Page 1
مقدمة
البترول في الشرق الأوسط وبالتحديد في منطقة الخليج العربي في تاريخه محطات رئيسية هامة. المحطة الأولى بدأت منذ بداية القرن العشرين حتى عام 1960م حيث ولدت "أوبك" منظمة الدول المصدّرة للبترول. ومن أهم مكونات هذه المرحلة التاريخية هو صراع الدول المالكة للنفط ومنها المملكة العربية السعودية مع الشركات المكتشفة والمستخرجة للنفط. وكان الصراع في بدايته حول اتفاقيات الامتياز والمشاركة والسيادة الوطنية على النفط وضرائبه. لعب عبدالله بن حمود الطريقي الذي عُيِّن في عام 1949م مديراً لمكتب مراقبة شؤون البترول في المنطقة الشرقية التابع لوزارة المالية، دوراً هاماً وأساسياً في الدفاع عن حقوق بلاده السيادية والبترولية، وساهم في تكوين اتحاد بين المنتجين لمواجهة اتحاد الشركات والحكومات الغربية، فتمت ولادة أوبك في العام 1960م.
المحطة الثانية في تاريخ بترول الشرق الأوسط بدأت في بداية السبعينيات من القرن العشرين، وانطلقت شرارتها الأولى في عام 1973م، عندما استطاعت دول الأوبك تصحيح سعر برميل النفط فارتفعت إيرادات دول الأوبك من صادراتها النفطية ارتفاعاً كبيراً من 35 961 مليون دولار عام 1973م إلى 115 840 مليون دولار عام 1974م أي حوالى ثلاثة أضعاف، وتلا ذلك الحظر البترولي من قبل الدول العربية المصدّرة للنفط بقيادة المملكة العربية السعودية على كل من هولندا والولايات المتحدة اللتين دعمتا إسرائيل في حربها مع مصر عام 1973م. هذه المحطة يمكن تسميتها محطة إمساك الأوبك بزمام القيادة في مجال تسعير النفط والإنتاج.
اتجه عبدالله الطريقي إلى دراسة الجيولوجيا البترولية وصناعتها كشاب حلمه وأمله أن يُقدّم شيئاً لبلده، وكان واضحاً وجلياً لكل مُطّلع على الشؤون الاقتصادية أن المملكة العربية السعودية تعتمد اعتماداً كلياً في حياتها الاقتصادية على إمكاناتها النفطية. في عام 1973م وأنا أحضّر لرسالة الدكتوراه في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، شعرت بما شعر به عبدالله الطريقي، عندما اتجه لدراسة الجانب الجيولوجي للصناعة البترولية، العمود الفقري لحياة بلاده الاقتصادية.
لم يكن موضوع السيادة الوطنية على موارد النفط وحماية المصلحة الوطنية في عقود الامتياز هو الشغل الشاغل في عام 1973م، فهذه إشكاليات المرحلة الأولى وقد توجت هذه المرحلة بالنجاح بجهود رجالها وعلى رأسهم عبدالله الطريقي وزير البترول السعودي آنذاك.
في العام 1973م كانت الإشكالية تتعلق في تحديد السعر الأمثل لبرميل النفط، بعد أن أصبـح في يد الحكومات، ممثلاً في مجلس وزراء النفط في أوبك. شدني هذا الأمر كثيراً لأهميته في تعزيز إيرادات الدولة من مبيعات خام النفط، على أسس اقتصادية سليمة تأخذ في الاعتبـار ظروف الأمد القصير واحتمالات الأمد الطويل. فكتبت رسالتي للدكتوراه في هذا الموضوع في عام 1974م وكان عنوانها قاعدة مثلى لتحديد السعر الأمثل لبترول الشرق الأوسط An optimum base for pricing Middle East crude oil (1) وبهذا عرفت عبدالله الطريقي نموذجاً وطنياً قبل أن ألقاه شخصياً وتقوم بيننا صداقة ومودة.
في مقابلة صحفية كانت هي الأخيرة قال عبدالله الطريقي :
"أنا من أفراد هذه الأمة العربية أو من هذا الجيل الذي عانى التخلف ورأى كيف تمر الفرص الثمينة ، لمستقبل الأمة العربية إذا ما قدر لها أن يكون لها مستقبل لا يتم إلا بتوحيد صفوفها في كيان واحد اقتصادي، سياسي، عسكري على أساس أن يكون أهل مكة أدرى بشعابها، وأن الأمر شورى بين الجميع وأن تكون الأمة العربية مكونة من اتحاد ولايات لكل ولاية الحق في إدارة شؤونها الداخلية وتسيير أمورها ولا يشترط عليها إلا الحفاظ على الكرامة والحقوق الإنسانية" (2).
عبدالله الطريقي شعلة مضيئة في تاريخ الوطن والصناعة البترولية السعودية والعالمية، أُطفئت الشعلة في أول عمرها قبل أن تضيء باقي الطريق، لكنها أوقدت شعلات في ضمير كل مواطن مخلص لوطنه ولأمته. والشعلة في الضمير الحي لا تُطفأ، سيبقى عبدالله الطريقي حياً في الضمائر، وسيأتي الزمن الذي تضاء له في تاريخ الوطن وفي ذاكرة الأجيال شموع.
توفّي عبدالله الطريقي رحمه الله في القاهرة في شهر أيلول/سبتمبر 1997م ونُقل جثمانه إلى الرياض ودُفن فيها. حزنت وحزن كل رفاقه ومحبيه على فقدانه، وكان أقل ما يمكن أن أقوم به لتخليد ذكرى هذا الراحل العظيم، وريقات تحكي جزءاً من تاريخ كفاحه من أجل مبادئ وقيم آمن بها لخدمة وطنه وأمته. خرج من الدنيا زاهداً لايملك منها حتى القليل، تاركاً لوطنه ثروة من القيم والكرامة والنزاهة هي أغلى وأثمن من كل البلايين في عرف وقاموس الشرفاء.
