eKtab
EN ع
عقود التبرع الواردة على الملكية العقارية - الجزء الأول
Read free sample

عقود التبرع الواردة على الملكية العقارية - الجزء الأول

by خير الدين فنطازي

Page 1
المقـدمة

لقد عرفت الحضارات القديمة الوقف كنظام أو نوع من المعاملات في الأموال عموما، من خلال عدم قابلية التصرف في الرقبة، مع إمكانية الانتفاع بها لجهة معلومة ومقصودة، وإن كانت له تسميات مختلفة، وأنماط جعلته يختلف عن نظام الوقف الإسلامي التعبدي، فلقد كان قدماء المصريين يوقفون أموالهم ويحبسون أراضيهم الواسعة قربة للآلهة، ووقفوا البناءات الضخمة للمعابد لإقامة شعائرهم الدينية، وذلك على عهد الأسرة الرابعة، حسب ما رصده المؤرخون ولعل ما وقفه رمسيس الثاني لمعبد ''إبيروس'' لدليل على ذلك لتكون بذلك هذه الحقبة بداية لظهور هذا النوع من المعاملات في الأموال المتمثلة في خاصية عدم قابلية التصرف في الأموال الوقفية، كما أن الوقف آنذاك كان مصدر رزق للقبيلة والعشيرة تنتفع به، لينتقل حق الانتفاع بعد ذلك إلى أولادهم وأعقابهم، دون أن يكون لهم حق التصرف، وكان يثبت هذا الشرط بعقود وطقوس معينة، يوقف فيها الواقف بعض أملاكه إلى ابنه الأكبر، على أن يعود بالربع على الإخوة الأصاغر.
غير أنه بتطور الحضارات تطورت نظرة الفرد للوقف بتطور وسائل الحياة فمن خلال الحضارة الرومانية، عرف الوقف مفهوما وطرق تسيير غير تلك التي سادت في حضارة الفراعنة، إذ أنهم حاولوا تطوير هذا النوع من المعاملات والاجتهاد والتفنن فيه بشكل خاص، فقد كان أعيان الرومان يوقفون أملاكهم على عشائرهم وأسرهم، فكان يرهن حق الانتفاع بالوقف، للذكور والإناث المعينين من الواقف دون قيد، زيادة على حرية هذا الأخير في تحديد مدة للانتفاع بالوقف، أو جعله مطلقا، فمشروعية الوقف إذن عند الرومان أنه يقوم على حق الانتفاع فقط دون حق الرقبة، مع تحريم التصرف في الوقف بالبيع أو الهبة أو التنازل عنه من قبل المنتفعين به.
وبالإضافة إلى هذا النوع من الوقف، فقد عرف الرومان أيضا النوع الثاني منه، وهو النوع الشائع عندهم والمتمثل في وقف الأملاك على كنائسهم ومعابدهم.
وهكذا ليكون نظام الوقف الذي كان ساريا عند الرومان يختلف عن ذلك الذي استعملته الشعوب القديمة خاصة في الجاهلية، حيث كان الوقف مقصورا على الذكور فقط دون الإناث لتكون إدارة الأملاك الوقفية للأرشد من أولاد الواقف تفاخرا مهم بذلك.
وبمجيء الإسلام تم الإقرار للوقف الصبغة التعبدية المشروعة، وأصبح نظاما قائما بذاته، ووضعت أحكامه المنضبطة والدقيقة في إطار الشرعية الإسلامية القائمة بالدرجة الأولى على العدالة الاجتماعية، واستمد الوقف بذلك مشروعيته من أفعال قولية وعملية من الكتاب والسنة وعمل الصحابة والتابعين.
حيث ورد في سورة البقرة الآية (266): ''... يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض ...''.
وقال تعالى: ''... وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ...'' سورة الحج الآية(75).
ولقد أجمع الفقهاء أن السنة النبوية أقرت فعلا الأحكام التنظيمية المشروعة للوقف حيث قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): ''إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له''. وقد أجمع الفقهاء على أن الصدقة الجارية هي الوقف، ولقد كان وقف عمر مائة سهم من خيبر أول وقف في الإسلام على المشهور، وقال جابر رضي الله عنه: '' ما بقي أحد من أصحاب رسول الله له مقدرة إلا وقف''، وقال النووي عن الوقف: ''هو مما اختص به المسلمون''.
ويلاحظ أن القليل من أحكام الوقف ثابت بالسنة، ومعظم أحكامه ثابت باجتهاد الفقهاء بالاعتماد على الاستحسان والاستصلاح والعرف.
لذلك اختلف الفقهاء وأصحاب المذاهب حول الوقف من حيث مشروعيته وأركانه وبعض الأحكام التنظيمية له، وكل ذلك في سبيل بلوغ أسمى خلق في المعاملات ودون أن ننسى بأن الاستحسان والاستصلاح أمران بهما من المرونة في الفهم والتطبيق ما كان سببا في خلاف الأئمة منذ القدم، وما زاد الاختلاف شدة الاعتماد على العرف وهذه البلاد الإسلامية على شساعة أرضها تعج بالأعراف المتباينة فتباينت معها الفتاوى والآراء الفقهية، وكل ذلك في مصلحة العباد.
ولكن إذا كان الحال كذلك، فإنه باعتماد المشرع الجزائري أحكام الشريعة الإسلامية في حل ما لا نص فيه، يجعل المنظومة الوقفية في ظل هذا الموقف المبهم متذبذبة في أحكامها بين مذهب وآخر مما يجعل من الوقف في الجزائر نظاما فريدا من نوعه يدفع بالمهتمين والباحثين إلى البحث والسعي وراء معرفة وضعية الأملاك الوقفية في الجزائر، فهل هو نظام يفي بالغرض المنوط بالوقف، أم أنه مزيج من المواقف والآراء المذهبية.
ذلك أن الوقف كما هو معروف، ليس حكما شرعيا بالأولية، بل هو اختيار الواقف المكلف، ثم إنه ليس حقا للناس عليه، أو أنه لا ينطبق عليه تعريف الحق.
