مقدِّمة
على مدى ثلاثين عامًا، كان أشخاصٌ يجلسون في مكتبي ويُطلعوني على خلافاتهم مع أنسبائهم. وكنتُ أصغي بينما هم يقولون:
‘‘إنَّ شقيقة زوجي تثير جنوني. فهي تخبرني كيف أربِّي أولادي، ولكنَّها عازبة! ما الذي تعرفه هي عنِ الأمومة؟’’
‘‘إنَّ حماتي وأختَ زوجي تعملان على إقصائي. فَهُما تتناولان طعام الإفطار كلَّ يوم سبتٍ خارجًا، ولم تدعواني يومًا إلى الانضمام إليهما. إنَّهما تعرفان أنَّ أمِّي وشقيقاتي يَعِشنَ على بعد ستَّمئة ميلٍ (نحو 965 كيلومتر). أشعر بأنِّي مُستبعَدةٌ من دائرة أنشطتهما النِّسويَّة’’.
‘‘عندما يحضر والد زوجي لِتناوُل العشاء، فإنَّ جُلَّ ما يمكنه الحديث بشأنه هو الرياضة، والعمل، أو ما قد قرأ في الصحيفة. وهو لا يسأل أبدًا عن تفاصيل حياتنا، ويبدو منفصلًا عنَّا تمامًا من الناحية العاطفيَّة’’.
‘‘يحاول شقيق زوجي السيطرة عليه. وهو يكبره بِخمس سنوات، وربَّما كان يفعل هذا طِوال حياته، ولكنَّ ذلك لا يعجبني’’.
‘‘ما فعله صهرُنا في الأساس إنَّما هو اختطاف ابنتنا. وهو يرفض منذ زواجهما السماح لها بحضور مناسباتنا العائليَّة’’.
‘‘عندما يدعونا أهل زوجي إلى بيتهم، فإنَّهما يشملان جميع أولادهما مع أُسَرهم بهذه الدعوة. تمنَّيتُ لو يدعوانا ولو لمرَّة واحدة وحدَنا كزوجَين’’.
‘‘يعطي أهل زوجتي نقودًا لها لِشراء أشياءَ لا يمكننا تحمُّل كلفتها. إنَّ هذا التصرُّف يشعرني بالامتعاض. أتمنَّى لو يَدَعانِنا نسيِّر شؤون حياتنا بأنفسنا’’.
‘‘تريد حماتي أن تعلِّمني كيف أطبخ. لقد كنتُ أطهو طعامي قبل زواجنا بِخمس سنوات. أعتقد أنِّي أعرف كيف أطبخ. وأنا لست بحاجةٍ إلى مساعدتها’’.
‘‘من الصعب أن ندعوَ شقيق زوجتي وشقيقتها فقط للقيام بأنشطةٍ معًا. إنَّ حماتي مطلَّقة، ونشعر بأنَّ دعوتَها هي عبءٌ علينا’’.
‘‘يحضر أهل زوجي فجأةً ‘‘على غير انتظار’’. ويكون هذا أحيانًا أثناء انهماكي بعملٍ عليَّ إنجازه. أتمنَّى لو يحترمون جدول مواعيدنا’’.
ربَّما أمكنك إضافة بعضٍ من شكاياتك الخاصَّة. غالبًا ما تُركَّز مشاكل الأنسباء على مسائلَ كالسيطرة، والتدخُّل، وعدم الملائمة، والتعارض في القِيَم والتقاليد. إنَّ هدف هذا الكتاب هو تقديم أفكارٍ عمليَّةٍ حول كيفيَّة التصرُّف خلال هذه الصراعات وبناءِ علاقاتٍ إيجابيَّة.
عندما يتزوَّج شخصان، فإنَّهما لا يتزوَّجان بعضهما البعض فقط؛ بل يتزوَّجان داخل أسرةٍ موسَّعة تتألَّف من والدَي الزوجَين، وربَّما أشقَّائهما. ويأتي هؤلاء الأنسباء بجميع الأحجام والأشكال والطبائع. كما أنَّهم يأتون ومعهم ماضٍ من التقاليد العائليَّة، وطرق التعامل مع بعضهم البعض. مهما كان ما نقول أيضًا عنِ الأُسَر، فإنَّه يسعنا الاتِّفاق على أنَّ جميع الأسر تختلف بعضها عن بعض. وغالبًا ما تؤدِّي هذه الاختلافات إلى صعوباتٍ قابلةٍ للتعديل.
إنْ كنَّا قادرين على إجراء هذه التعديلات، فإنَّ باستطاعتنا إيجاد علاقاتٍ إيجابيَّةٍ بين الزوجَين وأنسبائهما. وإن لم نستطع ذلك، فقد يصبح موضوع الأنسباء مزعجًا إلى أقصى حدّ. إنَّ العلاقات الأبويَّة- أهله وأهلها- هي مجال الخلافات الأكثر شيوعًا.
في خُطَّة الله، لم يُوضَع دور الأنسباء ليكونوا عامِلَ شقاق. إنَّما كان القصد أن يكونوا عنصرَ مساندةٍ ودعم. إنَّ الحرِّيَّة والتآلفَ والانسجام هم هدفُ الكتاب المقدَّس المثاليُّ للعلاقة بالأنسباء. ولتحقيق هذا المثل الأعلى في الزواج، ينبغي أن يسير الانفصال عنِ الأهل جنبًا إلى جنب مع الإخلاص والتفاني في محبَّتهم.
الانفصال عنِ الأهل
تقول الأسفار المقدَّسة: ‘‘من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمَّه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا’’.1يتضمَّن نموذج الله للزواج ‘‘تَرْك’’ الأهل و‘‘اتِّحاد الزوجَين’’. ويتضمَّن هذا بالتالي تغييرًا في الولاء. إذ يكون الولاء قبل الزواج للأهل، ويتحوَّل بعد الزواج للشريك.
