، يصبح لكلماتك وصوتك فعل السحر، تنهض ذكراك من جديد، فلا أستطيع التجاهل أو النسيان، ها أنا أهرب منك إليك. أهرب منك لأعود إليك. ففي كل زاوية صورة لك، وبالرغم من قلة عددها، إلا أنها مرتسمة في أكثر من مكان، حين تعبر الحديقة أو حين تستند إلى المدخل، حين تبتسم أو تشق الباب، أو حين يسبقك صوتك متسائلاً: أين هو؟ زوجي الذي ينتظر قدومك بفارغ الصبر لتنطلقا، وأنزوي مستعيدة آخر النظرات وآخر الرسائل، لأنهض أنا ومشاعري وكل ما بي. أنتقل من حالة إلى أخرى. تنقلب الأشياء فأنسى وأكتشف استمرار الجمال من خلالك، يصبح للأشياء معنى. للكلمات. لوقفاتك المتقطعة، فأتجدّد وأصمّم على المتابعة. على العيش. وأتساءل كيف اكتشفت أسراري؟ كيف عرّفتني على أشيائي؟ هل هو رضوخ أو استسلام؟ هل هو استجابة لأسئلة كادت تكون بلا جواب؟ ماذا أسمّي ما أنا فيه؟ ماذا أجيب نفسي إن سألتني هذا السؤال؟ ماذا أقول لعطرك الذي استوطن في الذاكرة؟ عطرك الذي يتبرعم في كل الفصول، ماذا أجيب مرآتي إن شدّدت على السؤال؟ أي رسام رمّم بصمات السنين؟ من أعاد لعيني البريق؟ كيف تطفو همسات قلبي إلى ما فوق الجبين؟ ماذا أقول إن وجدت في العيون أكثر من سؤال؟ ماذا سأفعل إن همست اسمك من دون انتباه؟ من أنت؟ من هو؟ وهل سأهرب أو أعترف؟ وتلك اللحظات كيف سأكون؟
كلما بحثت عن هروب، أشعر بعجز كبير، وأتحرك بصعوبة في أرجاء البيت أو في الحديقة الواسعة، أرى نفسي ألهث إعياء، أحاول استعادة قصص من الذاكرة، أحداث لها طعم الفرح، علّها تنتشلني من الحاضر.
هل يبعدني الماضي عنك، أو هو تجديد للحاضر؟ ها أنذا أدور في عالمك أكثر، أسقط من جديد في بؤرة الصدى، هالة من ذهول تغلف جسدي وروحي. تتحرك بحركتي. تبعدني كل لحظة عن كل ما كان وأنسى.
ما الذي أنا فيه؟ كيف أنقلب لأتفه الأسباب؟ لم يعد لقراراتي دور، لم يعد لذاك الجمال فعل، ليس من معنى لأن أقول أو لا أقول، ترتبط النتائج بالآن أو بلحظة قادمة، بقرار تفرضه أنت، وعليّ الاحتفاظ بآخر الرسائل، كي أوقع على التنفيذ.
لا أذكر الآن. هل قصتي من الخيال ولم تخرج عن صفحات ورق؟ وهل هي رد اعتبار لوجودي وصرخة أثبت من خلالها مقدرتي على الاستجابة لرغبات رجل؟ وأن مفاتيحي قيد اهتمام محصور بنداءات رجل، وهمسات رجل، واشتياق رجل وحبّه؟
قبل مجيء رأس سنة آخر تبدلت كثيراً، بينما جهدت للمحافظة على سلوك أحببته في حياتي. كنت أكتشف كل يوم جمال ما أنا فيه، فلا يزال لديّ شيء جميل أستسيغه كما يستسيغه زوجي وابني، وكما يعتقد كل منهما أنه من صنعه، لأنني مثّلت ما يريدان على مدى عقود من الزمن، الزوجة الصالحة، الأم المثالية، السيدة المحترمة، أما بالنسبة إليّ، فلم يتعلّق الأمر بهما، وكلما تسرّب إلي ذاك الشعور الجميل أنتشي. فحين أعبر الأمكنة، تتساقط النجوم من حولي، ويبرق في داخلي شعور التميز الجميل.
