Page 1
مقدّمة من المترجِم
أتعلّم من الكثيرين ولكن لا أثق بأحد.إنّي وإن كنت اليوم ما أزال أعدّ نيتشه أجرأ ذهنيّة وجدت على الأرض، وأقوى عقليّة قيّض لنا أن نسمع صوتها، فإنّ ذلك ليس عن اختيارٍ محض فلسفي أو ذاتيّ. إنّه ناتج تقديري لداروين وعلماء الطبيعة والفلك قبله وبعده. ولكن أليس انحيازاً، هنا أو هناك، لرجل؟ الأمر مختلف جدّاً. حين تؤمن بمؤسس مذهب أو فلسفة فهذا أمرٌ يتعلق بمنحى، بتوجّه، بمقولة ذلك الرجل ذاته، أمّا مع العلم، فإن الرجل ليس غير مكتشف، لا صاحب نظرية أو مذهب عقيدي. داروين ليس غير اسم لتعيين حالة طبيعيّة هو اكتشفها. لسنا نؤمن به بل بالحقائق الطبيعيّة التي اكتشفها [ومن المؤسف أن تُسمّى إلى اليوم نظريّة داروين!].
الوجهة الفلسفية للمرء ـ روحانيّة أو عقلانيّة ـ تحدّد الفيلسوف أو الفلاسفة الذين يعدّهم الأفضل. ليس صدفة أنّ بارتلمي سانتهلر، إذ يقدّر أفلاطون ككبير فلاسفة اليونان، أن يقدّر "كانط" حديثاً بوصفه أفلاطون الفلاسفة المحدثين! إنّه التوجّه الروحيّ مهما اتّخذ من شكل.
أقول إذاً، إنني وإن كنت أعدّ نيتشه أقوى تعبير عن الفكر الحرّ ـ اللاديني والمناهض للميتافيزيقيا والمحبّ للأرض ـ فإنني منذ سنين قليلة قد ألقيت ثقله عن ظهري كعقلية صائبة بالكليّة وبغير أخطاء.
صباح يوم من أيّام مايو، السنة الأخيرة من الألفيّة السالفة بحسب التقويم الزائف ـ بتعبير نيتشه الرائع نفسه ـ وأنا أنظر من نافذتي إلى الجبال المحيطة بكاراكس وكلّها خضراء وأعاليها محجوب بالضباب، متأملاً في الطبيعة والمدنية وتطوّر الإنسان، تبدّى لي أنّ إنسان نيتشه أقرب إلى الإنسان الحربي منه إلى الإنسان العقلاني. سوف تلاحظ ذلك بقوّة في الفصول الأولى من هذا الكتاب.
فكيف ـ كنت أسأل نفسي ـ كيف أمكن للإنسان المتفوّق أن يكون قد ظهر ـ وإن في لمحات في الماضي ـ ونحن نعرف أننا إلى اليوم لم نزل نشكو من وهن معرفي، ليس بمكتمل التكوّن؟ الإنسان الراقي ليس طفرة أو ضربة حظّ، بل مرتهن بدرجة تطوّر المجتمع.
نفهم في العمق هذا الإنسان ومقصد نيتشه منه: قويّ جريءٌ ليس بهياب، محبّ للحياة، كأنّه من أتباع ديونيس،وغير مسيحيّ بالمرّة ـ وهذا الضَعف المسيحي هو الأمر المهمّ الذي دفع بنيتشه إلى هذا التطرّف مع إنسانه المتفوّق ـ أجل غير مسيحي بالمرّة، ليس بمشفق ولا شاندالا، وليس في صفّ الواهنين والعجزة ونِعاج المسيحية.
يكره نيتشه مدنيتنا الحديثة الرعاعية،ويحقّ له، وكثيراً ما يذمّ العلماء (انظر ما وراء الخير والشر، وزرادشت) بينما العلوم والاكتشافات الحديثة هي بذاتها من هيّأ له في الأساس، وعبر علمانية أوروبا، أن يعلن ((أن الله قد مات)). لقد كان هو المعبّر الاسميّ لما قرّره علم الفلك قبله ـ مثلاً لابلاس مع بونابرت ـ وقرّره وولاس وداروين.
يتطوّر الإنسان ليكون قويّاً بطريقة أروع (فإنّ ما صدق لقرون خالية بما يقرّره ابن خلدون قد سقط الآن، والمدنية تتيح القوّة بطريقة تختلف عمّا كانت تصيب به القدماء من وهن جسدي، فالمعركة اليوم معركة ذكاء لا جسد) يتطوّر ليكون لا مسيحياً، بعلومه ورأسماليته وتثمينه للأرض، دون أن يكون نسخة عن وثنيين شرفاء. فالتاريخ لا يعيد نفسه.
الإنسان المتفوّق رّبما يكون غداً، كما تدلّ منظورات علمية مستقبلية كثيرة، لا بيولوجيّاً جينياً فقط، بل سيليكونياً، وبديل سيليكون آتٍ.. سوف لن تكرَّس أبدع الصفات المنتخَبة في أفراد معدَّلين، ومن جهة الجسد فحسب، بل وكذلك الصفاتُ العقليّة مدعّمة بقدرة كمبيوترية! الإنسان القادم سيحوي صفات الغابة والمدنية، صفات الجسد الرائع والرقي الدماغيّ.. في الجنس والجمال والذهن. والعقل في ذلك كلّه هو الأساس، لكن مع تخوّف دائم من محاولات حشوه بخرافاتنا الحالية وبالأخصّ الدينيّة.
لكنّ النقطة المهمّة أن نيتشه يفتقد حوله النبالة، ويشتكي من الرعاعيّة وعدم وجود النظام التراتبي الذي يعدّه طبيعيّاً. ولأجل ذلك يمتدح قانون مانو وتراتبيّة الهند إلى حدٍّ يجعله يقرّر أنّ الطبقة ليست اختياراً بل طبيعة، وهو في هذا يغالي أكثر من أفلاطون حين يتحدّث عن عروق الذهب والنحاس في جمهوريته.
مع ذلك لا يمكن لنظام النبالة والتفوّق والتفريق أن يندثر، فالنوع الأرقى من الديمقراطيّة يتيح الفرص للتباين والتفوّق. وعلى نطاق كبير فإننا نلاحظ اليوم طبقات أمميّة: عالم أوّل وعالم ثالث، وربّما دول شاندالا ومنبوذين. إنّ سقوط الشيوعية له دلالته هنا.
