مقدمة
هذه مباحث في البلاغة العربية ألقيتُ معظمها على طلبتي على مدى سنوات درّست فيها هذه المادة، وقد شذّبتُ كثيراً من مسائلها وقضاياها، وخفَّفتُ من التقسيمات والتفريعات ما استطعت ذلك، ونبّهت في أكثرَ من موضع على أن عناية الباحث - عند دراسة النص بلاغياً - ينبغي أن تنصرف إلى النظر في الظاهرة البلاغية التي يتحدث عنها من تشبيه، أو مجاز، أو كناية، أو طباق، أو غيرها، من حيث تحليلها، وبيان تقانتها وفنّيّتها وموقعها في الكلام، وأثرها النفسي والجمالي في العمل الأدبي ومناسبتها للسياق، أكثر من انصرافها إلى المظاهر الشكلية من حيث التقسيم والتفريع وبيان النوع.
وإذا كنا لم نهمل هذا الجانب، فتوقفنا عند أبرز أقسام كل نوع بلاغي عرضنا له، فقد كان ذلك - بالدرجة الأولى - من قبيل استيفاء البحث في الظاهرة البلاغية كما عرفها التراث القديم، والبلاغيون العرب المتقدِّمون.
إن في البلاغة العربية - كما وصلتنا عن الأسلاف - كثيراً من الحشو والمباحث التي لا فائدة منها، وقد صرفوا - ولاسيما المتأخرون منهم - كثيراً من الجهد في التقسيم والتبويب، والتوفّر على مسائل كلامية وفلسفية، وتوقفوا بدرجة أقلّ عند بيان مواطن الجمال والتأثير الفني والنفسي للنوع البلاغي الذي يتحدثون عنه، ممّا ألقى على البلاغة العربية مَسحة من الجمود، وحولها أحياناً إلى قواعد شكلية باهتة المدلول.
وعلى أن البلاغة العربية قد ظلمت - في مقابل ذلك - كثيراً على أيدي بعض الدارسين المحدثين؛ فقد أوشكت أن تغيب من بعض المناهج الدراسية والجامعية، وأن تتحوّل إلى تابع باهت الظلّ للنقد الأدبي، ولا تكاد تُذكر إلا عرضاً، وربما من خلال أسماء ومصطلحات حديثة لا تكاد تُبين عن أصلها أو عن حقيقتها.
إن البلاغة هي فن القول، وهي العلم بجماليات الكلام، وطرائق تحسينه وتجميله، حتى يكون أعمق تأثيراً، مما يجعله أكثر قبولاً في نفس المتلقي، وأشدّ حظوة عنده، وأقدر على التعبير عن عاطفة صاحبه في الوقت نفسه. وبوساطة هذه الجماليات التي تقدّمها إلى الكلام أصول البلاغة يؤدي دوره في إقناع المتلقي، والتأثير فيه، واستنفاد عاطفة القائل.
والبلاغة هي المبحث الأسلوبي من النقد الأدبي، ومن ثَمّ فهي أصل هامّ من أصوله، ومعيار ذو شأن من معاييره، فالناقد في دراسته للعمل الأدبيّ يعتمد على مجموعة من المقاييس والأصول؛ منها ما يتصل باللغة، ومنها ما يتصل بالعَروض، ومنها ما يتصل بالبلاغة. وإذن، فالبلاغة فرع من النقد، وغصن من شجرته الوارفة، والصلة بينهما صلة الجزء بالكُلّ، ولكنها جزء متميّز، لأنها تتصل بأهم جانب من جوانب العمل الأدبي المدروس، وهو الجانب الأسلوبي في جوانبه: التركيبية، والتصويرية المجازية، والصوتية الإيقاعية، وهو ما تتعاور أداءه البلاغةُ بفروعها الثلاثة: المعاني، والبيان، والبديع. ولذلك كانت معرفتها ضرورية للناقد، فهي جزء من تكوينه الثقافي، ومعيار أساس من المعايير التي تعينه على الدرس والتحليل، لأنها تمثِّل - كما قلنا - الجانب الهام من جوانب الدرس النقدي، وهو الجانب الأسلوبي، أو وجه من وجوهه على الأقلّ.
