Page 1
مقدمة
لم تكن سهلة مهمة كتابة مقال اسبوعي للصفحة الاولى في "السفير". وربما لم تكن ممتعة.
سبب الصعوبة عبء المسؤولية التي يفترض بكل من يكتب على الصفحة الأولى أن يدركه. فها هنا ليس تعليقا في صفحة داخلية، كانت صحيفتنا تتيح حرية مشهودة في كتابته. بل انك الان تقترب من تعقيدات المواقف كلها ومن ضرورة مخاطبة قارئ يختار "السفير" لأنها تحمل تاريخا ورأيا.
الكلمة تخضع هنا لمعيار مختلف عن ذاك الذي اعتاده المرء قبل أن يدعوه رئيس التحرير إلى المساهمة في مقالات الصفحة الاولى. المزاج اثقل واليد أبطأ على لوحة المفاتيح.
المسؤولية والبطء والمزاج الثقيل، قتلت معاً متعة الكتابة. قتلت الحرية في اختيار الأوصاف والكلمات التي كانت تدفع الناشر أحياناً إلى الاحتجاج على أنها "كتبت بالسكين". ولعل هذا ما يعطي معنى جديداً لما قصده رولان بارت من عنوان كتابه "متعة النص". معنى يحول الكتابة إلى عملية دقيقة لا يفترض أن تداخلها رشاقة قد تفسر كخفة أو دعابة يمكن أن تُقرأ كإهانة أو أي التباس مقصود أو غير مقصود. فتتبخر المتعة ويبقى النص حاملاً هم الإفصاح عن فكرة في السياسة اليومية، أو ربما أعمق قليلاً.
ليس مقال الصفحة الأولى، وخصوصاً في "السفير"، هو المجال المناسب ليبحث الكاتب فيه عن متعته الأدبية. هو مجال للتعبير عن الاسئلة الصعبة التي تواجه بلادنا العربية، أو لنقل أنني هكذا فهمته على الأقل. كما سعيت في المقالات التي أتيح لي أن أنشرها على صفحة "السفير" الأولى، أن أرسم أبعاد الواقع كما عاينته، لا كما أتمنى.
مهما يكن من أمر، هذه نصوص قصيرة كتبتها على امتداد عام ونيف، مستفيدا من الفرصة التي أتاحها لي ناشر "السفير" ورئيس تحريرها طلال سلمان. وهي مثل كل نص، مقدمة إلى امتحان القارئ.
فوضى مجتمعات ودساتير
تكاد منطقتنا تتخلّع بين مصيرين يتجاذبانها: فوضى شاملة يقابلها جمود شامل. وفيما يبحث أهالي البلاد المبتلية بالآفة الأولى عن سبل للتخفيف من سرعة الأعاصير التي تجتاحهم، لا يبدي أهل الدول الرازحة تحت عبء الجمود، مبالاة بما قد يصل إليهم من جيرانهم.
ليس يكفي الحديث عن «فوضى خلاّقة» تفتّق عنها ذهن هذا المسؤول في الإدارة الأميركية أو ذاك، لتفسير جسامة ما يعيشه عالمنا العربي من أزمات. فنحن، حكومات المنطقة وشعوبها، لم نبخل على أميركا، وهي «سبب كل مصائبنا»، على ما يقول شعار شهير، بالمساعدة وبمد يد العون لنشر ما ترى وتريد، أكان فوضى أم جموداً، وفق ما تتطلب الحاجة. سننحي جانباً نقاشاً لا فائدة ترتجى منه عن أيهما أفضل، الفوضى أو الجمود، الذي يمت بصلة إلى نقاش الثنائيات العربية الشهيرة (الأصالة أو الحداثة، العقل أو النقل، الدين أو العلمانية..) لننصرف إلى قول كلمة في مجال آخر.
ولنا في السجال الدستوري والقانوني في لبنان ومناطق السلطة الفلسطينية والعراق، أمثلة. وها هما خطا المواجهة والحلول المقترحة في لبنان، يسيران جنباً إلى جنب على أشلاء الدستور اللبناني وتعديلاته ومقدمته. ومع اقتراب مواعيد الاستحقاق الدستوري الأهم، انتخاب رئيس الجمهورية، لا تطرح سوى مشاريع حلول تحط أيما حط من مكانة الدستور وقيمته. والدستور ليس قيمة عليا في ذاته، على ما هو معروف، بقدر ما هو رمز لتوافق المواطنين على نظام يرعون بعضهم بعضاً بواسطته.
لم تكن سهلة مهمة كتابة مقال اسبوعي للصفحة الاولى في "السفير". وربما لم تكن ممتعة.
سبب الصعوبة عبء المسؤولية التي يفترض بكل من يكتب على الصفحة الأولى أن يدركه. فها هنا ليس تعليقا في صفحة داخلية، كانت صحيفتنا تتيح حرية مشهودة في كتابته. بل انك الان تقترب من تعقيدات المواقف كلها ومن ضرورة مخاطبة قارئ يختار "السفير" لأنها تحمل تاريخا ورأيا.
الكلمة تخضع هنا لمعيار مختلف عن ذاك الذي اعتاده المرء قبل أن يدعوه رئيس التحرير إلى المساهمة في مقالات الصفحة الاولى. المزاج اثقل واليد أبطأ على لوحة المفاتيح.
المسؤولية والبطء والمزاج الثقيل، قتلت معاً متعة الكتابة. قتلت الحرية في اختيار الأوصاف والكلمات التي كانت تدفع الناشر أحياناً إلى الاحتجاج على أنها "كتبت بالسكين". ولعل هذا ما يعطي معنى جديداً لما قصده رولان بارت من عنوان كتابه "متعة النص". معنى يحول الكتابة إلى عملية دقيقة لا يفترض أن تداخلها رشاقة قد تفسر كخفة أو دعابة يمكن أن تُقرأ كإهانة أو أي التباس مقصود أو غير مقصود. فتتبخر المتعة ويبقى النص حاملاً هم الإفصاح عن فكرة في السياسة اليومية، أو ربما أعمق قليلاً.
ليس مقال الصفحة الأولى، وخصوصاً في "السفير"، هو المجال المناسب ليبحث الكاتب فيه عن متعته الأدبية. هو مجال للتعبير عن الاسئلة الصعبة التي تواجه بلادنا العربية، أو لنقل أنني هكذا فهمته على الأقل. كما سعيت في المقالات التي أتيح لي أن أنشرها على صفحة "السفير" الأولى، أن أرسم أبعاد الواقع كما عاينته، لا كما أتمنى.
مهما يكن من أمر، هذه نصوص قصيرة كتبتها على امتداد عام ونيف، مستفيدا من الفرصة التي أتاحها لي ناشر "السفير" ورئيس تحريرها طلال سلمان. وهي مثل كل نص، مقدمة إلى امتحان القارئ.
فوضى مجتمعات ودساتير
تكاد منطقتنا تتخلّع بين مصيرين يتجاذبانها: فوضى شاملة يقابلها جمود شامل. وفيما يبحث أهالي البلاد المبتلية بالآفة الأولى عن سبل للتخفيف من سرعة الأعاصير التي تجتاحهم، لا يبدي أهل الدول الرازحة تحت عبء الجمود، مبالاة بما قد يصل إليهم من جيرانهم.
ليس يكفي الحديث عن «فوضى خلاّقة» تفتّق عنها ذهن هذا المسؤول في الإدارة الأميركية أو ذاك، لتفسير جسامة ما يعيشه عالمنا العربي من أزمات. فنحن، حكومات المنطقة وشعوبها، لم نبخل على أميركا، وهي «سبب كل مصائبنا»، على ما يقول شعار شهير، بالمساعدة وبمد يد العون لنشر ما ترى وتريد، أكان فوضى أم جموداً، وفق ما تتطلب الحاجة. سننحي جانباً نقاشاً لا فائدة ترتجى منه عن أيهما أفضل، الفوضى أو الجمود، الذي يمت بصلة إلى نقاش الثنائيات العربية الشهيرة (الأصالة أو الحداثة، العقل أو النقل، الدين أو العلمانية..) لننصرف إلى قول كلمة في مجال آخر.
ولنا في السجال الدستوري والقانوني في لبنان ومناطق السلطة الفلسطينية والعراق، أمثلة. وها هما خطا المواجهة والحلول المقترحة في لبنان، يسيران جنباً إلى جنب على أشلاء الدستور اللبناني وتعديلاته ومقدمته. ومع اقتراب مواعيد الاستحقاق الدستوري الأهم، انتخاب رئيس الجمهورية، لا تطرح سوى مشاريع حلول تحط أيما حط من مكانة الدستور وقيمته. والدستور ليس قيمة عليا في ذاته، على ما هو معروف، بقدر ما هو رمز لتوافق المواطنين على نظام يرعون بعضهم بعضاً بواسطته.
Page 2
بكلمات أخرى، إن سمو أو وضاعة موقع الدستور في نظام ما، هما مرآة لما في النظام المعني من متانة أو تهالك.
ينطبق الوصف ذاته على الصراع الفلسطيني الدائر بشأن تفسير مواد القانون الأساسي الذي يسمح لرئيس السلطة أو يمنعه من حل الحكومة أو إعلان حال الطوارئ وتشكيل حكومة تصريف أعمال. ولعل الخلاف العراقي بشأن قانون النفط الذي يختزن خلاصة أسباب الغزو الأميركي والحرب الأهلية التي أعقبته، ليس في واقع الأمر غير استمرار لما رافق إقرار الدستور العراقي من تجاذب واستقطاب، وما تشهده المدن العراقية من تبادل لرسائل دموية لا يبالي الاحتلال بقطعها طالما أن نصيبه محفوظ من الكعكة.
قد يحجب صراخ المنكوبين والمكلومين وكثافة الغبار والدخان أجزاء مهمة من المشهد العام للأزمة التي تتخبط منطقتنا فيها، فننحاز إلى جانب التبسيط والتفسير التآمري للأحداث والتبرؤ من مسؤولياتنا عن أقدارنا وإيكال رسم مستقبل بلادنا إلى جيوش الاحتلال تنازلها جحافل الانتحاريين. غير أن في ذلك إسقاطاً لدور أساس يتعيّن على الشعوب العربية الاضطلاع به ومستهله إنجاز قراءتها الخاصة لحالتها ولأزماتها ورسمها، بيدها لا بيد سواها، سبل الخروج من وهدة هذه الأزمة التاريخية والحضارية التي تتخبط فيها.
ولكي لا يبقى الكلام في خانة العموميات، دعونا نتفق أن الجزء الأهم من فوضانا الراهنة، أقله في المواضع السابقة الذكر، هو نتاج إخفاقات محلية. يجوز نقاش الدور الخارجي في مفاقمتها وتصعيدها، لكن الأهم أنها تعبير عن فوضى المجتمعات التي تعاني منها في الدرجة الأولى، بمعنى ضياع الفرز بين قوى سياسية واجتماعية لم تعد قادرة على صوغ معاني تعايشها مع بعضها. أما وصول مشروع الدولة الأمة في العراق ولبنان، إلى أزمته الراهنة، فهو أمر جدير بالتوقف عنده هنيهات، بعد تنحية النموذج الفلسطيني بسبب خصوصيته النابعة من انعدام تجربة نشوء كيان سياسي مستقل في أعقاب الاستعمار المباشر.
لبنان نموذج غني بالدلالات في المجال هذا. ومن دون تعسف كبير، يمكن القول إن الفوضى الدستورية والقانونية فيه تتعمّق كلما تقلص الضبط الذي كانت تمارسه قوى خارجية لحياته السياسية، حتى إذا ما تُرك اللبنانيون لتدبر شؤونهم بأنفسهم، ساروا على غير هدى. وإذا وضعنا سلسلة من الأحداث تبدأ مع استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي بعد أسابيع قليلة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بالجلسة المجهضة لإقرار قانون انتخابي جديد، وإصابة المجلس الدستوري بالشلل والمخاطر التي بدت قبل فترة أنها في غاية الجدية لقيام حكومتين، ووصولاً إلى بيانات رئاسة الجمهورية بعدم الاعتراف بجميع قرارات الحكومة التي صارت في حكم التقليد بعد كل جلسة لمجلس الوزراء، فليست تستعصي رؤية خط واصل بين الأحداث، قوامه الاختلاف الواضح على المرجعية الشرعية والدستورية وتأويل النصوص التي تتكوّن المرجعية هذه منها.
تشي الحال هذه بأن اللبنانيين يختلفون في المقام الأول على تعريفهم لبلدهم ولمواقع جماعاتهم وأدوارها فيه. وعندها يتضح أن الخلاف الدستوري في لبنان لا تحله المراجع القانونية، بغض النظر عن وجاهة ما تقول به، بل تحله قبل كل شيء التوازنات وعلاقات القوى ببعضها، أي تواضعها على تعريف واسع لأدوارها ولما يحق لها أن تنال من حصص في مغانم الدولة. ومن يتابع الفتاوى الدستورية المتقابلة، يرَ أن الصواب، إذا نظر إليه نظرة مجردة، يجانب هذه الفئة أو تلك، مرة، ويحالفها مرة أخرى.
والدساتير الموضوعة لإدارة حياة سياسية لدول ومجتمعات تتمتع بحد أدنى من الاستقرار، تعاني الأمرين من كثرة التعديلات والانتهاكات في بلاد يخالطها الاضطراب على النحو الذي يخالط فيه بلادنا. عليه، تنحدر قيمة النصوص القانونية، بل جميع النصوص المكتوبة الرامية إلى عقلنة الخطاب السياسي، بالتناسب مع صعود خطاب الجماعة وهويتها وتمسكها بحقوق تراها مهددة من الآخرين.
والأرجح أننا سائرون نحو المزيد من الافتقار إلى نقاط ارتكاز ومساحات مشتركة بين اللبنانيين، يوفر الدستور واحداً من أهمها، كلما اقتربنا من لحظة الانتخابات الرئاسية وهي المفصل في التعرّف إلى الأوزان والأدوار السياسية في نظام لم تعرف عنه نباهة في استيعاب الأخطاء ودرء الأخطار.
17/7/2007
ينطبق الوصف ذاته على الصراع الفلسطيني الدائر بشأن تفسير مواد القانون الأساسي الذي يسمح لرئيس السلطة أو يمنعه من حل الحكومة أو إعلان حال الطوارئ وتشكيل حكومة تصريف أعمال. ولعل الخلاف العراقي بشأن قانون النفط الذي يختزن خلاصة أسباب الغزو الأميركي والحرب الأهلية التي أعقبته، ليس في واقع الأمر غير استمرار لما رافق إقرار الدستور العراقي من تجاذب واستقطاب، وما تشهده المدن العراقية من تبادل لرسائل دموية لا يبالي الاحتلال بقطعها طالما أن نصيبه محفوظ من الكعكة.