الرياض: د. عبد العزيز محمد الدخيل1/10/1997م
البترول في الشرق الأوسط وبالتحديد في منطقة الخليج العربي في تاريخه محطات رئيسية هامة. المحطة الأولى بدأت منذ بداية القرن العشرين حتى عام 1960م حيث ولدت "أوبك" منظمة الدول المصدّرة للبترول. ومن أهم مكونات هذه المرحلة التاريخية هو صراع الدول المالكة للنفط ومنها المملكة العربية السعودية مع الشركات المكتشفة والمستخرجة للنفط. وكان الصراع في بدايته حول اتفاقيات الامتياز والمشاركة والسيادة الوطنية على النفط وضرائبه. لعب عبدالله بن حمود الطريقي الذي عُيِّن في عام 1949م مديراً لمكتب مراقبة شؤون البترول في المنطقة الشرقية التابع لوزارة المالية، دوراً هاماً وأساسياً في الدفاع عن حقوق بلاده السيادية والبترولية، وساهم في تكوين اتحاد بين المنتجين لمواجهة اتحاد الشركات والحكومات الغربية، فتمت ولادة أوبك في العام 1960م.
المحطة الثانية في تاريخ بترول الشرق الأوسط بدأت في بداية السبعينيات من القرن العشرين، وانطلقت شرارتها الأولى في عام 1973م، عندما استطاعت دول الأوبك تصحيح سعر برميل النفط فارتفعت إيرادات دول الأوبك من صادراتها النفطية ارتفاعاً كبيراً من 35 961 مليون دولار عام 1973م إلى 115 840 مليون دولار عام 1974م أي حوالى ثلاثة أضعاف، وتلا ذلك الحظر البترولي من قبل الدول العربية المصدّرة للنفط بقيادة المملكة العربية السعودية على كل من هولندا والولايات المتحدة اللتين دعمتا إسرائيل في حربها مع مصر عام 1973م. هذه المحطة يمكن تسميتها محطة إمساك الأوبك بزمام القيادة في مجال تسعير النفط والإنتاج.
اتجه عبدالله الطريقي إلى دراسة الجيولوجيا البترولية وصناعتها كشاب حلمه وأمله أن يُقدّم شيئاً لبلده، وكان واضحاً وجلياً لكل مُطّلع على الشؤون الاقتصادية أن المملكة العربية السعودية تعتمد اعتماداً كلياً في حياتها الاقتصادية على إمكاناتها النفطية. في عام 1973م وأنا أحضّر لرسالة الدكتوراه في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، شعرت بما شعر به عبدالله الطريقي، عندما اتجه لدراسة الجانب الجيولوجي للصناعة البترولية، العمود الفقري لحياة بلاده الاقتصادية.
لم يكن موضوع السيادة الوطنية على موارد النفط وحماية المصلحة الوطنية في عقود الامتياز هو الشغل الشاغل في عام 1973م، فهذه إشكاليات المرحلة الأولى وقد توجت هذه المرحلة بالنجاح بجهود رجالها وعلى رأسهم عبدالله الطريقي وزير البترول السعودي آنذاك.
في العام 1973م كانت الإشكالية تتعلق في تحديد السعر الأمثل لبرميل النفط، بعد أن أصبـح في يد الحكومات، ممثلاً في مجلس وزراء النفط في أوبك. شدني هذا الأمر كثيراً لأهميته في تعزيز إيرادات الدولة من مبيعات خام النفط، على أسس اقتصادية سليمة تأخذ في الاعتبـار ظروف الأمد القصير واحتمالات الأمد الطويل. فكتبت رسالتي للدكتوراه في هذا الموضوع في عام 1974م وكان عنوانها قاعدة مثلى لتحديد السعر الأمثل لبترول الشرق الأوسط An optimum base for pricing Middle East crude oil (1) وبهذا عرفت عبدالله الطريقي نموذجاً وطنياً قبل أن ألقاه شخصياً وتقوم بيننا صداقة ومودة.
في مقابلة صحفية كانت هي الأخيرة قال عبدالله الطريقي :
"أنا من أفراد هذه الأمة العربية أو من هذا الجيل الذي عانى التخلف ورأى كيف تمر الفرص الثمينة ، لمستقبل الأمة العربية إذا ما قدر لها أن يكون لها مستقبل لا يتم إلا بتوحيد صفوفها في كيان واحد اقتصادي، سياسي، عسكري على أساس أن يكون أهل مكة أدرى بشعابها، وأن الأمر شورى بين الجميع وأن تكون الأمة العربية مكونة من اتحاد ولايات لكل ولاية الحق في إدارة شؤونها الداخلية وتسيير أمورها ولا يشترط عليها إلا الحفاظ على الكرامة والحقوق الإنسانية" (2).
عبدالله الطريقي شعلة مضيئة في تاريخ الوطن والصناعة البترولية السعودية والعالمية، أُطفئت الشعلة في أول عمرها قبل أن تضيء باقي الطريق، لكنها أوقدت شعلات في ضمير كل مواطن مخلص لوطنه ولأمته. والشعلة في الضمير الحي لا تُطفأ، سيبقى عبدالله الطريقي حياً في الضمائر، وسيأتي الزمن الذي تضاء له في تاريخ الوطن وفي ذاكرة الأجيال شموع.
توفّي عبدالله الطريقي رحمه الله في القاهرة في شهر أيلول/سبتمبر 1997م ونُقل جثمانه إلى الرياض ودُفن فيها. حزنت وحزن كل رفاقه ومحبيه على فقدانه، وكان أقل ما يمكن أن أقوم به لتخليد ذكرى هذا الراحل العظيم، وريقات تحكي جزءاً من تاريخ كفاحه من أجل مبادئ وقيم آمن بها لخدمة وطنه وأمته. خرج من الدنيا زاهداً لايملك منها حتى القليل، تاركاً لوطنه ثروة من القيم والكرامة والنزاهة هي أغلى وأثمن من كل البلايين في عرف وقاموس الشرفاء.