غالبًا ما ندعو هذا ‘‘قَطْع الحبال النفسيَّة’’. إنْ كان الخلافُ ما بين الزوجة وحماتها خلافَ مصالح، فعلى الزوج أن يقفَ إلى جانب زوجته. إنَّ هذا لا يعني أن تُعامَل الأمُّ بطريقةٍ غير لائقة؛ إنَّما يعني أنَّها لم تَعُدِ الأنثى المُهيمِنة في حياته. إنَّ مبدأ الانفصال عنِ الأهل هو أمرٌ غاية في الأهمِّيَّة. سنَسعى إلى تطبيق هذا المبدإِ في الفصول القادمة. ما من زوجَين سيتمكَّنان من بلوغ كامل استطاعتِهما في الزواج دون هذا الانفصال النفسيِّ عنِ الأهل.
ربَّما لايوجد ما هو أهمُّ من مبدإِ الانفصال عنِ الأهل هذا إلَّا خطوة اتِّخاذ القرار. قد يقدِّم أهلك أو أهل شريكك اقتراحاتٍ تتعلَّق بِمجالاتٍ متعدِّدة من حياتكما الزوجيَّة. ينبغي أن يُدرَس كلُّ اقتراحٍ من هذه الاقتراحات بِجِدِّيَّة، ولكنَّك أنت مَن يجب أن يتَّخذ القرار الذي يتعلَّق بك نهايةَ الأمر. عليك ألَّا تسمح للأهل بِدفعك إلى اتِّخاذ قرارات لاتوافق أنت وزوجتك عليها.
الإخلاص والتفاني تُجاه الأهل
المبدأ الأساسيُّ الثاني للزواج هو وجوبُ إكرام والدَينا. لقد أعطى الله شعبَ العهد القديم الوصايا العشر، التي إحداها، ‘‘أكرم أباك وأمَّك لكي تطول أيَّامك على الأرض التي يعطيك الربُّ إلهك’’.2لقد أكَّد الرسول بولس على هذا المبدإِ في العهد الجديد لمَّا قال: ‘‘أكرم أباك وأمَّك. التي هي أوَّل وصيَّةٍ بوعد. لكي يكون لكم خيرٌ وتكونوا طِوال الأعمار على الأرض’’.3
لا تتوقَّف وصيَّة إكرام الأهل عندما نتزوَّج إذ تعني كلمة إكرام ‘‘إبداء الاحترام’’. وهي تتضمَّن معاملة الآخرين بِطريقةٍ عطوفةٍ ونبيلة. قالت إحدى الزوجات: ‘‘إنَّ والدِيَّ لا يعيشان حياةً محترمة. كيف أستطيع أن أحترمهما، في حين أنِّي لا أتَّفق مع ما يفعلانه؟’’ هذا صحيح، لا يعيش الأهل كلُّهم حياةً محترمة. قد لا تكون أفعالهم جديرةً بالاحترام. ولكنَّه يتحتَّم علينا إكرامهم لأنَّهم خُلقوا على صورة الله ومثاله؛ ولأنَّهم قد منحونا الحياة. قد لا نتَّفق مع اختيارهم لأسلوب حياتهم، ولكنَّنا نستطيع أن نحترمَهم كأشخاصٍ، حتَّى عندما لا نحترم مسلكهم. من الصواب دائمًا إكرام أهلنا وأهل شريكنا. إنَّ تَرْكَ الأهل بِهدف الزواج، لا يلغي مسؤوليَّة إكرامهم.
كيف نعبِّر عنِ الإكرام لأهلنا في حياتنا اليوميَّة؟ إنَّنا نُكرِمهم بإبقاء خطوط الاتِّصالات مفتوحةً بيننا بزيارتهم، أوِ الاتَّصال هاتفيًّا بهم، أو إرسال رسائل البريد الإلكترونيِّ إليهم. إنَّك تسعى بِمثل أساليب التواصل هذه، إلى إيصال رسالةٍ فحواها: ‘‘إنِّي ما زلتُ على حبِّي لكما، وأودُّ أن تكونا جزءًا من حياتي’’. لا ينبغي أبدًا تفسير معنى التَّرْك على أنَّه هَجْر. إنَّ الاتِّصال المنتظم هو جزءٌ ممَّا يعنيه إكرام الأهل. وفي الواقع، إنَّ الفشل في التواصل يقول: ‘‘إنِّي لم أَعُدْ أهتمّ’’.
يصف لنا العهد الجديد أسلوبًا آخرَ لإكرام الأهل: ‘‘ولكن إن كانت أرملةٌ لها أولادٌ أو حفَدَةٌ، فَلْيتعلَّموا أوَّلًا أن يوقِّروا أهل بيتهم ويُوفوا والدَيهم المكافأة. لأنَّ هذا صالحٌ ومقبولٌ أمام الله’’.4عندما كنَّا صغارًا، كان أهلنا يعملون على تلبية احتياجاتنا المادِّيَّة. وقد يكون علينا الآن، وهم يتقدَّمون في السنّ، أن نعاملهم بالمثل. إن دعَتِ الحاجة، ومتى دعت، علينا أن نتحمَّل مسؤوليَّة الاهتمام باحتياجات أهلنا المادِّيَّة. إنَّ إخفاقنا في تحمُّل هذه المسؤوليَّة هو إنكارٌ لإيماننا بالسيِّد المسيح. يقول بولس الرسول: ‘‘وإن كان أحدٌ لا يعتني بخاصَّته ولا سيَّما أهل بيته فقد أنكر الإيمان وهو شرٌّ من غير المؤمنين’’.5علينا أن نُظهر إيماننا بالسيِّد المسيح بأفعالنا، وذلك بإكرام والدَينا.