جميل ورائع هذا الشعور. يحثّ على الاستغراق. يغني. ينقلك إلى الفرح. الحب. الاستمرار.
كلما استعدت هدوء الماضي أجفل، فأضيع بين التوقف والاستمرار. تتجاذبني قوتان. بين الدخول في مد مذهل له علاقة بالفرح وبين العودة إلى فرح له علاقة بالاستسلام. ولا أدري كيف تباغتني فكرة بتر كل ماهو دخيل على الماضي، فأشحذ من الذاكرة قوة تماثل ثقتي، في محاولة مني للهرب.
مر أكثر من يوم، لم أرك أو أسمع صوتك فيه. اكتشفت ذلك الصباح ضعفي وأنا أعد دقائق غيابك، واكتشفت أيضاً قوتي وأنا أحلم أن تطيل الغياب. أن تبتعد إلى ما لانهاية. أن يأتي القرار منك. كي تضع لي حلاً، فقد اكتشفت عجزي عن وضع النهاية، وبالتالي ستساعدني كي أتحرر منك. كي أصبح في أمان.
جميل أن أفكر بزوجي وابني، أمسح غبار الطنافس والمناضد والصور، أجلب الزهور وأشم عبق البنفسج، وأتحرك في حديقة البيت بحرية لا يحدّها طوق.
جميل أن أهتف إلى نعمة كي نلتقي مساء.
مر يوم آخر، لا يكاد زوجي يعود من العمل ويقضي حاجاته المنزلية، حتى يستعد للخروج. أعرف أنكما على موعد.
لا يكاد يخرج، حتى يأتيني صوتك عبر الهاتف متسائلاً: أين هو؟ ويعقبه السؤال الآخر، كيف أنت ومن ثم سؤالك إن اشتقت لرؤيتي.
أغلق الهاتف وقلبي يخفق بجنون، تتداعى قوتي، يصبح لكلماتك وصوتك فعل السحر، تنهض ذكراك من جديد، فلا أستطيع التجاهل أو النسيان، ها أنا أهرب منك إليك. أهرب منك لأعود إليك. ففي كل زاوية صورة لك، وبالرغم من قلة عددها، إلا أنها مرتسمة في أكثر من مكان، حين تعبر الحديقة أو حين تستند إلى المدخل، حين تبتسم أو تشق الباب، أو حين يسبقك صوتك متسائلاً: أين هو؟ زوجي الذي ينتظر قدومك بفارغ الصبر لتنطلقا، وأنزوي مستعيدة آخر النظرات وآخر الرسائل، لأنهض أنا ومشاعري وكل ما بي. أنتقل من حالة إلى أخرى. تنقلب الأشياء فأنسى وأكتشف استمرار الجمال من خلالك، يصبح للأشياء معنى. للكلمات. لوقفاتك المتقطعة، فأتجدّد وأصمّم على المتابعة. على العيش. وأتساءل كيف اكتشفت أسراري؟ كيف عرّفتني على أشيائي؟ هل هو رضوخ أو استسلام؟ هل هو استجابة لأسئلة كادت تكون بلا جواب؟ ماذا أسمّي ما أنا فيه؟ ماذا أجيب نفسي إن سألتني هذا السؤال؟ ماذا أقول لعطرك الذي استوطن في الذاكرة؟ عطرك الذي يتبرعم في كل الفصول، ماذا أجيب مرآتي إن شدّدت على السؤال؟ أي رسام رمّم بصمات السنين؟ من أعاد لعيني البريق؟ كيف تطفو همسات قلبي إلى ما فوق الجبين؟ ماذا أقول إن وجدت في العيون أكثر من سؤال؟ ماذا سأفعل إن همست اسمك من دون انتباه؟ من أنت؟ من هو؟ وهل سأهرب أو أعترف؟ وتلك اللحظات كيف سأكون؟
كلما بحثت عن هروب، أشعر بعجز كبير، وأتحرك بصعوبة في أرجاء البيت أو في الحديقة الواسعة، أرى نفسي ألهث إعياء، أحاول استعادة قصص من الذاكرة، أحداث لها طعم الفرح، علّها تنتشلني من الحاضر.