الرياض: د. عبد العزيز محمد الدخيل1/10/1997م
Page 2
عبدالله بن حمود الطريقي
وُلـد عبدالله بن حمود الطريقي عام 1918 في الزلفي، إحدى قرى نجد المتناثرة في صحراء الجزيرة العربية، وفي رحلة طويلة مع الحياة سافر إلى الكويت والهند ثم إلى القاهرة التي انخرط في مدارسها حتى حصل من جامعة القاهرة، كلية العلوم عام 1943 على البكالوريوس في علـم طبقات الأرض والكيمياء، ثم واصل الدرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، طالباً في جامعة تكساس بمدينة أوستن، لدراسة هندسة الجيولوجيا البترولية في جامعتها. وبعد أن أكمل دراسته وتدريبه عام 1947، عاد إلى وطنه المملكة العربية السعودية عام 1948م.
وقّعت المملكة العربية السعودية اتفاقيات الامتياز البترولية التي بموجبها تأسست الشركات الأمريكية المتحدة والمتضامنة تحت اسم شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) عام 1933 ثم عام 1935، أما البترول فلم يُكتشف بكميات كبيرة إلاّ قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة. لكن مصالح الحلفاء الغربيين اقتضت عدم التوسع في الإنتاج والتصدير حتى تضع الحرب أوزارها. تزامن الانطلاق في أعمال الشركات الأمريكية البترولية صاحبة الامتياز في المملكة، وعودة الشاب السعودي من عاصمة البترول الأمريكية إلى بلاده عام 1948. فلم تُضع الحكومة السعوديـة وقتـاً في وضـع الرجل في المكان المناسب، ولم يُضع هو وقتاً في البحث عن بدائل، فعُيّن عام 1949 مديراً لمكتب مراقبة شؤون البترول في المنطقة الشرقية الذي كان تابعاً آنذاك لوزارة المالية. ثم عُيّن مديراً عاماً لإدارة شؤون الزيت والمعادن عام 1954 وهو أعلى منصب حكومي في هذا الحقل آنذاك. وفي كانون الأول/ديسمبر من عام 1960 أُنشئت وزارة مستقلة للبترول والمعادن، عُيّن الطريقي وزيراً لها فكان أول وزير للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية. أُحيل على التقاعد في آذار/مارس عام 1962، بعد أن أمضى ما يقارب الأربعة عشر عاماً في خدمة بلاده في مجال النفط، منها سنة وأربعة أشهر وزيراً.
لعب عبدالله الطريقي دوراً أساسياً وهاماً في إعادة تكوين العلاقة بين شركات البترول العالمية الغربية العاملة في الشرق الأوسط والحكومات المالكة للثروات البترولية منطلقاً من بلاده المملكة العربية السعودية. كان اهتمامه منصباً على تضييق تلك الفجوة الكبيرة بين القليل الذي تحصل عليه الحكومة من عائدات النفط، والكثير الذي تأخذه الشركات. وكيف لا يكون هذا جُلّ اهتمامه وبلاده التي بدأت تواً مشوارها الطويل في البناء والتكوين، لا تملك من مقومات الحياة المادية إلاّ القليل جداً جداً. فهي في أمس الحاجة إلى كل درهم يخرج من باطن أرضها ومن تحت ترابها لتحسين حالة المواطن الصحية والمعيشية والتعليمية. لكن الطريقي وجد، وهو يعمل من أجل تحقيق مشروعه الوطني، أن جميع شركات البترول العالمية الغربية تحارب من خندق واحد، سواء العاملة منها في الشرق الأوسط أو في أي مكان في العالم. فعرف أن الشركات البترولية العالمية لا تجابه على انفراد، وأن الاتحاد والتضامن بين الدول المنتجة شرط أساسي إذا ما أرادت هذه الدول استرجاع بعض حقوقها.
لقد أسس عبدالله الطريقي قواعد الفكر الوطني البترولي في الشرق الأوسط بعد انهيار الحركة الإيرانية على يد مُصدّق عام 1954، عندما دفع بتيارات انطلقت لتغيير العلاقة غير المتوازنة بين الشركات البترولية والحكومات وإبدالها بعلاقات جديدة تعيد للوطن سيادته على ثروته البترولية، وتعطي للشركات ما تستحقه من عائد على استثماراتها ورؤوس أموالها.
الفكر الذي تبناه الطريقي وضحّى من أجله وعمل على نشره وتطبيقه لم يأت من فراغ أو من استلهامٍ لنظرية أو أيديولوجية راديكالية ثورية، بل إنه فكر مؤسس على عناصر جذرية في شخصيته وتكوينه منها:
1) الرغبة الصادقة المخلصة في خدمة وطنه وأمته العربية.
2) الإيمان القويّ بحق الحكومات والشعوب في السيادة على مواردها الطبيعية والاستفادة القصوى منها.
3) الاعتراف بحق الشركات الأجنبية في الحصول على عائد ملائم يتناسب مع مخاطر استثماراتها وتكاليفها.
4) المعرفة العلمية والعملية بفنون الصناعـة البتروليـة ومعـادلاتهـا وشؤونها المحلية والدولية.
5) تقديره للتخصص والمنهج العلمي في بحث القضايا وإيجاد الحلول، فلم يتردّد في استقطاب الخبرات والكفاءة العربية والأجنبية لمساعدته على حل قضايا بلاده البترولية.
