eKtab
EN ع
علم اجتماع المعرفة عند ابن خلدون
Read free sample

علم اجتماع المعرفة عند ابن خلدون

by د. شفيق ابراهيم الجبوري

Page 1

المقدمة

إن العودة التي نرتجيها في بحثنا عن ابن خلدون هي ليست عودة اليه بالذات شخصا، ولا تقييما للمعرفة الخلدونية في ضوء معطيات الحاضر من منطلق ايديولوجياته وانما هي رغبة في العودة الى الذات والهوية العربية، والواقع الحلم العربي اليوتوبي، الذي يتمثل بجهده الذي سما على الصراعات السياسية في عصره، بعدما خبر ولعب شخصيا دورا بارزا فيها، ورسم كثيرا من خططها، فسئم تناقضاتها وحاول الانعتاق منها ولم يكن أمامه غير العلم للترفع عن الأوضاع، لأن العلم إنما الايديولوجية التي لا يتناقض معها أحد، فكان العلم آيديولوجيته لرفض الواقع العربي المجزأ المنكفىء على نفسه.

إن واقعية ابن خلدون التي جاهد في سبيلها في مقدمته لم يكن يكتب لها البقاء لو لم يختر لها آيديولوجية العلم، ولكان حال فكره كحال فكر معاصريه من العلماء والساسة الذين أصبحوا في عداد التراث المنسي قياسا له.

إن تبني ابن خلدون الآيديولوجية العلمية في تفسيره للتاريخ والمجتمع، إنما هو بحث عن الوجه الخفي للحضارة العربية من خلال علم اجتماع المعرفة باعتباره أداة كشف للواقع فقد أراد القول بأن هذا الواقع لا يمكن أن يأتلف بوجود سياسات تغيبت فغيبت الواقع معها، لأنها ليست آيديولوجيات معبرة عنه، بقدر ما هي أفكار وطموحات للسلاطين والأمراء ورؤساء القبائل للتعبير عما يشتهون وليس عما يعتقدون أنهم ممثلون له.

وتأكيدا لنهجه العلمي ـ الموضوعي فقد آثر أن يكون بعيدا عن سلطة أي من الزعماء فأختار قلعة بني سلامة ليضمن الحرية في الكتابة دون قيد أو مراقبة من أحد، وكان جريئا في حديثه عن الصفات السلبية للبدو وهو بين ظهرانيهم، فشكل علمه تجاوزا للواقع بكل ما يحمله من سلبيات .

ولمساهمة ابن خلدون الثرة في دراسة المجتمع العربي فقد وقع اختيار الباحث على علم اجتماع المعرفة عنده كمشكلة لبحثه، وهي تفصح عن الأهمية والهدف لما يقدمه البحث من اسهام بسيط عن جانب من جوانب فكر ابن خلدون العديدة، وعما يعرف به عن جزء هام قدمه الفكر العربي لعلم الاجتماع خاصة والفكر الانساني عامة.

لقد اعتمد الباحث المنهج التاريخي في سبيل الكشف عن الحقيقة العلمية ومنهج التفسير الاجتماعي([1]) في تحليل المعلومات، والمنهج المقارن في تقييم نتائج البحث.

Page 2

لقد تضمنت الأطروحة بابين :

الباب الأول :

هو استعراض تاريخي للمعرفة، وانقسم الى ثلاثة فصول .

الفصل الأول :

بحث عن المعرفة في الفكر القديم .

الفصل الثاني :

بحث عن المعرفة في الفكر العربي .

الفصل الثالث :

استعراض علم اجتماع المعرفة عند بعض العلماء

الباب الثاني :

هو اجتماع المعرفة عند ابن خلدون، وانقسم الى خمسة فصول.

الفصل الأول :

حياة ابن خلدون، ولأن معرفة وفهم حياة المفكر بعمومها تشكل ركنا مهما في علم اجتماع المعرفة كان لابد لهذا الفصل أن يكون ضمن الباب الثاني.

الفصل الثاني :

بحث في نظرية المعرفة عند ابن خلدون .

وجاء موقع هذا الفصل تماشيا مع موقع نظرية المعرفة في مقدمة ابن خلدون حيث وردت في الباب الأول منها.