ودراسة البلاغة العربية تعني الوقوف على خصائص الأسلوب العربيّ، وطرائقه في التعبير، وهي تضع اليد على خصائص اللغة العربية، وغناها بمناحي القول، وأفانين الأداء، ثمّ لها في الدراسات القرآنية - بشكل خاص - شأنٌ متفرّد، فهي أداة لفهم كتاب الله وتفسيره وتأويله، ثم في معرفة إعجازه البياني والأسلوبي بشكل خاص. ولذلك أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز أن يتصدى للقرآن الكريم بتفسير، أو تأويل، أو استنباط حكم، من كان لا يتقن العربية، أو لا مكنة له بطرائق العرب في التعبير وأساليب القول.
يقول الزمخشري مبيّناً دور البلاغة في الوقوف على لطائف القرآن الكريم، ومعرفة أسراره: «إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، علمُ التفسير. الذي لا يتمّ لتعاطيه، وإجالة النظر فيه، كلُّ ذي علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن. فالفقيه، وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام؛ والمتكلم، وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام؛ وحافظ القصص والأخبار، وإن كان من ابن القرّيّة أحفظ؛ والواعظ، وإن كان من الحسن البصري أوعظ؛ والنحوي، وإن كان أنحى من سيبويه؛ واللغوي، وإن علك اللغات بقوة لَحْيَيْه؛ لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني، وعلم البيان، وتمهّل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله..»[1].
واستقرت البلاغة العربية بعد رحلة طويلة في ثلاثة علوم، هي (المعاني - البيان - البديع) ولكل علم وظيفته في الكلام؛ فعلم المعاني يتصل بالأسلوب، لأنه يبحث في التراكيب، ومدى مطابقتها لمقتضى الحال. وعلم البيان يتصل بالصورة الفنية من (تشبيه، ومجاز، واستعارة، وكناية) فهو علم إيراد المعنى الواحد بتلك الطرائق التصويرية المختلفة في وضوح الدلالة عليه. وأما علم البديع فهو جمالية أخرى تزيد الكلام جمالاً وإشراقاً، وتنفع المعنى واللفظ إذا كانت في خدمتهما، غير متكلفة ولا مصطنعة، ويأتي دور البديع عادة جزءاً من رعاية المطابقة ووضوح الدلالة، وليس هامشياً أو ثانوياً كما ذهب إلى ذلك بعض القدماء والمحدثين، ولعلنا نفصل ذلك في الكتاب المخصص للبديع إن شاء الله..
درسنا في هذا الكتاب البيان، واجتهدنا في تبسيط مسائله وإيضاحها، وضربنا صفحاً عن كثير من التقسيمات والتفريعات الجانبية التي لا أهمية لها، ومهدنا لدراسة فنون البيان بدراسة عن الصورة الأدبية وأهميتها، ومنزلتها في الكلام، ومكوناتها، ودراسة عن الخيال وأنواعه وطبيعته وآليته وصلته بالصورة الأدبية التي هي محور علم البيان.
وقد عوّلنا على الشواهد القرآنية كثيراً، فالقرآن الكريم هو قمة البلاغة العربية، وهو الذروة السامقة المعجزة في البيان الناصع، والعبارة الخلاّبة، والتعبير الفني الجميل، وهو مُغْتَرف الأدباء وأرباب الفصاحة والبيان، ومن لم يصدر عن نبعه، أو يغترف من معينه، فقد صدر عن ساقية ضحلة، ونُهَير غائض هزيل.
أتوجه - في ختام هذه المقدّمة - بالشكر الجزيل إلى ابني النجيب يمان الذي راجع من ورائي الآيات القرآنية، وتثبَّت من تخريجها ونقلها.