لذلك اختلف الفقهاء حول طبيعة الوقف وفي مآلاته، وباستطلاع الآراء الفقهية المختلفة والمتضاربة، يجدر بنا طرح التساؤل حول طبيعة الوقف في نظر المشرع الجزائري، هل هو حبس للعين أم حبس للمنفعة؟
وهو الأمر الذي يتوقف عليه التعامل مع الأملاك الوقفية، ويرسم مصيرها بوضوح خاصة حول ما يتفرع عن هذا الإشكال من تساؤلات، تنتج عنه بالطبيعة، ذلك أن الوقف يحتاج في تحديد طبيعته إلى توضيح العقبات التي يواجهها بالأخص تلك التي تتعلق بمسألة التبيد في الوقف، فهل هو مؤبد أم مؤقت، ومدى جواز الرجوع عنه من طرف الواقف، وإلى بيان الأركان التي يقوم عليها هذا النوع من الأملاك، وشروط نفاذها، لأن الوقف كنظام حالي لم يأت جملة وإنما تمخضت تفاصيله عن تدرج وتطور تاريخي وتشريعي مهمين تجدر بنا إجلاء معالمهما من خلال هذا البحث المتواضع، ساعين قدر الجهد تناول هذا الموضوع الشائك بالتحليل والتعمق فيه أكثر من جهة نظر المشرع الجزائري وموقفه الرسمي من نظام الوقف بكل ما يطرح من تساؤلات مع ما يكتنف هذا الموضوع من عقبات تغذيها ندرة المراجع في هذا المجال من دراسات متخصصة أو كتب في هذا المجال بالذات، مع ما واجهناه من صعوبات في جمع المعلومة أو المادة العلمية، والاحتكاك بجميع المستويات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذا النوع من الأملاك في الجزائر محاولين رصد الأفكار سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الإدارات، وهو الأمر الذي يحدد الجانب العملي من البحث والذي يمس الإطار التنظيمي والتسيير الإداري للأملاك الوقفية، لتوضيح كيف تسير إدارة الأوقاف في الجزائر وما نوع النمط الإداري الذي اعتمدته الجزائر في التسيير؟ وهل توجد رقابة على تسيير هذه الأملاك، أم أن الأمر مجرد سد لاحتياجات عامة فحسب يتطلبها صنفا من أصناف الملكية العقارية في الجزائر قائما بذاته كالوقف؟ وما هي أهم أساليب استغلال واستثمار وتنمية الوقف في الجزائر. لذلك فإن مهمتنا في هذا البحث، هي محاولة الوصول إلى معرفة القواعد العامة والمحاور الرئيسية التي انتظمت من خلالها عملية التكوين القانوني والتاريخي لنظام الوقف في الجزائر، مع بيان أهم الإشكاليات التي عاناها، وذلك بهدف استخلاص الدرس من التجربة الجزائرية في هذا المجال والسعي إلى تجديد حيوية الوقف المعاصر، وتفعيل ما يمكن تفعيله من مكوناته الموروثة على النحو الذي يخدم نهضته وتقدمه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أننا نقصد بنظام الوقف في التشريع الجزائري، كل التجربة التي حملها المشرع الجزائري من تطبيقات عميلة وممارسات اجتماعية إيجابية وسلبية، واجتهادات فقهية وفتاوى شرعية وأحكام قضائية وأبنية مؤسسة وممتلكات وأموال موقوفة وأنظمة إدارية وتشريعات قانونية وتقاليد وظيفية شكلت في مجملها الإرث التشريعي والتاريخي لنظام الوقف في الجزائر.
Page 2
الفصل الأول

ماهية الوقف وتطوره


المبحث الأول: ماهية الوقف

إنه كما سبق ذكره بأن الوقف نظام قديم، عرفته نظم وشرائع سابقة على الإسلام، وإن لم يسم بهذا الاسم.
ففكرة الوقف وجدت أشباها لها في النظم القديمة والشرائع السابقة(1)، لكن في الإسلام وضع النظام في سياق مستقل بقواعده ومصادره، ليحاول المشرع بعد ذلك وضع إطار قانوني يحكم الوقف، على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، إذ أخذ منها ضمنيا، ونص في كثير من الأحيان على ضرورة الرجوع إلى أحكام الشريعة صراحة فيما لا نص فيه(2)، لذلك نجد أغلب المواد القانونية المنظمة للوقف تمتزج برأي فقهي معين امتزاجا يصعب فصل رأي المشرع عن رأي الفقه.
والذي يهمنا بالدراسة في هذا الفصل بالأخص في المبحث الأول منه هو ماهية الوقف في التشريع الجزائري من خلال تعريفه وبيان أنواعه، وشروطه والأركان التي يقوم عليها، والخصائص التي تميزه، ووسائل إثباته، عبر المطالب التالية:

المطلب الأول : تعريف الوقف وأنواعه

للوقف عدة مرادفات له، منها الحبس والمنع والتسبيل، وهي مرادفات كثيرا ما تثبت في تعريفه اللغوي والاصطلاحي، والوقف له صور يتجسد من خلالها، فالوقف إما خاص او ما يعرف بالأهلي أو الذري، وإما عام أو ما يعرف بالخيري.
لذلك سوف نتطرق في هذا المطلب إلى تعريف الوقف من الناحية اللغوية والاصطلاحية في الفرع الأول، ثم تبيان أنواعه من خلال الفرع الثاني.
الفرع الأول:تعريف الوقف.

لغة: يقال الحبس والمنع، فيقال وقفت الدار أي حبستها، كما أن الوقف قد يدل على الكثير من المعاني منها: الحبس والمنع والتسبيل، وهي المعاني التي ينعقد بها الوقف دون غيرها، ولها معنى واحد وهو الحبس عن التصرف.
فيقال: وقفت كذا .. أي حبسته، ولا يقال: أوقفته .. لأنها لغة رديئة يلفظها العامة ويقال أحبس وليس حبس، فالأولى فصيحة والثانية رديئة(3).
وأما في الاصطلاح القانوني فنجد أن الوقف عرفته نصوص قانونية عديدة منها: قانون الأسرة الجزائري وقانون التوجيه العقاري وقانون الأوقاف.
فلقد عرف المشرع الجزائري الوقف في قانون الأسرة الجزائري رقم 84/11 المؤرخ في: 09 جوان 1984، في المادة 213 بقوله: ''الوقف حبس المال عن التملك لأي شخص على وجه التأييد والتصديق''.
Page 3
ليأتي بعد ذلك تعريف الوقف من خلال القانون رقم 90/25 المؤرخ في: 18 نوفمبر 1990 المتضمن قانون التوجيه العقاري من خلال المادة 31 بقوله: ''الأملاك الوقفية هي العقارية التي حبسها مالكها بمحض إرادته ليجعل التمتع بها دائما تنتفع به جمعية خيرية أو جمعية ذات منفعة عامة، سواء كان هذا التمتع فوريا أو عند وفاة الموصين الوسطاء الذين يعينهم المالك المذكور''.
ثم جاء قانون الأوقاف رقم 91/10 المؤرخ في: 27 أفريل 1991 في المادة 03 بتعريف أعم، إذ نصت على ما يلي: ''الوقف هو حبس العين عن التملك على وجه التأبيد والتصدق بالمنفعة على الفقراء، أو على وجه من وجوه البر والخير''.
وعن هذه التعريفات التي جاء بها المشرع الجزائري في مواضع مختلفة، يمكن لنا تقديم التوضيحات التالية:
إن التعريف الذي جاء به قانون الأسرة، خص الوقف بالحبس للمال عامة، عكس قانون التوجيه العقاري الذي حدد الوقف في حبس الأملاك العقارية عن التملك.
في حين يعرفه قانون الأوقاف من خلال حصره في حبس العين عن التملك، وعلينا أن نعود إلى التعريفات الواردة في المذاهب الفقهية، حتى يتضح لنا معرفة كلمة حبس العين وحبس المال.
فالمذهب الحنفي كما جاء في فتح القدير، عرف الوقف كما يلي: ''هو حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة على جهة الخير''(4).
وحسب هذا التعريف فإن مذهب أبي حنيفة يحدد الحبس في العين، إذ يجعل التصدق بالمنفعة، ولا يلزم زوال الموقوف عن ملك الواقف، وهو ما ترتب عنه إجازة الرجوع عنه أو حتى بيعه(5).
وجعل التصرف الوارد من المحبس على المنفعة العامة لا على العين المحبسة، بدليل أنه جعل كما ذكرنا من الجائز الرجوع عنه، أو حتى بيعه(6).
أما التعريف الثاني فهو للجمهور وهو: ''تحبيس مالك، مطلق التصرف في ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرفه وغيره في رقبته، ويصرف ريعه إلى جهة بر، تقربا إلى الله تعالى'' وبناء عليه يخرج المال من ملك الواقف، ويصير حبيسا على حكم ملك الله، ويمتنع على الواقف تصرفه فيه، ويلزم التبرع بريعه على جهة الوقف.
وأما التعريف الثالث فهو للمالكية وهو: ''إعطاء المالك منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك المالك ولو تقديرا''.
أي أن المالك يحبس العين عن أي تصرف تمليكي، ويتبرع بريعها لجهة خيرية، تبرعا لازما، مع بقاء العين على ملك الواقف، مدة معينة من الزمن، فلا يشترط فيه التأبيد(7).