قد يحجب صراخ المنكوبين والمكلومين وكثافة الغبار والدخان أجزاء مهمة من المشهد العام للأزمة التي تتخبط منطقتنا فيها، فننحاز إلى جانب التبسيط والتفسير التآمري للأحداث والتبرؤ من مسؤولياتنا عن أقدارنا وإيكال رسم مستقبل بلادنا إلى جيوش الاحتلال تنازلها جحافل الانتحاريين. غير أن في ذلك إسقاطاً لدور أساس يتعيّن على الشعوب العربية الاضطلاع به ومستهله إنجاز قراءتها الخاصة لحالتها ولأزماتها ورسمها، بيدها لا بيد سواها، سبل الخروج من وهدة هذه الأزمة التاريخية والحضارية التي تتخبط فيها.
ولكي لا يبقى الكلام في خانة العموميات، دعونا نتفق أن الجزء الأهم من فوضانا الراهنة، أقله في المواضع السابقة الذكر، هو نتاج إخفاقات محلية. يجوز نقاش الدور الخارجي في مفاقمتها وتصعيدها، لكن الأهم أنها تعبير عن فوضى المجتمعات التي تعاني منها في الدرجة الأولى، بمعنى ضياع الفرز بين قوى سياسية واجتماعية لم تعد قادرة على صوغ معاني تعايشها مع بعضها. أما وصول مشروع الدولة الأمة في العراق ولبنان، إلى أزمته الراهنة، فهو أمر جدير بالتوقف عنده هنيهات، بعد تنحية النموذج الفلسطيني بسبب خصوصيته النابعة من انعدام تجربة نشوء كيان سياسي مستقل في أعقاب الاستعمار المباشر.
لبنان نموذج غني بالدلالات في المجال هذا. ومن دون تعسف كبير، يمكن القول إن الفوضى الدستورية والقانونية فيه تتعمّق كلما تقلص الضبط الذي كانت تمارسه قوى خارجية لحياته السياسية، حتى إذا ما تُرك اللبنانيون لتدبر شؤونهم بأنفسهم، ساروا على غير هدى. وإذا وضعنا سلسلة من الأحداث تبدأ مع استقالة حكومة الرئيس عمر كرامي بعد أسابيع قليلة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بالجلسة المجهضة لإقرار قانون انتخابي جديد، وإصابة المجلس الدستوري بالشلل والمخاطر التي بدت قبل فترة أنها في غاية الجدية لقيام حكومتين، ووصولاً إلى بيانات رئاسة الجمهورية بعدم الاعتراف بجميع قرارات الحكومة التي صارت في حكم التقليد بعد كل جلسة لمجلس الوزراء، فليست تستعصي رؤية خط واصل بين الأحداث، قوامه الاختلاف الواضح على المرجعية الشرعية والدستورية وتأويل النصوص التي تتكوّن المرجعية هذه منها.
تشي الحال هذه بأن اللبنانيين يختلفون في المقام الأول على تعريفهم لبلدهم ولمواقع جماعاتهم وأدوارها فيه. وعندها يتضح أن الخلاف الدستوري في لبنان لا تحله المراجع القانونية، بغض النظر عن وجاهة ما تقول به، بل تحله قبل كل شيء التوازنات وعلاقات القوى ببعضها، أي تواضعها على تعريف واسع لأدوارها ولما يحق لها أن تنال من حصص في مغانم الدولة. ومن يتابع الفتاوى الدستورية المتقابلة، يرَ أن الصواب، إذا نظر إليه نظرة مجردة، يجانب هذه الفئة أو تلك، مرة، ويحالفها مرة أخرى.
والدساتير الموضوعة لإدارة حياة سياسية لدول ومجتمعات تتمتع بحد أدنى من الاستقرار، تعاني الأمرين من كثرة التعديلات والانتهاكات في بلاد يخالطها الاضطراب على النحو الذي يخالط فيه بلادنا. عليه، تنحدر قيمة النصوص القانونية، بل جميع النصوص المكتوبة الرامية إلى عقلنة الخطاب السياسي، بالتناسب مع صعود خطاب الجماعة وهويتها وتمسكها بحقوق تراها مهددة من الآخرين.
والأرجح أننا سائرون نحو المزيد من الافتقار إلى نقاط ارتكاز ومساحات مشتركة بين اللبنانيين، يوفر الدستور واحداً من أهمها، كلما اقتربنا من لحظة الانتخابات الرئاسية وهي المفصل في التعرّف إلى الأوزان والأدوار السياسية في نظام لم تعرف عنه نباهة في استيعاب الأخطاء ودرء الأخطار.
17/7/2007
Page 3
كل هذا السلاح
هدف صفقة الأسلحة الأميركية الضخمة مع الدول العربية «المعتدلة» والمساعدات الأكبر إلى إسرائيل هو التصدي للنفوذ الإيراني وتطويق سوريا و«حزب الله» وتنظيم القاعدة. هذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس عشية سفرها إلى المنطقة.
تريد الولايات المتحدة استبدال سلعتها الجديدة التي حاولت تسويقها في الأعوام الخمسة الماضية، الديموقراطية، بعدما اكتشفت محاذير تصدير الديموقراطية من دون السلة الكاملة من التغييرات الثقافية والاجتماعية والحريات العامة، التي تأتي معها، بسلعة أثبتت الأيام الخوالي نجاعتها: صفقات الأسلحة العملاقة.
لكن الأهداف الأميركية المعلنة تواجه بغموض عربي. ما تريده الولايات المتحدة واضح وخلاصته تغيير طبيعة الصراع في المنطقة من صراع عربي إسرائيلي يسعى العرب فيه إلى إنهاء احتلال أراضيهم، إلى صراع بين معتدلين ومتطرفين. تفيد إلقاء نظرة فاحصة أن المطلوب من العرب هو الانخراط في سلسلة من الصراعات، قابلة جميعها للتحوّل إلى حروب مدمرة. فما معنى «مواجهة حزب الله» على المستوى اللبناني، على سبيل المثال؟ إنها دعوة علنية إلى تفجير حرب أهلية جديدة في لبنان. لا أكثر من ذلك ولا أقل.
أما تطويق إيران بإعادتها إلى ما وراء «ستار أخضر» يوازي الستار الحديدي الذي شكّل الحد الفاصل بين «العالم الحر» وبين دول المنظومة الاشتراكية، في الحرب الباردة الثانية، فتؤدي إلى ما لا يقل عن تفتيت العديد من دول المنطقة التي تتباين مواقف القوى السياسية الرئيسية فيها، تبايناً شديداً من مسألة العلاقات مع إيران مثل لبنان والعراق وفلسطين (يمكن العودة هنا إلى مقال روبن رايت في «واشنطن بوست» في 29 تموز 2006، حيث يوضح المخاطر الجسيمة للحرب الباردة الثانية، على صعيد المنطقة في مقابل مقالتي وليام كريستول في الصحيفة ذاتها في 15/7 ومايكل أوهانلون وكينيث بولاك في «نيويورك تايمز» 30/7، الذين يرون أن إدارة بوش تحرز تقدماً على جميع الجبهات).
وإذا تحلى المرء بحسن النية، فسيكتفي بالانتباه إلى الغموض الذي يغلّف الموقف العربي الرسمي الذي يُقرأ في نتائج اجتماعَي وزراء الخارجية العرب في القاهرة، أمس الأول، واجتماع «المعتدلين» منهم مع رايس في شرم الشيخ، أمس، أما إذا أراد الاقتراب من الواقعية، فسيرى أن درجة معيبة من التواطؤ تنضح منه.
تواطؤ ضد مَن ولمصلحة ماذا؟ أقل ما يمكن قوله في هذا المقام إنه تواطؤ مع مشروع أميركي يريد قسمة المنطقة على أساس مذهبي، بين «أنظمة معتدلة سنية» و«إيران الشيعية وحلفائها». والولايات المتحدة التي أزالت منطقتي العزل اللتين كانتا تحيطان بإيران من الشرق والغرب (نظام طالبان في أفغانستان من الشرق ونظام صدام حسين في العراق من الغرب) اكتشفت، بثمن باهظ، أنها أطلقت الجنّي من قمقمه. لذا على العرب، المعروفين بنجدة الملهوف، مساعدتها في إعادة الجنّي إلى حجمه السابق، على الأقل.
أما المصلحة، فتحتاج في دنيا العرب اليوم إلى تعريف جديد: أين تكمن المصالح العربية في الانضواء في مشروع كهذا؟ ننحّي جانباً حديث تبديد الثروات على أسلحة ستصدأ في مستودعاتها، مقابل إبداء الدهشة أمام الإصرار على رسم خرائط تقسيم جديد للمنطقة العربية يُخترع فيها، من العدم أو ممّا يدانيه، عدو جديد للعرب.
على أن كلمة حق يجب أن تقال زبدتها أن الدور الإيراني يثير الكثير من الانزعاج في أوساط ليست بالضرورة موالية للولايات المتحدة، خصوصاً في العراق. وأن السلوك الإيراني عموماً، والإسراف في التصعيد اللفظي، لا يفيدان سوى في إبعاد مَن يسعى إلى فهم أفضل للموقف الإيراني، هذا إلى جانب نقص واضح في قدرة إيران على تفسير تصرفاتها إزاء الأقليات فيها أو ملفها في مجال حقوق الإنسان. وإذا كان شكل النظام الإيراني هو من شأن مواطني إيران، فإن ذلك ينبغي ألا يغفل الحقيقة البسيطة عن الترابط العميق بين البحث عن المؤيدين في العالم العربي وتقديم نموذج داخلي أرحب وأكثر قبولاً بالاختلاف واستجابة للنقد.
غير أنه ليس من جاهل بتداخل التاريخين العربي والإيراني على مدى القرون، تداخل كان له الفضل الأول في إنتاج الثقافة العربية الإسلامية الزاهية وكبار رموزها، وليس من جاهل (باستثناء بعض أوّلي الأمر في عواصم العرب، على ما يبدو)، بأن النزعة التبسيطية والابتسارية الأميركية في وضع العلاقات العربية الإيرانية في موضع الأزمة المحتاجة إلى علاج حاسم، ولو بالقوة المسلحة، سيرتد دماراً للقضية العربية ويعمّق من جاذبية التيارات التكفيرية الجهادية.
لعله ليس مطلوباً من ذوي النظرة السطحية إلى هوية المنطقة وتراثها وتاريخها، أن يقدموا إجابات تتناول الموضع الذي يجب أن توضع فيه ثقافتها أو كيف ينظر أبناء هذه المنطقة، مثلاً، إلى الإمام الغزالي الذي وُلد في خراسان ودفن قرب مشهد، ومع ذلك يعتبر من كبار فقهاء السنة، ولا كيف يتعاملون مع إرث صدر المتألهين الشيرازي (الملا صدرا) الذي كتب جلّ مؤلفاته في القرن السادس عشر باللغة العربية، أو كيفية النظر إلى علماء جبل عامل العرب الذين ساهموا مساهمة كبرى في نشر التشيّع في إيران، ولا كيف يمكن أن يستمر بلد مثل لبنان تكاد تغرقه الفتن المذهبية، في حال قرّر طرف فيه أن يجلب البلد إلى أي من المعسكرين المتصارعين؟
هذه أسئلة لا ترد على بال السيدة رايس، بطبيعة الحال، لكنها قد تفوق في أهميتها بالنسبة إلى أهل هذه المنطقة كل هذا السلاح المتطور الذي يعدنا البيت الأبيض أنه سيعزز استقرار المنطقة، المفقود أصلاً، ومن دون أن يظهر سؤال مجرد سؤال عن سبب حصول إسرائيل على سلاحها بالمجان، وبما يزيد كثيراً عن سلاح العرب.
1/8/2007
هدف صفقة الأسلحة الأميركية الضخمة مع الدول العربية «المعتدلة» والمساعدات الأكبر إلى إسرائيل هو التصدي للنفوذ الإيراني وتطويق سوريا و«حزب الله» وتنظيم القاعدة. هذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأميركية كوندليسا رايس عشية سفرها إلى المنطقة.
تريد الولايات المتحدة استبدال سلعتها الجديدة التي حاولت تسويقها في الأعوام الخمسة الماضية، الديموقراطية، بعدما اكتشفت محاذير تصدير الديموقراطية من دون السلة الكاملة من التغييرات الثقافية والاجتماعية والحريات العامة، التي تأتي معها، بسلعة أثبتت الأيام الخوالي نجاعتها: صفقات الأسلحة العملاقة.
لكن الأهداف الأميركية المعلنة تواجه بغموض عربي. ما تريده الولايات المتحدة واضح وخلاصته تغيير طبيعة الصراع في المنطقة من صراع عربي إسرائيلي يسعى العرب فيه إلى إنهاء احتلال أراضيهم، إلى صراع بين معتدلين ومتطرفين. تفيد إلقاء نظرة فاحصة أن المطلوب من العرب هو الانخراط في سلسلة من الصراعات، قابلة جميعها للتحوّل إلى حروب مدمرة. فما معنى «مواجهة حزب الله» على المستوى اللبناني، على سبيل المثال؟ إنها دعوة علنية إلى تفجير حرب أهلية جديدة في لبنان. لا أكثر من ذلك ولا أقل.
أما تطويق إيران بإعادتها إلى ما وراء «ستار أخضر» يوازي الستار الحديدي الذي شكّل الحد الفاصل بين «العالم الحر» وبين دول المنظومة الاشتراكية، في الحرب الباردة الثانية، فتؤدي إلى ما لا يقل عن تفتيت العديد من دول المنطقة التي تتباين مواقف القوى السياسية الرئيسية فيها، تبايناً شديداً من مسألة العلاقات مع إيران مثل لبنان والعراق وفلسطين (يمكن العودة هنا إلى مقال روبن رايت في «واشنطن بوست» في 29 تموز 2006، حيث يوضح المخاطر الجسيمة للحرب الباردة الثانية، على صعيد المنطقة في مقابل مقالتي وليام كريستول في الصحيفة ذاتها في 15/7 ومايكل أوهانلون وكينيث بولاك في «نيويورك تايمز» 30/7، الذين يرون أن إدارة بوش تحرز تقدماً على جميع الجبهات).
وإذا تحلى المرء بحسن النية، فسيكتفي بالانتباه إلى الغموض الذي يغلّف الموقف العربي الرسمي الذي يُقرأ في نتائج اجتماعَي وزراء الخارجية العرب في القاهرة، أمس الأول، واجتماع «المعتدلين» منهم مع رايس في شرم الشيخ، أمس، أما إذا أراد الاقتراب من الواقعية، فسيرى أن درجة معيبة من التواطؤ تنضح منه.