ويمكن للباحث أن يقف على هذه العناصر في شخصية الطريقي من خلال استقراء حياته التي كانت حافلة بالمواقف والأقوال التي توضح أن هذه العناصر جزء بنيوي في فكر الرجل وسلوكه. وسوف أستعرض مع القارئ نماذج من سيرة حياته تتمحور حول دوره في إعـادة الهيكلة لمرتكزات أساسية في منظومـة العلاقـة بين الحكومـات وشركات البترول العالمية: أولاً في بلاده المملكة العربية السعودية، وثانياً على مستوى العالم. ولا يمكن لهذا البحث السريع أن يأتي على كل ما يجب أن يقال، لذا فإنني سوف أحاول الجمع بين الإيجاز والشمول.
وُلـد عبدالله بن حمود الطريقي عام 1918 في الزلفي، إحدى قرى نجد المتناثرة في صحراء الجزيرة العربية، وفي رحلة طويلة مع الحياة سافر إلى الكويت والهند ثم إلى القاهرة التي انخرط في مدارسها حتى حصل من جامعة القاهرة، كلية العلوم عام 1943 على البكالوريوس في علـم طبقات الأرض والكيمياء، ثم واصل الدرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، طالباً في جامعة تكساس بمدينة أوستن، لدراسة هندسة الجيولوجيا البترولية في جامعتها. وبعد أن أكمل دراسته وتدريبه عام 1947، عاد إلى وطنه المملكة العربية السعودية عام 1948م.
وقّعت المملكة العربية السعودية اتفاقيات الامتياز البترولية التي بموجبها تأسست الشركات الأمريكية المتحدة والمتضامنة تحت اسم شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) عام 1933 ثم عام 1935، أما البترول فلم يُكتشف بكميات كبيرة إلاّ قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة. لكن مصالح الحلفاء الغربيين اقتضت عدم التوسع في الإنتاج والتصدير حتى تضع الحرب أوزارها. تزامن الانطلاق في أعمال الشركات الأمريكية البترولية صاحبة الامتياز في المملكة، وعودة الشاب السعودي من عاصمة البترول الأمريكية إلى بلاده عام 1948. فلم تُضع الحكومة السعوديـة وقتـاً في وضـع الرجل في المكان المناسب، ولم يُضع هو وقتاً في البحث عن بدائل، فعُيّن عام 1949 مديراً لمكتب مراقبة شؤون البترول في المنطقة الشرقية الذي كان تابعاً آنذاك لوزارة المالية. ثم عُيّن مديراً عاماً لإدارة شؤون الزيت والمعادن عام 1954 وهو أعلى منصب حكومي في هذا الحقل آنذاك. وفي كانون الأول/ديسمبر من عام 1960 أُنشئت وزارة مستقلة للبترول والمعادن، عُيّن الطريقي وزيراً لها فكان أول وزير للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية. أُحيل على التقاعد في آذار/مارس عام 1962، بعد أن أمضى ما يقارب الأربعة عشر عاماً في خدمة بلاده في مجال النفط، منها سنة وأربعة أشهر وزيراً.
لعب عبدالله الطريقي دوراً أساسياً وهاماً في إعادة تكوين العلاقة بين شركات البترول العالمية الغربية العاملة في الشرق الأوسط والحكومات المالكة للثروات البترولية منطلقاً من بلاده المملكة العربية السعودية. كان اهتمامه منصباً على تضييق تلك الفجوة الكبيرة بين القليل الذي تحصل عليه الحكومة من عائدات النفط، والكثير الذي تأخذه الشركات. وكيف لا يكون هذا جُلّ اهتمامه وبلاده التي بدأت تواً مشوارها الطويل في البناء والتكوين، لا تملك من مقومات الحياة المادية إلاّ القليل جداً جداً. فهي في أمس الحاجة إلى كل درهم يخرج من باطن أرضها ومن تحت ترابها لتحسين حالة المواطن الصحية والمعيشية والتعليمية. لكن الطريقي وجد، وهو يعمل من أجل تحقيق مشروعه الوطني، أن جميع شركات البترول العالمية الغربية تحارب من خندق واحد، سواء العاملة منها في الشرق الأوسط أو في أي مكان في العالم. فعرف أن الشركات البترولية العالمية لا تجابه على انفراد، وأن الاتحاد والتضامن بين الدول المنتجة شرط أساسي إذا ما أرادت هذه الدول استرجاع بعض حقوقها.
لقد أسس عبدالله الطريقي قواعد الفكر الوطني البترولي في الشرق الأوسط بعد انهيار الحركة الإيرانية على يد مُصدّق عام 1954، عندما دفع بتيارات انطلقت لتغيير العلاقة غير المتوازنة بين الشركات البترولية والحكومات وإبدالها بعلاقات جديدة تعيد للوطن سيادته على ثروته البترولية، وتعطي للشركات ما تستحقه من عائد على استثماراتها ورؤوس أموالها.
الفكر الذي تبناه الطريقي وضحّى من أجله وعمل على نشره وتطبيقه لم يأت من فراغ أو من استلهامٍ لنظرية أو أيديولوجية راديكالية ثورية، بل إنه فكر مؤسس على عناصر جذرية في شخصيته وتكوينه منها:
1) الرغبة الصادقة المخلصة في خدمة وطنه وأمته العربية.
2) الإيمان القويّ بحق الحكومات والشعوب في السيادة على مواردها الطبيعية والاستفادة القصوى منها.
3) الاعتراف بحق الشركات الأجنبية في الحصول على عائد ملائم يتناسب مع مخاطر استثماراتها وتكاليفها.
4) المعرفة العلمية والعملية بفنون الصناعـة البتروليـة ومعـادلاتهـا وشؤونها المحلية والدولية.
5) تقديره للتخصص والمنهج العلمي في بحث القضايا وإيجاد الحلول، فلم يتردّد في استقطاب الخبرات والكفاءة العربية والأجنبية لمساعدته على حل قضايا بلاده البترولية.