أسأل الله أن ينفع بهذا الجهد المتواضع في خدمة هذا اللسان العربيّ الكريم، لسان العروبة والإسلام، وأن يثيب عليه، ويتقبله عملاً مقصوداً به وجهُه، مُنْتَوَاةً به مرضاتُه.
والحمد لله من قبلُ ومن بعدُ..
وليد قصّاب
دمشق الشام
28 / رمضان / 1431 هـ الموافق لـ 16 / 9 / 2010
الخيَال
الخيال عنصر مهمٌّ من عناصر الأدب، وجميع أجناسه محتاجة إليه؛ لأنه الملكة التي تستطيع إخراج المعاني على صورة شائقة مبتكرة، وهو الذي يلوِّن الأفكار، ويبعث فيها الحياة والحيوية، ويتصرَّف فيها على وجوه شتى لا حصر لها، وهو تصرف يزيد المعاني ألقاً، ويفتِّق فيها دلالات جديدة لم تكن تخطر على بال أحد من قبل.
والخيال رديف العاطفة، وهو عون لها على التحقّق والاكتمال، فهو يقدِّم الصور التي تساعد على استفراغها واستنفادها، وهو - في العادة - لا ينشط لتصور الأشياء من دون عاطفة تستحثه، وتولّد عنده القدرة على البناء، وإقامة العلاقات الجديدة بين الأشياء؛ فإذا انعدمت العاطفة كان الخيال هزيلاً شاحباً.
ويعتمد الخيال على قوة التذكّر، والقدرة على استدعاء المعاني إلى النفس، ليصوغ منها صوراً طريفة مثيرة، وهو يصوغها من موادّ سبق للمتخيِّل أن رآها، أو عرفها، واختزنها، وهو الآن ينبش فيها ليستخرج ما يعينه على بناء العلاقات التي يريد.
ويتميز جميع الشعراء المبدعين بقوة الذاكرة. يقول الشاعر الإنكليزي سبندر: «إن الذاكرة هي ملكة الشعر، حيث إن الخيال نفسه هو بعض التدريبات التي تقوم بها الذاكرة. إن قدرتنا على التخيل ترتبط إلى حد كبير بقدرتنا على التذكر لما مررنا به من خبرات، ومحاولة تصوره في مواقف جديدة ومختلفة..»[2].
وهذه الموادّ المختزنة في الذهن هي مما تكون النفس قد تلقّته من العالم الخارجي عن طريق الحسّ أو الوجدان، فليس في الإمكان إبداع شيء من عناصر لا عهد للمتخيِّل بها. ولذلك يرتبط الخيال ببيئة صاحبه، لأنها مصدر المواد المختزنة في نفسه، وهي التي سيصوغ منها بعد ذلك صوره وأفكاره، وهو لا يمكن أن يتخيّل إلا ما سبق أن وقع حسّه عليه في البيئة التي يعيش فيها، ومن ثَمَّ يختلف خيال الحضري عن خيال البدوي، وخيال الفقير عن خيال الغنيّ، وخيال العربيّ عن خيال الأوربيّ، لأن البيئة الخاصة بكل منهم هي مصدر الصور التي تحضر في ذهنه عند القول، فهذا الشاعر العباسي عليّ بن الجهم عندما أراد أن يمدح الخليفة المتوكل، وكان وقتذاك مقيماً في البادية، لم يخطر له إلا أن يشبّهه في وفائه وحفاظه للعهد بالكلب، وفي شجاعته بالتَّيس، فقال له:
أنتَ كالكلب في حِفَاظِك للعهـ
ـدِ وكالتيس في قراع الخطوب
ولكنه عندما ارتحل إلى بيئة أخرى، وهي بغداد، وبدأ خياله يختزن صوراً جديدة، وألواناً أخرى من المشاهد، استطاع أن يقول:
الوردُ يضحكُ والأوتار تصطخبُ
والنايُ يَنْدُبُ أشجاناً وينتحبُ
والراحُ تُعْرضُ في نور الربيع كما
تُجْلَى العروسُ عليها الدُّرُّ والذهبُ
وكلما انسكبتْ في الكأسِ آونةً