الفصل الثالث :

اجتماع المعرفة في تفسير التاريخ والاجتماع الانساني.

وخلاصة هذا الفصل أنه تضمن استنباط قواعد علم اجتماع المعرفة عند ابن خلدون، وقد استدعى ذلك من الباحث أن يقرأ المقدمة قراءة متأنية دقيقة تحليلية لأكثر من مرة وفي أوقات متباعدة واستخراج النصوص المعرفية التي اعتقدها تمثل علم اجتماع المعرفة في ضوء مفاهيم علم اجتماع المعرفة الى أن استقر على النصوص الواردة في متن الأطروحة.

الفصل الرابع :

معاني علم اجتماع المعرفة، وقد تضمن أربعة مباحث، كان الأول والثاني عن المعاني الاجتماعية والثالث عن المعاني السياسية والرابع عن المعاني العلمية.

الفصل الخامس :

علم اجتماع المعرفة بين ابن خلدون وسواه من المفكرين وقد تضمن أربعة مباحث سبقها تمهيد واعقبتها نتائج البحث .

Page 3

واخيرا لابد من الاشارة الى نقطة هامة في البحث وهي مسألة تعدد المصادر وكثرتها بالنسبة للمعارف السابقة واللاحقة لابن خلدون مقارنة بالمصادر التي تناولته، وتبدو هذه الملاحظة منطقية لأن الاستعراض التاريخي استدعى في الباب الأول تعدد المصادر، وجاءت قلة المصادر التي تناولت ابن خلدون نتيجة لسببين:

الأول :

ان اعتماد المصادر والشروح من شأنها أن تؤدي الى تضليل ما سعى الباحث الى كشفه تماشيا مع ما ذهب اليه ابن خلدون نفسه في معنى اجتماع المعرفة العلمي الوارد في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الثاني من الأطروحة.

الثاني :

ندرة الكتب التي تناولت المعرفة عند ابن خلدون وكثرتها فيما يخص الجوانب الأخرى من علمه بما لا يخدم الأطروحة .

Page 4

المعرفة في الفكر العراقي القديم :

لقد تميز الفكر العراقي القديم بسبقه الزمني، وأصالته التي فرضها على كل حضارات الغرب والشرق([2])، فكان طبيعيا أن تكون المعرفة ركنا أوليا من أركان الحياة العراقية القديمة.

إن عنصر التميز في هذه الحضارة إنما يكمن في المدينة([3])، ففي العصور السومرية. التي أخذت طابع العالمية والشمول على يد سرجون الأكدي بعد أن وحد الدويلات السومرية، وأنشأ دولة واحدة، تطورت لتصبح دولة عالمية أبان انتشار ثقافتها ونظامها السياسي المتحكم في العالم القديم، خاصة آسيا، ضمن مسميات مختلفة الشكل، دولة أكد، بابل القديمة، آشور وبابل الحديثة لكنها موحدة الجوهر، حتى أن ارسطو قال في حق بابل " إنها أمة أكثر منها مدينة "([4]).

لقد أخذ شكل المدينة السومرية طابعا زراعيا، فكان لأهلها حقول يحرثونها وكان للبيئة تأثير واضح على حياة المدينة، ذلك أن حياة المجتمع عندهم انتظمت حسب تقويم يوفق بين تطور المجتمع وبين تتابع الفصول([5]) خلال السنة، وهذه علاقة منطقية ما بين الانسان الأول والطبيعة لمحدودية سيطرته عليها وهيمنتها عليه وعجزه عن مقاومتها وصدها فحاول أن يبرر هذه الهيمنة بإضفاء صفة الألوهية عليها، ومحاكاتها، إذ بنى نمطا من التصورات الذهنية يتوافق والبناء المادي لها، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، قرن السومريّ الجَبَلَ، الذي يمتاز بالشموخ وغموض المسالك وسحر البناء، بالقوى الغيبية، وعده المجال الغامض لنشاطها، ومن هنا جاء بناء هياكل العبادة السومرية فوق جبال اصطناعية اعتقادا بأنها تحقق امكانية الاتصال مع الألهة([6]).