Page 2
شيءٌ في نيتشه اسمّيه الاندفاعة العاطفية.
مِثلها من أوقعه في هوّة العَود الأبدي الموجود عند اليونان وكذلك عند الطاويّة.
وإننا نعلم اليوم أنّ الكون دائم التمدّد وليس ثمّة انكماش.
ومثل هذه الاندفاعة العاطفيّة هو ما دفعه إلى موقفه الذي يَفْهم من خلاله يسوعَ بوصفه مثال المحبة والرأفة والمسامحة خالصة.
لقد كنت وضعت في هذا الكتاب هوامشَ كثيرةً تمثّل ردوداً على آراء عديدة فيه، ثمّ ألغيتها مستعيضاً عنها بإشارات قليلة في هذه المقدمة. إذ بدت لي طريقة الردّ على الكاتب في الهوامش طريقة أبعد ما تكون عن الذوق، وتحيل كتابه إلى نقاش فلا يبقى طرحاً. إنّها تقحم ذاتاً أخرى متطفّلة في مملكة الكاتب نفسه وتجعل من كتابه ساحة تنازع، فتعكّر تسلسله وخصوصيته الأصليين.
وإذاً تجاه يسوع أقول هنا إنّ فهم نيتشه له هو فهم تعسفي، لا يقرأ الأناجيل كفايةً ليجد يسوع التاريخي. في النبذة 32 مثلاً يذكر عن يسوع عبارات هي في التحليل النقدي منحولة.
و لقد اقتضاني البحث عن حقيقة يسوع سنوات وفي يدي الآن مخطوط عن ذلك،خلاصته أن يسوع داعية يهوديّ بامتياز، وحتّى وصفه الكنعانيين بأنهم كلاب ولو عددته منحولاً عليه فإنّه يعبر عنه، بينما المناقض بإرسالهم إلى الأمم هو معاً منحول ولا يعبّر عنه. ولا ننسَ طلبه من تلاميذه اقتناء السيوف وتأكدّه من وجود بعضها معهم، وكذلك يأسه المريع على الصليب وإدراكه أنّه قد انتهى وأنّ الله قد تركه، وقبله تخفيّه الدائم الذي هو علامة مميّزة كخطّ أحمر في الأناجيل، واختباؤه في جبل الزيتون قبيل القبض عليه، مع طلبه من تلاميذه أن يبقوا مستيقظين ويحرسوه.
كلّ ذلك محوّر طبعاً ومبطَّن بدلالة دينيّة مجتلَبة،لكنّ من يعرف القراءة على النمط الذي يطلبه نيتشه، مع أنّه هو نفسه لم يصل به إلى مداه هنا، فإنّ الأمر واضح.
اندفاع نيتشه الحماسي دفعه كذلك إلى تكريم قانون مانو، والإسلام من خلال الإعجاب بملمح أرضيّ فيهما. وعندما يقول في النبذة 60 أنّ العالم الرائع للأندلسيين قد غُمر فحُرمت منه أوروبا، يتجاهل أنّ ذلك الغمر كان في اندفاعة الأوروبيين إلى الكشوف والفتوحات والنهضة، ممّا عُدّ في خلاصته تحرّراً من المسيحيّة وانتهاء للعصور الوسطى، التي هي عصور المسيحية في الغرب.
* * *
إنّما إذا انتقلنا الآن إلى صميم فكرته: فإنّه ضدّ هذه الكهنوتيّة اليهودية الماورائية الضاغنة على النبالة والتفوّق. إنها فكرة نبيلة ما تزال حاضرة الصوت إلى اليوم، وبقوّة.
وإنها دعوة إلى محبة الأرض، ودعم كلّ قويّ وعزوم ونيّر في الحياة... وكره كل ما هو كهنوتي وطقوسي وروحانيّ.
فيا للجوّ النقيّ الذي أحببته دوماً، حيث لا انفصام ولا تمزّق بين عالمين.
أأنا واحدٌ من هؤلاء الذين كان يتطلّع إليهم دوماً، والذين يقول عنهم في المقدّمة من هذا الكتاب، إنهم الذين سيفهمون زرادشت، أولئك المولودون فيما بعد؟
إذ كنت أظنّ ذلك فإنّي بالتالي أتساءل هل نحن كثرٌ، وبالأخص في هذه المنطقة من العالم؟ أخشى الجواب بلا.
فوق ذلك، وبفضل نيتشه وعلماء الطبيعة والفلك، وكما هو مفهوم بل مرجوٌّ تاريخياً وحضارياً، نحن اليوم وفي أمور تفصيلية كثيرة نتجاوز نيتشه، وإن كان ما قام ضدَّه وحاربه هنا وفي "أصل الأخلاق" أي الرعاعية واضمحلال النبالة أمام الديماغوجية، قد ازداد اليوم واستشرى للأسف، مما لا يرضي نيتشه ولا يرضيني، بل يتركنا في أسف بالغ.
* * *
مِثلها من أوقعه في هوّة العَود الأبدي الموجود عند اليونان وكذلك عند الطاويّة.
وإننا نعلم اليوم أنّ الكون دائم التمدّد وليس ثمّة انكماش.
ومثل هذه الاندفاعة العاطفيّة هو ما دفعه إلى موقفه الذي يَفْهم من خلاله يسوعَ بوصفه مثال المحبة والرأفة والمسامحة خالصة.
لقد كنت وضعت في هذا الكتاب هوامشَ كثيرةً تمثّل ردوداً على آراء عديدة فيه، ثمّ ألغيتها مستعيضاً عنها بإشارات قليلة في هذه المقدمة. إذ بدت لي طريقة الردّ على الكاتب في الهوامش طريقة أبعد ما تكون عن الذوق، وتحيل كتابه إلى نقاش فلا يبقى طرحاً. إنّها تقحم ذاتاً أخرى متطفّلة في مملكة الكاتب نفسه وتجعل من كتابه ساحة تنازع، فتعكّر تسلسله وخصوصيته الأصليين.