أقسمت أن شعاعَ الشمسِ ينسكبُ[3]
واستمد نصيب من البيئة الصحراوية صورته في عبد العزيز بن مروان:
وكلبُك آنس بالمُعْتَفين
من الأم بابنتها الزائرةْ
وهكذا يولّد الخيال الصور ويبدعها من المواد المختزنة فيه، ويتم ذلك - كما عرفنا - عن طريق ما يسمى بظاهرة تداعي المعاني، فإذا رأى المتخيِّل شيئاً تذكّر - عن طريق تداعي المعاني - ما يشبهه من أشياء، فالرجل الشجاع يستدعي صورة الأسد، فيكون التشبيه، وتخضع الكناية - التي تقوم على الانتقال من اللازم إلى الملزوم - لهذه الظاهرة أيضاً؛ فإذا ما ذكرنا مثلاً أن فلاناً (كثير رماد القدر) استدعى ذلك إلى ذهننا ملزومه، أي ما يترتب عليه وهو الكرم، ونلمح ذلك في المجاز، فإطلاق الجزء يستدعي الكل، وإطلاق الكلّ يستدعي الجزء، والحالّ يستدعي المحلّ، والمحلّ يستدعي الحالّ، والسببُ المسبَّبَ، والمسبَّبُ السببَ. ففي قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 4/92] تستدعي الرقبة التي ذُكرت - وهي جزء - الكلّ المقصود وهو العبد. وهكذا ينتقل الذهن من معنى إلى معنى إذا كان بينهما تناسب واتفاق، ويقتضي اقترانهما في الذهن، وارتباطهما فيه.
والخيال - على ذلك - هو القدرة التأليفية التركيبية للمشاهد والصور، ومن الواضح أنه يقوم بتأليف هذه الصور من عناصر وأشياء مبعثرة تبدو للناظر العادي وكأنه لا رابط بينها ولا صلة، ولكن الخيال هو الذي يلاحظ العلاقات الخفية بين الأشياء، أو يخترع هذه العلاقات، ثم يؤلِّف بينها تأليفاً بارعاً ذكياً لتخرج مشاهد مجسَّمة حية، وصوراً كاملة متناسقة تناسقاً دقيقاً.
إن اختراع الصور الفنية المتعددة، من تشبيه، واستعارة، وكناية، ومجاز: خيال، وإن استخدام الرمز، والوقوع على الأسطورة لتوظيفها فنياً لغرض مقصود: خيال. وإن اختراع الأحداث في القصة أو المسرحية، والربط بينها، وتسلسلها تسلسلاً طبيعياً مؤثراً: خيال، وإن رسم الشخصيات، وإعطاءها أدواراً معينة، وإنطاقها بحوار مناسب، كلُّ ذلك ضرب من الخيال الذي لا يملكه الفرد العادي، وذلك لأن الخيال قدرة متميِّزة يتفاوت حظ الناس منها، وأكثرهم قدرة على التخيل هم الأدباء والعلماء والمفكرون، ويتفاوت حظ الأدباء أنفسهم منه، فليسوا سواءً في القدرة على التخيل، ففي حين يبدو مجنّحاً متألِّقاً عند بعضهم يبدو فاتراً كابياً عند بعض آخر.
وقد يجنح ويغالي فيه قوم، وقد يستخدمه آخرون باعتدال وقصد، فلا تجد عندهم مبالغة ولا غلواً.
وجميع أنواع الأدب - كما عرفنا - محتاجة إلى الخيال؛ لأنه يلوِّن الأفكار، ويبعث فيها الحياة والألق، فتدخل حيِّز الأدب، ولكن بعض أنواعه أشدّ حاجة إلى الخيال من غيرها، ولعل الشعر والقصة - بجميع أنواعها - أكثر أجناس الأدب حظّاً من الخيال، وحاجة إليه؛ فالشعر كلام قائم على التخييل[4]، وهو - على رأي الجاحظ - ضربٌ من النسج وجنس من التصوير[5]. والقصة لا تنهض إلا على تخيل عميق للمواقف والأحداث والشخصيات.