من منظور الأهل
إن كنَّا والدَين لأولادٍ متزوِّجين، سيفيدنا لو تذكَّرنا هدفنا. لقد درَّبْنا أولادَنا منذ ولادتهم ليكونوا مستقلِّين- أو على الأقلّ، كان علينا أن نفعل هكذا. لقد علَّمناهم كيف يطهون الطعام، وكيف يغسلون الصحون، وكيف يرتِّبون الأسِرَّة، وكيف يشترون الثياب، وكيف يوفِّرون النقود، وكيف يتَّخذون قراراتٍ مسؤولة. كما علَّمناهم احترام السلطات وقيمة الفرد. ومختصَر الحديث، لقد سعَيْنا إلى إيصالهم إلى مرحلة النضج. إنَّنا نريدهم أن يكونوا قادرين على إدارة حياتهم.
وعند زواجهم، يتحقَّق هدفنا بمساعدتهم على أن يصبحوا مستقلِّين. لقد ساعدناهم على الانتقال من مرحلة التَّبعيَّة الكاملة لنا كأطفال، إلى حالة الاستقلاليَّة الكاملة كمتزوِّجين حديثًا. علينا أن ننظر إليهم في المستقبل على أنَّهم أشخاصٌ بالغون سَيَرسمون طريقهم بأنفسهم، في السرَّاء والضرَّاء. وعلينا ألَّا نفرض أبدًا إرادتنا عليهم مرَّةً أخرى. يجب أن نحترمهم كأندادٍ لنا.
هذا لا يعني أنَّنا لن نقوم بمساعدة أولادنا المتزوِّجين بعد الآن. بل يعني هذا أنَّنا عندما نرغب في المساعدة، فإنَّنا سنسألهم أوَّلًا إنْ كانوا يريدون هذه المساعدة. إنَّ الهديَّة غير المرغوبة ليست بِهديَّة، بل هي عبء.
في بعض الأحيان، يقدِّم الأهل مساعداتٍ ماليَّةً إلى أولادهم المتزوِّجين بِهدف مساعدتهم على ترسيخ معايير نمطِ حياةٍ لا يمكنهم تحمُّل تكاليفه. إنَّ هذا التصرُّف لا يؤدِّي إلى تعزيز الاستقلاليَّة. كما لا ينبغي للوالدَين أن يستخدما الهدايا للتأثير في ولدٍ متزوِّج. ‘‘سنشتري لك سيَّارةً جديدة إنْ…’’ إنَّ ذاك ليس بِهديَّة، بل هو محاولة لِلتَّلاعب بغية الوصول إلى هدفٍ شخصيّ.
يرغب الأهل في بعض الأحيان بإسداء النُّصح لأولادهم المتزوِّجين. وتقتضي القاعدة الأساسيَّة من الأهل تقديم النصيحة في حال طُلبَت منهم فقط. إن لم يطلب أولادكم مشورتكم؛ وشعرتُم أنتم بالرغبة الشديدة في تقديمها، استأذنوهم في ذلك على الأقلّ، وسؤال‘‘أتودُّون أن أبيِّن لكم وجهة نظري في الموضوع؟’’ هو سؤالٌ جيِّد. إنَّ إسداء نصحٍ لأولادكم المتزوِّجين لم يطلبوه منكم، لا يساعد على تنمية علاقاتٍ إيجابيَّة.
إنَّ الغايات التي نطمح أن نَصِل إليها هي الحرِّيَّة والألفة والانسجام. يحتاج الزوجان إلى الدفء العاطفيِّ الذي يأتي نتيجةَ علاقةٍ سليمةٍ مع أهل الزوجَين. والأهل بحاجةٍ إلى الدفء الذي يمنحهما إيَّاه الزوجان. إنَّ الحياة أقصر من أن نقضيَها في الخلافات والعلاقات المقطوعة. لن نتَّفق دائمًا مع أولادنا المتزوِّجين، ولكنَّنا نستطيع أن نُبديَ لهمُ الاحترام ونمنحَهم الحرِّيَّة لاتِّخاذ قراراتهم بأنفسهم.
إذًا، كيف يمكننا على وجه الدقَّة أن نصبح وأنسباؤنا أصدقاء؟ في الصفحات القليلة التالية، سأطلعكم على سبعة مبادئ ستعمل على تغيير العلاقات بالأنسباء تغييرًا جذريًّا.
لقد قصدتُ أن يكون هذا الكتاب قصيرًا؛ لأنِّي أعرف أنَّكم منشغلون ولا وقتَ لديكم. يمكنكم على الأرجح أن تقرأوه بأقلِّ من ساعتَين. وستجدون أنَّ قراءةَ هذا الكتاب هي استثمارٌ جيِّدٌ لوقتكم. هذا وتوجد في نهاية كلِّ فصلٍ قصير مقترحاتٌ عمليَّةٌ تتعلَّق بكيفيَّة حياكة هذه الأفكار داخل نسيج حياة أسرتك.
سواءٌ أشقيقَ الشريك كنتَ أمِ الصهر، أم كنتِ الكنَّة، أمِ الحماة، أم شقيقة الشريك، فإنَّ هذه المبادئ هي لكم. إن كنت ستسعى إلى تطبيق هذه المبادئ على علاقاتك بأنسبائك، فإنِّي أتوقَّع أنَّك ستبدأ في رؤية تغييراتٍ إيجابيَّة في مواقف أنسبائك وسلوكهم. ستجد في نهاية كلِّ فصلٍ مقطعًا تحت عنوان ‘‘وَضْعُ المبادئ موضعَ التطبيق’’. اتبع هذه المقترحات، وستكون في طريقك باتِّجاه علاقاتٍ إيجابيَّةٍ بالأنسباء.