تواطؤ ضد مَن ولمصلحة ماذا؟ أقل ما يمكن قوله في هذا المقام إنه تواطؤ مع مشروع أميركي يريد قسمة المنطقة على أساس مذهبي، بين «أنظمة معتدلة سنية» و«إيران الشيعية وحلفائها». والولايات المتحدة التي أزالت منطقتي العزل اللتين كانتا تحيطان بإيران من الشرق والغرب (نظام طالبان في أفغانستان من الشرق ونظام صدام حسين في العراق من الغرب) اكتشفت، بثمن باهظ، أنها أطلقت الجنّي من قمقمه. لذا على العرب، المعروفين بنجدة الملهوف، مساعدتها في إعادة الجنّي إلى حجمه السابق، على الأقل.
أما المصلحة، فتحتاج في دنيا العرب اليوم إلى تعريف جديد: أين تكمن المصالح العربية في الانضواء في مشروع كهذا؟ ننحّي جانباً حديث تبديد الثروات على أسلحة ستصدأ في مستودعاتها، مقابل إبداء الدهشة أمام الإصرار على رسم خرائط تقسيم جديد للمنطقة العربية يُخترع فيها، من العدم أو ممّا يدانيه، عدو جديد للعرب.
على أن كلمة حق يجب أن تقال زبدتها أن الدور الإيراني يثير الكثير من الانزعاج في أوساط ليست بالضرورة موالية للولايات المتحدة، خصوصاً في العراق. وأن السلوك الإيراني عموماً، والإسراف في التصعيد اللفظي، لا يفيدان سوى في إبعاد مَن يسعى إلى فهم أفضل للموقف الإيراني، هذا إلى جانب نقص واضح في قدرة إيران على تفسير تصرفاتها إزاء الأقليات فيها أو ملفها في مجال حقوق الإنسان. وإذا كان شكل النظام الإيراني هو من شأن مواطني إيران، فإن ذلك ينبغي ألا يغفل الحقيقة البسيطة عن الترابط العميق بين البحث عن المؤيدين في العالم العربي وتقديم نموذج داخلي أرحب وأكثر قبولاً بالاختلاف واستجابة للنقد.
غير أنه ليس من جاهل بتداخل التاريخين العربي والإيراني على مدى القرون، تداخل كان له الفضل الأول في إنتاج الثقافة العربية الإسلامية الزاهية وكبار رموزها، وليس من جاهل (باستثناء بعض أوّلي الأمر في عواصم العرب، على ما يبدو)، بأن النزعة التبسيطية والابتسارية الأميركية في وضع العلاقات العربية الإيرانية في موضع الأزمة المحتاجة إلى علاج حاسم، ولو بالقوة المسلحة، سيرتد دماراً للقضية العربية ويعمّق من جاذبية التيارات التكفيرية الجهادية.
لعله ليس مطلوباً من ذوي النظرة السطحية إلى هوية المنطقة وتراثها وتاريخها، أن يقدموا إجابات تتناول الموضع الذي يجب أن توضع فيه ثقافتها أو كيف ينظر أبناء هذه المنطقة، مثلاً، إلى الإمام الغزالي الذي وُلد في خراسان ودفن قرب مشهد، ومع ذلك يعتبر من كبار فقهاء السنة، ولا كيف يتعاملون مع إرث صدر المتألهين الشيرازي (الملا صدرا) الذي كتب جلّ مؤلفاته في القرن السادس عشر باللغة العربية، أو كيفية النظر إلى علماء جبل عامل العرب الذين ساهموا مساهمة كبرى في نشر التشيّع في إيران، ولا كيف يمكن أن يستمر بلد مثل لبنان تكاد تغرقه الفتن المذهبية، في حال قرّر طرف فيه أن يجلب البلد إلى أي من المعسكرين المتصارعين؟
هذه أسئلة لا ترد على بال السيدة رايس، بطبيعة الحال، لكنها قد تفوق في أهميتها بالنسبة إلى أهل هذه المنطقة كل هذا السلاح المتطور الذي يعدنا البيت الأبيض أنه سيعزز استقرار المنطقة، المفقود أصلاً، ومن دون أن يظهر سؤال مجرد سؤال عن سبب حصول إسرائيل على سلاحها بالمجان، وبما يزيد كثيراً عن سلاح العرب.
1/8/2007
Page 4
كسوف العقل اللبناني
أبدى كاتب عربي قبل أشهر غيرته من كثرة ما يكتب اللبنانيون عن بلدهم ونظامه وتاريخه، مقارنة بضآلة ما ينشر من دراسات في المجالات ذاتها عن الدول العربية الأخرى. ملاحظة الكاتب العربي في محلها، غير أن تناول الشأن اللبناني بات في حاجة إلى إعادة نظر عميقة.
يمكن إيراد ملاحظتين أساسيتين على مضامين الأكثرية الغالبة من «الدراسات اللبنانية»، سواء السريع منها على غرار ما تجده في الصحف اليومية، أو ذلك النوع الساعي إلى قدر أكبر من التأني والبحث في المصادر والأقرب إلى السرد الأكاديمي للأحوال:
ـ الملاحظة الأولى هي الإصرار على البحث عن مخارج للأزمات اللبنانية من ضمن صيغة الحكم الطائفي. غني عن البيان أن الصيغة التي قام عليها لبنان، أي تقاسم السلطة بين الطوائف، تتسم بخطأ بنيوي إذا جاز التعبير خلاصته محاولة إسباغ السكون على المتحرّك، بمعنى العمل على فرض قسمة دائمة لمواقع السلطة على مجتمع يغلي بعوامل الاضطراب. ومن دون العودة إلى أمثلة تاريخية قديمة، يصح اعتبار الأزمة الراهنة دليلاً على أن أسلوب تطبيق اتفاق الطائف بين العامين 1990 و2005، لم يعد قابلاً للاستمرار.
ـــــ الملاحظة الثانية هي أن متعاطي دراسة النموذج السياسي اللبناني غالباً ما يميلون إلى التسليم «بطبيعة» النظام الطائفي والتأسيس على هذا التسليم للبحث عن مسوغات عقلانية لاستمراره والنظر في إمكان إدامته وإصلاحه. قد يكون الناظر في الشأن اللبناني في حاجة إلى منهج شبيه بذاك الذي اعتمدته «مدرسة فرانكفورت» في بنائها لنظرية نقدية تركز على الجانب الاجتماعي. فتكرار التجربة الفاشلة في بناء دولة لبنانية على أسس تقاسم السلطة بين الطوائف، والأثمان الباهظة التي يدفعها مواطنو الجمهورية في كل مرة تنهار الدولة عليهم، أمور ينبغي أن توصل إلى الاستنتاجات المناسبة من أن عطباً مُكوناً يحول دون أن تعمل صيغة الحكم هذه بسلاسة لأكثر من أعوام قليلة، تعود بعدها إلى الشلل المفضي إلى الاقتتال الطائفي ومن ثم إلى تسوية يرعاها الخارج ويرعى فيها، في المقام الأول، مصالحه.
إن دورة الاحتراب والتسوية بين اللبنانيين على مدى القرنين الماضيين، حَرِيّةٌ بأن تدفعهم إلى التأمل في الفوائد التي يجنون في حال قرّروا كسر الدورة هذه والخروج منها أو البقاء فيها لقرون مقبلة، إذ لا مفر من الإقرار بأن النظام الطائفي ما زال قائماً بفضل حمايته لمصالح جماعات لبنانية مؤثرة وحمايته لمكاسبها، تشكّل الذراع المحرّك لعجلة النظام ودورته.
يقودنا الكلام هذا إلى الاستيحاء من أحد مؤسسي «مدرسة فرانكفورت»، الباحث الألماني ماكس هوركهامير الذي لاحظ في مؤلفه «كسوف العقل»، وباختصار شديد، إن المصالح التي تمثل ما أسماه «العقل الذاتي» تفوّقت على الحقائق التي أسماها «العقل الموضوعي»، ما أدى إلى أن تقود أفكار أشخاص مثل كانط وهيغل وماركس إلى ظهور الأنظمة الشمولية والحروب العالمية والمحرقة... وإذا كان من تشابه بين «كسوف العقل» الذي أصاب الحداثة الأوروبية وجعل من ملحمة التنوير أسيرة للإيديولوجيات الشمولية، وبين ما يجري في لبنان (مع التشديد على الفوارق الكمية والنوعية لغير مصلحة النموذج اللبناني بداهة)، يصح القول إن هناك ما يشي بأن بلدنا قد دخل مرحلة خطيرة من الجمود المرتبط باستحالة التوفيق بين حسابات المصالح الطائفية المتناقضة.
إضافة إلى تعميق ارتباط الحياة السياسية بمتغيّرات إقليمية ودولية لا قِبَل للبنانيين بإدارتها، فإن الجمود هذا يمهّد لجعل اللجوء إلى الخيارات القصوى لجوءاً يحمل جدوى ما، في نظر الداعين إليه.
وليس من الإسراف في شيء أخذ العبر من مجموعة من الأحداث السياسية التي شهدها لبنان في الأعوام الثلاثة الماضية. وبما أن لبنان يعيش الذكرى الأولى للحرب الإسرائيلية عليه، فلا بأس من التوقف أمام الاختلاف الكبير في تأويل الحرب أو تبريرها والتعامل معها، بين اللبنانيين. ومن الاختزال بمكان الزعم أن الجماعات اللبنانية المختلفة تقرّ تقييماً واحداً للحرب ناهيك عن الموقف السياسي منها. بكلمات أخرى: إذا كان اللبنانيون منقسمين إلى هذا المستوى في التعامل مع ما شكّل خطراً داهماً بل وجودياً عليهم وعلى كيانهم، فكيف يرون إمكان بناء مؤسسات ليسوا متفقين على واجباتها حيالهم؟ عليه، يبدو اللاهجون بثناء الدولة ومديحها، أقرب ما يكونون إلى فرقة صوفية منهم إلى ممارسين للسياسة بمعناها الواقعي.
خلاصة القول إن البقاء في إطار التعامل مع النظام اللبناني على أنه حقيقة سرمدية أزلية، ومن دون التجرؤ على الدعوة إلى إحداث اختراق معرفي في الطريقة التي ينبغي أن «يفكّر» فيها اللبنانيون بمستقبلهم وبوطنهم، بات يمثل خطراً على لبنان ذاته، طالما أنه الوطن الوحيد الذي يملكون حالياً. وهو ما يعطي مغزى لبنانياً «لكسوف العقل».
8/8/2007
أبدى كاتب عربي قبل أشهر غيرته من كثرة ما يكتب اللبنانيون عن بلدهم ونظامه وتاريخه، مقارنة بضآلة ما ينشر من دراسات في المجالات ذاتها عن الدول العربية الأخرى. ملاحظة الكاتب العربي في محلها، غير أن تناول الشأن اللبناني بات في حاجة إلى إعادة نظر عميقة.
يمكن إيراد ملاحظتين أساسيتين على مضامين الأكثرية الغالبة من «الدراسات اللبنانية»، سواء السريع منها على غرار ما تجده في الصحف اليومية، أو ذلك النوع الساعي إلى قدر أكبر من التأني والبحث في المصادر والأقرب إلى السرد الأكاديمي للأحوال:
ـ الملاحظة الأولى هي الإصرار على البحث عن مخارج للأزمات اللبنانية من ضمن صيغة الحكم الطائفي. غني عن البيان أن الصيغة التي قام عليها لبنان، أي تقاسم السلطة بين الطوائف، تتسم بخطأ بنيوي إذا جاز التعبير خلاصته محاولة إسباغ السكون على المتحرّك، بمعنى العمل على فرض قسمة دائمة لمواقع السلطة على مجتمع يغلي بعوامل الاضطراب. ومن دون العودة إلى أمثلة تاريخية قديمة، يصح اعتبار الأزمة الراهنة دليلاً على أن أسلوب تطبيق اتفاق الطائف بين العامين 1990 و2005، لم يعد قابلاً للاستمرار.
ـــــ الملاحظة الثانية هي أن متعاطي دراسة النموذج السياسي اللبناني غالباً ما يميلون إلى التسليم «بطبيعة» النظام الطائفي والتأسيس على هذا التسليم للبحث عن مسوغات عقلانية لاستمراره والنظر في إمكان إدامته وإصلاحه. قد يكون الناظر في الشأن اللبناني في حاجة إلى منهج شبيه بذاك الذي اعتمدته «مدرسة فرانكفورت» في بنائها لنظرية نقدية تركز على الجانب الاجتماعي. فتكرار التجربة الفاشلة في بناء دولة لبنانية على أسس تقاسم السلطة بين الطوائف، والأثمان الباهظة التي يدفعها مواطنو الجمهورية في كل مرة تنهار الدولة عليهم، أمور ينبغي أن توصل إلى الاستنتاجات المناسبة من أن عطباً مُكوناً يحول دون أن تعمل صيغة الحكم هذه بسلاسة لأكثر من أعوام قليلة، تعود بعدها إلى الشلل المفضي إلى الاقتتال الطائفي ومن ثم إلى تسوية يرعاها الخارج ويرعى فيها، في المقام الأول، مصالحه.
إن دورة الاحتراب والتسوية بين اللبنانيين على مدى القرنين الماضيين، حَرِيّةٌ بأن تدفعهم إلى التأمل في الفوائد التي يجنون في حال قرّروا كسر الدورة هذه والخروج منها أو البقاء فيها لقرون مقبلة، إذ لا مفر من الإقرار بأن النظام الطائفي ما زال قائماً بفضل حمايته لمصالح جماعات لبنانية مؤثرة وحمايته لمكاسبها، تشكّل الذراع المحرّك لعجلة النظام ودورته.
يقودنا الكلام هذا إلى الاستيحاء من أحد مؤسسي «مدرسة فرانكفورت»، الباحث الألماني ماكس هوركهامير الذي لاحظ في مؤلفه «كسوف العقل»، وباختصار شديد، إن المصالح التي تمثل ما أسماه «العقل الذاتي» تفوّقت على الحقائق التي أسماها «العقل الموضوعي»، ما أدى إلى أن تقود أفكار أشخاص مثل كانط وهيغل وماركس إلى ظهور الأنظمة الشمولية والحروب العالمية والمحرقة... وإذا كان من تشابه بين «كسوف العقل» الذي أصاب الحداثة الأوروبية وجعل من ملحمة التنوير أسيرة للإيديولوجيات الشمولية، وبين ما يجري في لبنان (مع التشديد على الفوارق الكمية والنوعية لغير مصلحة النموذج اللبناني بداهة)، يصح القول إن هناك ما يشي بأن بلدنا قد دخل مرحلة خطيرة من الجمود المرتبط باستحالة التوفيق بين حسابات المصالح الطائفية المتناقضة.