وكلما اتسعت ثقافة الكاتب، ونمت خبرته ومعارفه، وتعدّدت تجاربه ومشاهداته، استحكمت فيه ملكة التخيل، واشتدّ عودها، وذلك لأن كلّ خبرة جديدة يكتسبها تضيف إلى الذاكرة رصيداً من المشاهد والرؤى، وتكون في خدمة الخيال وقت الطلب.
وتستعمل كلمة الخيال استعمالات متعدّدة، فقد تطلق على القوة التركيبية عند الأديب من حيث قدرته على بناء الأحداث، ورسم الشخصيات، وهذا خيال كليّ، وهناك خيال جزئي يتراءى في لغة الأدب التصويرية التي تعتمد على التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية وغيرها[6].
ويميّز النقاد على العموم بين نوع من التخيل يسمّى الوهم، وبين الخيال. والوهم ضرب من الخيال يشبه حلم النائم، ولا يخضع للعقل، ولا يرتبط بالمنطق، ولا يرتكز على قوانين طبيعية، وهو يمتاز بحريته المطلقة في العمل لعدم خضوعه للقوة العاقلة. وأما الخيال فهو منضبط محكم، لا يسبح في الفضاء غير مقيد بعقل أو منطق، وإنما يرتكز على أسس سليمة وقوانين طبيعية. والوهم خطر لأنه سلبي، يغتر بمظاهر الصور، ويسخرها لمشاعر فردية عرضية[7]، وأما الخيال فهو الإيجابيّ، لأن صاحبه يرى المشاهد والمرئيات أصيلة غير مزيّفة. ومع ذلك فإن الفكر يستعمل في الحالة الطبيعية القوتين، وقد تعملان معاً، لأنهما غير متضادتين، بل لا بدّ للخيال من مرحلة الوهم، فالخيال هو القوة الموحِّدة المركِّبة، أما الوهم فهو القوة على الحشد والجمع[8].
أنواع الخيال
وهناك ثلاثة أنواع من الخيال، يسمى أولها الخيال الابتكاري ( Creative Imagination ) وهو الذي يُؤلف صوراً حسية جديدة، عناصرها موجودة في ذاكرة الأديب، وهي لا تقدم الواقع الخارجي كما هو في حدوده المادية، وإنما تقدمه على شكل جديد، ولكن في حدود ما يمكن أن يوجد في هذا العالم الخارجي، وإلا انقلبت إلى وهم كما عرفنا، وأكثر ما يوجد هذا النوع من الخيال في القصص والروايات والمسرحيات.
ويسمى النوع الثاني من الخيال بالخيال التأليفي أو المؤلِّف (Associative Imagination) وهو خيال يوحّد بين الأشياء المتشابهة إذا كان يضمها إطار عاطفي واحد، أو حالة نفسية متماثلة؛ كأن تستدعي إحدى صور الطبيعة لنفس الأديب صورة مشابهة، مثل أن يرى الشمس تشرق في الصباح وتغرب في المساء، ويمضي يوم ويولد يوم آخر فيستدعي ذلك إلى نفسه صورة انقضاء العمر، كقول الشاعر:
شمسُ النهار تقولُ للإنسانِ
بجوارح ومشاعر وبيانِ
في كلِّ صبح أرسلت أنوارَها
جمراً توقّدُ من لظى النيرانِ
أو لملمتْ أذيالَها عندَ المسا
فإذا الظلامُ يسودُ في الأكوانِ
إنّ الحياةَ - كما تراني - تنطوي
عمري كَعُمْرِك يا بني الإنسانِ
وهكذا ترتبط في هذا النوع من الخيال صورة من الطبيعة بصورة أخرى في نفس الأديب، فيؤلف بينهما، لتشابههما في الحالة الشعورية، وقد يحدث العكس؛ كأن تستدعي حالة شعورية معينة في النفس صورة حسية من الطبيعة تشبهها في الموقف العاطفي، مثل أن تستدعي صورة الهرم والشيخوخة بعد نضرة وشباب صورة شجرة كانت خضراء زاهية، ثم جفَّت وذبلت، فليس في هذا الخيال - كما رأيت - ابتداع صور جديدة، وإنما فيه تأليف بين متشابهات.