ويمكن للباحث أن يقف على هذه العناصر في شخصية الطريقي من خلال استقراء حياته التي كانت حافلة بالمواقف والأقوال التي توضح أن هذه العناصر جزء بنيوي في فكر الرجل وسلوكه. وسوف أستعرض مع القارئ نماذج من سيرة حياته تتمحور حول دوره في إعـادة الهيكلة لمرتكزات أساسية في منظومـة العلاقـة بين الحكومـات وشركات البترول العالمية: أولاً في بلاده المملكة العربية السعودية، وثانياً على مستوى العالم. ولا يمكن لهذا البحث السريع أن يأتي على كل ما يجب أن يقال، لذا فإنني سوف أحاول الجمع بين الإيجاز والشمول.
Page 3
أولاً: في المجال الوطني
بعد أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها عام 1948 بدأت شركات البترول الأمريكية صاحبة الامتياز لحقول النفط السعودية استخراج وتصدير خام البترول بعد أن أوقفته خلال فترة الحرب. وقد كانت العلاقة بين الشركات والحكومة القائمة على اتفاقيتي عام 1933 وعام 1935، تتسم بعدم التوازن، كما هي الحال بالنسبة إلى معظم العقود المبرمة في الشرق الأوسط، حيث تسيطر الشركات بشكل كامل وانفرادي على الإنتاج والتسعير وتعطي للحكومات نزراً يسيراً من الأرباح الكبيرة التي تحققها من مبيعات النفط. فحتى عام 1950 كان جميع ما تحصل عليه المملكة من قيمة البترول هو 4 شلنق ذهب للطنّ الواحد أي ما يعادل 22 سنتاً للبرميل الواحد، بينما كان سعر البرميل الخام من الخليج العربي حوالى (2) دولارين وتكلفة الإنتاج حوالى (15) سنتاً. أي أن المملكة كانت تحصل على 22 سنتاً من برميل نفطها، بينما تحصل الشركة على 163 سنتاً أي أكثر من 700%.
استطاعت المملكة العربية السعودية أن ترفع حصتها من دخل البترول إلى 50% من صافي الدخل الذي تحققه الشركات بعد خصم التكاليف، بموجب اتفاقية المشاركة التي وقعت بين المملكة والشركات في كانون الأول/ديسمبر عام 1950م. وقد ساعد على قبول الشركات هذه الاتفاقية معرفة الحكومة السعودية بوجود هذه المعادلة في توزيع الدخل بين الحكومة الفنزويلية وشركات البترول العاملة هناك.
يقول عبدالله الطريقي في تصريح له عام 1960، عندما كان مديراً عاماً لإدارة البترول والمعادن في وزارة الماليـة عن تلاعب شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في بعض المعاملات الحسابية :
"في الماضي لم نشعر بالاطمئنان وراحة البال في تعاملنا مع شركات الزيت حتى في الحصـول علـى مـا وافقـوا وقبلوه ودعوني أعطيكم مثالاً واحداً. عندما اتفقنا مع الشركة على تقاسم الدخل الصافي بنسبة 50% لكل طرف في عام 1950 وبعد عام أو يزيد اكتشفنا أن أرامكو كانت تقيّد مبلغ (1 40) دولاراً لحساب شركاتهم الأم على حساب ضريبة الدخل السعودية، مما ينقص حصة المملكة من 50% إلى 32% وعندما سألناهم عن ذلك قالوا لنا إن هذا الخصم لحساب الشركات الأم من أجل عمليات التسويق، ونحن لم نوقِّع على مثل هذا الاتفاق أو نقبله (3).
وفي مقابلة مع مندوب مجلة الزيت العالمي World Oil السيد جاك ايرل، وجه الصحفي السؤال التالي للوزير الطريقي :
"إلى أي مدى أفادت شركات الزيت العالمية دول الشرق الأوسط المنتجة للزيت ؟ وكيف يمكن تحسين هذه الفوائد وكذلك تحسين العلاقات القائمة بين الشركة والحكومة؟" (4).
فأجاب الطريقي:
"إن شركات الزيت، بما حصلت عليه من امتيازات للزيت في مناطق واسعة من الشرق الأوسط في عالم ذي احتياطي شحيح من الزيت، استطاعت أن تزود بلدان العالم بنصيب كبيـر ممـا تحتـاج إليـه مـن الطاقـة على شكـل زيت، وأن تحصـل بذلك على أرباح كبيرة. وخلال المراحل الأولى من الأعمال كانت شركات الزيت تدفع عوائد لا تتجاوز 22 سنتاً عن كل برميل من الزيت يتم إنتاجه. ولكن هذه الأرباح الضخمة كانت حافزاً كافياً دفع حكومات الشرق الأوسط إلى فرض ضرائب من شأنها أن تجعل إيرادات هذه الحكومات ما نسبته 50 في المائة من مجموعة الأرباح الصافية التي تجنيها الشركات من بيع الزيت الخـام. وعلى الرغم من حصص الحكومات البالغة 50 في المائة فإن شركات الزيت العاملة في الشرق الأوسط لا تزال تحقق مردوداً سنوياً يراوح ما بين 60 و70 في المائة من قيمة استثماراتها. وهذا هو أعلى مردود في العالم كله. ومع ذلك فإن تنظيم العلاقات ما بين الحكومات والشركات قائم على أساس اتفاقات امتياز الزيت وهي اتفاقات تضع الشركات في موضع يمكنها من السيطرة على إنتاج المادة الرئيسية من مواردنا الطبيعية وبيعها (هذه المادة هي في الواقع دم الحياة بالنسبة إلينا)، دون أن تترك للحكومات أية سلطة للفصل في أمور قد يكون لها تأثير كبير في اقتصادنا. وهكذا نجد أنه ليست لدى الحكومات طريقة لمراقبة التقلب في العمل، ذلك التقلب الذي قد يعرض سلامتنا الوطنية للخطر. وما لم تصبح شركات الزيت الأجنبية هذه، محلية في كيانها وما لم تُفصل عن الشركات الأم التي تسيطر عليها وما لم تسهم حكومات الدول المنتجة في ممارسة عمليات الزيت في بلادها، فإن الفوائد التي تجنى من الزيت ستظل ناقصة جداً، ومقتصرة على مبلغ ما من المال يدفع بصورة أوتوماتيكية".