إضافة إلى تعميق ارتباط الحياة السياسية بمتغيّرات إقليمية ودولية لا قِبَل للبنانيين بإدارتها، فإن الجمود هذا يمهّد لجعل اللجوء إلى الخيارات القصوى لجوءاً يحمل جدوى ما، في نظر الداعين إليه.
وليس من الإسراف في شيء أخذ العبر من مجموعة من الأحداث السياسية التي شهدها لبنان في الأعوام الثلاثة الماضية. وبما أن لبنان يعيش الذكرى الأولى للحرب الإسرائيلية عليه، فلا بأس من التوقف أمام الاختلاف الكبير في تأويل الحرب أو تبريرها والتعامل معها، بين اللبنانيين. ومن الاختزال بمكان الزعم أن الجماعات اللبنانية المختلفة تقرّ تقييماً واحداً للحرب ناهيك عن الموقف السياسي منها. بكلمات أخرى: إذا كان اللبنانيون منقسمين إلى هذا المستوى في التعامل مع ما شكّل خطراً داهماً بل وجودياً عليهم وعلى كيانهم، فكيف يرون إمكان بناء مؤسسات ليسوا متفقين على واجباتها حيالهم؟ عليه، يبدو اللاهجون بثناء الدولة ومديحها، أقرب ما يكونون إلى فرقة صوفية منهم إلى ممارسين للسياسة بمعناها الواقعي.
خلاصة القول إن البقاء في إطار التعامل مع النظام اللبناني على أنه حقيقة سرمدية أزلية، ومن دون التجرؤ على الدعوة إلى إحداث اختراق معرفي في الطريقة التي ينبغي أن «يفكّر» فيها اللبنانيون بمستقبلهم وبوطنهم، بات يمثل خطراً على لبنان ذاته، طالما أنه الوطن الوحيد الذي يملكون حالياً. وهو ما يعطي مغزى لبنانياً «لكسوف العقل».
8/8/2007
Page 5
بين انتصارين
في الذكرى الأولى للحرب الإسرائيلية على لبنان، أظهر اللبنانيون قلة كفاءتهم في مادة التاريخ تاركين دروسا يصح أن تفيدهم في بناء حد أدنى من وحدتهم، تتسرب من بين أصابعهم. وقريبا، يُنتظر أن يحتفل بلدنا بنصر ثانٍ، اذا سارت الأمور من دون مفاجآت كبيرة، هو انتصار الجيش اللبناني على الحرب التي فرضت عليه في نهر البارد.
يتعين النظر بدقة إلى تعبير الانتصار، ليس لاستعادة السجال العقيم حول النتائج التي أسفرت عنها الحرب الإسرائيلية أو حرب تنظيم «فتح الإسلام»، ففي المواجهتين نجاح واضح لطرف وإخفاق مشابه للطرف المقابل، بل لتقييم ما استوعبته القوى السياسية اللبنانية من الحربين.
يقيناً ان حاصل جمع الدروس المستخلصة من المحنتين ليس بكبير. بل تكاد الاجواء التي رافقت وتبعت حرب تموز 2006، تتشابه مع اجواء اجتياح صيف 1982 لناحية وقوف قسم من اللبنانيين موقفا انتظاريا في أحسن الاحوال، ومتواطئا مع العدو في أسوئها، حيال تطورات المعركة. قد تكون مُخَالفة للحقيقة الروايات المنشورة في الايام القليلة الماضية عن الاداء السياسي للحكومة أو لبعض قوى الاكثرية اثناء الحرب، وقد لا تكون، لكن ما لا مجال للشك فيه هو أن الحرب بينت تلك العلة المستفحلة في السياسة اللبنانية والقائمة على أنه لا غضاضة من الاستعانة بالخارج، ايا كان، لتمرير جملة من الاهداف المحلية. ولا مفر من ان يعيد ذلك السلوك إلى الذاكرة مواقف اتخذتها قوى لبنانية بعينها في اقسى ايام الحصار الاسرائيلي على بيروت ضد لبنانيين آخرين.
التأويل السريع للكلام اعلاه سيضعه في خانة توجيه تهم معتادة في القاموس السياسي اللبناني والعربي إلى قوى الرابع عشر من آذار.
لكن، مهلا. المسألة اشد تعقيدا من ذلك. فمن الناحية المقابلة، يتعين القول ان المقاومة فوتت بدورها فرصة كبرى للتعالي على سفاسف السياسات الصغيرة وترهاتها، وزجت نفسها في اوحال المعارك الداخلية لتصل عنقها أو أعلى. قد يحتج محتج بالقول إن المقاومة طُعنت في الظهر وانها قدمت العديد من الاشارات إلى حسن النية حتى عندما كانت ترى الخيانة أو ما يشبهها بالعين المجردة، وإن وضع المقاومة بعد الحرب كان يحتم عليها حماية نفسها في الساحة المحلية لمنع اسرائيل من تحويل اخفاقها العسكري إلى انتصار سياسي.
لعل في هذا كثيرا من الوجاهة، لكن وبرغم ذلك، كان على المقاومة أن تدرس دراسة أعمق خياراتها بعد الحرب: فمن ناحية، مجرد كونها مقاومة يعني تعريفاً أنها مستعدة لتقديم التضحيات في سبيل وطنها. فهل كان في وسع المقاومة أن تتحمل المزيد من الالام والجراح للحيلولة دون بروز الفتنة على النحو الذي يشهده بلدنا منذ اشهر؟ اما من الناحية الثانية، فلم تعلن المقاومة أي تغيير في نهجها المتعلق برؤيتها لوسائل الدفاع عن لبنان. ومن حق اللبنانيين الذين دفعوا ثمنا باهظا في حرب صيف 2006، أن يحظوا بدرجة اعلى من المصارحة من المقاومة اذا كانت هذه تعتبر نفسها معنية بالمواطنين جميعا وليس بابناء طائفة أو معسكر سياسي واحد، مهما اتسعا. ولا ريب في وجود ترابط بين مسألتي السلوك السياسي الداخلي والاستراتيجية المتصورة، غير أن هذا موضوع آخر.
هذا في ما عنى الانتصار السابق، اما اللاحق أو المترقب، فيشكل اختبارا قد لا يقل قسوة وجدية بالنسبة إلى الجيش اللبناني، عن الاختبار الذي خضعت له المقاومة في العام الماضي.
وها هما العنصران اللذان يكونان آلية الدفاع الاهلية والرسمية عن لبنان يتعرضان لامتحانين في الجدارة بالغي الخطورة، ستظل نتائجهما مرافقة للحياة العامة في هذه الانحاء، لاعوام طويلة مقبلة.
واذا كانت المقاومة قد نجحت في الشق العسكري من المواجهة وجاءت نتائج الشق السياسي اكثر تواضعا، فإن الجيش مدعو إلى تحويل أدائه الميداني البطيء إلى عامل جاذب للتأييد العام، على الرغم من الكلفة الفادحة عليه وعلى المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. والظروف التي نشب القتال فيها حول البارد ومن ثم في داخله، على الرغم من بشاعتها، ينبغي الا تُطلق موجة جديدة من العنصرية اللبنانية ضد الفلسطينيين من جهة، والا تنقلب في نهاية المطاف إلى نجاح لمحاولات تقويض مؤسسة مهمة من مؤسسات الدولة.
السمة العامة للكلام هذا تبرره حقيقة بسيطة وهي أن اي جردة حقيقية لدروس الحربين لم تنجز بعد وإن الصراع على معناهما وتوظيفهما، يبدو متجها إلى المزيد من التصعيد.
15/8/2007
في الذكرى الأولى للحرب الإسرائيلية على لبنان، أظهر اللبنانيون قلة كفاءتهم في مادة التاريخ تاركين دروسا يصح أن تفيدهم في بناء حد أدنى من وحدتهم، تتسرب من بين أصابعهم. وقريبا، يُنتظر أن يحتفل بلدنا بنصر ثانٍ، اذا سارت الأمور من دون مفاجآت كبيرة، هو انتصار الجيش اللبناني على الحرب التي فرضت عليه في نهر البارد.
يتعين النظر بدقة إلى تعبير الانتصار، ليس لاستعادة السجال العقيم حول النتائج التي أسفرت عنها الحرب الإسرائيلية أو حرب تنظيم «فتح الإسلام»، ففي المواجهتين نجاح واضح لطرف وإخفاق مشابه للطرف المقابل، بل لتقييم ما استوعبته القوى السياسية اللبنانية من الحربين.
يقيناً ان حاصل جمع الدروس المستخلصة من المحنتين ليس بكبير. بل تكاد الاجواء التي رافقت وتبعت حرب تموز 2006، تتشابه مع اجواء اجتياح صيف 1982 لناحية وقوف قسم من اللبنانيين موقفا انتظاريا في أحسن الاحوال، ومتواطئا مع العدو في أسوئها، حيال تطورات المعركة. قد تكون مُخَالفة للحقيقة الروايات المنشورة في الايام القليلة الماضية عن الاداء السياسي للحكومة أو لبعض قوى الاكثرية اثناء الحرب، وقد لا تكون، لكن ما لا مجال للشك فيه هو أن الحرب بينت تلك العلة المستفحلة في السياسة اللبنانية والقائمة على أنه لا غضاضة من الاستعانة بالخارج، ايا كان، لتمرير جملة من الاهداف المحلية. ولا مفر من ان يعيد ذلك السلوك إلى الذاكرة مواقف اتخذتها قوى لبنانية بعينها في اقسى ايام الحصار الاسرائيلي على بيروت ضد لبنانيين آخرين.
التأويل السريع للكلام اعلاه سيضعه في خانة توجيه تهم معتادة في القاموس السياسي اللبناني والعربي إلى قوى الرابع عشر من آذار.
لكن، مهلا. المسألة اشد تعقيدا من ذلك. فمن الناحية المقابلة، يتعين القول ان المقاومة فوتت بدورها فرصة كبرى للتعالي على سفاسف السياسات الصغيرة وترهاتها، وزجت نفسها في اوحال المعارك الداخلية لتصل عنقها أو أعلى. قد يحتج محتج بالقول إن المقاومة طُعنت في الظهر وانها قدمت العديد من الاشارات إلى حسن النية حتى عندما كانت ترى الخيانة أو ما يشبهها بالعين المجردة، وإن وضع المقاومة بعد الحرب كان يحتم عليها حماية نفسها في الساحة المحلية لمنع اسرائيل من تحويل اخفاقها العسكري إلى انتصار سياسي.
لعل في هذا كثيرا من الوجاهة، لكن وبرغم ذلك، كان على المقاومة أن تدرس دراسة أعمق خياراتها بعد الحرب: فمن ناحية، مجرد كونها مقاومة يعني تعريفاً أنها مستعدة لتقديم التضحيات في سبيل وطنها. فهل كان في وسع المقاومة أن تتحمل المزيد من الالام والجراح للحيلولة دون بروز الفتنة على النحو الذي يشهده بلدنا منذ اشهر؟ اما من الناحية الثانية، فلم تعلن المقاومة أي تغيير في نهجها المتعلق برؤيتها لوسائل الدفاع عن لبنان. ومن حق اللبنانيين الذين دفعوا ثمنا باهظا في حرب صيف 2006، أن يحظوا بدرجة اعلى من المصارحة من المقاومة اذا كانت هذه تعتبر نفسها معنية بالمواطنين جميعا وليس بابناء طائفة أو معسكر سياسي واحد، مهما اتسعا. ولا ريب في وجود ترابط بين مسألتي السلوك السياسي الداخلي والاستراتيجية المتصورة، غير أن هذا موضوع آخر.
هذا في ما عنى الانتصار السابق، اما اللاحق أو المترقب، فيشكل اختبارا قد لا يقل قسوة وجدية بالنسبة إلى الجيش اللبناني، عن الاختبار الذي خضعت له المقاومة في العام الماضي.
وها هما العنصران اللذان يكونان آلية الدفاع الاهلية والرسمية عن لبنان يتعرضان لامتحانين في الجدارة بالغي الخطورة، ستظل نتائجهما مرافقة للحياة العامة في هذه الانحاء، لاعوام طويلة مقبلة.
واذا كانت المقاومة قد نجحت في الشق العسكري من المواجهة وجاءت نتائج الشق السياسي اكثر تواضعا، فإن الجيش مدعو إلى تحويل أدائه الميداني البطيء إلى عامل جاذب للتأييد العام، على الرغم من الكلفة الفادحة عليه وعلى المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين. والظروف التي نشب القتال فيها حول البارد ومن ثم في داخله، على الرغم من بشاعتها، ينبغي الا تُطلق موجة جديدة من العنصرية اللبنانية ضد الفلسطينيين من جهة، والا تنقلب في نهاية المطاف إلى نجاح لمحاولات تقويض مؤسسة مهمة من مؤسسات الدولة.
السمة العامة للكلام هذا تبرره حقيقة بسيطة وهي أن اي جردة حقيقية لدروس الحربين لم تنجز بعد وإن الصراع على معناهما وتوظيفهما، يبدو متجها إلى المزيد من التصعيد.
15/8/2007
Page 6
الانقسام العظيم
أمام سجال من صنف السجال السعودي السوري، على اللبنانيين الانتباه جيدا. صحيح أن تبادل التصريحات هدأ في اليومين الماضيين، لكن مواقف الرياض ودمشق من القضايا الخلافية لم تتغير.
يحتل لبنان موقعاً رئيساً في المعركة الإعلامية القصيرة إنما الحادة التي دارت رحاها بين البلدين. غير أن مواضيع الخلاف تتجاوز بأشواط تصورات العاصمتين لما ينبغي أن تسير عليه الأمور في بيروت. بل ما من مجازفة في القول إن موضوع التنافر الأبرز بين السعودية وسوريا لم يصعد إلى سطح المبارزة الإعلامية.
نحن بإزاء دولتين عربيتين كبيرتين تنتمي كل منهما إلى معسكر إقليمي ودولي يخوض مواجهة شرسة ومعقدة مع المعسكر الآخر. يغري التبسيط بتوصيف المعسكرين بأنهما «معسكر الاعتدال» يقابله «معسكر التطرف»، أو أنصار الولايات المتحدة والسعودية يجابههم مؤيدو سوريا وإيران، أو غير ذلك من تسميات وتوصيفات لعل الأخطر من بينها ذلك التقسيم على أساس مذهبي وطائفي للمنطقة العربية: السنّة ضد الشيعة.