ويسمى النوع الثالث من الخيال بالخيال التفسيري، أو البياني (Interpretative Imagination) وهذا النوع لا يُعْنى بوصف الأشياء الخارجية، وإنما يحاول تفسيرها، كأن يجسّد الشاعر الطبيعة إنساناً، أو يتمثلها فتاة حسناء، بغية تفسير جمالها مثلاً، كقول أحدهم يصف الطبيعة في الربيع:
تبرَّجتْ بعد حياء وخَفَر
تبرُّجَ الأنثى تصدّتْ للذكر
والأديب في هذا النوع من الخيال يؤثِّر في الأشياء، فيخلع عليها بعض الصفات الإنسانية، فإذا هي كائن حي، يسقط عليها من نفسه، فيصوّرها كما يحسها. وأغلب صور وصف الطبيعة في الأدب العربي تمثل هذا الضرب من الخيال.
على أن هذه الأنواع الثلاثة التي تحدثنا عنها متداخلة متشابكة، وليس بينها حدود فاصلة، وكثيراً ما تكون متجاورة في العمل الأدبي الواحد.
وأما مقياس الخيال الناجح الذي يولّد صوراً مؤثرة معبّرة، فهو قدرته على الإيحاء، والتعبير عن العاطفة بقوة وصدق، والنفاذ إلى أعماق الأشياء، واستكناه بواطنها، وعندما نصف أديباً من الأدباء بأن خياله نفّاذ بعيد فهذا لا يعني الغلو، والشطحات البعيدة التي تخالف المنطق والعرف، وتخرج على حقائق الأمور أو تتأبَّى على العقل، فذلك وهم، وهو ضار كما عرفت، وإنما نعني به الخيال المنظم الدقيق الذي يرسم صوراً، ليس نسخاً للواقع بطبيعة الحال، ولكنها ليست خروجاً عليه، أو خرقاً لقوانينه، وإنما هي ترتيب محكم للحقائق، وربطها برباط وثيق طريف تبدو فيه شيئاً متألقاً مؤثراً جديداً، ولقد كانت المدرسة الرومانسية من أكثر المدارس الأدبية غلواً في استعمال الخيال، وقد آمنوا به إيماناً مطلقاً، ورأوا أنه هبة عظيمة، وقوة مبدعة لا يجوز أن يقف شيء في طريقها، واستهانوا بالعقل من أجله، وراحت صلة الشاعر الرومانسي بالعالم الماديّ الواقعي تنقطع بسبب هذا الإسراف في الخيال، والإفراط في تحطيمه لقوانين العقل والمنطق. وكان الكلاسيكيون - في مقابل ذلك - يدعون إلى كبح جماحه، وعدم إعطائه حرية مطلقة، كان بوالو يقول: «إن الخيال موهبة عظيمة لا يستغني عنها شاعر حقيقي، ولكن إذا استمرأ الشاعر اللعب بها فإنه لن يصل إلى الكمال، ولا بد أن يكبح عقله خياله، وعلى الشاعر - حتى حين ينحرف عما هو طبيعي - أن يحترم قوانين العقل التي تحدّده بحدود ما هو محتمل ممكن..»[9].