وإنه من خلال استعراض التعاريف الفقهية بعد التعريف القانوني يمكننا القول بلا شك أن المشرع الجزائري قد تبنى رأي جمهور الفقهاء(8) السابق ذكره.
إذ يوافق التعريف الذي ورد في المادة 213 من قانون الأسرة(9)، وفيه ينص صراحة على خروج المال من ملك الواقف، ويصير حبسا على حكم ملك الله تعالى، وهو ما عبر عنه المشرع بالشخصية المعنوية المستقلة عن الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، وهذا ما سوف نتطرق إليه في دراسة خصائص الوقف لاحقا.
الفرع الثاني: أنواع الوقف.

إنه وحسب الجهة التي يؤول إليها الوقف، قسم المشرع الجزائري الوقف إلى نوعين أو قسمين هما: الوقف الخاص والوقف العام، وهو ما يعرف في دول المشرق العربي والخليج العربي بـ: الوقف الأهلي والوقف الخيري.
لقد تجاهل المشرع الجزائري باقي التقسيمات الأخرى التي اعتمدها الفقهاء وحتى القواعد في باقي الدول العربية والإسلامية الأخرى(10)، حيث قاموا بتقسيمه بحسب المعيار الزمني إلى وقف مؤبد وآخر مؤقت، وقسموه بحسب جهة إدارته إلى: وقف نظامي وملحق ومستقل(11).
وبالرجوع إلى التقسيم الذي اعتمده المشرع الجزائري للأوقاف، نجد بأن هذا التقسيم لم يأت به قانون الأوقاف رقم 91/10 فحسب، بل اعتمد من طرف المرسوم رقم 64/283 المؤرخ في: 17 ديسمبر 1964 بموجب المادة 01 منه إلى وقف خاص ووقف عام.
وها هو قد كرسه المشرع الجزائري من خلال قانون التوجيه العقاري رقم 90/25 المؤرخ في: 18 نوفمبر 1990 وذلك من خلال المادة 31 التي سبق ذكرها في تعريف الوقف.
ثم تأتي بعد ذلك المادة 06 من قانون 91/10 المؤرخ في: 27 أفريل 1991 ليصرح من خلالها المشرع بتمسكه بهذين النوعين: وقفا خاصا وآخر عاما بقوله: ''الوقف نوعان: عام وخاص...'' وسنتناول توضيح كل نوع على حدا:
القسم1: الوقف العام.
لقد اختلفت التعاريف حول الوقف العام، أو ما يعرف بالخيري، باختلاف المعايير التي اعتمدت كأساس في تعريف الوقف العام، ومن ضمن هذه التعاريف التي رصدناها لبعض الدكاترة وشراح القانون الآتي:
1. '' ... هو ما جعل ابتداء على جهة من جهات البر، ولو لمدة معينة، ويكون بعدها على شخص أو أشخاص معينين ...''(12)، وهذا التعريف يعتمد على معيار صفة الخيرية التي تطبع الوقف العام.
2. '' .. هو الذي يعود أساسا على المصلحة العامة التي حبس من أجلها، ويتكون من الأوقاف الأهلية التي انقرض عقب محبسها ...''(13) وهذا التعريف يعتمد معيار المصلحة العامة وهو المصطلح الذي استبدل به معيار أو فكرة الخيرية.
أما المشرع الجزائري فقد اعتمد في تعريفه للوقف العام على معيار أو فكرة الخيرية، حيث نص في المادة 06 من قانون الأوقاف رقم 91/10 على أن: '' ... الوقف العام ما حبس على جهات خيرية من وقت إنشائه، ويخصص ريعه للمساهمة في سبل الخيرات ...''.
• قسم عام يحدد فيه الجهة، فلا يصح صرف هذا الريع على غيره من وجوه الخير، إلا إذا استنفد، ومثال ذلك وقف عقار لبناء وتجهيز مدرسة قرآنية، ففي الجهة الوحيدة التي يصرف لها هذا الريع دون غيرها.
• وقسم لا يعرف فيه جهة الخير التي يقصد بها الواقف، فيكون الوقف غير محدد الجهة وهنا يصرف ريعه في شتى سبل الخيرات، كنشر العلم وتشجيع البحث فيه، وفي سبل الخيرات.
• وهو الحل المعتمد من طرف المشرع، وهو المقصود بالمادة (06) السالفة الذكر وذلك من خلال الفقرة الثانية منها.
ونظرا لكون المعيار الذي اعتمده المشرع في تقسيم الوقف معيارا مرنا، ومفتوحا على احتمالات لا نهاية لها، أتى المشرع بمعيار آخر يكمل هذا المعيار ويجعله أكثر دقة ووضوحا، وهو معيار لم يعتمده الشراح من قبل، ولا حتى في التشريعات العربية والإسلامية المقارنة، هذا المعيار وهو: معيار التعداد والحصر، حيث قام المشرع بحصر الأوقاف العامة، وذلك من خلال ما جاء في المادة (08) من القانون رقم : 91/10 المتعلق بالأوقاف المذكور أعلاه بقولها:
Page 4
(الأوقاف العامة المصونة هي:
1. الأماكن التي تقام فيها الشعائر الدينية.
2. العقارات أو المنقولات التابعة لهذه الأماكن ، سواء كانت بعيدة عنها.
3. الأموال والعقارات والمنقولات المرفوقة على الجمعيات والمؤسسات والمشاريع الدينية.
4. الأملاك العقارية المعلومة وفقا والمسجلة لدى المحاكم.
5. الأملاك التي تظهر تدريجيا بناء على وثائق رسمية، أو شهادات أشخاص عدول من الأهالي وسكان المنطقة التي يقع فيها العقار.
6. الأوقاف الثابتة بعقود شرعية، وضمت إلى أملاك الدولة، أو الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين.
7. الأوقاف الخاصة التي لم تعرف الجهة المحبس عليها.
8. كل الأملاك التي آلت إلى الأوقاف العامة ولم يعرف واقفها، ولا الموقوف عليها، ومتع عليها أنها وقف.
9. الأملاك والعقارات والمنقولات الموقوفة أو المعلومة وقفا، والموجودة خارج الوطن تحدد عند الضرورة كيفيات تطبيق هذه المادة عن طريق التنظيم.).
10. لقد لجأ المشرع إلى تعداد الأملاك الوقفية العامة، إضافة إلى ما سبق وأن اعتمده من قبل من معيار في تحديد مفهوم الوقف العام.
عن ذلك التعداد الوارد في المادة (08) من قانون الأوقاف رقم: 91/10، تعدادا يحسب الجهات التي اعتاد الناس وقف أملاكهم عليها، ولكن أغفلت هذه المادة تعدادها بحسب النشاطات التي ترصد لأجلها، والملاحظ هو أن مفهوم الأوقاف العامة يرمي إلى محتوى واسع، أوسع مما احتوته المجموعة المذكورة في هذه المادة، ولقد انتبه المشرع بعد مرور سبع سنوات من صدور قانون الأوقاف، إلى قصور هذه المادة عن جمع كل أنواع الأوقاف العامة، فحاول بعدها ضم أنواع أخرى وصور شتى، تندرج ضمن الوقف العام عددتها المادة (06) من المرسوم التنفيذي رقم: 98- 381 المؤرخ في : 01 ديسمبر 1998 المحدد لشروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها و حمايتها وكيفيات ذلك، وهي كالآتي:
المادة (06): (في إطار أحكام المادة (08) من القانون رقم: 91/10 المؤرخ في: 27/04/1991 المذكور أعلاه ، تعتبر من الأوقاف العامة:
- الأملاك التي اشتراها أشخاص طبيعيون أو معنويون باسمهم الشخصي لفائدة الوقف.
- الأملاك التي وقفت بعدما اشتريت بأموال جماعة من المحسنين.
- الأملاك التي وقع الاكتتاب عليها في وسط هذه الجماعة.