وإذاً تجاه يسوع أقول هنا إنّ فهم نيتشه له هو فهم تعسفي، لا يقرأ الأناجيل كفايةً ليجد يسوع التاريخي. في النبذة 32 مثلاً يذكر عن يسوع عبارات هي في التحليل النقدي منحولة.
و لقد اقتضاني البحث عن حقيقة يسوع سنوات وفي يدي الآن مخطوط عن ذلك،خلاصته أن يسوع داعية يهوديّ بامتياز، وحتّى وصفه الكنعانيين بأنهم كلاب ولو عددته منحولاً عليه فإنّه يعبر عنه، بينما المناقض بإرسالهم إلى الأمم هو معاً منحول ولا يعبّر عنه. ولا ننسَ طلبه من تلاميذه اقتناء السيوف وتأكدّه من وجود بعضها معهم، وكذلك يأسه المريع على الصليب وإدراكه أنّه قد انتهى وأنّ الله قد تركه، وقبله تخفيّه الدائم الذي هو علامة مميّزة كخطّ أحمر في الأناجيل، واختباؤه في جبل الزيتون قبيل القبض عليه، مع طلبه من تلاميذه أن يبقوا مستيقظين ويحرسوه.
كلّ ذلك محوّر طبعاً ومبطَّن بدلالة دينيّة مجتلَبة،لكنّ من يعرف القراءة على النمط الذي يطلبه نيتشه، مع أنّه هو نفسه لم يصل به إلى مداه هنا، فإنّ الأمر واضح.
اندفاع نيتشه الحماسي دفعه كذلك إلى تكريم قانون مانو، والإسلام من خلال الإعجاب بملمح أرضيّ فيهما. وعندما يقول في النبذة 60 أنّ العالم الرائع للأندلسيين قد غُمر فحُرمت منه أوروبا، يتجاهل أنّ ذلك الغمر كان في اندفاعة الأوروبيين إلى الكشوف والفتوحات والنهضة، ممّا عُدّ في خلاصته تحرّراً من المسيحيّة وانتهاء للعصور الوسطى، التي هي عصور المسيحية في الغرب.
* * *
إنّما إذا انتقلنا الآن إلى صميم فكرته: فإنّه ضدّ هذه الكهنوتيّة اليهودية الماورائية الضاغنة على النبالة والتفوّق. إنها فكرة نبيلة ما تزال حاضرة الصوت إلى اليوم، وبقوّة.
وإنها دعوة إلى محبة الأرض، ودعم كلّ قويّ وعزوم ونيّر في الحياة... وكره كل ما هو كهنوتي وطقوسي وروحانيّ.
فيا للجوّ النقيّ الذي أحببته دوماً، حيث لا انفصام ولا تمزّق بين عالمين.
أأنا واحدٌ من هؤلاء الذين كان يتطلّع إليهم دوماً، والذين يقول عنهم في المقدّمة من هذا الكتاب، إنهم الذين سيفهمون زرادشت، أولئك المولودون فيما بعد؟
إذ كنت أظنّ ذلك فإنّي بالتالي أتساءل هل نحن كثرٌ، وبالأخص في هذه المنطقة من العالم؟ أخشى الجواب بلا.
فوق ذلك، وبفضل نيتشه وعلماء الطبيعة والفلك، وكما هو مفهوم بل مرجوٌّ تاريخياً وحضارياً، نحن اليوم وفي أمور تفصيلية كثيرة نتجاوز نيتشه، وإن كان ما قام ضدَّه وحاربه هنا وفي "أصل الأخلاق" أي الرعاعية واضمحلال النبالة أمام الديماغوجية، قد ازداد اليوم واستشرى للأسف، مما لا يرضي نيتشه ولا يرضيني، بل يتركنا في أسف بالغ.
* * *
Page 3
لكن لماذا أترجم هذا الكتاب؟ لأنّ الكثيرين ـ والعدد الأكبر بحسب تعبير نيتشه ـ لم يزالوا يعيشون في الزمن الذهني السابق عليه، بل البعيد جدّاً عنه إلى الوراء.
لا لأولئك الصرحاء المقدامين الناظرين بإخلاص تام إلى الأمام أقدّم هذا الكتاب، فهؤلاء قد صاروا بِغُنيةٍ عنه، بل إلى أولئك المتردّدين، وأولئك الناظرين إلى الوراء حيث يظنون العصر الذهبي مع أسلافهم ودُعاة معتقداتهم.
يعيش الكثيرون في تناقض آخر غير الماديّ والروحي، هو الحاضر والماضي، هؤلاء يمشون متراجعين وبظهورٍ إلى المستقبل!
لو كان الأمر أمرَ نقضٍ للمسيحية فحسب، لما كان بالغ الجدوى نشرُ هذا الكتاب وفي بلادٍ عموم ساكنها مسلم. لكنّي من ورائه أريد أن أضع بين يديّ القارئ، وليس فقط بين يديه، بل في عقله إن أمكنه، منحىً مختلفاً في الرؤية التاريخيّة يقدّمه فيلسوف كبير، كما أريد أن أوضح أنّ تقدم الغرب قد أتيح ـ وعُبّر عنه معاً ـ بأمور كثيرة منها إتاحة المجال للآراء العقلية وإفساح المدى الوسيع للنقد الديني وفصل الدين عن الدولة،بل مُلاشاة الدين. ثمّ إنّ نقد نيتشه للمسيحية يقوم على نقد اليهودية بالذات.
قد يقال إنّ المسيحية تحمل إمكانية من المرونة أكثر ممّا في الإسلام كونها ليست شريعة، وقد يكون هذا نظرياً فيه شيء من الصواب، لكن لا أحد يحدثني عن الواقع. فإنّ كلّ ديانة واحديّة هي تعصّب لإيمان، ولا ننسَ محاكم التفتيش وقتل برونو ومحاكمة غاليليو والعنف الديني في فرنسا وبريطانيا لمّا بدا أن الكنيسة في الواقع تتعرّض للهجوم.
لقد كانت المسيحية عقبة بدورها، وتقدُّم أوروبا بدءاً من عصر النهضة يتماهى مع تقهقر المسيحيّة.