لم تكن المدينة العراقية القديمة مجرد شكل ايكولوجي، بل امتزجت في تشكيلها الدوافع والميول النفسية والحاجة الاجتماعية الخاضعة في تنظيمها للدين، فكانت المدينة مقرونة على الدوام بالمعرفة الدينية التي تبرز ملامحها في تصورات الناس عن الآلهة، لذا فقد خص العراقي القديم مدينته بعائدية ملكيتها لإله محدد يأخذ على عاتقه رعايتها والعناية بها، وكان ينظر اليه على أنه سيد اقطاعي متغيب، يصعب الاتصال به، غير أنه يعبر عن وجوده بظواهر وعلامات، واساءة فهم اوامره تسبب وقوع كارثة من الغضب المقدس، فما الناس حسب المعتقد الديني للعراقي القديم إلا مخلوقات كانت الغاية من خلقهم تكمن في خدمتهم للآلهة([7]).

لقد نتجت المعرفة الدينية العراقية عن عامل طبيعي، حيث كان لفيضان نهري دجلة والفرات في أوقات غير محددة من السنة أثره في تهديد الحياة بالدمار واللا استقرار، فعزا العراقيون القدامى ذلك اللا استقرار الى صراع الآلهة وتناحرها مع بعضها.

من هنا كان من واجب الملك العراقي القديم، أن يشق الترع ويبني السدود([8]). ففي هذا دليل وبرهان على احترام الآلهة التي تحكم المدينة وإرضائها، ولأنها تحكم بشكل متغيب، فإنها تخص أحد الأفراد ليكون وكيلها على الأرض، من خلال الصلاحيات والحقوق التي تمنح له، فيصبح إذ ذاك (إنسي ـ أي الحاكم بأمر الآلهة) تمييزا له عن (لوكال ـ أي الملك العلماني)، الذي كثيرا ما يميل الى أن يصبح (إنسي) لضمان استمرار سلطته([9]).

إن التعامل ما بين الآلهة والناس والطبيعة، نَمَّ عن تنظيم عملي للمدينة، حيث خلق التوازن العجيب بين توتر الشجاعة والاحساس باعتماد الانسان على قوى خارقة، وبين المدينة في تنظيمها ومؤسساتها، ومواطنيتها المغمورة بالخوف([10])، في حدود التعامل الذي حاول العراقي أن يصبغه بصبغة الموضوعية في العلاقة ما بين الطبيعة والانسان، لاسيما في العهد السومري، لما للطبيعة من وجود حسي، قابله تصور ذهني، تحول في العهد الأكدي الى ارتباط ذاتي([11])، بفعل عوامل كثيرة أوضحها التثاقف، لشمولية النهج، فالصفات التي اسبغها عليها. لم تكن خيالات بعيدة عن الواقع الخاضع للملاحظة والتجربة الانسانية، بل شملت الواقع أولا، لتمتد الى الطرف الآخر (المثالي) منه([12]).

Page 5

إن علاقة الآلهة مع الطبيعة تفترض النظام والانسجام في سبيل تحقيق الوجود المطمأن اليه، وطالما أن هذا المبدأ متحقق من خلال الاهتمام بالزراعة وتنظيم الري فإن الأمر يعني رضا الآلهة، لذا فقد اعتبر العراقي القديم أن الخروج عن النظام شر إلهي لا يعرف الرحمة([13]).

لقد جاء في أساطير خلق الانسان في مخاطبة الإله (انكي) لأمه الآلهة (نامو) :
" يا أمي إن الكائن الذي نطقت باسمه قد وجد، فاسبغي عليه صورة الآلهة "([14])، وفي هذا النص تبرز المعرفة الفلسفية للعراقي القديم، فالانسان وفق هذه الأسطورة مفهوم اسمي ـ فكري ـ ليس له وجود فعلي في بدء الخلق، ويعزز هذا التصور مطلب الإله (انكي) من أمه تحقيق هذا المفهوم ـ الوجود الاسمي الى وجود صوري له كيان فعلي .