- الأملاك التي خصصت للمشاريع الدينية.)
وهو ما يؤكد عدم حصرية التعداد الوارد في قانون الأوقاف باعتبار المشرع عدد أصنافا أخرى، إلا أنه ومهما حرص المشرع على حصرها فإنه لن يجمع ويحصر جميع صور الأوقاف العامة لتنوع النشاطات التي أسهم الوقف من خلال عائداته في معالجة سلبيات وهموم المجتمع الكثيرة.
مما يؤكد نجاعة المعايير التي تمت الإشارة إليها سابقا، والتي أهملها المشرع وهي: المعيار الزمني، وكذا المعيار المعتمد على جهة إدارته أو جهة صرفه، ذلك أننا نجد أوقافا تصرف إلى منافع طبية فتسمى أوقافا صحية، ومنها ما يصرف حتى للجيش أثناء الحروب وهو قليل العثور عليه حاليا، رغم أن الجزائر خرجت من حرب تحريرية ساهمت الأوقاف وعائداتها كثيرا في تمويلها، وغيرها من التقسيمات الداخلية للأوقاف العامة، إذ أن التخصيص الوظيفي للأملاك الوقفية العامة لا يتعارض مع المعايير المعتمدة سابقا، بل يكملها بتمييز الوظائف والأغراض التي تنشأ من اجلها الأملاك.
إذن فإن التقسيمات الداخلية للأملاك الوقفية العامة هي تقسيمات عملية.
كما أنه ومن خلال استقراء نص المادة 08 من قانون الأوقاف نجد عبارة مستحدثة من قبل المشرع، لم يتطرق إليها بالتوضيح، ولم يتناولها الشراح بالبيان، وهي عبارة: ''الأوقاف العامة المصونة''، فما هو مقصود المشرع بكلمة ''مصونة''؟
لغة : يقال صان – يصون – صونا وصيانة. والصيانة تعني: الوقاية والحفظ(14).
اصطلاحا : أما الاصطلاح القانوني: فمفاده أن المشرع الجزائري استخدم عبارة (الصيانة) بمعنى: الإشراف الدائم على المنشآت والأبنية والتجهيزات الموقوفة. وتتمحور الصيانة في اصطلاحها وتعهدها بكل ما يؤمن حسن استخدامها، وتسمى بأعمال الصيانة(15).
ولكن التحليل القانوني لهذه العبارة، يفيد جزما بأن المشرع عدد صورا من الأوقاف العامة في المجموعة المذكورة آنفا، بغرض تقرير المشرع وتأكيده على أنها تحظى بصيانة الدولة لها، وتعهدها بالحفظ والوقاية والرعاية الدائمة، وبالمفهوم المقابل أو العكس فإن ما عدا تلك الأنواع المذكورة، فلن يحظى غيرها بالصيانة ولا بالوقاية، من الإدارة المكلفة بالأوقاف ولا من الدولة عموما، بمعنى ترك باقي الأوقاف الأخرى لصيانة الجهة الموقوف عليها. الشيء الذي يتنافى ومقتضى دور الإدارة المكلفة بشؤون الوقف في الجزائر، وهي الجهة المؤهلة بقبول الأوقاف، والمكلفة بالسهر على تسييرها وحمايتها(16)، والتي يحق لها عند الاقتضاء الإشراف حتى على الأوقاف الخاصة وترقيتها.
فكيف الحال إذا كانت أوقافا عامة، مما يفيد وانه لا جدوى من ذلك التمييز بين أنواع وأصناف الوقف العام، أو التمييز بينهما وبين الوقف الخاص.
بل إن الأخطر من ذلك هو ما يقابل هذا النص العربي من نص يقابله باللغة الفرنسية حيث جاءت تلك العبارة على النحو التالي:
'' (Art.8–Les Wakf publics protégés par la loisont…)''(17)
Page 5
فالنص بالفرنسية يتحدث عن ''الأوقاف العامة المحمية بالقانون ...'' مما يفيد أن هناك أوقافا يحميها القانون وأخرى لا تحظى بنفس الحماية، إن لم نقل لا تحظى بها مطلقا، بحسب ما جاء في ترجمة النص. مما يجعل المادة الثامنة تفرض علينا التساؤلات التالية: هل بقية الأوقاف لا تحظى بالصيانة بالنظر إلى النص العربي، أم أنها لا تحظى بحماية القانون بالنظر إلى النص باللغة الفرنسية؟
علما أن كلاهما إجحاف في حق بقية التصنيفات الأخرى حتى تلك التي تندرج تحت الأوقاف العامة، والتي مهما عدد المشرع أصنافها فإنه لن يحصيها كاملة.
وبذلك فإنه لا يوجد أي مبرر يجعل المشرع يبسط حماية القانون على حقوق دون أخرى ولا أملاك دون أخرى، ذلك أن الأوقاف على عمومها ومهما كان نوعها، قد قرر المشرع لها الحماية الدستورية والقانونية، ومن حماية خاصة انفردت الأوقاف بها سواء كانت خاصة أم عامة(18).
وهو الأمر الذي يجعلنا نفسر ذلك، وفقا لنية المشرع المتجسدة في النصوص الأخرى، وبالتالي يكون موقف المشرع، هو أنه يفاضل بين أنواع الأوقاف في الرعاية والوقاية وهي مطلق الصيانة، ولكنه لا يحرم نهائيا نوعا دون آخر من تلك الصيانة إذا اقتضى الحال ذلك.
كما أنه لا يرفع الحماية القانونية عن أي نوع من أنواع الوقف، وإلا صار عرضة للانتهاك من طرف الأفراد والمؤسسات، وهو الأمر الذي يتنافى جملة وتفصيلا مع التشريع العقاري عموما والتشريع الوقفي خصوصا، وهو انتقاد في محله، ذلك أن فكرة المفاضلة بين النوعين من الوقف في الحماية والصيانة، يؤكده موقف المشرع الذي أعلنه بتاريخ : 14 ديسمبر 2002، حينما وضع القانون رقم 02/10 المعدل والمتمم للقانون رقم 91/10 المتعلق بالأوقاف، حيث جعل من قانون الأوقاف لا يخاطب بأحكامه سوى الأوقاف العامة، حيث نص في المادة الثانية منه على أنه: ''تعدل وتتمم المادة الأولى من القانون رقم 91/10 المؤرخ في: 27 أفريل سنة 1991 المعدل والمتمم، والمذكور أعلاه، وتحرر كما يلي:
المادة الأولى: يحدد هذا القانون القواعد العامة لتنظيم الأملاك الوقفية العامة وتسييرها وحفظها وحمايتها والشروط والكيفيات المتعلقة باستغلالها واستثمارها وتنميتها'' مما يفيد أن المشرع قد رفع عن الوقف الخاص تلك الحصانة التي كان قد بسطها عليه بموجب القانون القديم.
القسم2 : الوقف الخاص.
إنه وبعد التطرق بالدراسة والتحليل للوقف العام، فإنه من خلال هذا القسم سوف نتناول النوع الثاني من الوقف، وأهم نوع في ذات الوقت وهو: ''الوقف الخاص''. نظرا لكونه قد أثار هذا النوع بالذات زوبعة من الخلاف بين الفقهاء، ومحط دراسة نقدية مستمرة من طرف القوانين المقارنة في شتى البلدان الإسلامية.
وعند الكلام في هذا النوع نذكر مفهوم الوقف الخاص ومدى مشروعيته.
مفهوم الوقف الخاص:
الوقف الخاص هو كل ما رصد الواقف استحقاقه وريعه على ذريته وأولاده من الذكور والإناث، أو على أشخاص يختارهم الواقف بإرادته، ثم إلى الجهة التي يؤول إليها بعد انقطاع الموقوف عليهم.