لعلّ أقدمية المسيحية على الإسلام بست مئة سنة، أَهْرَمَها، ومكّن منها أوروبا.لكن ألعلّنا هكذا ننتظر مئات السنين لنتطوّر كأوروبا؟! ولكن ما أعرفه أنّ هذا المنحى عبثي وصوريّ للغاية. أعرف أنّ نشوء واضمحلال ديانة يتعلق بالمجتمع وتطوّره وبشبابه أو هرمه،لكن ألا يمكن أن نستفيد من التراث النقدي تجاه المسيحيّة؟ ومن العلم الغربيّ؟
إنّ كل امرئ يحب ولده بأكثر من محبته لأبيه، لأنه المستقبل، وجلّ ما أخشاه هنا، وفي هذه القضايا البالغة الوسع والأهمية، أن نفعل العكس.
* * *
فيما يختصّ بالترجمة فقد ترجمت هذا الكتاب عن ثلاث ترجمات مختلفة له باللغة الإسبانية. وكنت ملتزماً للتدقيق البالغ بمقابلة كلّ عبارة على النسخ الثلاث.
وفي هذه الطبعة الجديدة رجعتُ إلى ترجمةٍ إنكليزية للكتاب صادرة عن دار PENGUIN المعروفة، ودقّقتُ عليها الكتاب، منقِّحاً فيه ومكيِّفاً الترجمة إلى ما أراه أكثر وضوحاً وصواباً.
وأمّا الهوامش فهي فقط تفسيرية للمساعدة على جلاء النصّ. علامة [P] تدل على هوامش الترجمة الإسبانية الصادرة عن Panamericana في بوليفيا، ترجمة مارتا ميزاروس وتقديم وهوامش رافائيل جيراردوت، وهي طبعة غنية بالمعلومات والصور.
أمّا بقية الهوامش فهي لي. مع الإشارة إلى أنّ نيتشه لم يضع أية هوامش.
لا لأولئك الصرحاء المقدامين الناظرين بإخلاص تام إلى الأمام أقدّم هذا الكتاب، فهؤلاء قد صاروا بِغُنيةٍ عنه، بل إلى أولئك المتردّدين، وأولئك الناظرين إلى الوراء حيث يظنون العصر الذهبي مع أسلافهم ودُعاة معتقداتهم.
يعيش الكثيرون في تناقض آخر غير الماديّ والروحي، هو الحاضر والماضي، هؤلاء يمشون متراجعين وبظهورٍ إلى المستقبل!
لو كان الأمر أمرَ نقضٍ للمسيحية فحسب، لما كان بالغ الجدوى نشرُ هذا الكتاب وفي بلادٍ عموم ساكنها مسلم. لكنّي من ورائه أريد أن أضع بين يديّ القارئ، وليس فقط بين يديه، بل في عقله إن أمكنه، منحىً مختلفاً في الرؤية التاريخيّة يقدّمه فيلسوف كبير، كما أريد أن أوضح أنّ تقدم الغرب قد أتيح ـ وعُبّر عنه معاً ـ بأمور كثيرة منها إتاحة المجال للآراء العقلية وإفساح المدى الوسيع للنقد الديني وفصل الدين عن الدولة،بل مُلاشاة الدين. ثمّ إنّ نقد نيتشه للمسيحية يقوم على نقد اليهودية بالذات.
قد يقال إنّ المسيحية تحمل إمكانية من المرونة أكثر ممّا في الإسلام كونها ليست شريعة، وقد يكون هذا نظرياً فيه شيء من الصواب، لكن لا أحد يحدثني عن الواقع. فإنّ كلّ ديانة واحديّة هي تعصّب لإيمان، ولا ننسَ محاكم التفتيش وقتل برونو ومحاكمة غاليليو والعنف الديني في فرنسا وبريطانيا لمّا بدا أن الكنيسة في الواقع تتعرّض للهجوم.
لقد كانت المسيحية عقبة بدورها، وتقدُّم أوروبا بدءاً من عصر النهضة يتماهى مع تقهقر المسيحيّة.
لعلّ أقدمية المسيحية على الإسلام بست مئة سنة، أَهْرَمَها، ومكّن منها أوروبا.لكن ألعلّنا هكذا ننتظر مئات السنين لنتطوّر كأوروبا؟! ولكن ما أعرفه أنّ هذا المنحى عبثي وصوريّ للغاية. أعرف أنّ نشوء واضمحلال ديانة يتعلق بالمجتمع وتطوّره وبشبابه أو هرمه،لكن ألا يمكن أن نستفيد من التراث النقدي تجاه المسيحيّة؟ ومن العلم الغربيّ؟
إنّ كل امرئ يحب ولده بأكثر من محبته لأبيه، لأنه المستقبل، وجلّ ما أخشاه هنا، وفي هذه القضايا البالغة الوسع والأهمية، أن نفعل العكس.
* * *
فيما يختصّ بالترجمة فقد ترجمت هذا الكتاب عن ثلاث ترجمات مختلفة له باللغة الإسبانية. وكنت ملتزماً للتدقيق البالغ بمقابلة كلّ عبارة على النسخ الثلاث.
وفي هذه الطبعة الجديدة رجعتُ إلى ترجمةٍ إنكليزية للكتاب صادرة عن دار PENGUIN المعروفة، ودقّقتُ عليها الكتاب، منقِّحاً فيه ومكيِّفاً الترجمة إلى ما أراه أكثر وضوحاً وصواباً.
وأمّا الهوامش فهي فقط تفسيرية للمساعدة على جلاء النصّ. علامة [P] تدل على هوامش الترجمة الإسبانية الصادرة عن Panamericana في بوليفيا، ترجمة مارتا ميزاروس وتقديم وهوامش رافائيل جيراردوت، وهي طبعة غنية بالمعلومات والصور.
أمّا بقية الهوامش فهي لي. مع الإشارة إلى أنّ نيتشه لم يضع أية هوامش.