وفي حديث مع مندوب الجريدة نفسها يسأل الصحفي الوزير الطريقي، فيقول إن الناس يترقبون بلهفة رد وزارتكم الإيجابي على البيان الذي نشرته شركة الزيت العربية الأمريكية حول موضوع المائة والثمانين مليون دولار وعن استعدادها للذهاب إلى التحكيم فما رأي وزارتكم؟
بعد أن وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها عام 1948 بدأت شركات البترول الأمريكية صاحبة الامتياز لحقول النفط السعودية استخراج وتصدير خام البترول بعد أن أوقفته خلال فترة الحرب. وقد كانت العلاقة بين الشركات والحكومة القائمة على اتفاقيتي عام 1933 وعام 1935، تتسم بعدم التوازن، كما هي الحال بالنسبة إلى معظم العقود المبرمة في الشرق الأوسط، حيث تسيطر الشركات بشكل كامل وانفرادي على الإنتاج والتسعير وتعطي للحكومات نزراً يسيراً من الأرباح الكبيرة التي تحققها من مبيعات النفط. فحتى عام 1950 كان جميع ما تحصل عليه المملكة من قيمة البترول هو 4 شلنق ذهب للطنّ الواحد أي ما يعادل 22 سنتاً للبرميل الواحد، بينما كان سعر البرميل الخام من الخليج العربي حوالى (2) دولارين وتكلفة الإنتاج حوالى (15) سنتاً. أي أن المملكة كانت تحصل على 22 سنتاً من برميل نفطها، بينما تحصل الشركة على 163 سنتاً أي أكثر من 700%.
استطاعت المملكة العربية السعودية أن ترفع حصتها من دخل البترول إلى 50% من صافي الدخل الذي تحققه الشركات بعد خصم التكاليف، بموجب اتفاقية المشاركة التي وقعت بين المملكة والشركات في كانون الأول/ديسمبر عام 1950م. وقد ساعد على قبول الشركات هذه الاتفاقية معرفة الحكومة السعودية بوجود هذه المعادلة في توزيع الدخل بين الحكومة الفنزويلية وشركات البترول العاملة هناك.
يقول عبدالله الطريقي في تصريح له عام 1960، عندما كان مديراً عاماً لإدارة البترول والمعادن في وزارة الماليـة عن تلاعب شركة الزيت العربية الأمريكية (أرامكو) في بعض المعاملات الحسابية :
"في الماضي لم نشعر بالاطمئنان وراحة البال في تعاملنا مع شركات الزيت حتى في الحصـول علـى مـا وافقـوا وقبلوه ودعوني أعطيكم مثالاً واحداً. عندما اتفقنا مع الشركة على تقاسم الدخل الصافي بنسبة 50% لكل طرف في عام 1950 وبعد عام أو يزيد اكتشفنا أن أرامكو كانت تقيّد مبلغ (1 40) دولاراً لحساب شركاتهم الأم على حساب ضريبة الدخل السعودية، مما ينقص حصة المملكة من 50% إلى 32% وعندما سألناهم عن ذلك قالوا لنا إن هذا الخصم لحساب الشركات الأم من أجل عمليات التسويق، ونحن لم نوقِّع على مثل هذا الاتفاق أو نقبله (3).
وفي مقابلة مع مندوب مجلة الزيت العالمي World Oil السيد جاك ايرل، وجه الصحفي السؤال التالي للوزير الطريقي :
"إلى أي مدى أفادت شركات الزيت العالمية دول الشرق الأوسط المنتجة للزيت ؟ وكيف يمكن تحسين هذه الفوائد وكذلك تحسين العلاقات القائمة بين الشركة والحكومة؟" (4).
فأجاب الطريقي:
"إن شركات الزيت، بما حصلت عليه من امتيازات للزيت في مناطق واسعة من الشرق الأوسط في عالم ذي احتياطي شحيح من الزيت، استطاعت أن تزود بلدان العالم بنصيب كبيـر ممـا تحتـاج إليـه مـن الطاقـة على شكـل زيت، وأن تحصـل بذلك على أرباح كبيرة. وخلال المراحل الأولى من الأعمال كانت شركات الزيت تدفع عوائد لا تتجاوز 22 سنتاً عن كل برميل من الزيت يتم إنتاجه. ولكن هذه الأرباح الضخمة كانت حافزاً كافياً دفع حكومات الشرق الأوسط إلى فرض ضرائب من شأنها أن تجعل إيرادات هذه الحكومات ما نسبته 50 في المائة من مجموعة الأرباح الصافية التي تجنيها الشركات من بيع الزيت الخـام. وعلى الرغم من حصص الحكومات البالغة 50 في المائة فإن شركات الزيت العاملة في الشرق الأوسط لا تزال تحقق مردوداً سنوياً يراوح ما بين 60 و70 في المائة من قيمة استثماراتها. وهذا هو أعلى مردود في العالم كله. ومع ذلك فإن تنظيم العلاقات ما بين الحكومات والشركات قائم على أساس اتفاقات امتياز الزيت وهي اتفاقات تضع الشركات في موضع يمكنها من السيطرة على إنتاج المادة الرئيسية من مواردنا الطبيعية وبيعها (هذه المادة هي في الواقع دم الحياة بالنسبة إلينا)، دون أن تترك للحكومات أية سلطة للفصل في أمور قد يكون لها تأثير كبير في اقتصادنا. وهكذا نجد أنه ليست لدى الحكومات طريقة لمراقبة التقلب في العمل، ذلك التقلب الذي قد يعرض سلامتنا الوطنية للخطر. وما لم تصبح شركات الزيت الأجنبية هذه، محلية في كيانها وما لم تُفصل عن الشركات الأم التي تسيطر عليها وما لم تسهم حكومات الدول المنتجة في ممارسة عمليات الزيت في بلادها، فإن الفوائد التي تجنى من الزيت ستظل ناقصة جداً، ومقتصرة على مبلغ ما من المال يدفع بصورة أوتوماتيكية".