إن أسطورة الخلق تتضمن اشارة واضحة الى سبق البناء الذهني للبناء المادي، من غير أن يحدث الانفصال ما بين هذين البنائين،لأن تسمية الشيء هي في ذات الوقت عملية خلق له حسب المعتقد العراقي القديم([15])، الذي ولد من تفكر وتفكير لاهوتي لهذا الوجود، فجاءت الأساطير معبرة عن عقلية ذهنية متفتحة لها القدرة على الوعي .

ومن خلال تأمل أساطير الخليقة (مرورا بعصور الحضارة العراقية القديمة : السومرية، الأكدية، البابلية والآشورية) الواصفة لنشوء الكون كمادة مخلوقة من قبل الآلهة (تعامت) نلمس أن التفكير الديني قد تعامل مع اللاهوت كبعد من أبعاد الواقع، وتعامل مع الواقع المادي كموجود محسوس لعالم أوسع منه.

وعندما كان يميز ما بين الآلهة كجانب لاهوتي، وبين سائر الواقع، بإضافة صفة الالوهية اليه، فإنه كان يعني القانون المستتر خلف المظهر، والسلطة الكامنة خلف المادة([16]).

لقد أثارت المعرفة العراقية تساؤلا فلسفيا كان من الأهمية أن شخص للفكر بعداً عميقاً، ذلك هو تساؤله عن سر امتياز الإنسان عن الحيوان، وتكشف الاجابة عن هذا التساؤل، عن وعي وتفوق ذهني عال، حيث تقول الاجابة : أن الإنسان امتاز عن الحيوان بالذكاء، ولما كانوا قد اسبغوا هذه الصفة على الآلهة فإنهم بذلك عادوا من جديد وفسروا دنو الإنسان من الآلهة، لكونه كائن فان([17])، في حين أن الآلهة ذكية لكنها خالدة.

ومن هنا فإن بحثهم عن الخلود قد توقف، خاصة بعد مغامرة كلكامش، لتحل فكرة أخرى جديدة مكانها، تلك هي رغبتهم في اطالة حياتهم على الأرض([18]).

إن العلاقة المتفاعلة بين الفكر الواقعي والفكر الغيبي أفرزت مصدرا مهما من مصادر المعرفة لدى العراقي القديم، تمثلت بالرؤى التي كانت تعد موضوعية، وكان يصنفها كنوع من المفاهيم غير الزمنية، مثل الأعمال الأخرى الموجودة في الحياة العملية ذات الحاضر الخالد، كحركة التعبد المعبرة موضوعيا عن ذاتها([19]).

Page 6

المعرفة في الفكر المصري القديم :

لا يختلف الفكر المصري عن الفكر العراقي في انسجامه مع الطبيعة، إلا أنه تميز عن الأخير بالاستقرار والثبوت، ذلك أن موسم فيضان النيل يأتي في موعد محدد من كل سنة من منتصف تموز حتى منتصف تشرين الثاني، فأطلقوا على هذا الفصل أسم فصل الفيضان، ثم يعقبه فصل الانبثاق، موسم البذر، من منتصف تشرين الثاني حتى منتصف آذار، وأخيرا الأشهر المتبقية هي فصل الجفاف([20]).

لقد أفرز استقرار الطبيعة المصرية مفهوما ميتافيزيقيا تجاه الحياة الآخرة، فأولاها اهتماما في حياته الحاضرة، وتمثل ذلك في منشداته الخلود، وتصور أن حياته الآخرة لا تختلف عن حياته الدنيا، وما بناؤه للأهرامات إلا إشارة واضحة الى فكرة الخلود في حياته الآخرة.

إن اللاهوت المصري يتضمن فكرة الانسجام بين المتناقضات، ضمن نطاق معرفته الاجتماعية، أزاء البيئة، وهذا ما حفز تصوره الى افتراض تقسيم مصر الى عليا وسفلى، ثم افتراضه الوحدة بينهما، في حين أن التاريخ لا يشير الى خلاف أو حقد ما بين مصر العليا ومصر السفلى([21]).

ومن صلب معرفته هذه، انبثق التفكير المصري على سائر المجالات، فعلى سبيل المثال جعل ميزة الموظف الناجح، الحسن التكيف، هو المنسجم مع العالم الذي يعيش فيه([22]).