ولقد نص المشرع في أول تشريع وقفي في الجزائر المستقلة من خلال المرسوم رقم 64/283 المؤرخ في: 17/09/1964 المتضمن نظام الأملاك الحبسية العامة، حيث جاء في المادة 01 منه أن: ''تنقسم الأملاك الحبسية أو الموقوفة إلى قسمين: الأحباس العمومية والأحباس الخاصة ...'' ثم أشار إلى مشتملات الوقف الخاص في الفقرة الأخيرة من هذه المادة بقوله: '' ... أما الأحباس الخاصة، فتشتمل أملاكا يخصص المحبس منعتها لمستحقين معينين، وعند انقراضهم تضم إلى عموم الأوقاف'' ثم ضبط المشرع تعريفه أكثر من خلال قانون الأوقاف رقم 91/10 المؤرخ في: 27 أفريل 1991 في المادة 6/2 بقوله: '' ... الوقف الخاص هو ما يحبسه الواقف على عقبه من الذكور والإناث أو على أشخاص معينين، ثم يؤول إلى الجهة التي يعينها الواقف بعد انقطاع الموقوف عليهم''.
Page 6
فالوقف الخاص هو ما يحبسه الشخص ''الواقف'' على أشخاص معينين بصفاتهم، عادة لا بأسمائهم، كان يقول: ''على أعقابي وأعقاب أعقابي من الورثة، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها'' أو يقول: ''وقفت أٍرضي هذه على ولدي''، او قوله: ''على ولدي وولد ولدي'' او قوله: ''على أولادي''.
وفي جميع عقود الحبس التي اطلعنا عليها كان المحبس يقرر في الأخير أنها تؤول إلى مكة المكرمة أو بيت الله الحرام. ويقصد بذلك انها تؤول إلى الأعمال الخيرية هناك في سبيل الله، إذا انقرض كل من أوقف عليهم من الأشخاص الطبيعيين، هذا النوع من الأملاك الوقفية مع تميزه، ظل قائما ومتناميا ومحترما منذ الفتح الإسلامي وإلى غاية اليوم، ذلك ان الجزائر لا تزال تعمل به إلى يومنا الحاضر، عكس دول كثيرة من البلدان الإسلامية التي ألغته لأسباب واعتبارات نتناولها بالدراسة في العنصر اللاحق المتضمن مشروعية الوقف.
إن المشرع يستعمل دائما مصطلح الوقف الخاص للإشارة إلى هذا النوع من الأوقاف خلافا للتسهيلات الأخرى التي يعرف بها في البلدان العربية الأخرى، حيث يطلق عليه ''الوقف الأهلي'' في مصر، ويسمى بالوقف ''الذري'' عند أهل الشام كسوريا ولبنان، غير أن هذه البلدان تعرف الوقف الذري أي الخاص معتمدة دائما على الجهة الأولى في الابتداء، فيعرفون الوقف الخاص بأنه:
'' هو الذي يوقف في ابتداء المر على نفس الواقف، أو على أي شخص أو أشخاص معينين، ولو جعل آخره لجهة خيرية، كان يوقف على نفسه ثم على أولاده ثم من بعدهم على جهة خيرية''(19) فمن الضروري أن تكون هذه الجهة التي آل إليها الوقف، أن تكون قد آل إليها ابتداء، وهي الصيغة التي تجاهلها المشرع الجزائري تماما، خلال تعريفه للوقف الخاص في المادة 06 من قانون الأوقاف، وهي الصيغة التي تبناها كل الفقهاء والشراح في تعريفهم له، حيث عرفه الدكتور مصطفى شلبي بأنه: ''هو ما جعل لأول مرة على معين، سواء كان واحدا أو أكثر، وسواءكانوا معينين بالذات معينين بالوصف سواء كانوا أقارب أم لا، ثم بعد هؤلاء المعينين على جهة البر''، ذلك أن مدار التفرقة بين الوقف العام والوقف الخاص هو الجهة الموقوف عليها من أول الأمر أي ابتداء(20).
كما أنه يتضح وأن المشرع الجزائري لم يشر في هذا التعريف إلى الوقف على النفس، هذه السلسلة من سلسلة القوانين المنظمة للوقف، مما جعل الأمر مبهما، وكل جهة تعمل بالرأي الذي تراه مناسبا، فهناك جهات ترى عدم الأخذ بمثل هذا الوقف حارمة بذلك الواقف من إمكانية اشتراط المنفعة لنفسه، وهو الرأي الذي تعمل به حاليا المحافظات العقارية(21)، وهناك جهات أخرى ترى العكس من ذلك، أي جواز الوقف على النفس، ثم من بعده إلى جهة معينة، ويمثل هذا الاتجاه رأي المحكمة العليا في العديد من قراراتها محاولة في كل مرة أن تفصل في الخلاف بين القضاة وتضارب الأحكام في هذا الشأن. التي إن دلت على شيء إنما تدل على الاختلاف والتضارب في وجهات النظر حول هذه المسألة، لم يقتصر على الفقهاء فحسب، بل وصل إلى دواليب القضاء، فكل درجة تقضي بما استقر عليه رأي قاضيها واجتهاده، وإن بلغت هذه الحدة إلى ما وصلت إليه فإن السبب في ذلك يعود كما أسلفنا إلى غموض قانون الأوقاف في هذه المسألة وغيرها، وكون نص المادة 06 جاءت مبهمة(22)، عسى أن يتصدى المشرع مستقبلا إلى هذه المسألة الهامة، التي أدت إلى إحجام الكثيرين عن وقف أملاكهم لهذا السبب، علما أن المحكمة العليا ظلت تسعى إلى توحيد القضاء والأحكام في هذا الشأن بإجازة هذا الوقف، وصحة الشرط، محاولة التيسير على الناس من جهة، واحتراما منها لإرادة الواقف من جهة أخرى.
ومن اجتهادات المحكمة العليا في هذا الشأن، نورد قرارها الصادر في: 13/12/1984 الذي ينص على صحة الوقف الذي أسسه صاحبه وفقا للمذهب الحنفي والذي يجيز الأخذ بالوقف على النفس.
كما أن المتفحص لنص المادة 06/2 من قانون الأوقاف السالف ذكرها، والتي عرف المشرع من خلالها الوقف الخاص بأنه: ''... ما يحبسه الواقف على عقبه من الذكور والإناث''.
نجد أنه أطلق على الموقوف عليهم مصطلح العقب، في حين قرنه بالذكور والإناث، وهو تعبير يوحي للدارس له بفكرة مذبذبة، ذلك أن لفظ العقب يراد به: الولد وولد الولد أبدا ما تناسلوا من الأولاد الذكور دون الإناث، وعليه فإن أولاد ابن الواقف هم عقد الواقف، كما أن أولاد أولاد ابن الواقف عقبه أيضا، أما بنت الواقف أو أولاد بنت الواقف لا يعتبرون عقب الواقف، ما لم يكن أزواج البنات متوالدين من أولاد الواقف الذكور(23).
وبما أن المشرع الجزائري أراد القول بأن الموقوف عليهم هم من الجنسين على حد السواء ذكورا وإناثا فإن اللفظ الذي يجمع كليهما هو لفظ ''الولد'' ذلك أن لفظ الولد مأخوذة من الولادة وهي موجودة فيهما، سواء كان ذكرا أو أنثى، واحدا أو متعددين، أو لفظ ""النسل'' فهو يتناول الأولاد الصلبية والأحفاد، ويتساوى فيه أولاد البنين وأولاد البنات.