Page 4
مقتطف من مقدمة الترجمة الإسبانية التي وضعها رافائيل جيراردوت
العنوان الأصلي للأنتي كريستو (Der Antichrist) هو على ما يظهر واضح. ترجمته الإسبانية تتبع الصورة المعادية ليسوع والموجودة في رؤيا يوحنا(1). والعنوان الفرعي ((لعنة ضدّ المسيحية))، وأيضاً مضمون العمل، لا يغطيان بالكليّة هذا الإيحاء، وإنما يضعان عدّة إشارات أخرى توضح المقصد، كما أنها في ذات الوقت تعطي كثافة وتعقيداً يحجب النبرة الجدلية للعنوان.في كتابه ((هذا هو الإنسان)) كتبَ نيتشه: ((أنا "ضدَّ الحمار بامتياز" ومعه أنا وحشٌ تاريخيّ عالميّ، أنا في اليونانية، ولكن ليس في اليونانية فقط، ضدّ المسيح)) (IV,2). في "ضدّ الحمار" يشير نيتشه إلى فصول "البعث" و"عيد الحمار" في الجزء الرابع من زرادشت، والتي يصوّر فيها "الناس الراقين، والذين هم الملِكان، والبابا المعتزل، والساحر اللعين، والمتسول باختياره، والسائح الحاج والظلّ، والعراف القديم، والمتأثّم في الروح، وأقبح العالمين" يصورّهم وهم راكعون يعبدون الحمار: هذا هو "إلهنا". ولدى صيرورته "ضدّ الحمار بامتياز" يكون نيتشه ضدَّ ـ إله أولئك "الناس الراقين" وكذلك "وحش تاريخي ـ عالمي"، وهذا هو ((حيوان له عشرة قرون وسبعة رؤوس وعلى قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه اسم تجديف)) كما تصف الرؤيا (فصل 1:13) ضدَّ المسيح.
لكنّ عبارة ((أنا في اليونانية..)) تشير إلى معنى آخر لكلمة حمار، إلى المعنى الإيجابي، أي إلى المعرفة التي يمتلكها هذا الحيوان في عبادة ديونيسيوس. لقد كان الحمار بعد الثور والتيس، الحيوان الثالث المختار من ديونيسيوس.
فديونيسيوس وخاصّته كانوا يمتطون الحمير، ونهيق هذه الحيوانات كان يسبب رعباً للأعداء فيبادرون إلى الهرب.
في العبارة الملغِزَة بدئياً ((أنا، في اليونانية، ولكن ليس في اليونانية فقط)) يتَطابق حمار زرادشت بوصفه ضدّ ـ إله أولئك "الناس الراقين"، مع ضدّ ـ المسيح الرؤيوي، الذي هو "الوحش التاريخي العالمي"، ومعهما حمار ديونيسيوس بوصفه ضدّ ـ مسيح جدلياً، بامتلاكه سمة صوت صارخ متَحدٍّ، في السطر المعروف الذي كتبه نيتشه في لحظة نشوة ذاهلة: ((ديونيسيوس ضدّ المصلوب)).
الوحش هو "عالميٌّ تاريخياً" ليس لأنه في صورته وفكرته هذه يكرّر الصورة الرؤيوية، بل لأن نيتشه بعمله الجدليّ يدشن عصراً جديداً في التاريخ العالمي، ويفتح الأبواب على فلسفة المستقبل الديونيسية. ((ضدُّ ـ المسيح)) هكذا "Elanticristo"، هو ضدّ ـ المسيحيّ "Elanticristiano".
مقدّمة
هذا الكتاب ينتمي إلى القليلين... الذين لعلّ أحداً منهم لم يولد إلى الحياة حتى الآن.ولعلّهم أن يكونوا أولئك الذين سيفهمون زرادشتي.
كيف أملك أن أخلط ذاتي مع أولئك الذين يُستمع إليهم اليوم؟! الغدُ وحده هو الذي يخصّني، وبعض المولودين فيما بعد.تلك الظروف المقتضاة للفهم، والتي بموجبها يُمكن أن أُفهم بالضرورة، أنا أعرفها حقّ المعرفة:
يجب أن يكون المرء نزيهاً حتّى الصرامة في الأمور الفكرية كي يتمكّن من احتمال جدّيتي واندفاعي.. عليه أن يكون متمرساً على الحياة فوق الجبال ليَرى في الأسفل النمائم البائسة حول السياسة وأنانيّة الشعب.. يجب أن يغدو غير مبالٍ، وألاّ يكون ثمّة سؤال أبداً إن كانت الحقيقة ذات نفع، أو أنّها تنقلب شؤماً على أحد.
يجب أن تُحاز قوة الميل إلى الأسئلة التي لا يملك أحد الشجاعة اليوم كيما يعرضها؛ الشجاعة تجاه الأشياء الممنوعة، وضرورة التهيّؤ للمصاعب.. من العزلة يجب أن تكوّن خبرة.
مستمعون جدد يجب أن يوجَدوا لأجل موسيقا جديدة... عيون جديدة ترى ما هو أبعد.. ضمير جديد لأجل حقائق حتّى الآن هي بكماء، وإرادة اقتصاد من نمط كبير: المحافظة على القوى الذاتيّة والحماسة الخاصّة... يجب أن يكون ثمّة احترام للذّات، ومحبّة للذّات، وحريّة غير مقيّدة تجاه الذات.
حسنٌ إذاً!هؤلاء المطرَّقون هكذا هم فقط قُرّائي، قرائي الأخصّاء، قرّائي المختارون:
أية أهمية للآخرين، الآخرين الذين لعلّهم كلّ البشرية؟
يجب التفوّق على البشرية بالعزم، وبتشدّد النفس.. وبالاحتقار.
Friedrich Nietzsche
Page 5
1
فلنحدّق في وجوهنا. إننا شماليون(2)، ونعرف معرفة وافية الجزء الذي نحيا فيه.((لا في الأرض ولا في المياه تصادف الطريق إلى الشماليين)) حتّى "بندار" قد عرف هذا عنّا.
أكثر بعداً من الشمال، ومن الثلج، ومن الموت، ثمة حياتُنا وسعادتنا.
إننا قد اكشفنا السعادة، وعرفنا الطريق، وصادفنا المخرج من ألفيّات كاملة من المتاهة.
من ذا صادفه أيضاً؟ ألعلّه الإنسان الحديث؟
((لا أعرف ماذا أفعل؟.. أنا بالكليّة من لا يعرف لا مَدْخلاً ولا مخرجاً)) هكذا يدمدم الإنسان الحديث متشكياً.
ومن هذه الحداثة نحن مرضى، من السلام المتعفّن، من التسوية الجبانة، ومن الصلاح القذر للنعم واللا الحديثتين.
هذه المسامحة ووسع القلب، التي تعذر الكلّ لأنّها "تتفهّم" الكلّ، هي ريحُ الجنوب الشرقي(3) التي تهبّ علينا.