لا يخلو أي من المعسكرين المتواجهين، بطبيعة الحال، من قوى لا ترى نفسها معنية أو ملزمة بالفرز المذهبي. غير أن الحقائق المذهبية للانقسام من العوامل التي تغري جهات أساسية في المواجهة باستغلالها إلى أقصى حد. وعندما تبدي كل من السعودية وسوريا اعتراضات عميقة على سياسات الدولة الاخرى، يكون الوقت قد أزف بالنسبة إلى المتطرفين في المعسكرين لنبش أحقاد التاريخ وصراعاته التي لم تنته بعد.
مسألتان من الأهمية بمكان الإقرار بهما قبل التأمل في حظوظ نجاح أي محاولة لتجنب تعميق الصراع العربي العربي. المسألة الأولى أن الخلافات المذهبية في العالمين العربي والإسلامي حقيقة تاريخية قائمة لا يصح إنكارها ولا القفز من فوقها برغم أنها تختفي لعقود من الزمن ثم تطل برأسها مجددا، بغض النظر عمن «أيقظها» (وفق القول السائر بلعن من يوقظ الفتنة).
المسألة الثانية هي أن موضوع الأقليات في العالم العربي لم ينل نصيبا معقولا من العلاج. وأمام يقظة العصبيات المحلية والهويات الفرعية، اختار العرب، بأنظمتهم ومؤسساتهم، الهرب من وجه هذه المشكلة المعقدة، على غرار هربهم من أمام الكثير من المشكلات.
وإذا أراد العرب استخدام الصراحة والعلانية كوسيلة لمعالجة أزماتهم، فلا مندوحة من الإقرار بأن تجارب الأقليات في الحكم، غير موفقة كحد أدنى وكارثية كحد أقصى. فالالتباس بين احتلال موقع الأقلية في الداخل والانتماء إلى أكثرية خارجية، انتهى إلى وصول المشرق العربي إلى خيارات عبثية.
أين موقع السجال السوري-السعودي من هذا التوصيف؟
يعكس التباين الكبير في رؤيتيّ السعودية وسوريا إلى قضايا المنطقة، وانحياز «المؤسسة» العربية الرسمية إلى جانب الرياض (وفق ما ظهر من ترك السفير السوري يخرج غاضبا من الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب) أن النظام العربي الرسمي الذي انهار نهائيا أثناء حرب تموز الاسرائيلية على لبنان، قد انقسم إلى مشروعي نظامين متناحرين يوالي كل منهما معسكرا يجري العمل على إضفاء السمات المذهبية والطائفية اليه من دون كلل. وواهم من يعتقد أن المواجهة العنيفة اذا ما وقعت، ستستثني اللجوء إلى التاريخ المذهبي والعرقي الدموي بين العرب والفرس وبين السنّة والشيعة وبين كل الطوائف ضد كل الطوائف.
هنا مصدر الخطورة المضاعفة على لبنان. وإذا كان الخلاف السعودي السوري يشير، في جانب منه على الأقل، إلى استكمال «البنى الفوقية» للانقسام الإقليمي والدولي حول المشرق العربي وفيه، فإن لبنان، بصفته متنفس الصراعات والحروب، صار متاخماً لمرحلة جديدة من التصعيد المذهبي والطائفي. تكفي نظرة واحدة إلى ضيوف البرامج التلفزيونية وما يوجهون فيها من شتائم مذهبية صريحة ومبطنة بغلالة الحرص على «الممانعة» أو «الحقيقة»، حتى يدرك المشاهد، من دون حصافة كبيرة، أن الوكلاء المحليين لفرقاء الصراع الإقليمي العظيم، صاروا في أوج الجهوزية والنشاط.
هل نحن أمام سيناريو رؤيوي (من «سفر الرؤيا») لدمار المنطقة ولحرب طائفية تحيلها رماداً؟ أم أن وراء الأفق الأسود تكمن الحلول المستندة إلى إحساس الأطراف المعنية بهول ما يعنيه صراع مكشوف من تأثير على مصالحها؟
تشجع لغة الأدبيات السياسية اللبنانية والعربية على استخدام تعابير من نوع «أن المنطقة تشهد سباقا بين الحرب والسلام». لا يضاهي فقر التعابير هذه إلى الخيال سوى ضحالتها في رسم مستوى التعقيد في العوامل الداخلة في الصراع والمحددة له بحيث تحمل كل لحظة تنبيهاً إلى انعدام استقرار المعادلة الكيميائية للعناصر المكونة للمشرق العربي.
22/8/2007
أمام سجال من صنف السجال السعودي السوري، على اللبنانيين الانتباه جيدا. صحيح أن تبادل التصريحات هدأ في اليومين الماضيين، لكن مواقف الرياض ودمشق من القضايا الخلافية لم تتغير.
يحتل لبنان موقعاً رئيساً في المعركة الإعلامية القصيرة إنما الحادة التي دارت رحاها بين البلدين. غير أن مواضيع الخلاف تتجاوز بأشواط تصورات العاصمتين لما ينبغي أن تسير عليه الأمور في بيروت. بل ما من مجازفة في القول إن موضوع التنافر الأبرز بين السعودية وسوريا لم يصعد إلى سطح المبارزة الإعلامية.
نحن بإزاء دولتين عربيتين كبيرتين تنتمي كل منهما إلى معسكر إقليمي ودولي يخوض مواجهة شرسة ومعقدة مع المعسكر الآخر. يغري التبسيط بتوصيف المعسكرين بأنهما «معسكر الاعتدال» يقابله «معسكر التطرف»، أو أنصار الولايات المتحدة والسعودية يجابههم مؤيدو سوريا وإيران، أو غير ذلك من تسميات وتوصيفات لعل الأخطر من بينها ذلك التقسيم على أساس مذهبي وطائفي للمنطقة العربية: السنّة ضد الشيعة.
لا يخلو أي من المعسكرين المتواجهين، بطبيعة الحال، من قوى لا ترى نفسها معنية أو ملزمة بالفرز المذهبي. غير أن الحقائق المذهبية للانقسام من العوامل التي تغري جهات أساسية في المواجهة باستغلالها إلى أقصى حد. وعندما تبدي كل من السعودية وسوريا اعتراضات عميقة على سياسات الدولة الاخرى، يكون الوقت قد أزف بالنسبة إلى المتطرفين في المعسكرين لنبش أحقاد التاريخ وصراعاته التي لم تنته بعد.
مسألتان من الأهمية بمكان الإقرار بهما قبل التأمل في حظوظ نجاح أي محاولة لتجنب تعميق الصراع العربي العربي. المسألة الأولى أن الخلافات المذهبية في العالمين العربي والإسلامي حقيقة تاريخية قائمة لا يصح إنكارها ولا القفز من فوقها برغم أنها تختفي لعقود من الزمن ثم تطل برأسها مجددا، بغض النظر عمن «أيقظها» (وفق القول السائر بلعن من يوقظ الفتنة).
المسألة الثانية هي أن موضوع الأقليات في العالم العربي لم ينل نصيبا معقولا من العلاج. وأمام يقظة العصبيات المحلية والهويات الفرعية، اختار العرب، بأنظمتهم ومؤسساتهم، الهرب من وجه هذه المشكلة المعقدة، على غرار هربهم من أمام الكثير من المشكلات.
وإذا أراد العرب استخدام الصراحة والعلانية كوسيلة لمعالجة أزماتهم، فلا مندوحة من الإقرار بأن تجارب الأقليات في الحكم، غير موفقة كحد أدنى وكارثية كحد أقصى. فالالتباس بين احتلال موقع الأقلية في الداخل والانتماء إلى أكثرية خارجية، انتهى إلى وصول المشرق العربي إلى خيارات عبثية.
أين موقع السجال السوري-السعودي من هذا التوصيف؟
يعكس التباين الكبير في رؤيتيّ السعودية وسوريا إلى قضايا المنطقة، وانحياز «المؤسسة» العربية الرسمية إلى جانب الرياض (وفق ما ظهر من ترك السفير السوري يخرج غاضبا من الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب) أن النظام العربي الرسمي الذي انهار نهائيا أثناء حرب تموز الاسرائيلية على لبنان، قد انقسم إلى مشروعي نظامين متناحرين يوالي كل منهما معسكرا يجري العمل على إضفاء السمات المذهبية والطائفية اليه من دون كلل. وواهم من يعتقد أن المواجهة العنيفة اذا ما وقعت، ستستثني اللجوء إلى التاريخ المذهبي والعرقي الدموي بين العرب والفرس وبين السنّة والشيعة وبين كل الطوائف ضد كل الطوائف.
هنا مصدر الخطورة المضاعفة على لبنان. وإذا كان الخلاف السعودي السوري يشير، في جانب منه على الأقل، إلى استكمال «البنى الفوقية» للانقسام الإقليمي والدولي حول المشرق العربي وفيه، فإن لبنان، بصفته متنفس الصراعات والحروب، صار متاخماً لمرحلة جديدة من التصعيد المذهبي والطائفي. تكفي نظرة واحدة إلى ضيوف البرامج التلفزيونية وما يوجهون فيها من شتائم مذهبية صريحة ومبطنة بغلالة الحرص على «الممانعة» أو «الحقيقة»، حتى يدرك المشاهد، من دون حصافة كبيرة، أن الوكلاء المحليين لفرقاء الصراع الإقليمي العظيم، صاروا في أوج الجهوزية والنشاط.
هل نحن أمام سيناريو رؤيوي (من «سفر الرؤيا») لدمار المنطقة ولحرب طائفية تحيلها رماداً؟ أم أن وراء الأفق الأسود تكمن الحلول المستندة إلى إحساس الأطراف المعنية بهول ما يعنيه صراع مكشوف من تأثير على مصالحها؟
تشجع لغة الأدبيات السياسية اللبنانية والعربية على استخدام تعابير من نوع «أن المنطقة تشهد سباقا بين الحرب والسلام». لا يضاهي فقر التعابير هذه إلى الخيال سوى ضحالتها في رسم مستوى التعقيد في العوامل الداخلة في الصراع والمحددة له بحيث تحمل كل لحظة تنبيهاً إلى انعدام استقرار المعادلة الكيميائية للعناصر المكونة للمشرق العربي.
22/8/2007
Page 7
مهمات العرب «التركية»
كبيرة هي المسائل التي سيجلبها إلى مقدمة الاهتمامات انتخاب عبد الله غول رئيساً لتركيا. كبيرة بحجم تركيا وتاريخها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والعالم، فيما تمر الدوائر هذه كلها في مراحل انتقالية من غير الواضح إلى أي وجهة ستفضي.
ولعل من أكثر النقاط إثارة للجدل في الانتماء السياسي لغول، أن الإسلام هو شعار الصراع العالمي الدائر حالياً، فإذا برئيس جديد لتركيا، قلعة العلمانية في العالم الإسلامي وفي الشرق الأوسط، يجيء تحديداً من خلفية إسلامية. صحيح أنه تعهّد في أول كلام أدلى به بعد إعلان فوزه بالأكثرية المطلقة في الدورة الانتخابية الثالثة، بالحفاظ على مبادئ الجمهورية العلمانية، إلا أن مجمل العلاقة المعقدة في التاريخ الإسلامي برمته بين الدين والدولة، سيطرح منذ الآن على النقاش في حواضر المسلمين كافة.
فلأول مرة، تبرز العلمانية كمسألة محض سياسية بين المسلمين في دولة مسلمة. لقد سقط النقاش الذي تناولها، في الدول العربية وغيرها، كظاهرة مستوردة من فكر التنوير الأوروبي واعتبارها مسألة تتعلق بالأزمات التي شهدتها العلاقات بين الكنيسة والدولة في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا واستمرت بشكل أو بآخر إلى أن حسمتها الثورة الفرنسية. كان بعض السياسيين والكتّاب الإسلاميين يلجأون إلى تفسيرات من هذا النوع لرفضهم مجرد البحث في العلمانية متذرعين بأن الإسلام يوفر سبل النجاة في الدين والدنيا. وذهب بعضهم إلى تحميل المسيحيين العرب مسؤولية طرح قضية العلمانية، على غرار ما فعل حسن حنفي على سبيل المثال، في حين طالب زميله محمد عابد الجابري بشطب كلمة العلمانية وكل المسائل المتعلقة بها من جداول النقاشات الفكرية في العالمين العربي والإسلامي المعاصرين، استناداً إلى افتقارها إلى الأصالة.
مهما يكن من أمر، عادت العلمانية لتطرح نفسها كمسألة سياسية بين المسلمين وعلاقتهم بالدولة كمؤسسة أنتجتها الحداثة الأوروبية، في المقام الأول. ولا يغيب عن البال ما في هذه القضية من خطورة من وجهة نظر سياسية وفكرية بل وفقهية، ليس داخل تركيا فحسب، بل خصوصاً في العالم العربي. فهنا تتداخل البنى السياسية والعائلية العشائرية على نحو يحول عملياً دون نشوء دولة بالمعنى الذي تنطوي عليه الحداثة، والذي يقول الإسلاميون الأتراك إنهم حريصون عليه أشد الحرص. فما زال العرب في الحقبة التي «تدوّل فيها دولهم» بمعنى الانقلاب والزوال، والذي حدده ابن خلدون في مقدمته، حيث يقوم مفهوم الدولة على العصبية شديدة التأثر بمتغيرات الولاء القبلي فتصبح الدولة هي عصبية القبيلة الأقوى، في مقابل مفهوم الاستقرار والدوام في الدولة الأوروبية (ومن هنا تستخدم في اللغتين الفرنسية والإنكليزية للإشارة إلى الدولة كلمتان تدلان على «الحالة» والثبات).
لم يعد إذاً من مهرب أمام الإسلاميين بمختلف مشاربهم، من الخوض في نقاش على هذه الدرجة من الاتساع والشمول. أما عمقه وجديته وبالتالي تأثيره في المستقبل السياسي للدول العربية وبدرجة أقل، الإسلامية (نظراً إلى وجود تجارب تأسيسية مهمة في عدد من دول العالم الإسلامي، في جنوب آسيا على سبيل المثال)، فمتروك الحكم فيه إلى مجموعة من العوامل من بينها اضطرام نيران الصراع الإقليمي والدروب التي سيسلكها، حيث لا يصح التقليل من جدية ردود فعل قد تجتاح العالم الإسلامي في حال استهدف أي من بلدانه بعدوان أجنبي، كما لا ينبغي التقليل من عمق الانقسام الذي تعيشه الجماعة الإسلامية الأكبر، أي الجماعة السنية، بين تيارين رئيسيين، هما تيار التقليد وتيار الانقلاب الذي تمثل تنظيمات جهادية سلفية بعض أوجهه الأشد عنفاً.