والخالصة أن: كل من كان أبوه من أولاد الواقف الذكور، كان عقبا للواقف، وبالعكس. وزيادة على ذلك فإن استخدام عبارة ''العقب'' تثير مسألة استحقاق الغلة، هل تكون في حياة الواقف أم بعد وفاته؟
ذلك أن العقب إذا اشترطت له الغلة، فإنه لا يستحقها إلا بعد وفاة الواقف، لأنه لا يعد عقبا له إلا بعد وفاته، فإذا قال الواقف :''وقفت داري على زيد وعلى عقب زيد''، وكان زيد هو وأولاده لا يزالون على قيد الحياة، استحق زيد الغلة وحده ولا تعطى الغلة لأولاده إلا بعد وفاته، وهو حكم العقب. لذلك كان لزاما على المسرع أن يأخذ بهذه الاعتبارات في سياق هذه المادة، التي يتجلى من خلالها ومن خلال غيرها من المواد موقف المشرع الجزائري من مختلف المسائل التي يطرحها نظام الوقف في المجتمع.
Page 7
لكن الواقع أثبت لنا بأن نية المشرع لم تتجه لحل هذه المسائل وإنما زادتها تعقيدا، ذلك أنه بالرغم من أن الوقف الخاص لم يحظى إلا بمواد قليلة جدا تعالج بعض زواياه، إلا أن المشرع قد أتى على تلك القلة فألغاها تماما من قانون الأوقاف رق 91/10 حيث أن في تعديل له سنة 2002 بموجب القانون رقم 02/10 السالف ذكره، ألغى بموجبه الفقرة الثانية من المادة 06 السالف ذكرها والمتعلقة بالوقف الخاص، كما ألغى بقية المواد الأخرى المتعلقة بتنظيم الوقف الخاص تماما من قانون الأوقاف رقم 91/10 السالف الذكر، ليحيل مسألة تنظيمه إلى ''الأحكام التشريعية والتنظيمية المعمول بها'' وهي العبارة الواردة في المادة 01 من القانون 91/10 بعد تعديلها سنة 2002، علما أنه لا يوجد حاليا تشريعا خاصا بالوقف الخاص، حتى يلجأ إليه عند الحاجة، وهو موقف يدل على تراجع المشرع الضمني تدريجيا عن التمسك بالوقف الخاص، وترك إدارته لأطراف وفقا لشروط الواقف مهما كانت..
مشروعية الوقف الخاص:
هناك العديد من فقهاء الشريعة، وحتى فقهاء القانون من يقرون بعدم شرعية الوقف الخاص، معتبرين بأن فيه مخالفات لتعاليم الدين الإسلامي، خاصة إذا تعلق بعقبه الذكور فقد، حيث اعتبروه حرمانا للورثة خاصة الإناث منهم من حقهم في الإرث، ويقول بعضهم أن تعدد العقب في الوقف، من ذكور وإناث سوف يجعل لا محالة نصيب المستحقين له ضئيلا، وهذا ما يؤدي إلى إهماله، كما استدلوا في ذلك بأن إجازة الوقف تعني خروج الموقوف عن الملك الواقف لا إلى مللك أحد، وهذا يعني أنه سائبة، ولا سائبة في الإسلام.
وقالوا أيضا: إن الوقف هو التصدق بمصلحة مستقبلة، وهي معدومة وقت الإيجاب ، وتمليك المعدوم (24) لا يصح، لأنه لا محل وقت العقد يرد عليه التمليك والتملك وهذا باطل.
ويرد على هذه الأقوال بأن: النص يعلو فوق القواعد، وهو حجة عليها، وبأن خروج الملوك إلى غير مالك، أمر قد يقره الشرع كما أقره في العتق.
زيادة على ذلك أنه لا يجوز قياس عقود التبرعات على عقود المعاوضات في منع التعاقد على المعدوم، وعلى فرض صحة القياس، فهو قياس فاسد لأنه اجتهاد في مقابلة النص، لا يجوز الاعتداد به، زيادة على ذلك أنهم قاسوا الوقف على غيره من عقود التبرع، وهو قياس خاطئ لعدم تكافؤ العقدين، ذلك أن العقود التبرعية الأخرى كالهبة والوصية، عقود ناقلة للملكية، في حين أن الوقف لا ينقل الملكية أبدا لأي شخص، بل هو حبس للرقبة وتسبيل للمنفعة، مما يتعين معه رد تلك الأدلة واستبعادها.
لا خلاف بين جمهور الأئمة أن الوقف سواء كان خاصا أو عاما، فإنه مشروع لأنه عمل من أعمال البر، ووسيلة من وسائل التقرب إلى الله عز وجل.
وقد دلت على مشروعيته الأحاديث الكثيرة منها:
حديث ابن عمر: ''أن عمر أصاب أرضا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله، أصبت أرضا بخيبر، ولم أصب مالا قط أنفس عندي، فما تأمرني؟ فقال: ''إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها''، فتصدق بها عمر، أن لا تباع ولا توهب ولا تورث، في الفقراء وذوي القربى، والرقاب والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول.'' ... (أي غير متخذ منها ملكا).
قال ابن حجر في الفتح: ''وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف''.
فهذا الحديث يدل على أن الوقف لازم بنوعيه، الخيري والأهلي، أو الخاص والعام، لأن عمر رضي الله عنه، جعل من مصارفه لذوي القربى.
Page 8
كذلك ورد في البخاري أن أنسا رضي الله عنه، وقف دارا له وكان إذا قدم نزلها، وأن الزبير تصدق بدوره وقال: ''للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضار بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكني لذوي الحاجات من آل عبد الله.
وفي المدونة في فقه مالك: أن عثمان ابن عفان، و الزبير ابن العوام، وطلحة ابن عبيد الله التميمي، حبسوا دورهم، وأن الزبير قال في وقفه: على بني: لا تباع ولا تورث، وان للمردود من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضار بها. وأن عبد الله ابن عمر، وزيد بن ثابت، حبسا على أولادهما بدورهما، وأنهما سكنا في بعضهما.
وروي في كثير من الأحاديث أن النبي ×، وقف وتصدق بسبع حوائط ''بساتين'' معروفة لأسمائها بالمدينة بعد قفوله من غزوة أحد.
وروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها وقفت دارا اشترتها، وكتبت في شرائها: ''إني اشتريت دارا، وجعلتها لما اشتريتها له، فمنها مسكن لفلان ولعقبه ما بقي بعد إنسان، ومسكن لفلان، وليس فيه لعقبه، ثم يرد إلى آل أبي بكر''.
وهذا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )يقول: ''صدقتك على غير رحمك صدقة، وصدقتك على رحمك وصلة''.
وقوله كذلك: ''إنك تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس''.
فهذه الأحاديث والآثار هي قل من كثير، تدل على مشروعية ا لو قف بنوعيه، وأنه لا ينفي مشروعية الوقف الخاص دون العام، كما ذهب الكثيرون من الفقهاء، بل وحتى القوانين التي أخذت عنهم، فتنكرت لهذا النوع بالذات، رغم أنه وسيلة من وسائل القربى من الله، وباب من أبواب الخير والمثوبة.
وهي أدلة كافية للرد على بعض الباحثين الذين يدعون ان الوقف الخاص ''الأهلي'' لم يكن مشروطا في صدر الإسلام، وإنما أحدثه الفقهاء المتأخرون، ترغيبا للناس في وقف أموالهم(25). ورغم ذلك فقد تم إلغاء الوقف الخاص ''الذري'' في العديد من الدول العربية والإسلامية، منها: تونس وليبيا ومصر وسوريا وحتى في تركيا(26)، حيث أصدرت هذه الدول قوانين تقضي بإلغاء الوقف على غير الخيرات ''أي ما عدا الوقف العام'' وبموجب تلك القوانين تمت تصفية جميع الأوقاف الخاصة، ونصت على أيلولة الأعيان الموقوفة التي انتهى فيها الوقف فتؤول إلى الواقف إذا كان حيا وكان له حق الرجوع في الوقف، أو تؤول إلى المستحقين كل بقدر حصته.