ولأَفْضَل أن يعاش في الثلج من أن يُعاش تحت الفضائل الحديثة، ورياح أخرى من الجنوب.
كنّا شجعاناً كفاية، ولم تكن بنا من رأفة لا بذواتنا ولا بالآخرين، لكن عبْر زمن متطاول لم نكن نعرف إلى أين نتّجه ببسالتنا: صرنا معتمين، ودُعينا قدريّين.
مصيرنا كان الامتلاء، التحفّز، وتكديس القوّة، كنّا متعطشين للاندفاع يترامى بصواعقه، وللأفعال، وبقينا الأبعد عن السعادة، سعادة الضعفاء، وعن الاستكانة.
ثمّة عاصفة تهبّ في أجوائنا، وطبيعتنا تُظلم، لأننا لم ندرك أيّ طريق.
وَصْفَةُ سعادتنا: موافقة بنعم، رفضٌ بلا، خطٌّ مستقيم، وغاية.
Page 6
2
ما هو الخير؟إنّه كلّ ما يُرْبي الشعور بالقوّة إرادة القوّة، والقدرة ذاتها داخل الإنسان.
ما هو الشرّ؟
إنّه كلّ ما يتأتى عن الضّعف.
ما هي السعادة؟
الشعور بأنّ القوّة تتنامى، وأن المقاومة تُتَجاوز. ليس أنها الرضى، بل قوّة أزود؛ ليس السلام، ولا بأية طريقة، لكنّما الحرب؛ لا الفضيلة، بل الكفاءة "فضيلة بالمعنى الذي لعصر النهضة"(4). فضيلة بلا "أخلاق ـ سطحيّة زائفة".
الضعفاء والفاشلون يجب أن يهلكوا:
تلك هي القاعدة الأساسية في حبّنا للإنسان.
وفوق ذلك يجب أن تقدَّم لأولئك المساعدة كي يهلكوا.
ما الأكثرية أذيّة من كلّ رذيلة؟
فعل الرأفة تجاه جميع الفاشلين والضعفاء: المسيحيّة.
3
المشكلة التي أعرضها ليست فيما يمكن للبشرية أن تحقّقه بتتابع الكائنات "الإنسان غاية": وإنّما أي نمط من الناس يجب أن يُنَشّأ، وأن يُرتجى ويُنشد كقيمة عظمى وأكثر استحقاقاً للحياة، وأكثر ضماناً للمستقبل.هذا النمط الأعلى قد وُجِدَ بتواتر، لكن كحالة من حالات المصادفة، كاستثناء وطفرة وليس أبداً كنُشدان وتوق؛ وبوضوح أكثر، لقد كان المَخوف، وكان تقريباً التجسـيد لما هو مرعـب.
وكضدّ، وكنتاج لهذا الخوف، قد نُشِدَ وخُلّق وحُصّل النمط المعاكس، الحيوان الداجن، حيوان القطيع، الحيوان المريض المدعوّ إنساناً ـ المسيحيُّ.
Page 7
4
البشرية لا تمثّل تطوراً نحو الأفضل، أو نحو الأكثر قوّة، أو نحو الأرفع، بالطريقة التي تُعتَقَد اليوم.ولعلّ فكرة الترقيّ فكرة حديثة، بمعنى فكرة خاطئة.
الأوروبيّ اليوم صار أدنى قدراً من أوروبيّ عصر النهضة. التوسع المتتالي، لا يعني إطلاقاً، ولا بأية ضرورة، تسامياً وتنامياً واقتداراً.
وبمعنى آخر مختلف، تحقَّقت باستمرار في حالات مفردة، بأماكن مختلفة من الأرض، وحضارات متنوّعة، نتاجاتٌ فيها بالفعل يُعبَّر عن نموذج أعلى: شيءٌ هو بالنسبة للبشرية كلّها إنسان متفوق "سوبّر ـ إنسان".
وحتى إنّ ذرية كاملة، وجنساً وشعباً، بمكنته أن يُجسِّد، إمّا أتاحت له الظروف ذلك، واحدة من ضربات الحظّ تلك.
5
يجب ألاّ تزين المسيحيّة أو تُجمَّل.لقد قامت بحرب مستميتة ضدّ هذا النمط السامي من الإنسانيّة، مبطلة كلّ غرائزه الأساسيّة، ومن هذه الغرائز استنَبطت ما هو شرّ، والشرّير: الإنسان القويّ كنمط مستهجن "الإنسان المغضوب عليه والهالك".
لقد انحازت المسيحيّة إلى كلّ ضعيفٍ ومنحطّ وفاشل، وشكّلت، من مناهضتها لغرائز التشبّث بالحياة المفعمة، مثالاً، مفسدةً ومسيئة، من خلال ذلك، إلى صميم تلك الطبائع النفسيّة الأكثر قوّة، عبر تعليمها لاعتبار القيم العليا المندفعة للنفس خطيئة وضلالات وغوايات.
المثال الأكثر إيلاماً هو هذا:
مثال ضياع باسكال الذي اعتَقَدَ أنَّ عقله مُفْسَدٌ بسبب الخطيئة الأصليّة. بينما في الحقيقة كان مفسَداً من المسيحيّة(5).
6
أيّ مشهد مؤلم ومرعب هذا الذي تبدّى أمام عينيّ عندما أزحت الستار الذي يحجب فساد الإنسان!هذه الكلمة في فمي هي، على الأقلّ، في منأى عن الريبة، الريبة من أنّها قد تتضمن اتّهاماً أخلاقياً ضدّ الإنسان. مفهوماً ـ كما أريد إظهار هذا مرّة أخرى ـ بتجرّدٍ من الأخلاقية الزائفة، الزائفة حتى الدرجة التي فيها يكون هكذا فساد معدوداً رغم كلّ شيء وبطريقة واعية جدّاً، تطلعاً إلى "الفضيلة" وإلى "القداسة"!
وكما يتّضح، فإنني أفهم الفساد بمعنى الانحطاط: وأؤكّد أنّ كلّ القيم التي تلخّص الآن تطلعات البشرية العليا، هي قيم انحطاط.