وفي حديث مع مندوب الجريدة نفسها يسأل الصحفي الوزير الطريقي، فيقول إن الناس يترقبون بلهفة رد وزارتكم الإيجابي على البيان الذي نشرته شركة الزيت العربية الأمريكية حول موضوع المائة والثمانين مليون دولار وعن استعدادها للذهاب إلى التحكيم فما رأي وزارتكم؟
Page 4
فيجيب الطريقي:
"إن المسائل الضريبية مع شركات البترول في بلادنا تحل بموجب نظام ضريبــة الدخــل السعــودي الصــادر بمرسـوم ملكـي كريـم والـذي تخضع له أرامكــو".
ويظهر واضحاً هنا تأكيد الطريقي واهتمامه بترسيخ مبدأ السيادة الوطنية على الثروة فهو يقول إن المسائل الضريبية تخضع لقانون البلاد، لأن سنّ الضرائب على المواطنين والأجانب هو من حق السيادة الوطنية، لذا فإن المرجعية الأساسية للخلاف بين المملكة وشركـة الزيت العربية الأمريكية في موضـوع الضرائب هـو نظـام الضريبة السعـودي وليـس التحكيم.
ويقول في هذا المجال عام 1965 أي بعد ثلاث سنوات من إحالته على التقاعد في مقال بعنوان سياسة ليبيا البترولية:
"إن محاولة الحكومة الليبية تحسين شروط الامتيازات عمل يستحق الثناء ولكن الأحسن من هذا كله القيام بمراقبة شاملة للشركات العاملة والتأكد من أنها تنفذ شروط الامتيازات بدقة وأمانة وإنها لا تفسر لمصلحتها أو على حساب مصلحة الشعب العربي في ليبيا" (5).
وفي مكان آخر في المقال نفسه يتعرض لنقطة أخرى ذات علاقة بتصرفات شركات البترول والتزامها بقوانين العمل والعمال حيث يقول:
"وجدت شركة البترول العربية الأمريكية (أرامكو) أن تطبيق قانون العمل والعمال على جميع العمال الذين تحتاج إليهم في أعمالها سيكلفها كثيراً، ولهذا ابتدعت فكرة المقاولين وأصحاب السيارات فأتت بمجموعة من عمالها ممن يظهر على سيمائهم عدم الفطنة والذكاء العادي، وقالت لهم: "كونوا مقاولين" فكانوا. وكانت مهمة هؤلاء المقاولين الجدد جمع العمال الراغبين وأن تأتي الشركة بالمعدات والمهندسين فيدربوا المقاول وعماله للقيام بالعمل المطلوب منهم. وبهذه الطريقة تكون الشركة غير مسؤولة عن تدبير المساكن والتأمين الصحي والعناية بالعامل وعائلته. والمستفيد من هذه العملية هو الشركة والمقاول الجديد، أما العامل فيحرم من جميع الخدمات والعناية التي يجب أن توفرها له الشركة. وهؤلاء المقاولون وأصحاب السيارات بعد أن يرتفع مستواهم المعيشي من عمال عاديين إلى أصحاب أعمال، يبدون وكأنهم مقتنعون بأنهم كذلك فتراهم يركبون السيارات الفخمة ويدخنون السيجار ويلبسون كالأمريكان ويعطون لمن يقابلهم الفكرة بأنهم يعتقدون بأنهم قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمجهوداتهم الخاصة وأنهم ليسوا أداة للإضرار بمواطنيهم".
ويقـول في معرض حديث لـه عـن سلوك الشركات البترولية تجاه المحافظة على حقول النفط:
"الشركات البترولية لايهمها إلا الربح السريع وهي قصيرة النظر لعدم اطمئنانها إلى المستقبل، وهي تحاول تحقيق الربح بأقصر الطرق. ولهذا فهي لا تهتم بما سيحدث للحقول من أضرار نتيجة للطرق غير العلمية التي تتبعها كما أنها لا تهتم كثيراً بالأسعار مادامت لا تحقق أرباحاً خصوصاً إذا كانت الخصميات تذهب لمالكيها أو لشركائها".
لم يكن الطريقي راديكالياً في تعامله مع الشركات الأجنبية، رغم انتمائه الوطني والقومي، فكان يحترم العقود والاتفاقيات المبرمة معها، ولكنه كان يطالب الشركات ويفرض عليها احترام ما التزمت به في العقد. كان يؤمن بمبدأ التطور التدريجي فكان يتقدم إلى موقع لينتقل منه إلى موقع أفضل. يحدد مطالبه تجاه الشركات على أسس علمية قانونية بعيداً عن التشنّج السياسي.
تحدث الطريقي يوماً عن اتفاقية الامتياز مع الشركة اليابانية للبترول في المنطقة المحايدة بعد توقيعها فقال قولاً نستطيع من خلاله قراءة بعض من فكـره فيمـا يتعلـق ببنود اتفاقية الامتيـاز مع شركات البترول الأمريكية التي يرى ضرورة إعادة النظر فيها، يقول (6):
1) هذه الاتفاقية (مع الشركة اليابانية) أعطت الحكومة الحق في الإشراف المباشر على الإنتاج وكذلك تحديد الأسعار.
2) كما أدخلت الحكومة شريكة من البئر إلى السيارة حيثما وجد نشاط للشركة في المنطقة المحايدة.