هل يبعدني الماضي عنك، أو هو تجديد للحاضر؟ ها أنذا أدور في عالمك أكثر، أسقط من جديد في بؤرة الصدى، هالة من ذهول تغلف جسدي وروحي. تتحرك بحركتي. تبعدني كل لحظة عن كل ما كان وأنسى.
ما الذي أنا فيه؟ كيف أنقلب لأتفه الأسباب؟ لم يعد لقراراتي دور، لم يعد لذاك الجمال فعل، ليس من معنى لأن أقول أو لا أقول، ترتبط النتائج بالآن أو بلحظة قادمة، بقرار تفرضه أنت، وعليّ الاحتفاظ بآخر الرسائل، كي أوقع على التنفيذ.
Page 10
8
أصلي كي يبتعد طيفك عن خيالي. هذا الشوك المزروع في جنباتي، في كل خلية من خلاياي، أن يأتي من ينزع الوجع عني.
لماذا أحاسب نفسي وأنقلب عليها؟ لماذا أعاتب حاضري وأهرب إلى الماضي القريب تارة والبعيد تارة أخرى؟ هل لأن نعمة زارتني هذا الصباح؟ ما الذي سأقوله لها إن رأت صورتك في عيني؟ هل أستطيع إخفاء ما كانت تكتشفه من دون أن أبوح به؟ هل هي الثقة بي خلال عمر مضى؟ أو أنه الانطلاق من الذات.
لماذا أهرب من نفسي إلى نعمة؟ هل هو الهروب من مشاعر الخطأ والخطيئة معاً؟ هل لأنني أعيش فرحاً أتاني متأخراً؟ أم لأنني أرى ما أنا فيه مختلفاً؟ وأنا التي لا تعرف من الرجال سوى الزوج، وأنهل من المجتمع الطمأنينة، وأغرف من المحيط الثقة. لن أتّهم. لن يشار إليّ. لا أحد سيكتشف ما بي. في وقت أدرك تماماً أنني لست في موضعي، وأنني في حالة قصوى من الهيام، حالة مليئة بالتساؤلات، تشبه التوق والرغبة والاندفاع، تكبّل الجسد وتسوق به إلى عالم مجهول، عالم تبحث في تفاصيله عن الارتواء، أمور مبهرة! لكنها لا تحمل القيمة التي في الحلم والذاكرة.
ما أنا فيه يزيدني اتهاماً، تستيقظ ذاكرتي، أخجل. أواري وجهي، أهرب إلى داخلي، أقرر، أتراجع، لا أفكر، أنسى وأتذكر أمراً واحداً، متى ستأتي؟
تأتي حاملاً التجاهل، تنهمك بزوجي، تنظر إلى ساعتك، أنتما على عجل، تسترق لحظة هاربة، ترميني بنظرة، أعرف أنك تريدني.
أعرف كيف أخفي مشاعري، لكنك تعرف الغوص إلى أعماقي، هل يهم هذا؟ هل يهم هذا الاكتشاف؟ هذا أقصى ما كنت تريده تلك الأيام، على عكس ما كنت تخطط له في أيام أخر.