إن مصدر المعرفة في الفكر المصري القديم يتمثل إذا بالعلاقة الناتجة عن تفاعل الطبيعة مع الإنسان، ولم تكن الطبيعة قط ذات مفهوم تجريدي، مختلف الهوية عن الإنسان، فالمصري القديم أضاف الى الطبيعة عنصر الحياة، وتعامل معها شأنه شأن العراقي القديم، ككائن حي، إلا أنه كائن ذو سطوة وجبروت، لا تضمن غضبته، ذلك حينما اعتقد بقوته الخفية، المتمثلة بفكرة الألوهية، ولهذا فإن الشعور بالولاء والحب والخوف والرهبة تجاه عنصر من عناصرها جعل المصري يعتقد بقدرة ذلك العنصر ويقدر صفاته، وبدأ يتصرف أزاءه بما يتخيل أنه يرضي ذلك العنصر([23]).

إن امتياز البيئة المصرية بفصولها الثلاث كانت من الرتابة بمكان، إذ جعلت أبناءها يتصورون عالمهم ثابتا، وغير متحرك. فلقد خرج تاما، حسب تصورهم من بين يدي الخالق وبالتالي فإن الأحداث التاريخية ليست أكثر من اضطرابات سطحية للنظام المقرر. أو أنها أحداث متكررة لمغزى لا يتغير([24]).

إن زاوية التصور المعرفي، في المجتمعات القديمة والبدائية عموما المرتكزة على أن الآلهة لها من المشاعر ما يحاكي مشاعر البشر([25])، جعلت مجمل تفسير التطور الذهني ـ الثقافي لهذه المجتمعات خاضعا الى سطوة الفلسفة الآلهية التي لا انفكاك منها، أي من ذلك العجز، حيث وجد الانسان نفسه في بدايات حياته الأولى أمام ظواهر طبيعية لا يستطيع تفسيرها دون ردها الى أفعاله الذاتية([26]).

لقد انعكست المعرفة المصرية على واقع الحياة العملية، لذلك فقد حاول المصريون أن يحولوا مجمل التصورات المعرفية الى واقع حسي، وأول مظاهر هذا الانعكاس تمثل بالنشاط الزراعي الذي اصطبغ بميزة الرتابة لكي يتماشى مع رتابة جريان نهر النيل الذي لا يتغير موسم فيضانه([27])، وكذلك انعكست هذه المعرفة على طبيعة العلوم التي سادت عندهم، ففي بلاد النهرين شغلت علوم الفلك والتنجيم اهتمامهم لما كانت عليه الآلهة من صراع حسب اعتقادهم فحاولوا معرفة الطوالع، لتجنب غضبها الذي ينعكس في الطبيعة من فيضان أو جدب، في حين برع المصريون في الهندسة والرياضيات، وهي علوم لها من النتائج ما تمتاز به من الثبات والاستقرار ما تختلف به عن علوم الفلك والتنجيم لامتياز البيئة المصرية بثبوت واستقرار توالي فصولها.

من هذا المنطلق رأى بعض الانثروبولوجيين أن الفعاليات الفكرية والذهنية للإنسان هي في الواقع حصيلة تحفيز العوامل الخارجية المحيط به والمؤثرة فيه([28]).

نخلص من ذلك أن المعرفة والواقع هما ليسا أكثر من متغير واحد، إلا أن مجال نشاط هذا المتغير يتباين، فتارة نلمس أن ميدان تفاعله هو الفكر، وأخرى يكون ميدان تفاعله الواقع، وهما في علاقة ايجابية، ولما لها من منافع عملية (لتوفيرها التبرير المعرفي لاستغلال الطبيعة) فإنها تجاوزت صيغة السلب المتمخضة عن سطوة الطبيعة.

Page 7

المعرفة في الفكر الصيني القديم :

تميز الفكر الصيني بطابعه العملي، فما هو إلا تجريد لمنطق ينبع من السلوك، فكان فكرا حيا، متصلا بشؤون الحياة الاجتماعية، واستجابة مستمرة للمستجدات الحياتية.

