eKtab
EN ع
على أجنحة الجراح
Read free sample

على أجنحة الجراح

by محمد نصيف

Page 1
المقـــدمة
 
غالباً ما رسمتْ تأريخـَنا المصائبُ، لا سيما تلك التي تمخـَّضتْ عن جراحٍ أعارتنا دماءَها مداداً، خضّبنا به سفرَ أيامنا العصيبة، وذكرياتِنا الممزوجة َ بالألم والمرارة، والتي يضاعفُ الماضي قسوتـَهـا، حينَ يعرضُها صوراً يـتـجـلـّى فيها غدرُ الأقربينَ وكيدُ المعتدينَ، حيثما امتدتْ خنادق المواجهة من فلسطينَ إلى العراق.
 
كذلك كانتْ قصائدي تسجيلاً تأريخياً للجراح، وتصويراً لعمقها، ووقوفاً تأمليّاً على المحطاتِ الخطيرةِ من حياةِ العراق وأمتنا العربية التي توحي بأننا مقدّرٌ علينا أن نكونَ متشحينَ بالدماء ؛ وأنّ الخطوبَ لا شاغلَ لها إلا نحنُ، فلا تغادرنا نازلةٌ إلا وأيقنتْ بأنَّ نازلةً أخرى تكفـَّلتْ بأحزاننا. فهكذا كانتْ الأيامُ وهكذا كنا، رجالاً قدرُنا أن ندوسَ على وجعنا لنواصلَ المسيرةَ، حاملينَ رسالةَ الأمةِ و لواءَها المعقودَ على ساريةِ الصمودِ. فما ازدحمتْ المحنُ في ساحاتِ الوطنِ العربيِّ، إلا ورفـّتْ راياتنا في طلائعِ الزحفِ و تخضَّبتْ الدروبُ بحنّاءِ الشهداءِ من رجالِ الرافدينِ الذين لطالما وشّحتْ جراحُ صدورهـِمْ لوحةَ الصدقِ والإخلاصِ في المنازلة، فحيثما تستنطقُ الثرى العربي يردُّ عليك شهيدٌ عراقي.
 
والمرورُ على قصائدي والطـَوافُ في فـضائها هو اختراقٌ لذاكرتي وسبرٌ لأغوار الجراحِ التي لا تعرف النسيانَ، فكلُّ قصيدةٍ هي جرحٌ يدفقُ مِنْ كلِّ حرف ويرفُّ بأجنحته في كلِّ قافيةٍ، فيشرح مرارة المراحلِ التي عبرَها العراقُ وفـرسـانـُهُ المغرمونَ بحبِّ البطولةِ فطرةً، والساعونَ إلى الذرى قدراً، والقابضونَ على القيمِ النبيلةِ منهجاً، فكانوا دائما على موعد مع ساحات الفداء. فكبيرٌ عليهم أن يُغـيـِّبَ الغدرُ والخيانةُ خيولـَهُمْ وتنامَ سيوفـُهـُمْ في أغمادها، وتخلو ميادينُ المجدِ من بريقِ عيونِهـِمْ القادحةِ غضباً ومروءة.
 
اليومَ وبغدادُ تحاولُ أنْ تنهضَ من كبوةٍ شاركَ فيها الشقيقُ قبلَ الخصمِ، فإنَّ للحزنِ معنى آخرَ أوسعَ من التعبير. فعسى قصائدي التي استعارت أجنحة جراحي وشاركتني احتراقاتي، تكونُ سفيري إلى قلوبكم.
 