أصغوا قبل أن تتكلَّموا
تُعدُّ حماةُ مارشا سيِّدةً ميسورة. في المقابل، نشأتْ مارشا في بيتٍ متواضع حيث كان الاهتمام الأكبر مُنصبًّا على العطاء والتضحية الشخصيَّة. كان والدُها يَشغَلُ منصبَ رئيس لجنة الإرساليَّات في الكنيسة، وكانت مشاركة والدتها في تقديم الخدمة إلى النساء فاعلة. كانتْ مارشا في كلِّ عام، بقدر ما تستطيع أن تسعفها ذاكرتها، تشاهد والدَيها وهما يوفِّران المال ليتمكَّنا من تقديم منحةٍ ذات قيمة إلى معونات الإرساليَّات السنويَّة. وهي نفسها كانت تقتطعُ مبلغًا من مصروفها كطفلة لتقدِّمه إلى هذه المؤسَّسة.
بعد سنتَين من الزواج، كانت مارشا مُحبطةً تمامًا في ما يتعلَّق بِحماتها. ‘‘إنَّها تدعوني كلَّ شهرٍ إلى الغداء. إنَّ رؤيتَها تُسعدني دائمًا، ولكنَّها تُصِرُّ بعد الغداء على اصطحابي للتسوُّق كي ما تبتاعَ لي ثوبًا جديدًا. قدَّرتُ في البداية كرمَها، ولكنْ بِمرور الوقت، بدا وكأنَّ وقت الغداء راح يقصر رويْدًا رويْدًا، بينما امتدَّ انغماسنا في التسوُّق إلى وقت ما بعد الظهر. وهي لا تبحث البتَّة عن ثيابٍ في التنـزيلات، وقدِ اشترت لي بعض الثياب الغالية الثمن حقًّا’’.
تابعت مارشا قائلةً: ‘‘إنِّي أحسَبُ ذلك هدرًا مفرطًا للمال، كما أشعر وكأنَّها تحاول شراء صداقتي. عندما أقول لها إنِّي لستُ بحاجةٍ إلى ثوبٍ جديد هذا الشهر، فإنَّها تقول: تحتاج كلُّ سيِّدةٍ إلى ثوبٍ جديد. إنَّه يرفع روح الشخص المعنويَّة’’.
قالت مارشا: ‘‘حسنًا، إنَّه لا يرفع روحي المعنويَّة، إنَّما يجعلني أشعر بالاستياء منها. لماذا لا تعطي هذه النقود إلى أشخاصٍ بحاجةٍ فعليَّة إليها؟ إنَّ خزانة ملابسي ملآنةٌ بالثياب. أنا لا أرغب في جَرْح مشاعرها. أريد علاقةً لا يكون التسوُّق محورَها. أريد أن يكون وقت الغداء معها طويلًا وممتعًا وهادئًا. أودُّ أن أعرف كيف كانت طفولتها، وأيَّ نوعٍ من الصراعات قد واجهته، هي ووالد زوجي، في بدايات زواجهما، وكيف كان شعورها كونها صارت أمًّا غير عاملة تلازم البيت. إنَّ كلَّ ما تتحدَّث بشأنه هو لعبة الغولف التي تمارسها، وحفلات البريدج التي تحضرها. يساورني في بعض الأحيان شعورٌ بأنَّها وحيدةٌ إلى أبعد حدّ، وأنَّ التسوُّق هو طريقتها في محاولة نسيان وَحدتها. لستُ أدري. أتمنَّى لو تصبح علاقتنا أكثر واقعيَّة’’.
احتفظتْ مارشا بهذه الأفكار والمشاعر كلِّها لنفسها. حاولت أن تُطلعَ زوجَها روب عليها، ولكنَّ استجابته كانت على النحو التالي: ‘‘دعي أمِّي تبتاع لكِ الثياب، إنَّه أسلوبها في إظهار محبَّتها لكِ’’. ربَّما كان روب مُحِقًّا، ولكن إن كان الأمر كذلك، فإنَّ والدته قد أخطأَتِ الهدف. إذ لا تشعر مارشا بأنَّها محبوبة؛ إنَّما تشعر بالاستياء.
سألتُها قائلًا: ‘‘أَحاولتِ أن تُطلعي حماتكِ على أيٍّ من هذه الأفكار والمشاعر؟’’
أجابت مارشا: ‘‘ليس تمامًا، إنَّها ذاتُ شخصيَّةٍ متسلِّطة. فهي تتحدَّث معظم الوقت، ونادرًا ما تطرح عليَّ الأسئلة؛ وعندما تفعل، ينتابني إحساسٌ بأنَّها لا تصغي إلى جوابي. فهي تفكِّر في ما ستقوله لاحقًا. إنِّي أشعر بالتوتُّر حين أكون بالقرب منها’’.
كان واضحًا بالنسبة إليَّ أنَّ لدى مارشا مشكلةً تتمثَّل في حماتها، ولن تختفيَ هذه المشكلة ما لم تبادِرْ مارشا إلى اتِّخاذ الخطوة الأولى.
قالت مارشا ‘‘ولكنِّي لا أستطيع أن أقول لها ببساطةٍ إنِّي مستاءةٌ منها، كما أنِّي لا أستطيع أن أتوقَّف عن تناوُلِ الغداء معها. إنَّ ذلك هو الاتِّصال المباشر الوحيد بيننا. إن قلتُ لها إنِّي لا أريد الثياب، أخشى أن أجرح شعورها. إنِّي حقيقةً لا أدري كيف أتصرَّف. لذا فأنا الآن هنا’’.