إن بدايات الفكر الصيني تنبع من واقع غيبي في بداية التكوين، فانقسم آنذاك الى قسمين تمثلَ الأول بالأرواح، وتمثلَ الثاني بالبشر، فنشأ الفكر من بحث العلاقة الأولية ما بين واقع غير منظور: له سلطان محكم على واقع منظور، وقد أعطى الصينيون للعالم الأول أهمية كبيرة حينما ربطوا وظيفة الحاكم بالعمل على إرضاء الأرواح، وهو الركن الأساسي لقيام دولته واستمرار سلطته، حتى أن وظيفته السياسية كانت قائمة على أساس العمل من أجل خلق المزيد من اواصر الاتصال بينها (الأرواح) وبين أبناء مجتمعه([29]).

إن ايمان الصيني بالأرواح لم يكن على صعيد الخيال حسب وإنما هو إيمان انطبع بطابع العمل والجهد، فكان العمل عبادة، وفلسفة، ويظهر هذا بشكل واضح في تراث الصين الخالد ـ الكتب الخمسة ـ وهي كتاب الأغاني، التاريخ، الطقوس، حوليات الربيع والخريف وكتاب التغيرات([30]).

إن بذور المعرفة في الفكر الصيني تظهر من خلال الأهمية المعطاة للمعرفة في تنظيم مسيرتهم العملية والنظرية، وتظهر هذه الأهمية من خلال دراسة :

ـ المعرفة ودورها في تجاوز التغير .

ـ المعرفة الموظفة لدى فلاسفة الصين في البناء المعرفي لمجتمعهم .

Page 8
1. المعرفة ودورها في تجاوز التغير
 
يقوم الفكر الصيني على أساس ما يعرف بالثنائية المتآلفة، ثنائية (الين) المرموز اليه بشرطة متقطعة (ـ ـ)، و (اليانج) المرموز اليه بشرطة متصلة (ـ)([31])، هذه الثنائية التي تؤدي دورين رئيسيين :
 
آ . إنهما (الين واليانج) أول ما خلق من قبل (التاو) وهو يماثل العقل الأول عند الفلاسفة والذي خلق بعدهما (التثليث)، والألوف المؤلفة من الأشياء، فلولا وجودهما لما كانت هناك حياة.
 
ب . إن هذه الثنائية تلعب دورا رئيسيا في خلق الآلفة والتجانس ما بين الألوف من المخلوقات([32]).
 
إن الثنائية المتآلفة تمثل فكرة الموجب والسالب في علاقة متبادلة قائمة على أساس التباين المتعادل، فاليانج هو العنصر المتين الخشن، الموجب، الحامل للحركة، ويرمز الى عنصر السيادة، فكل علاقة سواء كانت طبيعية ام اجتماعية لابد أن تتضمن عنصر التسلط، فعلى صعيد الطبيعة مثلا : يمثل النهار عنصر الموجب. وعلى الصعيد الاجتماعي يمثل الحاكم ـ السيادة ـ عنصر الموجب، بينما يكون (الين) العنصر السهل اللين المذعن، السالب والليل مثال الطبيعة أما الرعية (الشعب) فمثال الاجتماع الإنساني.
 
ورغم طابع التباين ما بين علاقة الموجب والسالب، إلا أنها علاقة منسجمة يكمل كل طرف فيها الطرف المقابل. فهي ليست ثنائية منفصلة، كما عهدناها في الفلسفة الغربية كثنائية الخير والشر مثلا، وإنما ثنائية متصلة، واحدة، منسجمة قامت على أساسها جل الحياة الاجتماعية الصينية([33]).
 
إن المعرفة لدى الصيني ليست بحصيلة لما هو ثابت، فالدرس الأول الذي خلص إليه مفكروا الصين من ثنائية (ألين واليانج) إنما هو التغير، إذ ليس هناك من ثبات يعرفه الصيني غير التغير والحركة، فالأشياء حسب المعتقد الصيني تميل بفطرتها الى التغير والكون يحمل بين طياته الزيادة والنقصان، القدوم والذهاب فلا نهاية اطلاقا لعملية التغير، لأن ما يأتي يجب أن يذهب، وما يذهب يجب أن يأتي مرة أخرى([34]).
 