ها أنت تقف مبتسماً، تتكئ على جدار المدخل ببزتك البيضاء، أكتشف قامتك وهي تزداد فتوة، أصطنع التجاهل، أغيب وفي عيني صورة لتفاصيل وجهك المشرق، وفي ركن صغير أستطيع رسم كل خلية فيك، أسترق ألوان البحر والغابات، وأمطر من السماء نجوماً، وأشم عبق عطرك المفضل، وأجر قدمي نحو آخر خطوة لك، وأنت تبتعد بصحبة زوجي إلى أي مكان.
ما أنا فيه لا علاقة له بما في الذاكرة، لا علاقة له بالحب الذي كان، فهل للحب أكثر من وجه؟ كيف تتحول الأشياء وتنقلب المقاييس؟ كيف تصبح التفاصيل سوطاً يجرح الوقت، وعاصفة تهيج السكون، ودماً يعبث في النبض ويوقظ في الجسد الأمنيات.
غبت ولم تغب، وطالت غيبتك التي عشتها دهراً، فأراك هنا أو هناك، أسمع صوتك يعبر سمع زوجي إليّ، أجفل وأبحث عن مخرج، أشعر بخطواتي تقودني إلى لا شيء، إلى لا مكان، أصبح خاوية أو بلا انتماء، أو أنني أسقط في فراغ، وأفاجأ بتزاحم الأسئلة في رأسي، هل كنت تتعمّد إطالة غيابك، أو أردت إخضاعي للامتحان؟
ما الذي كنت تخطط له، وأنا أرى أشياء وأتلمس أشياء؟
تلك الرابطة التي تجمعني بزوجي، والتي دخلت مرحلة الركود من جهة، وبين انسياقي نحو المجهول من جهة ثانية.
كيف لم يلحظ ابني ذلك؟ وكيف لم يعرف زوجي ما أنا فيه؟ هل كنت تعرف أنت؟ وهل استطعت أنا وبمزيد من الانتباه، إخفاء صورتي الجديدة، وما يعتمل في داخلي؟ هل كنت تجهل حقيقة مشاعري؟
هل هو الشر الذي يتسلّى بالبشر؟ كيف يعرف الشر الطريق؟ وهل تكفي بضعة لقاءات، أو بضع كلمات لتحقيق الحلم؟ هل يحلم الشر كالبشر؟ بالنسبة إلي، نسيت الأمس والغد، وسقطت في اللحظة، أسمع ضربات قلبي، وتعصف ألوانك بي، ولا أدري هل كنت منتشية أم كنت أواري خجلي؟ هل عدت إلى مراهقتي الأولى، أم أنني أعد الخطوط فوق جبيني وحول عيني؟ هل أسترسل في الحلم وأنسى، أم أبتر يقظتي وأفراح قلبي؟
وجهان نقيضان ما بين الظاهر والخفاء، أمران يتناوبان الأمكنة والمواقع، أتلمس وجودهما واختلافهما وعدم التقائهما، فلم يحدث أن انعكس ما في أعماقي على صورتي، أو طافت أحلامي فوق تعابير وجهي؛ شعوران يتحركان، تارة إلى الخلف وأخرى نحو الأمام، يتوازيان في السرعة والمسافات، لكنهما لا يتوحّدان، وكأنني أهرول معهما، أدفع ضرائب الفرح، إن كان في النور أو في العتمة.
في لحظة لا صفة لها، تأسرني نسمة أو يبهرني صوت، شيء ما ينقلني إلى أماكن لا تخلو من عذوبة، أصبح أكثر جمالاً ونقاء، وأعرف أن وجودك جدّد حياتي ولا أعرف ما يترتب عليّ لقاء ذلك، هل أقدم الشكر أم أنهج السخط؟ ماذا أنقل بهجتي أو استيائي؟ قرار بين أن أسمعك صوتي مستقبلاً أو مودعاً، راضياً أو ناقماً، قرار بين أن أهتف إليك أو أتراجع، غير أن كل الأحاديث تموت قبل أن تبتدئ، فما الذي سأقوله لك؟ ما الذي سأنقله إليك؟
لم ينتبه زوجي إلى هزالي، أما ابني فألمح إلى تصرفات أبيه التي تغيرت. لم يعد يسألنا عن أمر، أو يفكر بنا، وبقدر مشاعر الذنب أحسست بالراحة، فقد أصبحت في عيني ابني امرأة مقهورة، ستتحول بين يوم وآخر إلى امرأة هجرها الزوج، لم يعد يهمني أمر، سوى أن أخفي عوارض ما يعتمل في نفسي وأعماقي.