محمد نصيف
Page 2
عذراً أيّها العربُ
 
مـتـى سـيخلـعُ لـيـلَ الـحـزنِ وجـدانـي
 
كفـى بـدمـعِ الأسـى دربــاً لـعـنـوانـي
 
مـاذا أحـدِّثُ عـنْ أهـلـي وهــمْ قــمـمٌ
 
بغيـرهـِمْ مـا لهـذا الـقـلـبِ مـن شـانِ
 
مـاذا سـأحـكـي إذا حـدَّثـْتُ عـن وطنـي
 
وَهـوَ الـعـراقُ الـذي مـا مــثـلــهُ ثـانِ
 
مـا أطـيـبَ الـلـيـلَ إذ يـُرخـي جـدائـلـهُ
 
بـكـفِّ دجـلــةَ مـلـتـفــاً بـشـطــآنِ
 
والـضـوءُ يـسـكنُ وجـهَ المـوجِ مـنـتـشيـاً
 
يُـداعبُ الـوجدَ فـي أحـداقِ سـهــرانِ
 
والـعـشـقُ تسـرَحُ نشـوى فـيـهِ عـاشـقـةٌ
 
لـتـلثـمَ الـحلـمَ فـي أجـفـانِ نـشـوانِ
 
لم يـبـقَ عـندي سـوى ذكـرى مكـبــلـةٍ
 
بألـف ِ جُرحٍ ؛ وجرحُ الـغدرِ جـرحـانِ
 
قـدْ أحرقـوا كـلَّ شـيءٍ فـيـكَ يا وطنـي
Page 3
عشقـي وشعـري وأحلامـي وألـحانـي
 
عـيـونُ أطـفـالـِنـا ؛ الأوجـاعُ تمـلـؤهـا
 
تـحـزُّ ضحكـتـَهـمْ سـكـيـنُ حـرمـانِ
 
في كـلِّ يـومٍ يصـولُ الـحـقـدُ ممتـطـيـاً
 
جـورَ الـطـغـاةِ عـلى أهـلـي وخـلانـي
 
فـي كـلِّ يـومٍ لـنـا دمـعٌ نـكـفـكـفــهُ
 
على العـروبـةِ نبـكي زهـوَهـا الـفـانـي
 
اللـهَ يــا أمـتــي، اللـهَ يــا وَجَــعَـــي
 
حتـامَ تـشقـى بضمِّ الجمـرِ أحـضـانـي
 
يـا عـربُ مـعـذرةً فـالـهـمُّ أقـعـدنـي
 
وأثـقـلَ الـقـهـرُ بالأقـذاءِ أجــفــانـي
 
صَنـَعـْتُ مِنْ جرحيَ الـمفتوح ِ أجنحةً
 
بهـا يطـوفُ عـلـيـكـمْ وجـهُ أحـزانـي
 
حتـى أريكمْ جراحَ الـغدرِ ما فـَعـَلـَتْ
 
بنـا وكـَمْ غصـةٍ فـي صدرنـا الـحانـي
 
يـمّـمـتُ يـأسـيَ لـلأنـسـابِ أسـألـُهـا
Page 4
هل يـعلمُ الـعربُ مـا يـجري بـبـغـدانِ؟
 
الـظـلـمُ يـوصـدُ مـسـعـوراً نـوافــذها
 
ليحجـبَ الـشمسَ، عمـّا يفعلُ الجـانـي
 
فـيـشربَ الكـاسَ مـسـروراً بـلا وجـلٍ
 
عـلـى مـوائــدِ دجـّـــالٍ وخــــــوّانِ
 
مـا مـاتَ "دايـانُ"( 1) والأنـذالُ آمـنـة ٌ
 
فـكـلَّ يــومٍ نـُلاقــي ألــفَ دايــــانِ
 
مـشـى العـراقُ على حـمّـى خـناجـرهـمْ
 
مـا بـيـنَ مـسـتهـزئٍ فـيــه ِ وطـعـّـانِ
 
فـأطــفــؤوا ألــقَ المـجـدِ الـتـلــيــدِ بـهِ
 
وغـلـَّفـوا حـلمـَـهُ الـزاهـي بـأكـفـانِ
 
وأخـرسـتْ صـوتـَهُ العـالي خـيـانـتـُهـُمْ
 
تـعـاضـدوا لـيـشـدُّوا أزرَ سـجـّــانِ
 
وجاوزوا كـلَّ ما في الــــكونِ من شـطـطٍ
Page 5
فـأسلـمـوا أمـرنـا غـدراً لـشـيـطـانِ
 