هذا على المستوى العربي والخارجي، أما على المستوى التركي الداخلي، فيمكن القول إن من نتائج فوز غول برئاسة الجمهورية، سقوط الحديث عن فرض العلمانية بالقوة من قبل المؤسسة العسكرية والنخبة الحاملة لقيم العلمانية والالتحاق بالغرب. وعبد الله غول يبدو في العديد من المقاييس، أقرب إلى الغرب، عبر التشديد على انتماء بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، من عدد كبير من السياسيين الأتراك الذين رأوا في الإصلاحات الدستورية التي أجرتها حكومة رجب طيب أردوغان خضوعاً لمشيئة الأجنبي، بل حتى من كبار ضباط الجيش الذين تذرعوا بالمخاطر على الأمن القومي للاعتراض على التعهدات الحكومية باحترام حقوق الإنسان.
يساق هذا الكلام في محاولة لرسم حدود للتوقعات بحصول تغييرات جذرية تغيّر صورة الواقع التركي، وهي توقعات تختمر خصوصاً في بعض الأذهان العربية المراهنة على أن تقوم تركيا وقد اقتربت، برأيهم، من ارتداء عباءة السلطنة، بأداء المهمات التي أخفق العرب في أدائها حتى الآن. فعلى الرغم من استلام حزب العدالة والتنمية، مع انتخاب غول، المقاعد الرئاسية الثلاثة، فإن واحدة من ميزات الحزب هذا وضعه لمصالح تركيا القومية قبل اعتباراته الإيديولوجية، من هنا جاء تمسكه بالعلمانية ومن هنا سيأتي الإصرار على بقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي وعدم قطع علاقاتها مع إسرائيل وعدم الانحياز إلى أي من معسكري الاستقطاب في المنطقة.
بل إن الأشهر القليلة الماضية تنبئ بأن تركيا، في ظل رئاسة غول وحكومة أردوغان ستواصل ما فعلته من محاولة لأداء دور الوسيط بين العرب وإسرائيل، إذا أرادت أن تعزز دورها كقوة إقليمية كبرى ومستقلة في آن واحد.
29/8/2007
كبيرة هي المسائل التي سيجلبها إلى مقدمة الاهتمامات انتخاب عبد الله غول رئيساً لتركيا. كبيرة بحجم تركيا وتاريخها وتأثيرها في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا والعالم، فيما تمر الدوائر هذه كلها في مراحل انتقالية من غير الواضح إلى أي وجهة ستفضي.
ولعل من أكثر النقاط إثارة للجدل في الانتماء السياسي لغول، أن الإسلام هو شعار الصراع العالمي الدائر حالياً، فإذا برئيس جديد لتركيا، قلعة العلمانية في العالم الإسلامي وفي الشرق الأوسط، يجيء تحديداً من خلفية إسلامية. صحيح أنه تعهّد في أول كلام أدلى به بعد إعلان فوزه بالأكثرية المطلقة في الدورة الانتخابية الثالثة، بالحفاظ على مبادئ الجمهورية العلمانية، إلا أن مجمل العلاقة المعقدة في التاريخ الإسلامي برمته بين الدين والدولة، سيطرح منذ الآن على النقاش في حواضر المسلمين كافة.
فلأول مرة، تبرز العلمانية كمسألة محض سياسية بين المسلمين في دولة مسلمة. لقد سقط النقاش الذي تناولها، في الدول العربية وغيرها، كظاهرة مستوردة من فكر التنوير الأوروبي واعتبارها مسألة تتعلق بالأزمات التي شهدتها العلاقات بين الكنيسة والدولة في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا واستمرت بشكل أو بآخر إلى أن حسمتها الثورة الفرنسية. كان بعض السياسيين والكتّاب الإسلاميين يلجأون إلى تفسيرات من هذا النوع لرفضهم مجرد البحث في العلمانية متذرعين بأن الإسلام يوفر سبل النجاة في الدين والدنيا. وذهب بعضهم إلى تحميل المسيحيين العرب مسؤولية طرح قضية العلمانية، على غرار ما فعل حسن حنفي على سبيل المثال، في حين طالب زميله محمد عابد الجابري بشطب كلمة العلمانية وكل المسائل المتعلقة بها من جداول النقاشات الفكرية في العالمين العربي والإسلامي المعاصرين، استناداً إلى افتقارها إلى الأصالة.
مهما يكن من أمر، عادت العلمانية لتطرح نفسها كمسألة سياسية بين المسلمين وعلاقتهم بالدولة كمؤسسة أنتجتها الحداثة الأوروبية، في المقام الأول. ولا يغيب عن البال ما في هذه القضية من خطورة من وجهة نظر سياسية وفكرية بل وفقهية، ليس داخل تركيا فحسب، بل خصوصاً في العالم العربي. فهنا تتداخل البنى السياسية والعائلية العشائرية على نحو يحول عملياً دون نشوء دولة بالمعنى الذي تنطوي عليه الحداثة، والذي يقول الإسلاميون الأتراك إنهم حريصون عليه أشد الحرص. فما زال العرب في الحقبة التي «تدوّل فيها دولهم» بمعنى الانقلاب والزوال، والذي حدده ابن خلدون في مقدمته، حيث يقوم مفهوم الدولة على العصبية شديدة التأثر بمتغيرات الولاء القبلي فتصبح الدولة هي عصبية القبيلة الأقوى، في مقابل مفهوم الاستقرار والدوام في الدولة الأوروبية (ومن هنا تستخدم في اللغتين الفرنسية والإنكليزية للإشارة إلى الدولة كلمتان تدلان على «الحالة» والثبات).
لم يعد إذاً من مهرب أمام الإسلاميين بمختلف مشاربهم، من الخوض في نقاش على هذه الدرجة من الاتساع والشمول. أما عمقه وجديته وبالتالي تأثيره في المستقبل السياسي للدول العربية وبدرجة أقل، الإسلامية (نظراً إلى وجود تجارب تأسيسية مهمة في عدد من دول العالم الإسلامي، في جنوب آسيا على سبيل المثال)، فمتروك الحكم فيه إلى مجموعة من العوامل من بينها اضطرام نيران الصراع الإقليمي والدروب التي سيسلكها، حيث لا يصح التقليل من جدية ردود فعل قد تجتاح العالم الإسلامي في حال استهدف أي من بلدانه بعدوان أجنبي، كما لا ينبغي التقليل من عمق الانقسام الذي تعيشه الجماعة الإسلامية الأكبر، أي الجماعة السنية، بين تيارين رئيسيين، هما تيار التقليد وتيار الانقلاب الذي تمثل تنظيمات جهادية سلفية بعض أوجهه الأشد عنفاً.
هذا على المستوى العربي والخارجي، أما على المستوى التركي الداخلي، فيمكن القول إن من نتائج فوز غول برئاسة الجمهورية، سقوط الحديث عن فرض العلمانية بالقوة من قبل المؤسسة العسكرية والنخبة الحاملة لقيم العلمانية والالتحاق بالغرب. وعبد الله غول يبدو في العديد من المقاييس، أقرب إلى الغرب، عبر التشديد على انتماء بلاده إلى الاتحاد الأوروبي، من عدد كبير من السياسيين الأتراك الذين رأوا في الإصلاحات الدستورية التي أجرتها حكومة رجب طيب أردوغان خضوعاً لمشيئة الأجنبي، بل حتى من كبار ضباط الجيش الذين تذرعوا بالمخاطر على الأمن القومي للاعتراض على التعهدات الحكومية باحترام حقوق الإنسان.
يساق هذا الكلام في محاولة لرسم حدود للتوقعات بحصول تغييرات جذرية تغيّر صورة الواقع التركي، وهي توقعات تختمر خصوصاً في بعض الأذهان العربية المراهنة على أن تقوم تركيا وقد اقتربت، برأيهم، من ارتداء عباءة السلطنة، بأداء المهمات التي أخفق العرب في أدائها حتى الآن. فعلى الرغم من استلام حزب العدالة والتنمية، مع انتخاب غول، المقاعد الرئاسية الثلاثة، فإن واحدة من ميزات الحزب هذا وضعه لمصالح تركيا القومية قبل اعتباراته الإيديولوجية، من هنا جاء تمسكه بالعلمانية ومن هنا سيأتي الإصرار على بقاء تركيا في حلف شمال الأطلسي وعدم قطع علاقاتها مع إسرائيل وعدم الانحياز إلى أي من معسكري الاستقطاب في المنطقة.
بل إن الأشهر القليلة الماضية تنبئ بأن تركيا، في ظل رئاسة غول وحكومة أردوغان ستواصل ما فعلته من محاولة لأداء دور الوسيط بين العرب وإسرائيل، إذا أرادت أن تعزز دورها كقوة إقليمية كبرى ومستقلة في آن واحد.
29/8/2007
Page 8
دروس أيلول
ما جرى في سماء سوريا قبل أسبوع يزيد قلق اللبنانيين من انضمام شهر أيلول هذا إلى أشهر أيلول عدة ماضية حملت لهم احداثاً جساماً ومرارات ما زالت شواهدها باقية. وعطف الحدث الاقليمي على الاستعدادات لمعركة رئاسية قد لا تخلو من مفاجآت تنهي فترة الركود السياسي والاضطراب الأمني وتزيد التدهور المعيشي، هو مما يزيد الالتزام بالحذر.
ويبقى أيلول، في بلد تكثر فيه الأحداث ومناسبات إحيائها، شهراً غنياً بدروس دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لها. في مقدمة دروس أيلول التي يفترض أن تحتل مكاناً مهماً في ذاكرة مواطني هذه البلاد، الاجتياح الإسرائيلي صيف العام 1982 الذي ظهرت نتائجه الكبرى في مثل هذه الايام قبل خمسة وعشرين عاماً: هزيمة الجسم السياسي والعسكري للفلسطينيين وترحيله إلى المنفى، وإرهاب للجسم السكاني الذي بقي في المخيمات عبر مجزرة شاركت فيها مشاركة أساسية يد لبنانية عنصرية، وفرض رئيسين للجمهورية بحراب الاحتلال وبدباباته.
كان يفترض أن يُظهر الاجتياح الاسرائيلي ومن ثم إخفاقه في تحقيق أهدافه بفضل تضحيات اللبنانيين والفلسطينيين، حدود الالتحاق بالخارج. الخارج الفلسطيني بالنسبة إلى معسكر الحركة الوطنية والمسلمين اللبنانيين، من جهة، والخارج الاسرائيلي الاميركي من الجهة المقابلة. لقد اصطدمت محاولتا المعسكرين تغيير موازين القوى الداخلية اعتماداً على الخارج (مع التفاوت الكبير بين معنيي الخارج وعدم صحة وضع علامة المساواة بينهما)، بالتعقيدات اللبنانية والاقليمية التي ادت إلى فشل المحاولتين.
ومثّل اغتيال بشير الجميل والفشل الذريع لعهد شقيقه أمين درساً عميقاً في ركاكة التصور اللبناني عن المدى الذي يمكن للسياسة المحلية أن تبلغه من التذاكي ومن السعي إلى اللعب في ملاعب القوى الكبرى.
ومن دروس أيلول واحد يجدر استخلاصه من المآل الذي آلت إليه جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي. لقد انطلقت الجبهة بصفتها الرد الوطني على الاجتياح وعلى المشاريع المحلية الملتحقة به. وقدمت على مدى أعوام نموذجاً مهماً لانخراط لبنانيين يعلون انتماءهم إلى بلدهم على انتماءاتهم الفرعية، الجهوية والطائفية، وصولاً إلى التضحية القصوى في سبيل تحريره وتقدمه. ويحض المصير الذي انتهت إليه جبهة المقاومة على النظر إلى الصعوبة الحقيقية التي تواجه أي رهان على غلبة السياسة بمعناها العابر للطوائف على المعنى اللبناني الضيق الذي يحيلها توزيعاً لمغانم السلطة أو تفجيراً لهذه الاخيرة عند تبيان صعوبة التوزيع السلمي لها.
ليس من الإنصاف في شيء التقليل من أهمية ما حققته المقاومة التي جاءت في إثر جبهة المقاومة الوطنية، إلا أن هذا التتابع بين نوعين من الالتزام بالقضية الوطنية، يبقى علامة على صراع بدأ قبل عقود بين وجهتي نظر في مستقبل لبنان والطريق التي ستُسلك للحفاظ على استقلاله.
في أيلول من العام 1983، كان موعد اللبنانيين مع زلزال جديد لما تمح آثاره بعد هو الذي سببته حرب الجبل. الفصل هذا في تاريخ لبنان الحديث عادة ما يجيء توظيفه وفق المناخ السياسي السائد. تقول خطابات رائجة هذه الأيام أن تلك الحرب لم تكن إلا جولة من المجازر الطائفية والحرب التي شنها طرف بعينه على الجيش اللبناني ليعود الطرف ذاته مؤخراً إلى التغني بالجيش وبطولاته في نهر البارد. وإذا كانت في الحديث عن المجازر الطائفية حقيقة، فإن حقيقة اخرى تتعرض حالياً إلى الاهمال بعدما كانت محور إشادة لا تنقطع في السابق، وخلاصتها أن حرب الجبل والقائمين بها ساهموا مساهمة لا تنكر في إسقاط اتفاق 17 أيار وزج لبنان في حقبة إسرائيلية لعلها استمرت حتى اليوم.
الواقع اللبناني، وفق المثال البليغ لحرب الجبل، يأتي دائماً على جناح التناقضات، حاملاً الشيء ونقيضه في آن. وهذا درس آخر لا يصح أن يفرّط في أهمية استيعابه لمصلحة رؤية تبسيطية أحادية الجانب.
ومع تباشير عودة تلامذة لبنان إلى مدارسهم وصفوفهم، جدير بأهاليهم التطلع إلى تجنيب أبنائهم لتجارب مريرة مثل التي سبقت الاشارة إلى بعضها والتعويض عن تكرار خوض التجارب بإظهار استيعابهم للدروس والاستنتاجات. ومن دون أن يُكنّ المرء إعجاباً مفرطاً بحكمة اللبنانيين إن وجدت ، فمن المبرر القول إنهم أظهروا فهماً للدرس الرئيس المستخلص من تجاربهم الفاشلة: عبثية الانزلاق إلى حرب اهلية جديدة يخرجون منها، جميعاً، مجرجرين اذيال الهزيمة.
غني عن البيان أن الحكمة هذه على قدر عال من الهشاشة ما يجعلها عرضة للانكسار في اي لحظة.
12/9/2007
ما جرى في سماء سوريا قبل أسبوع يزيد قلق اللبنانيين من انضمام شهر أيلول هذا إلى أشهر أيلول عدة ماضية حملت لهم احداثاً جساماً ومرارات ما زالت شواهدها باقية. وعطف الحدث الاقليمي على الاستعدادات لمعركة رئاسية قد لا تخلو من مفاجآت تنهي فترة الركود السياسي والاضطراب الأمني وتزيد التدهور المعيشي، هو مما يزيد الالتزام بالحذر.