أكدت له أن الأمر لا يستحق التفكير. كنت في اللاشعور لا أهتم إلا بك، أصبحت محور عالمي، الذي يحتاج إلى مزيد من الدراية.
أصلي كي يبتعد طيفك عن خيالي. هذا الشوك المزروع في جنباتي، في كل خلية من خلاياي، أن يأتي من ينزع الوجع عني.
لماذا أحاسب نفسي وأنقلب عليها؟ لماذا أعاتب حاضري وأهرب إلى الماضي القريب تارة والبعيد تارة أخرى؟ هل لأن نعمة زارتني هذا الصباح؟ ما الذي سأقوله لها إن رأت صورتك في عيني؟ هل أستطيع إخفاء ما كانت تكتشفه من دون أن أبوح به؟ هل هي الثقة بي خلال عمر مضى؟ أو أنه الانطلاق من الذات.
لماذا أهرب من نفسي إلى نعمة؟ هل هو الهروب من مشاعر الخطأ والخطيئة معاً؟ هل لأنني أعيش فرحاً أتاني متأخراً؟ أم لأنني أرى ما أنا فيه مختلفاً؟ وأنا التي لا تعرف من الرجال سوى الزوج، وأنهل من المجتمع الطمأنينة، وأغرف من المحيط الثقة. لن أتّهم. لن يشار إليّ. لا أحد سيكتشف ما بي. في وقت أدرك تماماً أنني لست في موضعي، وأنني في حالة قصوى من الهيام، حالة مليئة بالتساؤلات، تشبه التوق والرغبة والاندفاع، تكبّل الجسد وتسوق به إلى عالم مجهول، عالم تبحث في تفاصيله عن الارتواء، أمور مبهرة! لكنها لا تحمل القيمة التي في الحلم والذاكرة.
ما أنا فيه يزيدني اتهاماً، تستيقظ ذاكرتي، أخجل. أواري وجهي، أهرب إلى داخلي، أقرر، أتراجع، لا أفكر، أنسى وأتذكر أمراً واحداً، متى ستأتي؟
تأتي حاملاً التجاهل، تنهمك بزوجي، تنظر إلى ساعتك، أنتما على عجل، تسترق لحظة هاربة، ترميني بنظرة، أعرف أنك تريدني.
أعرف كيف أخفي مشاعري، لكنك تعرف الغوص إلى أعماقي، هل يهم هذا؟ هل يهم هذا الاكتشاف؟ هذا أقصى ما كنت تريده تلك الأيام، على عكس ما كنت تخطط له في أيام أخر.
ها أنت تقف مبتسماً، تتكئ على جدار المدخل ببزتك البيضاء، أكتشف قامتك وهي تزداد فتوة، أصطنع التجاهل، أغيب وفي عيني صورة لتفاصيل وجهك المشرق، وفي ركن صغير أستطيع رسم كل خلية فيك، أسترق ألوان البحر والغابات، وأمطر من السماء نجوماً، وأشم عبق عطرك المفضل، وأجر قدمي نحو آخر خطوة لك، وأنت تبتعد بصحبة زوجي إلى أي مكان.
ما أنا فيه لا علاقة له بما في الذاكرة، لا علاقة له بالحب الذي كان، فهل للحب أكثر من وجه؟ كيف تتحول الأشياء وتنقلب المقاييس؟ كيف تصبح التفاصيل سوطاً يجرح الوقت، وعاصفة تهيج السكون، ودماً يعبث في النبض ويوقظ في الجسد الأمنيات.