ومنعت هذه القوانين إنشاء مثل هذا الوقف مستقبلا(27)، والملاحظ أن إلغاء الوقف الخاص ومنع إقامته مستقبلا أسهم إلى حد كبير في الإحجام عن الوقف في تلك البلدان، وأصبح يقتصر نشاط الهيئات القائمة على الأوقاف فيها على إدارة المساجد والزوايا الإسلامية والمدارس القرآنية وتنمية النوع المتبقي من الأوقاف وهي الأوقاف العامة، هذا هو الحال في الدول الإسلامية التي ألغت الوقف الخاص وأبقت على الوقف العام، ما بالك بدول لم تبق أي نوع منه، فباتت خالية من أي نظام للأوقاف، وهو الحال المذهل والذي ربما لم يثره الباحثون من قبل كنموذج للدراسة رغم أهميته وخطورته في آن واحد. إن هذا النموذج يتجسد في دولة عربية إسلامية شقيقة، بل تشارك بلادنا حدودها وهي ''تونس'' التي وبعد استقلالها مباشرة قامت بدمج الأوقاف في ميزانية الدولة وخزانتها، ووقع إلغاء وحل نظام الأحباس فيها على مرحلتين:
الأولى: بالأمر المؤرخ في: 31 ماي 1956 (28)، وبموجب ذلك ألغي الوقف العام الذي تم إنشاؤه من يوم صدور هذا الأمر، وحجر كل تحبيس عام أو لفائدة إحدى الزوايا في المستقبل، ودمج كل ملك ذو طابع وقف عمومي في ملك الدولة، وأسندت إدارته لمصلحة أملاكها ، كما أسند للدولة إدارة ما كانت جمعية الأوقاف السابقة متعهدة به من نظر في بعض الأوقاف الخاصة.
وفي المرحلة الثانية أي بعد سنة تقريبا، وقع إلغاء الأحباس الخاصة بمقتضى أر مؤرخ في: 18 جويلية 1957 (29)، وبذلك أصبحت تونس خالية تماما من أي نظام قانوني للأوقاف(30).
لقد كانت هذه نماذج من دول ألغت الوقف صراحة، في نصوص قانونية صريحة، غير أن هناك دول أخرى ألأغته ضمنيا مثل المغرب، حيث نجد أنها ام تنص صراحة على إلغائه ولكنها ألغته ضمنيا. حيث أجازت لمن أقام حبسا معقبا أو ذريا ''خاص'' أن يتراجع عنه بالإشهار العدلي، على أن يقتصر الرجوع على القسم المتعلق بالوقف الخاص فقط دون العام.
بل وقررت انه يمكن تصفية الوقف الخاص بمبادرة من السلطة المكلفة بشؤون الوقف إذا تبين أن المصلحة العامة أو مصلحة المستفيدين تستوجب ذلك(31).
وهكذا نجد بأن الجزائر هي الدولة الوحيدة في المغرب العربي، ومن ضمن دول قليلة جدا في الوطن العربي والإسلامي عامة، التي حافظت على الوقف بنوعيه، وأعادت نظام الوقف إلى وضعه الطبيعي في دار الإسلام.
وبصدور تلك المجموعة من التشريعات في الجزائر استعاد الوقف مكانته الطبيعية ليسهل في رسالته، والتي يظهر فيها مساهمة الفرد في التكفل الاجتماعي وبإقامة الشعائر الدينية والمحافظة عليها، لأن الأحكام ا لفرعية للوقف محل اجتهاد الفقهاء المسلمين في كل زمان ومكان، ويكفي في هذا النظام أنه أبرز الشخصية الاعتبارية للوقف، وحافظ على الوقف الخاص، حيث نص المشرع صراحة من خلال المرسوم رقم: 64/283 المؤرخ في: 17 سبتمبر 1964، المتضمن نظام الأملاك الحبسية العامة، حيث أكد على إبقاء العمل بالوقف بنوعيه: العام والخاص، بموجب المادة 01 منه والتي نصت على أنه: ''تنقسم الأملاك الحبسية أو الموقوفة إلى قسمين الأحباس العمومية والأحباس الخاصة – المعقبة-''.
Page 9
ليثني المشرع بالتأكيد عليه مرة ثانية من خلال القانون رقم 91/10 المؤرخ في: 27/04/1991 المتعلق بالأوقاف، حيث تنص المادة 06/2 على تعريف شامل للوقف الخاص ومستحقيه، كما أن المشرع الجزائري وفي تنظيمه للوقف الخاص، أكد على إمكانية تحول الوقف من خاص إلى عام وذلك في الحالة المنصوص عليها في المادة 07، وهي حالة رفض الموقوف عليهم لذلك الوقف.
ورغم التعديلات التي طرأت على قانون الأوقاف هذا، إلا أن الوقف الخاص ظل معترفا به ولم يتم إلغاؤه كما روج البعض عنه، حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 02 من القانون رقم 02/10.الأمر المؤرخ في: 14/12/2002 (32) الذي يعدل ويتمم القانون رقم 91/10 المتعلق بالأوقاف أنه: ''يخضع الوقف الخاص للأحكام التشريعية والتنظيمية المعمول بها''
كما قد يكون الوقف الواحد يجمع ما بين النوعين: العام والخاص معا، كما في أحباس الزوايا التي يكون مصرفها عائدا في آن واحد للأغراض ذات المصلحة العامة ولفائدة أشخاص معنيين ولذريتهم، وهي تعرف في القوانين المقارنة بـ: الأحباس المشتركة.
وإن كان المشرع الجزائري قد أبقى بذلك على الوقف الخاص على سبيل الجواز في يد الواقف دون أن يضبطه بشرط عدم جواز تفضيل الذكور على الإناث، أو الإضرار بالورثة بصفة عامة، ذلك أنه خلافا للقواعد الإجبارية الجارية على المواريث، تخضع أيلولة الحبس مبدئيا إرادة المحبس، ولقد صدرت العديد من القرارات القضائية في هذا الشأن حددت وجهة نظر المحكمة العليا، وموقفها من العديد من هذه المسائل المطروحة وغيرها، حيث نصت في العديد منها على ضرورة احترام إرادة الواقف ومنه:
القرار المؤرخ في: 05/05/1986، الذي قضى بصحة وقف يخرج الإناث بشرط أن يجعل لهن عند الاحتياج حق استغلاله، ومن ثمة ألزم هذا القرار القضاة بالالتزام بأحكامه(33)، مما يبرز أهمية نظام الأوقاف في الجزائر، ومدى احترامها، من خلال تنفيذ إرادة الواقف بكل أمانة متى كان مؤسسه قد بناه على قواعد فقهية ثابتة، ولا يعاب عليه اختيار المذهب في ذلك، ولا إخراج من شاء من المحبس عليهم متى احتفظ لنفسه بهذا الحق(34).
غير أنه ورغم الإبقاء على الوقف الخاص إلا أنه همش تماما في الآونة الأخيرة من طرف المشرع، حيث ألغى في تعديله الأخير الصادر في: 14 ديسمبر 2002 من قانون الأوقاف رقم 91/10 جميع المواد التي تنظم شؤون الوقف الخاص، وفي انتظار تشريع خاص به يبقى الوقف الخاص تحكمه شروط الواقف التي وضعها في حجة الوقف ذاته مهما كانت هذه الشروط، وما يؤكد هذا الأمر هو ما جاء في نص المادة 06 من التعديل الوارد في القانون رقم 02/10 المؤرخ في: 14 ديسمبر 2002 والتي تنص على أنه: ''تلغى المواد: 07-19-22-47 من القانون ؤقم 91/10 المؤرخ في: 27 أفريل 1991 المعدل والمتمم والمذكور أعلاه''.