ويبقى أيلول، في بلد تكثر فيه الأحداث ومناسبات إحيائها، شهراً غنياً بدروس دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لها. في مقدمة دروس أيلول التي يفترض أن تحتل مكاناً مهماً في ذاكرة مواطني هذه البلاد، الاجتياح الإسرائيلي صيف العام 1982 الذي ظهرت نتائجه الكبرى في مثل هذه الايام قبل خمسة وعشرين عاماً: هزيمة الجسم السياسي والعسكري للفلسطينيين وترحيله إلى المنفى، وإرهاب للجسم السكاني الذي بقي في المخيمات عبر مجزرة شاركت فيها مشاركة أساسية يد لبنانية عنصرية، وفرض رئيسين للجمهورية بحراب الاحتلال وبدباباته.
كان يفترض أن يُظهر الاجتياح الاسرائيلي ومن ثم إخفاقه في تحقيق أهدافه بفضل تضحيات اللبنانيين والفلسطينيين، حدود الالتحاق بالخارج. الخارج الفلسطيني بالنسبة إلى معسكر الحركة الوطنية والمسلمين اللبنانيين، من جهة، والخارج الاسرائيلي الاميركي من الجهة المقابلة. لقد اصطدمت محاولتا المعسكرين تغيير موازين القوى الداخلية اعتماداً على الخارج (مع التفاوت الكبير بين معنيي الخارج وعدم صحة وضع علامة المساواة بينهما)، بالتعقيدات اللبنانية والاقليمية التي ادت إلى فشل المحاولتين.
ومثّل اغتيال بشير الجميل والفشل الذريع لعهد شقيقه أمين درساً عميقاً في ركاكة التصور اللبناني عن المدى الذي يمكن للسياسة المحلية أن تبلغه من التذاكي ومن السعي إلى اللعب في ملاعب القوى الكبرى.
ومن دروس أيلول واحد يجدر استخلاصه من المآل الذي آلت إليه جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي. لقد انطلقت الجبهة بصفتها الرد الوطني على الاجتياح وعلى المشاريع المحلية الملتحقة به. وقدمت على مدى أعوام نموذجاً مهماً لانخراط لبنانيين يعلون انتماءهم إلى بلدهم على انتماءاتهم الفرعية، الجهوية والطائفية، وصولاً إلى التضحية القصوى في سبيل تحريره وتقدمه. ويحض المصير الذي انتهت إليه جبهة المقاومة على النظر إلى الصعوبة الحقيقية التي تواجه أي رهان على غلبة السياسة بمعناها العابر للطوائف على المعنى اللبناني الضيق الذي يحيلها توزيعاً لمغانم السلطة أو تفجيراً لهذه الاخيرة عند تبيان صعوبة التوزيع السلمي لها.
ليس من الإنصاف في شيء التقليل من أهمية ما حققته المقاومة التي جاءت في إثر جبهة المقاومة الوطنية، إلا أن هذا التتابع بين نوعين من الالتزام بالقضية الوطنية، يبقى علامة على صراع بدأ قبل عقود بين وجهتي نظر في مستقبل لبنان والطريق التي ستُسلك للحفاظ على استقلاله.
في أيلول من العام 1983، كان موعد اللبنانيين مع زلزال جديد لما تمح آثاره بعد هو الذي سببته حرب الجبل. الفصل هذا في تاريخ لبنان الحديث عادة ما يجيء توظيفه وفق المناخ السياسي السائد. تقول خطابات رائجة هذه الأيام أن تلك الحرب لم تكن إلا جولة من المجازر الطائفية والحرب التي شنها طرف بعينه على الجيش اللبناني ليعود الطرف ذاته مؤخراً إلى التغني بالجيش وبطولاته في نهر البارد. وإذا كانت في الحديث عن المجازر الطائفية حقيقة، فإن حقيقة اخرى تتعرض حالياً إلى الاهمال بعدما كانت محور إشادة لا تنقطع في السابق، وخلاصتها أن حرب الجبل والقائمين بها ساهموا مساهمة لا تنكر في إسقاط اتفاق 17 أيار وزج لبنان في حقبة إسرائيلية لعلها استمرت حتى اليوم.
الواقع اللبناني، وفق المثال البليغ لحرب الجبل، يأتي دائماً على جناح التناقضات، حاملاً الشيء ونقيضه في آن. وهذا درس آخر لا يصح أن يفرّط في أهمية استيعابه لمصلحة رؤية تبسيطية أحادية الجانب.
ومع تباشير عودة تلامذة لبنان إلى مدارسهم وصفوفهم، جدير بأهاليهم التطلع إلى تجنيب أبنائهم لتجارب مريرة مثل التي سبقت الاشارة إلى بعضها والتعويض عن تكرار خوض التجارب بإظهار استيعابهم للدروس والاستنتاجات. ومن دون أن يُكنّ المرء إعجاباً مفرطاً بحكمة اللبنانيين إن وجدت ، فمن المبرر القول إنهم أظهروا فهماً للدرس الرئيس المستخلص من تجاربهم الفاشلة: عبثية الانزلاق إلى حرب اهلية جديدة يخرجون منها، جميعاً، مجرجرين اذيال الهزيمة.
غني عن البيان أن الحكمة هذه على قدر عال من الهشاشة ما يجعلها عرضة للانكسار في اي لحظة.
12/9/2007
Page 9
شركات أمنية
اثنا عشر قتيلا عراقيا هم حصيلة عربدة مرتزقة شركة الأمن الاميركية الخاصة «بلاكووتر» في بغداد يوم الاحد الماضي. طفل وأمه وشرطي سير وعدد من المارة سقطوا بنيران المسلحين المكلفين حماية موكب دبلوماسي أميركي انفجرت قربه عبوة ناسفة.
سحبت الحكومة العراقية ترخيص عمل «بلاكووتر» في العراق وقررت إعادة النظر في نشاط جميع الشركات المشابهة. سلّط الحادث الضوء على ممارسات الشركات الامنية الخاصة التي تعمل وفق عقود سخية (تبلغ قيمة عقد عمل «بلاكووتر» وحدها 500 مليون دولار في العام)، ومن دون اقامة وزن للقانون العراقي ولا لحياة المواطنين العراقيين، بطبيعة الحال. اعتذرت وزيرة الخارجية الاميركية عن الحادث ووعدت بمتابعة التحقيق مع السلطات العراقية.
الخبر عينة على الطريقة التي يدير بها الاحتلال الاميركي شؤون العراق وعلى قلة حيلة العراقيين حيال جموع الاحلاف الذين جيء بهم لحماية مصالح المحتل وانصاره وكل من يستطيع الدفع. غير أن الحادث يحمل أبعاداً تتجاوز العراق وافتقاره الشديد إلى الأمن، لتصل إلى صلب العلاقة بين أمن خاص يتولى العناية بمجموعة من المحظوظين وبين أمن عام يفترض أن يحصله المواطن كحق بديهي له على سلطته التي يمولها من مدخوله المقتطعة منه الضرائب.
المسألة تشمل العالم بأسره بعد النجاحات التي حققها دعاة «تقليص الدولة» وتوزيع صلاحياتها وخصخصتها. الشركات العملاقة مثل «بلاكووتر» تعمل في العراق كجيش شبه مستقل لكنها تنشط ايضا في مجالات التدريب الامني والعسكري و«حفظ السلام والاستقرار» وتحتل الحكومات الموقع الاول بين المتعاقدين معها (بحسب ما يقول موقعها على الانترنت)، بل أن الادارة الاميركية لم تجد سوى شركة «بلاكووتر» تلجأ إليها لحماية موظفي الحكومة وقوافل الاغاثة ومراكز الصليب الاحمر بعد انهيار النظام العام وقوات الشرطة في اعقاب اعصار كاترينا عام 2005، فظهر جلياً الخيط الواصل بين المصالح الخاصة للمسؤولين الرسميين وبين اصحاب هذا النوع من «الاعمال». حالة مشابهة نراها في العالم الثالث الذي عزل اثرياؤه انفسهم وراء جدران مجمعاتهم السكنية العالية وجعلوا بيوتهم اشبه بالثكنات.
الظاهرة وصلت إلى لبنان كما بات معروفا. واذا كانت الشركات الامنية اللبنانية لم تتورط في حوادث قتل مشابهة لما تورطت فيه «بلاكووتر» واشباهها، واذا كانت توفر فرص عمل لعدد لا بأس به من الشبان الذين عضتهم البطالة بنابها، فإن الحديث المتزايد عن علاقة شركات الامن والحماية بالتسلح وبالتغطية على تكوين الميليشيات، ينبغي الا يغيب عن عين المراقبة العامة.
في لبنان العديد من الخروقات الخاصة للمجال الامني العام. لقد بات مملاً الحديث عن المربعات المتزايدة الاتساع والمسلحين الذين يسندونها. لكن القضية التي يتعين الالتفات إليها تتلخص في المساحة التي تخلت الدولة اللبنانية عنها، راضية أو مضطرة، إلى الجهات المتكفلة بالامن الخاص. ومن المفيد الاشارة إلى ان اعمال العنف التي تمارسها عناصر الشركات الامنية أو الحراسات الخاصة، بحق المواطنين، آخذة في التصاعد طردا مع اتساع نشاط هذه الشركات واحتكاك عناصرها بالمواطنين. هذه مسألة حسابية لا مجال للتلاعب فيها أو التغطية عليها. غير أن لب الموضوع يكمن ليس في احترام خصوصية المواطنين وحرمتهم أمام الامن الخاص، بل في الحيز الذي تتشارك فيه الدولة مع القطاع الخاص في مجال احتكار عنفها، من جهة، وفي قابلية هذه المؤسسات للتضخم ترافقا مع ما قد يستجد على الوضعين السياسي والامني.
المقاومة مثال نال حظه من الجدال حول احتكار الدولة للعنف، وصولا إلى التساؤل حول ما اذا كان تعريف ماكس ويبر عن العلاقة بين العنف والدولة ينطبق على المقاومة. ولم يُبنَ بعد اجماع وطني حيال النقطة هذه. فتُركت المقاومة يحوم حولها اعتقاد بأنها ضرب من خصخصة الامن الخارجي للبلاد وتوكيله إلى جهة بعينها.
الانقسام السياسي الداخلي يحض كل طرف على الركون إلى أمنه الخاص المموه على شاكلة شركة امنية، يقال إن عديد موظفي بعضها يتجاوز الالاف. يمكن لمراقبٍ الزعم أن التصريح بإنشاء ميليشيات في الحقبة الحالية لا تردعه فقط «هيبة الدولة» التي لم توقف في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي اصحاب الميليشيات الخاصة عن مشاريعهم السابقة على الحرب الاهلية، بل إن الاصح هو أن ما يحول دون مضيهم في النهج هذا هي «روح العصر» المحبذة لمنطق الشركات والمؤسسات القادرة على ايجاد الكثير من التبريرات القانونية لنشاطاتها بغض النظر عن مدى تلاؤمها أو خرقها لجوهر القانون قبل نصوصه.
بهذا المعنى، تكون بعض الشركات الامنية اللبنانية التي يقال أنها توفر حمايات متعددة الانواع لاطراف سياسية ترتبط بها ارتباطا مباشرا، هي ميليشيات لبنان في القرن الحادي والعشرين، بعدما صعدت مكاتبها إلى ابراج المكاتب الزجاجية، وتركت المراكز الحزبية في الازقة. في المقابل، قد يقول قائل إن مجتمعاً مشتتاً ومنقسماً على الطريقة اللبنانية (بحيث لا يصح معها وصفه بالمجتمع، في الاساس) لا يستطيع تحمل انتظار حصول التوافق على الحدود الفاصلة بين المجال العام والمجال الخاص بما فيها مجال الامن، فتقدم إلى المكان الذي اشتهر فيه: القطاع الخاص النشط والحيوي.
19/9/2007
اثنا عشر قتيلا عراقيا هم حصيلة عربدة مرتزقة شركة الأمن الاميركية الخاصة «بلاكووتر» في بغداد يوم الاحد الماضي. طفل وأمه وشرطي سير وعدد من المارة سقطوا بنيران المسلحين المكلفين حماية موكب دبلوماسي أميركي انفجرت قربه عبوة ناسفة.
سحبت الحكومة العراقية ترخيص عمل «بلاكووتر» في العراق وقررت إعادة النظر في نشاط جميع الشركات المشابهة. سلّط الحادث الضوء على ممارسات الشركات الامنية الخاصة التي تعمل وفق عقود سخية (تبلغ قيمة عقد عمل «بلاكووتر» وحدها 500 مليون دولار في العام)، ومن دون اقامة وزن للقانون العراقي ولا لحياة المواطنين العراقيين، بطبيعة الحال. اعتذرت وزيرة الخارجية الاميركية عن الحادث ووعدت بمتابعة التحقيق مع السلطات العراقية.
الخبر عينة على الطريقة التي يدير بها الاحتلال الاميركي شؤون العراق وعلى قلة حيلة العراقيين حيال جموع الاحلاف الذين جيء بهم لحماية مصالح المحتل وانصاره وكل من يستطيع الدفع. غير أن الحادث يحمل أبعاداً تتجاوز العراق وافتقاره الشديد إلى الأمن، لتصل إلى صلب العلاقة بين أمن خاص يتولى العناية بمجموعة من المحظوظين وبين أمن عام يفترض أن يحصله المواطن كحق بديهي له على سلطته التي يمولها من مدخوله المقتطعة منه الضرائب.
المسألة تشمل العالم بأسره بعد النجاحات التي حققها دعاة «تقليص الدولة» وتوزيع صلاحياتها وخصخصتها. الشركات العملاقة مثل «بلاكووتر» تعمل في العراق كجيش شبه مستقل لكنها تنشط ايضا في مجالات التدريب الامني والعسكري و«حفظ السلام والاستقرار» وتحتل الحكومات الموقع الاول بين المتعاقدين معها (بحسب ما يقول موقعها على الانترنت)، بل أن الادارة الاميركية لم تجد سوى شركة «بلاكووتر» تلجأ إليها لحماية موظفي الحكومة وقوافل الاغاثة ومراكز الصليب الاحمر بعد انهيار النظام العام وقوات الشرطة في اعقاب اعصار كاترينا عام 2005، فظهر جلياً الخيط الواصل بين المصالح الخاصة للمسؤولين الرسميين وبين اصحاب هذا النوع من «الاعمال». حالة مشابهة نراها في العالم الثالث الذي عزل اثرياؤه انفسهم وراء جدران مجمعاتهم السكنية العالية وجعلوا بيوتهم اشبه بالثكنات.