3) حطمت هذه الاتفاقية قاعدة الـ 50% (مبدأ مناصفة الأرباح) وجعلت نصيب الحكومة 56%.
4) أزاحت هذه الاتفاقية ما يعتبر بأنه غبن وتقييدات لسلطة الحكومة كما هو وارد في نصوص الاتفاقيات الأخرى.
5) هـذه الاتفاقيــة جعـلـت الحكومــة المشــرف الأول علــى الثــروة في البـلاد.
"إن المسائل الضريبية مع شركات البترول في بلادنا تحل بموجب نظام ضريبــة الدخــل السعــودي الصــادر بمرسـوم ملكـي كريـم والـذي تخضع له أرامكــو".
ويظهر واضحاً هنا تأكيد الطريقي واهتمامه بترسيخ مبدأ السيادة الوطنية على الثروة فهو يقول إن المسائل الضريبية تخضع لقانون البلاد، لأن سنّ الضرائب على المواطنين والأجانب هو من حق السيادة الوطنية، لذا فإن المرجعية الأساسية للخلاف بين المملكة وشركـة الزيت العربية الأمريكية في موضـوع الضرائب هـو نظـام الضريبة السعـودي وليـس التحكيم.
ويقول في هذا المجال عام 1965 أي بعد ثلاث سنوات من إحالته على التقاعد في مقال بعنوان سياسة ليبيا البترولية:
"إن محاولة الحكومة الليبية تحسين شروط الامتيازات عمل يستحق الثناء ولكن الأحسن من هذا كله القيام بمراقبة شاملة للشركات العاملة والتأكد من أنها تنفذ شروط الامتيازات بدقة وأمانة وإنها لا تفسر لمصلحتها أو على حساب مصلحة الشعب العربي في ليبيا" (5).
وفي مكان آخر في المقال نفسه يتعرض لنقطة أخرى ذات علاقة بتصرفات شركات البترول والتزامها بقوانين العمل والعمال حيث يقول:
"وجدت شركة البترول العربية الأمريكية (أرامكو) أن تطبيق قانون العمل والعمال على جميع العمال الذين تحتاج إليهم في أعمالها سيكلفها كثيراً، ولهذا ابتدعت فكرة المقاولين وأصحاب السيارات فأتت بمجموعة من عمالها ممن يظهر على سيمائهم عدم الفطنة والذكاء العادي، وقالت لهم: "كونوا مقاولين" فكانوا. وكانت مهمة هؤلاء المقاولين الجدد جمع العمال الراغبين وأن تأتي الشركة بالمعدات والمهندسين فيدربوا المقاول وعماله للقيام بالعمل المطلوب منهم. وبهذه الطريقة تكون الشركة غير مسؤولة عن تدبير المساكن والتأمين الصحي والعناية بالعامل وعائلته. والمستفيد من هذه العملية هو الشركة والمقاول الجديد، أما العامل فيحرم من جميع الخدمات والعناية التي يجب أن توفرها له الشركة. وهؤلاء المقاولون وأصحاب السيارات بعد أن يرتفع مستواهم المعيشي من عمال عاديين إلى أصحاب أعمال، يبدون وكأنهم مقتنعون بأنهم كذلك فتراهم يركبون السيارات الفخمة ويدخنون السيجار ويلبسون كالأمريكان ويعطون لمن يقابلهم الفكرة بأنهم يعتقدون بأنهم قد وصلوا إلى ما وصلوا إليه بمجهوداتهم الخاصة وأنهم ليسوا أداة للإضرار بمواطنيهم".
ويقـول في معرض حديث لـه عـن سلوك الشركات البترولية تجاه المحافظة على حقول النفط:
"الشركات البترولية لايهمها إلا الربح السريع وهي قصيرة النظر لعدم اطمئنانها إلى المستقبل، وهي تحاول تحقيق الربح بأقصر الطرق. ولهذا فهي لا تهتم بما سيحدث للحقول من أضرار نتيجة للطرق غير العلمية التي تتبعها كما أنها لا تهتم كثيراً بالأسعار مادامت لا تحقق أرباحاً خصوصاً إذا كانت الخصميات تذهب لمالكيها أو لشركائها".
لم يكن الطريقي راديكالياً في تعامله مع الشركات الأجنبية، رغم انتمائه الوطني والقومي، فكان يحترم العقود والاتفاقيات المبرمة معها، ولكنه كان يطالب الشركات ويفرض عليها احترام ما التزمت به في العقد. كان يؤمن بمبدأ التطور التدريجي فكان يتقدم إلى موقع لينتقل منه إلى موقع أفضل. يحدد مطالبه تجاه الشركات على أسس علمية قانونية بعيداً عن التشنّج السياسي.
تحدث الطريقي يوماً عن اتفاقية الامتياز مع الشركة اليابانية للبترول في المنطقة المحايدة بعد توقيعها فقال قولاً نستطيع من خلاله قراءة بعض من فكـره فيمـا يتعلـق ببنود اتفاقية الامتيـاز مع شركات البترول الأمريكية التي يرى ضرورة إعادة النظر فيها، يقول (6):
1) هذه الاتفاقية (مع الشركة اليابانية) أعطت الحكومة الحق في الإشراف المباشر على الإنتاج وكذلك تحديد الأسعار.
2) كما أدخلت الحكومة شريكة من البئر إلى السيارة حيثما وجد نشاط للشركة في المنطقة المحايدة.
3) حطمت هذه الاتفاقية قاعدة الـ 50% (مبدأ مناصفة الأرباح) وجعلت نصيب الحكومة 56%.
4) أزاحت هذه الاتفاقية ما يعتبر بأنه غبن وتقييدات لسلطة الحكومة كما هو وارد في نصوص الاتفاقيات الأخرى.
5) هـذه الاتفاقيــة جعـلـت الحكومــة المشــرف الأول علــى الثــروة في البـلاد.