المطلب الثاني: أٍركان الوقف وشروط نفاذه

إن إنشاء الوقف كنظام مستقل بقواعده يقتضي قيامه على أسس مشروعة وسليمة حتى تترتب الآثار القانونية عن ذلك التصرف، وهي ما يطلق عليها بالأركان. غير أن المشرع اعتبر الوقف صحيحا متى توافرت الأركان والأسس المنصوص عليها ولكنه اشترط توافر إجراءات لا يرتب الوقف آثاره القانونية من دون تحققها . غير أن هذه الشروط والإجراءات التي وإن كانت إجراءات تقنية لكن العبرة ليست في طبيعتها وإنما في الحكمة من وضعها من قبل المشرع، والغاية التي يرمي إليها من ورائها.
لذلك كان من الضروري التطرق في هذا المطلب إلى الكشف عن الأركان التي يقوم عليها الوقف في نظر المشرع الجزائري في الفرع الأول من هذه الدراسة، ثم التطرق إلى إبرٍاز الشروط التي وضعها المشرع، حتى يرتب الوقف آثاره القانونية من خلال الإجراءات التي نص المشرع على ضرورة الأخذ بها، مع ما يترتب من نتائج عن تخلفها. كل ذلك من خلال ما سوف نتطرق إليه في الفرع الثاني، على النحو التالي:
الفرع الأول: أركان الوقف.

الركن هو كل ما يتوقف عليه الشيء ويقوم عليه، وإن للوقف وكغيره من التصرفات الإدارية الأخرى، أركان ينبغي توافرها، فإذا أنشئت وفقا للشروط التي يتطلبها القانون ترتبت على هذا الوقف آثاره القانونية، يضفي عليها القانون القوة الإلزامية التي تشبه إلى حد كبير نفسه، بحيث يصبح أطرافه خاضعين لقوة هذا التصرف وما يرتبه من حقوق والتزامات ما دامت قائمة.
Page 10
هناك من حصر الوقف في ركن واحد وهو''الصيغة'' الدالة عليه أو على إنشائه، وهذا انطلاقا من التفسير الذي أعطى للركن أنه جزء من حقيقة الشيء(35).
وعند غير هؤلاء فهي أربع أركان يقوم عليها الوقف، وما الصيغة إلا ركن من أربعة وهذا الرأي الأخير هو الذي يعبر عن موقف المشرع الجزائري بين هذه الآراء(36). ذلك أنه وانطلاقا من التفسير القانوني للركن على أنه كل ما يتوقف عليه الشيء، جعل بذلك أركانه أربعة، حيث نص في المادة 09 من قانون 91/10 المتعلق بالأوقاف على ما يلي:
'' أركان الوقف هي:
1. الواقف.
2. محل الوقف.
3. صيغة الوقف.
4. الموقوف عليه ....''
سنوضح بالبيان كل ركن من هذه الأركان، وما يستلزمه القانون من شروط حتى يكون هذا الركن قانونيا، من خلال الآتي:
القسم 1: الواقف.
الواقف هو الشخص الذي يصدر منه تصرف قانوني من جانبه، من شانه أن يغير ملكية العقار الموقوف ويجعله غير مملوك لأحد من العباد، وينشئ حقوقا عينية فيه للموقوف عليهم''(37)، ويجعله خاضعا لنظام خاص يقرر القانون قواعده، وتتناول الشريعة الإسلامية أحكامه بكثير من التفصيل.
فالواقف إذن ينشئ بإرادته تصرفا قانونيا يجعل ملكيته من بعده غير مملوكة لأحد من العباد، قصد إنشاء حقوق عينية عليها لمن يعينه بإرادته، على اعتبار أن الوقف قربة اختيارية يضعها فيمن يشاء، وبالطريقة التي يختارها.
ومع أن الواقف إرادته في الوقف محترمة إلا أنها مقيدة بأحكام الشارع، التي يفترض في الواقف جملة من الشروط حتى تصرفه ويكون نافذا في حق الغير.
ولقد أتى المشرع الجزائري على ذكر الشروط التي اشترط توافرها فيه من خلال المادة 10 من القانون السالف الذكر، حيث نص على ما يلي:
''يشترط في الواقف لكي يكون وقفه صحيحا ما يأتي:
1. أن يكون مالكا للعين المراد وقفها، ملكا مطلقا.
2. أن يكون الواقف ممن يصح تصرفه في ماله، غير محجور عليه لسفه أو دين.''
لذلك فإن شروط الواقف في نظر القانون هي:
أولا: أن يكون الواقف مالكا للعين الموقوفة.
لقد اشترط المشرع في الواقف أن تكون ملكيته للعين الموقوفة ملكية مطلقة حيث جاء في نص المادة السالف ذكرها: ''أن يكون مالكا للعين المراد وقفها ملكا مطلقا''.
والجدير بالذكر وبالاهتمام هو مقصود المشرع بعبارة ''ملكا مطلقا''، إذ لا يعقل أن يكون للمالك من خلالها سلطات على ملكه دون قيد، إذ لم يعد لحق الملكية طابع الإطلاق كما هو معروف،
الذي كان يضفي عليها في الماضي، ذلك أنه يمثل وظيفة اجتماعية بقدر ما يعتبر ميزة للمالك(38)، لذلك استوجب على المشرع النظر في هذه الصياغة.
ومن ثمة القول بأن الأصح في مقصود المشرع من هذا الشرط، أنه ينبغي أن تكون العين المراد وقفها مملوكة للواقف ''ملكا تاما'' وهي ملكية يستجمع فيها المالك كل السلطات التي يستطيع أن يباشرها على الشيء الذي يملكه، وهو ملك يخول صاحبه الحصول على جميع المزايا التي يمكن استخلاصها من الشيء وهي سلطات ثلاث: ''الاستعمال، والاستغلال والتصرف.'' ولكن في حدود ما يسمح به القانون، إذ الحرية هي الأصل، وإذا كان هناك قيد فلا يكون إلا بمقتضى نص أو اتفاق.
وعليه ينبغي أن يكون الواقف مالكا للشيء الموقوف ملكا تاما، حتى يستطيع التصرف فيه، ذلك أنه إذا لم يكن مالكا، كان وقفه كالعدم، ففاقد الشيء لا يعطيه، والعبرة فيه أن من ملك الشيء ملك منفعته، ومن ملك منفعة الشيء فبإمكانه أن يمكن غيره من الانتفاع بذلك الشيء.
غير أن الكثير من رجال القانون من يروا بأنه إذا وقف شخص ما لا يملك على أنه يملكه فالوقف لا يكون باطلا ولكن يتوقف على إجازة المالك، غير أن المشرع الجزائري أعطى لهذه المسألة حكما على عمومها، حيث اعتبره وقفا باطلا، باعتباره تصرف في ملك الغير، وأيده في ذلك القضاء الجزائري حيث قررت المحكمة العليا في كثير من قراراتها لإبطال الوقف الصادر عن غير مالك، حتى ولو كان الواقف يظن بأنه مالكا للعين الموقوفة كلها، في حين نازعه في جزء منها ورثة آخرون معه يجهلهم، ومن أمثلة تلك القرارات:
1. القرار الصادر في 21/11/1988 الذي قضت فيه المحكمة العليا بنقض قرار المجلس الذي صحح عقد حبس محرر من طرف شخص في حين كانت العين الموقوفة ملك لشخص آخر(39).
2. وفي القرار الصادر في 28/09/1993 الذي اعتبرت فيه المحكمة العليا الحبس المتضمن مال المحبس مع مال أخيه، بأنه صحيح في الجزء من المال الذي يملكه الواقف، وباطل الوقف المنصب على مال أخيه، لأن الواقف لا يملكه(40).