الظاهرة وصلت إلى لبنان كما بات معروفا. واذا كانت الشركات الامنية اللبنانية لم تتورط في حوادث قتل مشابهة لما تورطت فيه «بلاكووتر» واشباهها، واذا كانت توفر فرص عمل لعدد لا بأس به من الشبان الذين عضتهم البطالة بنابها، فإن الحديث المتزايد عن علاقة شركات الامن والحماية بالتسلح وبالتغطية على تكوين الميليشيات، ينبغي الا يغيب عن عين المراقبة العامة.
في لبنان العديد من الخروقات الخاصة للمجال الامني العام. لقد بات مملاً الحديث عن المربعات المتزايدة الاتساع والمسلحين الذين يسندونها. لكن القضية التي يتعين الالتفات إليها تتلخص في المساحة التي تخلت الدولة اللبنانية عنها، راضية أو مضطرة، إلى الجهات المتكفلة بالامن الخاص. ومن المفيد الاشارة إلى ان اعمال العنف التي تمارسها عناصر الشركات الامنية أو الحراسات الخاصة، بحق المواطنين، آخذة في التصاعد طردا مع اتساع نشاط هذه الشركات واحتكاك عناصرها بالمواطنين. هذه مسألة حسابية لا مجال للتلاعب فيها أو التغطية عليها. غير أن لب الموضوع يكمن ليس في احترام خصوصية المواطنين وحرمتهم أمام الامن الخاص، بل في الحيز الذي تتشارك فيه الدولة مع القطاع الخاص في مجال احتكار عنفها، من جهة، وفي قابلية هذه المؤسسات للتضخم ترافقا مع ما قد يستجد على الوضعين السياسي والامني.
المقاومة مثال نال حظه من الجدال حول احتكار الدولة للعنف، وصولا إلى التساؤل حول ما اذا كان تعريف ماكس ويبر عن العلاقة بين العنف والدولة ينطبق على المقاومة. ولم يُبنَ بعد اجماع وطني حيال النقطة هذه. فتُركت المقاومة يحوم حولها اعتقاد بأنها ضرب من خصخصة الامن الخارجي للبلاد وتوكيله إلى جهة بعينها.
الانقسام السياسي الداخلي يحض كل طرف على الركون إلى أمنه الخاص المموه على شاكلة شركة امنية، يقال إن عديد موظفي بعضها يتجاوز الالاف. يمكن لمراقبٍ الزعم أن التصريح بإنشاء ميليشيات في الحقبة الحالية لا تردعه فقط «هيبة الدولة» التي لم توقف في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي اصحاب الميليشيات الخاصة عن مشاريعهم السابقة على الحرب الاهلية، بل إن الاصح هو أن ما يحول دون مضيهم في النهج هذا هي «روح العصر» المحبذة لمنطق الشركات والمؤسسات القادرة على ايجاد الكثير من التبريرات القانونية لنشاطاتها بغض النظر عن مدى تلاؤمها أو خرقها لجوهر القانون قبل نصوصه.
بهذا المعنى، تكون بعض الشركات الامنية اللبنانية التي يقال أنها توفر حمايات متعددة الانواع لاطراف سياسية ترتبط بها ارتباطا مباشرا، هي ميليشيات لبنان في القرن الحادي والعشرين، بعدما صعدت مكاتبها إلى ابراج المكاتب الزجاجية، وتركت المراكز الحزبية في الازقة. في المقابل، قد يقول قائل إن مجتمعاً مشتتاً ومنقسماً على الطريقة اللبنانية (بحيث لا يصح معها وصفه بالمجتمع، في الاساس) لا يستطيع تحمل انتظار حصول التوافق على الحدود الفاصلة بين المجال العام والمجال الخاص بما فيها مجال الامن، فتقدم إلى المكان الذي اشتهر فيه: القطاع الخاص النشط والحيوي.
19/9/2007
Page 10
«توافق»
غطت إشاعة التفاؤل بعد جلسة مجلس النواب امس على الحذر السابق للجلسة. عادت بعض الحركة إلى الشوارع التي خلت منها وخف ازدحام السير في محيط المناطق المغلقة للدواعي الامنية.
مبرر التفاؤل هذا، هو الاعتقاد بإمكان استغلال هامش زمني لا يزيد عن الشهر ونيف، للمناورة على أمل التوصل في المدة المذكورة إلى توافق بين الكتلتين النيابيتين الوازنتين.
لكن قراءة ثانية لجلسة يوم امس تعطي صورة مختلفة. لقد علّق اللبنانيون استحقاقهم الرئاسي على مشجب التطورات الاقليمية المنتظرة. وهذه ليست غير حسم الولايات المتحدة وايران وحلفائهما لأمر الحرب أو السلم في ما بينهم. الخياران الكبيران ستكون لكل منهما تداعياته الهائلة على لبنان، ومن باب أولى على الاستحقاق الرئاسي فيه.
تقول الحكمة السائدة إن اللبنانيين قد ينجحون في درء قدر من رياح العاصفة الاقليمية عندما تهب، إذا أفلحوا في اختيار رئيس توافقي للجمهورية. غير أن المصطلح «التوافقي» يتطلب تعريفا، على غرار العبارات المستخدمة في الرطانة اللبنانية. يفترض «بالتوافق» أن يوفر قاعدة سياسية عريضة للرئيس المقبل تعينه على إنجاز مهمات في غاية الصعوبة. فإلى جانب الحد، قدر الامكان، من تأثيرات الصراعات الاقليمية والدولية المتوقعة، يتعين على الرئيس التوافقي أن يقدم جملة من الضمانات الداخلية مرتبط بعضها بالمناخ الاقليمي العام. منها على سبيل المثال، متابعة تشكيل المحكمة الدولية المخصصة للنظر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وضمان الحضور المسيحي السياسي الفاعل في مؤسسات الدولة من دون أن يشكل ذلك تراجعا عما أقره اتفاق الطائف، والإبقاء على سلاح المقاومة إلى حين التوصل إلى تسوية ما، داخلية وخارجية بشأنه.
ينوء «التوافق» بعبء جدول أعمال من هذا النوع.
لنأخذ مسألة تشكيل المحكمة الدولية نموذجا. إن اعتبار المحكمة مطلبا لبنانيا عاما يكلف رئيس الجمهورية المقبل بمتابعته والإلحاح على تحقيقه، سيضع أي رئيس في حالة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع سوريا، بما أنها المتهمة بالوقوف وراء الاغتيالات من قبل الاكثرية النيابية، صاحبة الحصة الاكبر من «التوافق».
ينطبق المنطق ذاته على بقية نقاط جدول أعمال الرئيس التوافقي العتيد بما يحول عملياً دون قيامه بأي من مهماته من دون المجازفة بتعريض السلم الأهلي لخطر الانفجار. ولن يكون سهلا، والحال على ما سبقت الاشارة اليه، الحديث عن رئاسة توافقية تلبي حاجات الأكثرية والمعارضة وتحافظ على علاقات لبنان الحيوية مع العالم العربي ابتداء من الجار والشقيق الأقرب، سوريا التي تعاني علاقاتها خللاً فاضحاً مع شقيق عربي آخر يمثل جزءا من الرئة الاقتصادية التي ما زال لبنان يتنفس منها، أي السعودية. بل الأرجح أن الرئاسة ستكون في حالة اختبار دائم لقدرات الرئيس البهلوانية وتخضع لاستفتاء متواصل على شعبيته وتمتعه برضى الفرقاء الذين باتوا على قدر من التوتر بحيث لن تغيب عن أنظارهم أدنى هفوة رئاسية قد تصب في مصلحة الطرف المقابل.
هذه بعض من صفات المرشح «التوافقي» المثالي أو بالاحرى الافتراضي، وهو غير متوفر بطبيعة الحال، بين صفوف المرشحين. وإن توفر فلن يكون في متناوله من الامكانات ما يتيح له تفعيل أي من نقاط برنامجه الذي سهر على حياكته من خرق المواقف المتباينة وعلى تدوير زوايا متناقضاته.
من تحصيل الحاصل القول إن القوى السياسية اختلفت على تقديم تعريف لمصطلح «التوافق». لكن النزاهة تقتضي إقرارا بأن بعض صفات الرئيس التوافقي، عند قوى الطرفين، ليست من التوافقية في شيء.
أين ستصبح كل هذه الاعتبارات والحسابات إذا أفاق اللبنانيون ذات صبيحة على نبأ اندلاع مواجهة إقليمية «من بحر قزوين إلى شواطئ المتوسط»، بحسب العبارة المستخدمة منذ أشهر؟
تشي الانزياحات في مواقف الاطراف اللبنانية منذ حرب تموز حتى اليوم، باستعداد أكبر لالتحاق كل طائفة وجهة سياسية وحزبية بالمعسكر الاقليمي الأقرب إليها. وسيكون من الصعب التحدث عن «توافق» ما، في دعم المقاومة في وجه العدو الإسرائيلي، مثلا، بعد الارتفاع الشديد في وتيرة الفرز الطائفي الذي شهده لبنان في الاشهر القليلة الماضية. فتوافق مثل هذا يستمد نسغه من اعتراف اللبنانيين بحتمية عيشهم معاً، وهذا ما بات في حكم المهدد بالاندثار.
26/9/2007
غطت إشاعة التفاؤل بعد جلسة مجلس النواب امس على الحذر السابق للجلسة. عادت بعض الحركة إلى الشوارع التي خلت منها وخف ازدحام السير في محيط المناطق المغلقة للدواعي الامنية.
مبرر التفاؤل هذا، هو الاعتقاد بإمكان استغلال هامش زمني لا يزيد عن الشهر ونيف، للمناورة على أمل التوصل في المدة المذكورة إلى توافق بين الكتلتين النيابيتين الوازنتين.
لكن قراءة ثانية لجلسة يوم امس تعطي صورة مختلفة. لقد علّق اللبنانيون استحقاقهم الرئاسي على مشجب التطورات الاقليمية المنتظرة. وهذه ليست غير حسم الولايات المتحدة وايران وحلفائهما لأمر الحرب أو السلم في ما بينهم. الخياران الكبيران ستكون لكل منهما تداعياته الهائلة على لبنان، ومن باب أولى على الاستحقاق الرئاسي فيه.
تقول الحكمة السائدة إن اللبنانيين قد ينجحون في درء قدر من رياح العاصفة الاقليمية عندما تهب، إذا أفلحوا في اختيار رئيس توافقي للجمهورية. غير أن المصطلح «التوافقي» يتطلب تعريفا، على غرار العبارات المستخدمة في الرطانة اللبنانية. يفترض «بالتوافق» أن يوفر قاعدة سياسية عريضة للرئيس المقبل تعينه على إنجاز مهمات في غاية الصعوبة. فإلى جانب الحد، قدر الامكان، من تأثيرات الصراعات الاقليمية والدولية المتوقعة، يتعين على الرئيس التوافقي أن يقدم جملة من الضمانات الداخلية مرتبط بعضها بالمناخ الاقليمي العام. منها على سبيل المثال، متابعة تشكيل المحكمة الدولية المخصصة للنظر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وضمان الحضور المسيحي السياسي الفاعل في مؤسسات الدولة من دون أن يشكل ذلك تراجعا عما أقره اتفاق الطائف، والإبقاء على سلاح المقاومة إلى حين التوصل إلى تسوية ما، داخلية وخارجية بشأنه.
ينوء «التوافق» بعبء جدول أعمال من هذا النوع.
لنأخذ مسألة تشكيل المحكمة الدولية نموذجا. إن اعتبار المحكمة مطلبا لبنانيا عاما يكلف رئيس الجمهورية المقبل بمتابعته والإلحاح على تحقيقه، سيضع أي رئيس في حالة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع سوريا، بما أنها المتهمة بالوقوف وراء الاغتيالات من قبل الاكثرية النيابية، صاحبة الحصة الاكبر من «التوافق».
ينطبق المنطق ذاته على بقية نقاط جدول أعمال الرئيس التوافقي العتيد بما يحول عملياً دون قيامه بأي من مهماته من دون المجازفة بتعريض السلم الأهلي لخطر الانفجار. ولن يكون سهلا، والحال على ما سبقت الاشارة اليه، الحديث عن رئاسة توافقية تلبي حاجات الأكثرية والمعارضة وتحافظ على علاقات لبنان الحيوية مع العالم العربي ابتداء من الجار والشقيق الأقرب، سوريا التي تعاني علاقاتها خللاً فاضحاً مع شقيق عربي آخر يمثل جزءا من الرئة الاقتصادية التي ما زال لبنان يتنفس منها، أي السعودية. بل الأرجح أن الرئاسة ستكون في حالة اختبار دائم لقدرات الرئيس البهلوانية وتخضع لاستفتاء متواصل على شعبيته وتمتعه برضى الفرقاء الذين باتوا على قدر من التوتر بحيث لن تغيب عن أنظارهم أدنى هفوة رئاسية قد تصب في مصلحة الطرف المقابل.
هذه بعض من صفات المرشح «التوافقي» المثالي أو بالاحرى الافتراضي، وهو غير متوفر بطبيعة الحال، بين صفوف المرشحين. وإن توفر فلن يكون في متناوله من الامكانات ما يتيح له تفعيل أي من نقاط برنامجه الذي سهر على حياكته من خرق المواقف المتباينة وعلى تدوير زوايا متناقضاته.
من تحصيل الحاصل القول إن القوى السياسية اختلفت على تقديم تعريف لمصطلح «التوافق». لكن النزاهة تقتضي إقرارا بأن بعض صفات الرئيس التوافقي، عند قوى الطرفين، ليست من التوافقية في شيء.
أين ستصبح كل هذه الاعتبارات والحسابات إذا أفاق اللبنانيون ذات صبيحة على نبأ اندلاع مواجهة إقليمية «من بحر قزوين إلى شواطئ المتوسط»، بحسب العبارة المستخدمة منذ أشهر؟
تشي الانزياحات في مواقف الاطراف اللبنانية منذ حرب تموز حتى اليوم، باستعداد أكبر لالتحاق كل طائفة وجهة سياسية وحزبية بالمعسكر الاقليمي الأقرب إليها. وسيكون من الصعب التحدث عن «توافق» ما، في دعم المقاومة في وجه العدو الإسرائيلي، مثلا، بعد الارتفاع الشديد في وتيرة الفرز الطائفي الذي شهده لبنان في الاشهر القليلة الماضية. فتوافق مثل هذا يستمد نسغه من اعتراف اللبنانيين بحتمية عيشهم معاً، وهذا ما بات في حكم المهدد بالاندثار.
26/9/2007