تـحمُّـلُ الجـرحِ بـعـضٌ مِـنْ رسـالـتـِنـا
 
لنْ يـَهْـزمَ الجـرحُ فـيـنا دفــقَ إيـمـانِ
 
كـنـّا ونــبـقـى أســوداً فـي مـفـاوزهـا
 
فـرسانَ زحـفٍ ورثنـا طبـعَ فـرسـانِ
 
وسوفَ نـصـفـحُ مهمـا سـاءَ فـعلـُكـُمُ
 
نبـلاً نـردُّ الأذى مـنـكـمْ بـإحـسـانِ
 
___________________
 
1 - دايان هو "موشي دايان " وزيرُ حربِ الكيانِ الصهيوني السابقُ أثناء حربِ حزيران 1967 .
Page 6
عرسُ الفداء (*)
 
قـصـصُ الـهـوى أشبعتـَها سُهـدا
 
وهــمــومُ قـلـبـِكَ فاقـتِ الـعـــــدَّا
 
كنتَ المحـبَّ فـرحـتَ تـنسـجُ مـنْ
 
سـعــفِ النخيل ِ لحبِّـكَ الـمــهــــدَا
 
أدركــتَ إنَّ الـحــبَّ تـضـحــيــةٌ
 
ما فــــازَ مـَـنْ لــم يحـفـظِ الـعهــدَا
 
فــوعــدتَ هــذي الأرضَ أنــكَ..
 
.. مُفـديهـا فـكـنـتَ المنجزَ الـوعـدَا
 
فـزحـفــتَ نحوَ الــروعِ مـنـتفـضاً
 
سـيـفاً تـلـظـّـى خـاصـمَ الـغـمــدَا
 
ولـَبــِسـتَ ثـوبَ الكـبـريـاءِ فـلـم
 
تخــشَ الــردى إنْ كــانَ لا بـُـــــدَّا
 
وركِبــتَ مـوجَ الـموتِ دونَ هــدى
 
فـَغـَـدوتَ في وجــهِ الردى ســـــدَّا
Page 7
ونــزَفـْتَ فـي كـلِّ الخـطــوبِ دمـاً
 
فـَنـَمـَا عـلى جـرحِ الــهـــوى وردَا
 
هـدهـدتَ جـرحَـكَ ما شـكوتَ بـه
 
ألـمــاً ولم تـسـألْ له ضَـمـْـــــــدَا
 
وجعـلتَ مِـنْ ثـغـرِ الجـراحِ صــدى
 
لنـداءِ عـِشْـقِـكَ يكـسـرُ الـقـيـــدَا
 
ورحلـتَ في صمـتِ السجودِ وفيكَ..
 
.. شــذى العـراقِ مُعـَـطـّـرٌ خـَــدَّا
 
حـفـّـتْ بــكَ الـقـامــاتُ صـامـتـةً
 
والحـزنُ يحـصـدُ صـبـرَها حـصـدَا
 
يـبـكـونَ لا ضـعــفـاً ولا جـَـــزَعـَاً
 
فالـدمـعُ يـغـسلُ سيلـُه ُ الوجــــدَا
 
كـنـتَ الكـريـمَ وكـنـتَ أوسـعـَـنا
 
رفــداً لــقـد عـلـّمـتـَـنا الرفــــدَا
Page 8
كنـتَ الرشـيــدَ وكـنـتَ أعمـقـَـنا
 