قلتُ لها: ‘‘يسرُّني أنَّكِ حضرتِ، إنِّي لست بِصانعِ معجزات، ولكنَّ لديَّ فكرةً أودُّ أن أعرضَها عليكِ. في المرَّة المقبلة التي تتناولين فيها الغداء مع حماتكِ، قولي لها: ‘‘أريد أن أطرح عليك سؤالًا قبل ذهابنا للتسوُّق. على مقياس 1 إلى 10، ما مدى ما تشعرين به من سرورٍ عندما تصطحبينني لكي نتسوَّق؟’’ إن كانت إجابتها ثمانية، أو تسعة، أو عشرة (وهو ما أتوقَّعه)، عندئذٍ اسأليها: ‘‘أخبريني، لماذا يمنحك لطفكِ معي هذا القَدْرَ من السرور؟’’
‘‘أصغي بانتباهٍ إلى إجابتها. ثُمَّ قولي لها ما تعتقدين أنَّكِ سمعتِها تقوله، واسأليها إن كان ذلك صحيحًا. مَثَلًا، يمكن أن تقولي: إنَّ ما سمعتِكِ تقولينه هو أنَّك تستمتعين بِشراءِ أشياءَ لي لأنَّ حماتَك لم تفعل شيئًا لكِ في بداية زواجكِ، وقد أشعركِ ذلك بالألم. وأنت لا تريدين أن يحدث ذلك في العلاقة بيننا. هل ما قلته صحيح؟ تابعي طَرْحَ أسئلةٍ توضيحيَّةٍ إلى أن تشعري بأنَّك تفهمين ما يكمن خلف رغبتها باصطحابك للتسوُّق.
‘‘وبعد ذلك، عبِّري لها عن تقديرك لِما تفعلُه من أجلكِ. وما إن تفهمي دوافعها، أعتقد أنَّك ستجدين القيام بذلك أكثر سهولة. قولي لها إنَّك تقدِّرين حقًّا كَرَمَها معكِ ومراعاتها لك. ومن ثَمَّ، قولي لها كم كان هذا الحديث هادفًا بالنسبة إليك، وإنَّك تشعرين وكأنَّك أصبحتِ تعرفينها الآن بشكلٍ أفضل، وتقدِّرينها أكثر. ثُمَّ اذهبي معها للتسوُّق، ودعيها تشتري لكِ كلَّ ما ترغبُ في شرائه.
‘‘في الشهر التالي، في موعد تناولكما الغداء معًا، اطرحي على حماتك مزيدًا من الأسئلة. أخبريها عن مدى استمتاعكِ بالحديث معها الشهر الماضي، وأنَّك تودِّين أن تطرحي عليها بعض الأسئلة الإضافيَّة حول حياتها، إن لم تمانعْ في ذلك. يمكنك أن تطرحي أسئلةً كهذه: كيف كانت طفولتك في بيتكم؟ كيف كانت مرحلة الدراسة الثانويَّة بالنسبة إليكِ؟ كيف تعرَّفتِ بِزوجكِ؟ ما الذي جعلكِ تقررين الزواج به؟ كيف كانَتِ السنوات الأولى من زواجك؟ ما الأشياء التي كنتِ تفضِّلينها والتي استمتعتِ بها في ما يتعلَّق بزواجك وبأسرتك؟ إنَّ هذه الأسئلة على الأرجح، أكثر بِكثيرٍ من أن تُطرَح في محادثةٍ واحدة؛ ولكن عليكِ بالانتقاء والاختيار من بينها.
‘‘إنَّ ما تحاولين فِعْلَهُ هو التوصُّل إلى معرفة حماتِكِ معرفةً أفضل. ونحن نفعل هذا بِطَرْح أسئلةٍ والإصغاء إلى الإجابات. مرَّةً أخرى، اطرحي أسئلةً توضيحيَّة للتأكُّد من فَهْمكِ لِما تقولُه. مَثَلًا، يبدو لي أنَّ سلوك والدكِ قد آلمكِ كثيرًا. أَهذا صحيح؟ مهما سمعتِها تقولُه، فَردِّديه بصيغة سؤال لكي تتيحي لها الفرصة للتوضيح. اخبريها بمدى استمتاعكٍ بالحديث، وبِأنَّك تقدِّرين رغبتها بإطلاعكِ على قصَّتها. وبعد ذلك اذهبا للتسوُّق.
‘‘حين تتَّصل بكِ في الشهر الثالث، وتدعوك إلى الغداء، قولي لها: إنِّي أتشوَّق لرؤيتكِ. لقدِ استمتعتُ كثيرًا بحديثنا في المرَّة الأخيرة، ولديَّ اقتراح. لطالما رغبتُ في الذهاب إلى معرضٍ للفن الحديث في وسط المدينة. ماذا لو ذهبنا بعد الغداء لمشاهدة معرض الفن بدلًا من ذهابنا للتسوُّق؟ إنْ أبدتْ موافقتها على اقتراحك، فإنَّ ذلك سيكون رائعًا. من جهةٍ أخرى، إنْ قالت: ماذا لو نذهبُ إلى المعرض الفنِّيِّ ومن ثَمَّ إلى السوق، فتجيبينها بالقول: حسنًا، ربَّما سيُتاح لنا الوقت للقيام بذلك، ولكن، أَيمكننا أن نذهب أوَّلًا إلى المعرض الفنِّيّ، ثُمَّ نرى ما سيحدث؟ هناك احتمالٌ كبير لأنْ تقبَلَ هذا الاقتراح. بعد ذهابكما إلى المعرض الفنِّيّ، يمكنكما معًا أن تقرِّرا ما إذا كان لديكما وقتٌ كافٍ للذهاب إلى التسوُّق أم لا. ربَّما تستطيعان أن تقوما بِجولةِ تسوُّقٍ سريعةٍ في هذه المرَّة، أو قد لا تقوما بها على الإطلاق. وفي الحالتَين، تكونين قد غيَّرتِ نمط الغداء والتسوُّق المعهودَين.