لقد عكس الفكر الصيني لا نهائية التغير بطبيعة أو شكل حركته، فاتجاه التغير لم يكن أماميا صاعدا، له نقطة بدء، ونقطة محتملة للنهاية، وإنما جعلت حركة التغير دائرية الشكل ý، ليس لها نقطة بداية أو نهاية، فما هو نقطة بدء يمكن أن يكون نقطة انتهاء، والعكس صحيح، وما الموت عند الصيني إلا وجها من أوجه التغير، فالإنسان عندما يموت يتغير وجوده في الحياة الى وجود ذي شكل آخر، أي أنه ليس هناك من نهاية في الموت، وإنما تغير وحسب في مكان الوجود([35]).
 
لقد أفضت فكرة التغير هذه الى فكرة التناسخ، فطالما لا توجد بداية أو نهاية، فإن الأرواح لا تنتهي حياتها، إذ أنها تحل ـ بعد موت أصحابها، وتحررها من الابدان ـ في كائنات حية جديدة بشرية كانت أم حيوانية وتبدأ حياتها الطبيعية من جديد في عالم ووجود جديدين.
 
وقد ربط الصيني هذه الفكرة الفلسفية (التغير) بواقع الحياة العملية فإذا كان كل شيء ينقلب الى نقيضه إذا ما وصل الى منتهاه، فعلى الرجل العاقل أن يتخذ اهبته للأحداث التي تفد مع التغير([36])، فالإنسان الذي تتحصل له معرفة أبعاد التغير، وما ينجم عنه، هو الإنسان العارف، الذي يستطيع أن يسخر المعرفة التي اكتسبها في سبيل الاستمرار بالحياة الصحيحة الآمنة وبذلك أفرزت المعرفة الصينية الأبعاد العملية لها، باتخاذ المنطق وسيلة لتجنبها عوادي الحياة المتغيرة.
Page 9

2. المعرفة الموظفة لدى فلاسفة الصين في البناء المعرفي لمجتمعهم

إن أمة كالصين يمتد تاريخ حضارتها الى آلاف السنين، لاشك قد انتجت مئات الفلاسفة، سنختار ثلاثة منهم، وبنينا اختيارنا هذا على أساس أن كل واحد منهم يمثل اتجاها خاصا في المعرفة، وهم: كونفوشيوس واتجاهه الاجتماعي، لاوتزو واتجاهه الصوفي، وموتزو واتجاهه المنفعي .

آ . كونفوشيوس (الاتجاه الاجتماعي)

يقول كونفوشيوس : " تتساوى طبائع الناس وغرائزهم، لكنهم يتمايزون ويتفاوتون بفضل المعرفة والتجربة "([37])، فالناس وفق المنطق الصيني مادة هيولانية تمتلك صفات القوة، لكن طبائعهم وغرائزهم هي التي تميزهم، وهذا يعني في العرف الفلسفي، أن البشر، والحيوان، والنبات، والجماد والسائل شيء واحد، لا فرق بين أي منهم، فإذا كان التباعد في الذرات يعطي للماء سيولته، فإن تفاوت شدة هذه الذرات هو الذي يعطي لباقي الأشياء أشكالها.

فما صفة التمييز للإنسان عن هذه الأشكال، طالما أصبح للإنسان وجود بالقوة ؟

إنها المعرفة والتجربة، هي التي تعطي الإنسان بعدا يسمى " الوعي "، الوعي بذاته والأشياء التي حوله، وهنا يكمن تمييزه فيصبح فعلا(*) ذا كيان يتمايز عن غيره، ولأن الفلسفة الصينية تؤمن بالعمل فإنها قد جعلت منه الشق الثاني الذي يميز الإنسان، فمثلا العمل بالتجربة، والمعرفة المقرونة بها.

إن كونفوشيوس لم يكن ميتافيزيقيا وإنما كان مرتبطا بواقعه الاجتماعي ارتباطا قائما على أساس التفاعل بين الواقع والفكر وليس الارتباط المادي الفج فبحث موضوع الدولة والحكومة الصالحة([38])، ونادى بالسيادة للشعب، وعدم تركز الثروة والحكم بأيدي القلة([39]).