غبت ولم تغب، وطالت غيبتك التي عشتها دهراً، فأراك هنا أو هناك، أسمع صوتك يعبر سمع زوجي إليّ، أجفل وأبحث عن مخرج، أشعر بخطواتي تقودني إلى لا شيء، إلى لا مكان، أصبح خاوية أو بلا انتماء، أو أنني أسقط في فراغ، وأفاجأ بتزاحم الأسئلة في رأسي، هل كنت تتعمّد إطالة غيابك، أو أردت إخضاعي للامتحان؟
ما الذي كنت تخطط له، وأنا أرى أشياء وأتلمس أشياء؟
تلك الرابطة التي تجمعني بزوجي، والتي دخلت مرحلة الركود من جهة، وبين انسياقي نحو المجهول من جهة ثانية.
كيف لم يلحظ ابني ذلك؟ وكيف لم يعرف زوجي ما أنا فيه؟ هل كنت تعرف أنت؟ وهل استطعت أنا وبمزيد من الانتباه، إخفاء صورتي الجديدة، وما يعتمل في داخلي؟ هل كنت تجهل حقيقة مشاعري؟
هل هو الشر الذي يتسلّى بالبشر؟ كيف يعرف الشر الطريق؟ وهل تكفي بضعة لقاءات، أو بضع كلمات لتحقيق الحلم؟ هل يحلم الشر كالبشر؟ بالنسبة إلي، نسيت الأمس والغد، وسقطت في اللحظة، أسمع ضربات قلبي، وتعصف ألوانك بي، ولا أدري هل كنت منتشية أم كنت أواري خجلي؟ هل عدت إلى مراهقتي الأولى، أم أنني أعد الخطوط فوق جبيني وحول عيني؟ هل أسترسل في الحلم وأنسى، أم أبتر يقظتي وأفراح قلبي؟
وجهان نقيضان ما بين الظاهر والخفاء، أمران يتناوبان الأمكنة والمواقع، أتلمس وجودهما واختلافهما وعدم التقائهما، فلم يحدث أن انعكس ما في أعماقي على صورتي، أو طافت أحلامي فوق تعابير وجهي؛ شعوران يتحركان، تارة إلى الخلف وأخرى نحو الأمام، يتوازيان في السرعة والمسافات، لكنهما لا يتوحّدان، وكأنني أهرول معهما، أدفع ضرائب الفرح، إن كان في النور أو في العتمة.
في لحظة لا صفة لها، تأسرني نسمة أو يبهرني صوت، شيء ما ينقلني إلى أماكن لا تخلو من عذوبة، أصبح أكثر جمالاً ونقاء، وأعرف أن وجودك جدّد حياتي ولا أعرف ما يترتب عليّ لقاء ذلك، هل أقدم الشكر أم أنهج السخط؟ ماذا أنقل بهجتي أو استيائي؟ قرار بين أن أسمعك صوتي مستقبلاً أو مودعاً، راضياً أو ناقماً، قرار بين أن أهتف إليك أو أتراجع، غير أن كل الأحاديث تموت قبل أن تبتدئ، فما الذي سأقوله لك؟ ما الذي سأنقله إليك؟
لم ينتبه زوجي إلى هزالي، أما ابني فألمح إلى تصرفات أبيه التي تغيرت. لم يعد يسألنا عن أمر، أو يفكر بنا، وبقدر مشاعر الذنب أحسست بالراحة، فقد أصبحت في عيني ابني امرأة مقهورة، ستتحول بين يوم وآخر إلى امرأة هجرها الزوج، لم يعد يهمني أمر، سوى أن أخفي عوارض ما يعتمل في نفسي وأعماقي.
أكدت له أن الأمر لا يستحق التفكير. كنت في اللاشعور لا أهتم إلا بك، أصبحت محور عالمي، الذي يحتاج إلى مزيد من الدراية.