إنني أدعو فاسداً: الحيوان، أو النوع، أو الشخص عندما يضيّع غرائزه، مختاراً ومؤْثِراً ما هو مضرّ به. إنّ تأريخاً عن "المشاعر السامِيَة" وعن "المثُل الإنسانية" ـ ولعلّ من الممكن أنّه يجب عليّ أن أرويه ـ يمكن أن يكون إيضاحاً حول لماذا بات الإنسان فاسداً إلى هذا المقدار.
حتى الحياة ذاتها أَعدُّها غريزة تنامٍ، وبقاء، وتجميع للقوّة، وغريزة اقتدار: وحيث تعوز إرادة القوّة فثمة انحطاط.
وتأكيدي هو أنّ كلّ هذه القيم السامية للبشرية تفتقر إلى هذه الإرادة، وأنّها قيم ساقطة، وقيم عدميّة، تحقّق قدرتها في ظلّ الاسم الأكثر تقديساً.
Page 8
7
بِدينِ الشفقة يدعون المسيحيّة.الشفقة والرأفة هي في الجانب المضادّ للانفعالات المحرّضة التي ترفع طاقة الشعور الحيوي، وبهذا فإنها تنتج تأثيراً مُثبِّطاً.
عند الإشفاق تُضيَّع القوّة.. وعبر الشفقة يتنامى ويتولّد أكثر فأكثر خسران القوّة الذي تحمَّلته الحياة عبر المعاناة. حتى أنّ المعاناة نفسها تصبح مرضاً معدياً من خلال الشفقة.
وفي ظروف معيّنة يمكن أن تَحصْل خسارة عامّة للحياة وللطاقة الحيوية، تُصادف في علاقة باطلة غير معقولة مع مقدار أهميّة السبب (حالة موت الناصري).
هذا هو وجه المسألة الأول، لكن ثمّة آخر بعد هو أكثر أهمية.
إمّا قيست الشفقة بحسب قيمة ردود الأفعال التي تستحثّها، حينها فإنَّ سجاياها الخلقيّة الخطيرة المضادّة للحياة، تبدو تحت ضوء أكثر وضوحاً بكثير.
الشفقة في عمومها تتجرّأ على قانون التطوّر الذي هو قانون الانتخاب.. تحافظ على الذي قد صار مهيّأً لغروبه، تكافح لأجل المحرومين في الأرض، والمدانين من الحياة.. وتعطي الحياة ذاتها، عبر استبقائها في الحياة لوفرة من الخائبين من كلّ جنس، هيئة كاسفةً ومريبة.
لقد اجتُرئ على أن تُدعى الشفقة فضيلة (وهي التي تُعدّ في أية أخلاق نبيلة ضعفاً)(6) وذُهب إلى أبعد من ذلك بإنشاء الفضيلة منها، وجعلها الأرضيّة والأصل لكلّ فضيلة، لكن فقط ـ وهذا ما يجب أن يظلّ دائماً مأخوذاً في الحسبان ـ من خلال نظر فيلسوف عدميّ، قد كتب فوق مِجَنّه شعار إنكار الحياة.
شوبّنهَوَر بسببها كان إزاء هذا: عبر الشفقة أنكر الحياة، ومن خلالها جعلها أكثر مستَحَقيّة للإنكار.
الشفقة هي ممارسة العدميّة(7).
أقول مرّة أخرى: هذه الدوافع المثبطة للعزم، والمُمْرِضَة، تتجرأ على تلك الغرائز التي ترمي كَغاية إلى حفظ الحياة، وإلى زيادة وإعلاء قيم الحياة.
وإنّها ـ بالطريقة ذاتها ـ بمقدار ما تُكاثر البؤس كونها حامية للبؤساء، فإنّها أداة أساسية في تضخيم الانحطاط.
الشفقة تقود إلى اللاشيء، ولا يقال اللاشيء بل الأفضل أن يُقال "الأبعد" "العالم الآخر" أو "الله" أو "الحياة الحقيقيّة" أو "النرفانا" "الخلاص" "المجد".
هذه البلاغة البريئة المتأتيّة من مملكة الجبلّة الأخلاق ـ دينيّة، تبدو حالاً على أدنى قدر من البراءة عندما يُفهم أيُّ نزوع ينضوي تحت عباءة هذه الكلمات الرفيعة:
النزوع المضادّ للحياة. شوبنهور صار معادياً للحياة: وبهذا قد حُوّلت الشفقة إلى فضيلة.
كما هو معروف، فإن أرسطوطاليس رأى في الشفقة حالة مرضيّة وخطرة، يجب أن تُعامل، حيناً بعد حين، بالتطهير. لقد فهم التراجيديا كمطهّر(8).
من خلال غريزة الحياة يتوجّب البحث فعلاً عن تدبير يمكّّن من وخز البثرة المتقيّحة المُمْرِضَة والخطرة، كما تتمثّل في حالة شوبنهور (وكذلك ـ ياللبؤس ـ كما تتمثّل في عموم انحطاطنا الأدبي والفنّي من سان بطرسبرج إلى باريس ومن تولستوي إلى فاغنر) وخزها حتّى تنفقئ.
ليس ثمّة ما هو أقلّ معافاة، داخل حداثتنا القليلة الصحّة، من الشفقة المسيحيّة.
إنه شأننا أن نصبح هنا أطبّاء، ذوي قلوب لا ترحم، وأن نستخدم السكّين.
إنّ هذه هي خصوصيّتنا، وهذه هي طريقتنا في محبة البشر، وبها نكون فلاسفة، نحن الشماليين.
Page 9
8
إنّه لمن الضروري أن نقول من هو الذي نشعر به عدوّاً لنا. إنهم اللاهوتيّون وكلّ من يحملون في أجسادهم دماً لاهوتيّاً. إنهم كل فلاسفتنا.توجد ضرورة لرؤية شؤمهم رؤية قريبة، ولمِن الأفضل أن يُختبر ويعايش من داخله، وأن يصار إلى حافة الموت بسببه، حتّى لا تُقتبل أيّة ممازحه في هذه النقطة (حريّة التفكير لبحاثتنا في الطبيعة وفي علم النفس هي عندي دعابة ثقيلة، إذ يَنقصهم الإحساس بهذه الأمور والمعاناة بسببها).