لقد طرح كونفوشيوس، إصلاح الـ (لي، أنا)([40])، وهو بلغة دور كهايم، العقل الجمعي، وفي اعتقاده، أنه هو الذي يسير الحشد الهائل من النظام الاجتماعي، في ضوء ما أسماه بـ (التاو) الذي يعني الطريق القويم والصحيح([41])، إذ أن (التاو) هو الإله، ويوصف بأنه ليس بذي صورة، إلا أنه كامل قبل أن توجد السماوات والأرض، وأنه منشأ جميع ما في الكون([42]).

ب . لاوتزو (الاتجاه الصوفي)

تقوم فلسفة لاوتزو الصوفية على المعرفة، المعرفة الذاتية التي تحدد السلوك الفردي والمعرفة الموضوعية التي تحدد السلوك الاجتماعي للمجتمع .

إن المعرفة الأولى تتحدد بثلاثة محاور :

" أولا . البساطة : في طرح الميول والنزوات بكافة أنواعها .

ثانيا . معرفة الذات : الحكمة النابعة من دخيلة الإنسان ومجتمعه .

ثالثا . القوة : قهر الإنسان لنزواته "([43]).

Page 10

من هذه المباديء الثلاث يتشكل سلوك الإنسان، ويغدو في ضوء الالتزام بها، واعيا، مثقفا من دخيلته، فتكون معرفة الإنسان لذاته معرفة أولى يخلص من خلالها الى وجود يتمايز به، لكن للمعرفة الذاتية هذه جانب آخر يمثل السلب من سلوك الإنسان، فلاشك أن في الحياة أشياء كثيرة ليست من الصلاح في شيء، إلا أن صفتها هذه لا تمنع من تعريفها، ومن معرفتها تنشأ الرغبة في الحصول عليها، فيتشكل الشق السلبي من السلوك وهذه الرغبة حسب (لاوتزو) هي التعلق بالأشياء، وهو ما يعده مصدر الشقاء الإنساني([44]).

أما المعرفة الثانية : فهي ليست إلا معرفة تمكننا من الخلاص من الرغبة حيث يؤدي الخلاص في غالب الأحيان الى السلوك القويم، لذا فإن لاوتزو يحدد وظيفة الحاكم الأساسية بالحيلولة دون اكتساب رعاياه معرفة تستثير رغباتهم الكامنة([45]).

جـ . موتزو (الاتجاه النفعي)

تقوم المنفعة عند موتزو على المحبة الجامعة، وهي رابطة يتوحد فيها الناس شتى صنوف التوحد، ولمحبته الجامعة بعدان: عقلي ومصلحي([46]).

إن البعد العقلي يمنح المحبة الجامعة تجريدا بعيدا عن الانفعال والمشاعر والعواطف، مما يمنح العلاقة الناشئة ديمومتها، لأن العلاقة هنا لا تتكون حتى تتم دراسة مقوماتها، من جانب عقلاني، فيستبعد كل ما يهدد العلاقة من جانب العواطف ويبقى ما يضمن لها البقاء.

أما البعد المصلحي فإنه يتضمن عنصر الفائدة، الذي تعود ثماره على كلا الطرفين، ذلك أن التكافؤ الحاصل نتيجة التبادل المتكافيء يضمن استمرار العلاقة أيضا فلا رجحان في الفائدة لطرف على آخر، فالبعد المصلحي هو النتيجة الأكيدة للعلاقة المدروسة وفق المنطق العقلاني .

إن المحبة الجامعة هي الحل الأمثل، لكل المشاكل التي تواجه العالم([47])، طالما أنها تضمن تحقيق مصالح الجميع، على أساس قاعدة العقل ـ المصلحة .

لقد خص موتزو المعرفة بصفة الحياة والخلود، فلا حياة لأجسام تخلو من المعرفة، وإذا ما خلت الأجسام من المعرفة خلت من الحياة، وأصبحت ميتة([48]).

إن العلاقة ما بين المحبة الجامعة كعقل ومصلحة، وبين المعرفة كحياة وخلود إنما هي علاقة تفاعل وانسجام كلي، ذلك أن المحبة الجامعة ذاتها هي المعرفة فإذا تخلت عنها، تكون قد تخلت عن الخلود، وربما أصبحت بلا حياة .