‘‘في الشهر الرابع، يمكنك أن تخوضي معها حديثًا هادفًا آخر، وأن تقترحي أنَّه يمكنكما في المستقبل أن تتناوبا التسوُّق في شهرٍ ما، وأن تقوما معًا ببعض النشاطات الاجتماعيَّة الأخرى في الشهر التالي. ربَّما يمكنكِ أن تقولي: ‘‘في نهاية الأمر، إنَّ خزانة ملابسي أصبحت ملآنة، وأنا أستمتع حقًّا بالقيام بأشياءَ أخرى بِرفقتكِ’’. إن أبدت موافقتها على عرضك، فإنَّك تكونين قد غيَّرتِ الآن نموذج جولة التسوُّق الشهريَّة.
‘‘وفي الأشهر التالية، يمكنك مواجهتها بِشجاعةٍ لِتقترحي أنَّكما قد تستطيعان اصطحاب ابنة صديقتكِ بالتبنِّي، وشراء ملابس لها، بدلًا من شراء أشياءَ لكِ هذا الشهر. أو قد يمكنكما في شهرٍ آخر أن تبتاعا موادَّ بقالةٍ لتقدِّماها إلى إحدى الأُسرِ المحتاجة، أو يمكنكما شراءَ تجهيزاتٍ مدرسيَّةٍ لمجموعةٍ من الطلبة الذين يأتون من أُسَرٍ محدودةِ الدخل. وشيئًا فشيئًا، ستساعدين حماتكِ على توجيه عطائها نحو مجالاتٍ تشعر كلاكما بِالرضا بِشأنها. وستتوصَّلين إلى معرفة حماتكِ كشخصٍ، وليس كمجرَّد سيِّدةٍ تتناولين الغداء وإيَّاها ثُمَّ تذهبان للتسوُّق’’.
في نهاية حديثنا، كانت مارشا تشعر بِالسُّرور. قالت لي: ‘‘إنْ أمكن تحقيق نصف ما وصفته في ما يتعلَّق بعلاقتي بِحماتي، فلسوف أكون غايةً في السعادة’’.
خلال الشهور التي تَلَت، رأتْ مارشا معظم هذه التصوُّرات تتحوَّل إلى حقيقة. فقد أصبحت هي وحماتها أفضل صديقتَين. وقد تعلَّمتْ أن تقبل هدايا حماتِها كتعبيرٍ عنِ المحبَّة، كما علَّمتْ حماتَها كيف تشارك حياتها على مستوى أعمق. بعد عدَّة شهور، قابلتُ الحماةَ في مناسبةٍ اجتماعيَّة. فقالت لي: ‘‘مارشا هي أفضل ما حدث في حياتي في يومٍ من الأيَّام. إنَّ الحصول على ابن شيءٌ رائع، ولكنَّ الحصول على زوجة ابن هو أفضل حتَّى’’. لا أدري كيف سيكون شعور ابنها في ما يتعلَّق بذلك، ولكن من الواضح أنَّها تكنُّ لمارشا إعزازًا وحنانًا حقيقيَّين.
تُبيِّن قصَّة مارشا قدرةَ الإصغاء. إنَّ هدف الإصغاء هو اكتشافُ ما يجري داخل أذهان الآخرين وعواطفهم. إذا فهمنا دوافع الأشخاص للقيام بما يقومون به، يمكننا أن نُظهِر تجاوُبًا أكبر. فمثلًا، تغيَّر موقفُ مارشا تُجاه حماتِها كلِّيًّا حين اكتشفتْ أنَّ دافعها لشراء ملابس لها كان بسبب افتقارها إلى النقود لشراء ثيابٍ في السنوات الأولى من زواجها، وشعورها بالحرج بشأن خزانة ملابسها. غالبًا ما يغيِّر إدراكنا للأمور قدرتَنا على فَهْمِ الأشخاص، وبالتالي، فَهْم شعورِنا السلبيِّ نحوهم.
إنَّ عدم قدرتنا على قراءة أفكار الأشخاص هو من المبادئ الأساسيَّة في علم النفس. فمع أنَّنا نلاحظ سلوكهم، فإنَّنا لا نعرف دوافع السلوك إلى أن نصغيَ إليهم. لم يعْتَدْ معظمنا الإصغاء. وكنتيجةٍ لذلك، غالبًا ما نسيء فهم أنسبائنا. إنِّي أودُّ أن أشارككم بعض الإرشادات من أجل إصغاءٍ فعَّال:
اطرَحْ أسـئلةً
إنَّ الطريقة الأكثر فاعليَّة لمعرفة ما يدور في أذهان أنسبائنا، هي طَرْح أسئلة. لا يُطلع معظمُ الأشخاص الآخرينَ على أفكارهم ومشاعرهم، وهي الدافع وراء سلوكهم، إلَّا إذا سُئلوا. كان من السهل على مارشا ملاحظة سلوك حماتها (اصطحابها للتسوُّق وشراء الثياب)، ولكنَّها لم تدركْ أنَّ الدافع وراء هذا السلوك هو أحداثٌ حصلت في الأيَّام الأولى لزواج حماتِها. لقد وصلت إليها هذه المعلومة كجوابٍ عن سؤالها.