علمـاً حـَـسَــدْنا عـنـدكَ الـرُشـْـدَا
 
قـد فـُـقـتـَنا حـِلـْمـاً سـَمَـوتَ بـهِ
 
مـا ضـــمَّ يـومــاً قـلبـُكَ الحقـــدَا
 
ارحــلْ شـهـيــداً فــارسـاً بطــلاً
 
أهــديـــتَ أحـــلامَ الــعــدا وأدَا
 
ارحـلْ سمـوتَ الـى الـسمـا مَلـَكَا
 
قـد كنـتَ فـي ركـبِ العلـى فـَـرْدَا
 
فـي جـنـّـةِ الـفـردوسِ فـزتَ بـهـا
 
فاهـنأ كـريـمـاً واسكـنْ الخـُـلـْـدَا
 
ومـلائــكُ الـرحـمــنِ هــاتـفــة ٌ
 
بـشـراكَ يـا مـَـنْ عــانـقَ المَجْــدَا
 
وعـــدًا مِـــنَ اللهِ الـعــزيـــزِ وإنّ
 
اللـهَ دومـــاً صـــادقٌ وَعـْـــــدَا
 
_________________
 
* - كتبت في الذكرى السابعةِ والعشرين ليوم ِ الشهيدِ الذي أعلـِنَ تخليداً للأسرى العراقيينَ الذينَ أعـدمَهُم العدو الفارسي في 1/12/1981 حين كان العراق يقاتل على البوابةِ الشرقيةِ للوطنِ العربي.
Page 9
" الـذئـبُ يـبـتـسمُ "
 
واهٍ سـليمـانُ(*) هـذا الجـرحُ يـضطـرمَُ
 
بـوركـتَ يا مـن بـه كـيدُ الـعِـدا عـدمُ
 
أطـفـأتَ غيـظَ العِـدا والـعُـرْبُ نـائمـةٌ
 
باتـتْ حلـولُ القضايـا طـيَّ ما رزمـوا
 
واهٍ على أمـتـي مـن شــرِّ مــا صَـنـَعُـوا
 
لمْ ينـجُ مـن حـقـدِهمْ قـدسٌ ولا حـرمُ
 
نامـتْ جحـافلـُهـُمْ والضـيـمُ يخنـقـُنـَا
 
فأغـْفـَلـَتْ هـَمَّ مَنْ في دارهمْ ظـُلِـمُـوا
 
تـسـتـنـجـدُ العُـرْبَ قـدسٌ دونَمـا أمـلٍ
 
كالشـاةِ صـارخـةً والذئـبُ يـبـتـسـمُ
 
تـرنـو فـلسـطــيـنُ للأعــرابِ يـائـسـةً
 
وأهـلـُهـا بـعــدَ عــز ٍّ دورُهـُمْ خِــيَـمُ
 
بـيـروتُ يُحـرقـُهـَـا أبـنـاؤهـَـا فـَـغـَدتْ
 
علـى جـوانـحـهـا الآهـاتُ تـزدحــمُ
Page 10
آهٍ.. لَـكَـمْ بــتِّ يـا بــيـروتُ خـائـفــةً
 
غطـَّتْ شـوارعـَكِ الأحـقـادُ والظـلَـمُ
 
أيـن الـجـمـالُ الــذي يـزهــو بـرونـقـهِ
 
أيـنَ الـدروبُ التـي بـالـغـيـدِ تـزدحِـمُ
 
سـَقـَـوكِ أحـقـادَهـُمْ حينَ الحـيـاة ُ لـَظـَى
 
وأطـعـمـوكِ لـهـيــبـاً والـــدروبُ دمُ
 
كـأنـَّمــا لـلأســى ثـــأرٌ بــمــوطـنـِنــا
 
يـجـثـو علـى صـدره دهـراً ويـنـتـقـمُ
 
كـفـاكـمُ خَــوَرَاً بـُحـَّـتْ حــنـاجــرُنـا
 
فـالـمـرُّ سـمٌّ بمـلءِ الـحلـقِ يـحـتـدمُ
 
نامـتْ سُكارى جـمـوعُ النـفـطِ أرهـقـهـُمْ
 
لـهـوٌ إذِ الـقـدسُ لا نــومٌ ولا حُــلـُـمُ
 
يـَـسـّـامــرونَ بــلا هـَـمٍّ وقــبـلـتـُنـَـا...