ذلك التسمّم قد وصل أبعد جدّاً ممّا يُعتَقد؛ لقد صادفت في كلّ غريزة الغطرسة اللاهوتيّة، حيث يعدّ اليوم الناسُ ذلك المتغطرس "كمثالي"، وحيث بواسطة حجّة أصلٍ رفيع، يُطالَب بحقّ النظر إلى الحقيقة في جوٍّ مُتعالٍ وغريب.
المثالي على ذات المساواة مع الكاهن، يملك في يده كلّ المفاهيم الكبيرة (وليس في يده فقط!)، ويتنازل ليواجه باحتقار "الملكة العقليّة" و "الأحاسيس" و"الرفعة" و"الرخاء" و"العلم"، وإنّه ليرى أموراً كهذه، دونَه، ويراها قوىً مؤذية ومغوية، وفوقها جميعاً يطفو "الروح" في حريّة ذاتيّة خالصة ـ كما لو أنّ الطاعة والعفّة والفقر، وبكلمة واحدة: القداسة، لم تتسبّب إزاء الحياة حتّى الآن بأضرار تفوق أن تحصر، أكثر من أي رعب ورذيلة.
الروح الخالص كذبة خالصة.
طالما أنَّ هذا الكاهن، هذا الرافض، هذا الواشي والمسمِّم المحترف للحياة يظلُّ معتبَراً كنمط أعلى للإنسان، فإنّ السؤال: ما هو الحقّ؟ لا يمتلك إجابة.
الحقيقة تنقلب، بأرجل إلى فوق، عندما يُعَدُّ المدافع الحصيف عن العدم وعن الإنكار كممثّل للحقيقة.
9
على هذه الغريزة اللاهوتيّة أنا أعلن الحرب:لقد وجدتُ آثار اللاهوتيين في كلّ الأنحاء.
من تجري في عروقه الدماء اللاهوتيّة، فإنّه يتخّذ مسبقاً موقفاً ملتوياً وغير مخلص تجاه جميع الأشياء.
الشَفقة الراثية "pathos" التي تُنمَّى من هنا، تُدعى إيماناً: إغلاق الأعين دائماً عن كلّ ما يقابلها حتّى لا تعاني من رؤية الباطل الذي لا يمكن أن يعالَج! وانطلاقاً من هذه النظرة الشائهة تنشأ أخلاقيّة وفضيلة وقداسة تجاه كلّ الأشياء، ويُشَدّ الضمير الصالح ويربط إلى هذا النظر المنحرف.
يُقتضى أنّ أية نظرة أخرى مخالفة لا تستطيع أن تمتلك قيمة، من ثمّ، ما لم تكن في ذاتها، ومع تلك الأسماء لـ "الله" و"الفِداء" و"الأبدية" قد كُرّست ككليّة القداسة.
إنني أنبش مُظهراً ـ أنّى وجدتها ـ غريزة اللاهوتيّ:
إنّها الشكل الديماسي "التحت أرضي" الخاصّ بالبهتان، ذلك الذي هو الأكثر انتشاراً في الأرض.
الذي يعدّه اللاهوتي حقيقة يجب أن يكون زائفاً:
بهذا تقريباً يُمتلك معيارٌ للحقيقة.
إنّها غريزته العميقة لحفظ الذات، التي تمنع أن يغدو الواقع هو المشرَّف في أي موضع، أو أن يمتلك المبادرة و الأولوية في الكلام.
إلى حيثما يصل تأثير أولئك اللاهوتيّين، فإن حكم القوّة يصبح مقلوباً، ومفاهيم "الحقيقي" و"الزائف" تغدو حتماً واقفة على رأسها(9).
ما هو أكثر إساءة للحياة يُدعى هنا بالحق، والذي يعليها ويسمو بها ويثبتها ويبرّئها ويجعلها منتصرة يُدعى باطلاً...
وإذا ما حدث ومدّ اللاهوتيون يداً إلى القوّة عبر "ضمير" السادة أو "الشعب" فلسنا نشك أصلاً فيما يجري دائماً:
إرادة النهاية، إرادة العدم، تريد أن تمتلك القدرة.
Page 10
10
يفهمني الألمان توّاً عندما أقول أنّ الفلسفة قد باتت مُفسَدة بدماء اللاهوت.الراعي الروتستانتي هو جدّ الفلسفة الألمانية، والبروتستانتيّة هي خطيئتها الأصليّة.
تعريف البروتستانتيّة: فالجٌ نصفيٌّ في المسيحيّة، وفي العقل.
فقط عبر النطق بهذه الكلمات "Tubinger Stift"(10) "مدرسة توبينجه الإكليركيّة" ثمّة كفاية لمعرفة ما هي في الأساس الفلسفة الألمانية: لاهوت مستترٌ مخادعٌ.
السوابيّون "البافاريّون" هم أمهر الكاذبين في ألمانيا.. إنّهم يكذبون بكلّ براءة.
من أين اندفعت الغبطة الغامرة، مع مجيء "كانط"، منساحة فوق كلّ عالم الدكاترة الألمان المكوّن في ثلاثة أرباعه من أولاد الكهنة والمعلّمين؟
من أين ذلك الاقتناع الألماني، الذي إلى اليوم يُسمع صداه، بأنّه بدءاً من "كانط" قد حدث انعطافٌ نحو شيء أفضل؟
الغريزة اللاهوتيّة داخل الحكماء الألمان تنبأت بما يعود ليصير ممكناً... الطريق السرّي نحو المثال القديم صار مفتوحاً؛ فكرة "العالم الحقيقي"، فكرة الأخلاق كجوهر للعالم (وهذان الخطآن اللعينان، هما أسوأ ما وجد بين الأخطاء كلّها) الآن، ومجدّداً، بفضل ارتيابيّة ماكرة دهياء، إمّا كانا غير قابلين للإثبات، فإنّهما ليسا يدحضان.
العقل، وحقّ العقل، لم يصل إلى بُعد كبير.
الواقع الحقيقي جعل شكلاً، "ظاهراتيّة"، وعالمٌ هو بالكليّة كاذبٌ وباطل؛ وعالم "الشيء في ذاته" ابتُدع محوَّلاً إلى حقيقة!.
نجاح "كانط" هو ببساطة نجاح اللاهوت، لأن "كانط" وبالمساواة مع "لوثر" و"ليبنز" كان عائقاً إضافياً أمام النزاهة الألمانية، التي لم تكن في ذاتها وافرة الصلابةِ بعد.