ينبغي أن تُعدَّ الأسئلة بِمهارةٍ وتأنٍ. كلَّما كانَتِ الأسئلة محدَّدة، ازداد احتمال حصولك على المعلومة التي تسعى إليها. وقد تطرح أسئلةً تمهيديَّة، فقط لإثارة الموضوع. فمثلًا، إنَّ سؤالك ‘‘مَن في اعتقادكَ سيربح البطولة؟’’ يَضعُ موضوع لعبة البايسبول على طاولة الحوار. ومن ثَمَّ يمكنك أن تسأل: ‘‘متى أصبحتَ مهتمًّا بِالبايسبول؟ وما الذي أثار اهتمامك بها؟’’ قد تجعلك الإجاباتُ عن هذه الأسئلة تدرك السبب الذي يدعو حماك إلى الحرص على ألَّا تفوته أبدًا مباراة في البايسبول.
يجب أن تكون الأسئلة صادقةً دائمًا. إنَّكَ لا تطرح سلسلةً من الأسئلة لكي تحشر أنسباءكَ في الزاوية وتكسب الجدال. إنَّ هدفكَ من طَرْح الأسئلة هو محاولة فَهمِهم. عندما يشعر الأشخاص أنَّ اهتمامكَ بِهم هو اهتمامٌ حقيقيٌّ وصادق؛ وأنَّك تريد أن تعرفهم بشكلٍ أفضل، فإنَّهم سيجيبون تلقائيًّا عن أسئلتكَ بأمانةٍ وحرِّيَّة. لم يكن لدى حماة مارشا مانعٌ من التحدُّث بشأن الأيَّام الأولى من زواجها. كلُّ ما في الأمر أنَّ مارشا لم تبدِ يومًا اهتمامًا بذلك الجزء من حياتها. عندما رأتْ أنَّ اهتمام مارشا كان اهتمامًا صادقًا، تحدَّثت بصراحة بشأن ما حفَّز اهتمامها بالتسوُّق وتقديم الهدايا.
إنَّ طَرْح أسئلةٍ على أنسبائك لتقدير مشاعرهم بِحسب مقياسِ من 1 إلى 10، هو أسلوبٌ سريعٌ وسهلٌ لمعرفة مدى تأثُّرهم أوِ اهتمامهم بموضوعٍ ما. لقدِ استخدم جيسون هذا الأسلوب في بدء حوارٍ مع حميه. كان جيسون يشعر بالإحباط بشأن مَيْل حميه إلى المقامرة. وعندما علم أنَّ حماه قدِ اصطحب ابنه ذا الأعوام العشرة معه إلى الكازينو، شحب وجه جيسون وقال لزوجته: ‘‘لن أدَعَ بوبي يرى أباكِ ثانيةً’’. بعد مُضِيِّ أسبوعَين، وبعد أن سكن غضبه، شجَّعتُ جيسون على طَرْحِ أسئلةٍ على حميه وسماع إجاباته.
سألَ حماه قائلًا: ‘‘على مقياسِ 1 إلى 10، ما مدى استمتاعكَ بالذهاب إلى الكازينو؟’’ عندما أجابه حموه ‘‘عشرة’’، أدرك جيسون أنَّ هذا كان أمرًا بالغَ الأهمِّيَّة بالنسبة إليه. ثُمَّ أتبعَ جيسون سؤالَه بسؤالٍ آخر، ‘‘لماذا تجلبُ المقامرة كلَّّ هذا السرور إلى نفسكَ بحسب اعتقادك؟’’
ردَّ حموه قائلًا: ‘‘إنَّها أوقات استجمامٍ وتسلية بالنسبة إليَّ. إنِّي أُقامر لأنِّي أملك مالًا، وليس عليَّ أن أقلقَ بشأن كيفيَّة إنفاقه. عندما كنتُ طفلًا، لم نكن نملك إلَّا القليل جدًّا. ما عرفْنا قطُّ إنْ كنَّا سنتناول طعامًا ما عند الغداء، أو إن كان والدي سيقول: فَلْنأوِ باكرًا إلى الفراش، وسنتناول إفطارًا شهيًّا في الصباح. كانت وجبة الإفطار تتألَّف دائمًا من دقيق الشوفان، وقد أمكننا تناوُلَ الكمِّيَّة التي نريدها. رأيتُ أصدقائي في المدرسة وهم يبدِّدون النقود، فعقدتُ العزم على أن أكسبَ المال عندما أكبر، فلا أضطرُّ أبدًا إلى طلب شيءٍ من أيِّ شخصٍ كان، وهكذا صار. والآن أستطيع الاستمتاع بإنفاق نقودي بالطريقة التي تحلو لي. ما الذي سيحدث إذا خسرتُ ألف دولار؟ يمكنني تحمُّلُ هذه الخسارة’’.
تابع جيسون قائلًا: ‘‘إذًا، فالمقامرة بالنسبة إليكَ ليست مسألةَ ربحٍ أو خسارة؛ إنَّها مسألة تسلية’’.
ردَّ حموه قائلًا: ‘‘إنَّها ليست مجرَّد تسلية؛ إنَّما هي حرِّيَّة- حرِّيَّةُ فِعْل ما أشاء بِما أملك’’.
قال جيسون: ‘‘أعتقد أنِّي أفهم ما تقوله، كما أعتقد أنَّنا جميعًا نريد أن نكون أحرارًا، وهذه هي إحدى طرق التعبير عنِ الحرِّيَّة’’.
ما كان جيسون ليَعرفَ ولو بعد ألف سنة ما الذي كان يخطر في ذهن حميه، ولكنَّ سؤالَين مترافقَين بأُذنٍ مُصغية، ساعداه على فَهْم دوافع والد زوجته. إنَّه لا زال غير راغبٍ في ذهاب بوبي إلى الكازينو، ولكنَّه بعد أن سمع حماه وفهمه، أصبح قادرًا على التعبير عنِ اهتمامه بِطريقةٍ بنَّاءة. وهكذا شاركه رأيَه، وقال له إنَّ أشخاصًا كثيرين من المقامرين ليسوا أحرارًا، بل إنَّهم في الواقع صاروا عبيدًا للقمار، فلم يفقدوا المال المخصَّص للتسلية فقط، بل خسروا بالفعل أصولهم الماليَّة كلَّها. وشرح له رغبته في حماية بوبي من التعرُّض لشيءٍ بإمكانه أن يصبح إدمانًا يقضي على حرِّيَّته، وطلب من حميه ألَّا يصطحب بوبي معه إلى الكازينو في المستقبل. فهم حموه ذلك ووافق عليه.
في حين انتهت قصَّتا مارشا وجيسون ‘‘نهايةً سعيدة’’، فإنِّي لا أعني التلميح إلى أنَّ طَرْح الأسئلة وفهم دوافع أنسبائنا يضمنان حلًّا مُرضِيًا للمسائل التي تتسبَّب في إزعاجنا. ولكنَّ إيجاد حلٍّ لهذه القضايا من خلال طَرْح الأسئلة والإصغاء المتعاطِف، هو أكثر ترجيحًا إلى حدٍّ بعيد. وسنكون قادرين في أثناء هذه العمليَّة على المحافظة على علاقاتنا بأنسبائنا أو حتَّى تحسين تلك العلاقات.
لا تُقاطِع
عندما يتحدَّث حمواك، فإنَّك تميل إلى المقاطعة إن قالا شيئًا لا يتَّفق معك. حين تقاطع وتُدلي بوجهة نظرك، فإنَّك تكون قدِ اتَّخذتَ الخطوة الأولى نحو جدالٍ متفجِّر. إنَّ المجادلات لا تثمر شيئًا، فإنَّ البعض يربح والبعض يخسر، وتبقى القضايا دون حلّ.
تذكَّر عندما قالت حماة مارشا: ‘‘أعتقد أنَّ سبب شعوري بِالرِّضا والسرور إلى هذه الدرجة عندما أشتري الأشياء لكِ، هو أنَّنا كنَّا نملك القليل من النقود في السنوات الأولى لِزواجنا، وغالبًا ما كانَتِ الأشياء التي لديَّ لأرتديها تُشعرني بالحرج’’. لو أنَّ مارشا قاطعتها وقالت: ‘‘نحن نملك مالًا وفيرًا؛ لأنَّ لدى روب وظيفةً جيِّدة. ما من حاجةٍ تدعوك إلى أن تشتري لي الأشياء’’، لكانتْ دخلتْ في جدالٍ سيعود بِمزيدٍ من الضرر على علاقتها بحماتِها. ولْنفترِضْ أنَّ جيسون قاطع حماه وقال: ‘‘ذلك فَشَلٌ في تحمُّل المسؤوليَّة؛ إنِّي لا أصدِّق ما تقوله لِلَحظةٍ واحدة. أعتقد أنَّك تقامر لأنَّك مدمن’’. من المرجَّح أنَّهما كانا، هو وحموه، سيخوضان مباراةً في الصراخ ستؤدِّي إلى تمزُّقٍ في العلاقات أكثر بُعدًا.
إنَّ الغايةَ من الإصغاء هي الرغبةُ في الفهم، وليس إبداء رأينا الشخصيّ. سَنُبدي رأيَنا في وقتٍ لاحقٍ خلال الحديث. إنَّنا نحاول في المراحل الأولى أن نفهم ما يدور في ذهن أحد النسيبَين بحيث نتمكَّن عندها من الردِّ بشكلٍ مناسب. مقاطعة الحديث تُخرج عمليَّة الفهم عن مسارها. هذا وسيَجدُ بعض الأشخاص صعوبةً بالغةً في الإحجام عنِ المقاطعة. فهُم قد طوَّروا لديهم نمطَ تواصلٍ يعتمدُ أسلوبَ الجدال. وهم يصغون لمدَّة تكفيهم فقط لاستجماع أفكارهم؛ ثُمَّ يقاطعون الحديث، ويعترضون على ما يقوله الشخص الآخر مهما كان. لن يتمكَّن هؤلاء الأفراد أبدًا من إقامة علاقاتٍ إيجابيَّةٍ مع الحموَين– أو مع أيَّ شخصٍ آخر– ما لم يتعلَّموا تحطيم أسلوب الجدال المدمِّر. إنَّ العلاقات تُبنى بِالسَّعي إلى الفهم. وما يدمِّرها هو الجدال والمقاطعات.
إن كنتَ تواجه صعوبةً في متابعة الإصغاء إلى حمويك عندما لا تكون متَّفقًا مع ما يقولانه، فَلأقترِحْ عليكَ صورةً ذهنيَّة قد تكون مفيدة. عندما تكون قد طرحتَ سؤالًا ما، ويكون حمواك بِصدد الإجابة عنه، تصوَّر نفسكَ بِأُذنَي فيل (بأذنَين هائلتَين مُرهفتَين) على جانبَي وجهك. تذكِّركَ الأذنان بِفكرةٍ تقول: ‘‘إنِّي مستمع. أريد أن أفهم. لن أقاطع. ستتاح ليَ الفرصة لاحقًا لإبداء رأيي. إنِّي أحاول في هذه اللحظة أن أصغيَ إلى ما يقوله حمواي. أريد أن أعرف من أين أتَوا، وأن أفهم نظرتهم إلى سلوكهم. إنِّي أحاول بناءَ علاقةٍ لا خَلْقَ أعداء’’. إنَّ تعلُّمَ الإصغاء دونَ مقاطعة، هو خطوةٌ أساسيَّةٌ نحو إصغاءٍ فعَّال.