الصُّورَة الفَنيَّة
إن لغة الأدب - بصورة عامة - لغة تصويرية، والعمل الأدبي في جوهره تعبير بالصورة. والخيال - كما عرفت - هو مولّد الصور ومبدعها، وهو ينشط عندما تشتد العاطفة، ويحسّ صاحبها أن الكلام المباشر العادي غير قادر على استنفادها، فيخرج إلى كلام آخر يكتسب - بما فيه من مجاز وخيال وصور - غنى وعمقاً، ويكون - بسبب من ذلك - أقدر على التعبير عن عواطفه الجياشة المتدفقة، ولعلنا نلاحظ ذلك في كلامنا العاديّ أحياناً؛ فإن أحدنا إذا انفعل بشجاعة شخص ما، وأراد التعبير عن ذلك فقال: فلان شجاع، أحسّ أن هذه العبارة لا تفي بما في نفسه من تأثر وانفعال، فيجد نفسه - من غير شعور أحياناً - يخرج إلى التشبيه فيقول: إنه كالأسد، كالسَّبُع، كالنَّمِر، أو غير ذلك مما يسعفه به خياله من الصور.
والصور تغني اللغة، وتوسّع طاقاتها، وتكسبها دلالات جديدة تجعلها أقدر على التعبير، وعلى الإثارة والإيحاء، ولذلك كان يقول نقادنا وبلاغيونا القدماء: إن التعبير المجازي للألفاظ أبلغ في الدلالة من الحقيقة التي تعتمد على دلالة الألفاظ المعجمية[10].
وإنما كانت اللغة القائمة على التصوير أكثر إيحاء ومتعة، لأنها تخرج بنا من المألوف إلى غير المألوف، ومن المعتاد إلى غير المعتاد، فترتاد بنا آفاقاً لم نعهدها من قبل، فنجد الأشياء الجامدة وقد انبعثت فيها الحياة والحركة، بما ينفث فيها الأديب من مشاعره وخياله، فتظهر لنا جديدة على غير ما نألف، فالشيب يضحك، والورد يتكلم، والزهرة تناجي، والربيع يبتسم، والشجرة تختال، والغصن يميس. ونحن في جميع ذلك نجدّد نظرتنا إلى الأشياء، ونمضي على أجنحة الخيال إلى عوالم أُخَر، فنكسر رتابة الحياة التقليدية ومللها.
والكلام التصويري يثير خيال المتلقي ويغنيه، فيحمله على المشاركة، ويبعثه على التفاعل، ويخرجه من الركود إلى الحركة والكشف. كما أنه أكثر إقناعاً وتثبيتاً للأفكار في عقله ووجدانه، لما يحمل من البرهنة على الأشياء، والتدليل عليها في بعض الأحيان؛ ولأنه يجسّد المعاني التجريدية، والخواطر النفسية، فتخرج من غامض إلى واضح، ومن خفاء إلى جلاء.
وإذا كانت لغة الأدب - في عامتها - لغة تصويرية كما عرفنا، فإن الشعر من أشد أجناس الأدب حاجة إليها، وهي ركن مهم أصيل فيه، ويرى بعضهم أن الشعر لا يقوم إلا بها. قال ابن رشيق: «قال غير واحد من العلماء: الشعر ما استُعمل على المثل السائر، والاستعارة الرائقة، والتشبيه الواقع، وما سوى ذلك فإنما لقائله فضل الوزن..»[11].
ويروى أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لسعه زُنبور ذات مرة، فجاء أباه يبكي، فقال له: ما لك ؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتفّ في بُرْدَيْ حِبَرة. فقال: قلت والله الشعر[12].
وكان روبرت أندروز - أحد نقاد الكلاسيكية الجديدة في العصر الحديث - يرى أن وجود الصور في الشعر أمر مهم، ومضى يقول: إن الصورة ليست إحدى دعائم الشعر فحسب، وإنما هي - في الحق - جوهر الشعر، وهي روحه وجسده[13].
وكان كولردج يقول: «الشعر من غير المجاز يصبح كتلة جامدة، لأن الصور المجازية جزء ضروري من الطاقة التي تمدّ الشعر بالحياة»[14].
وعلى أن هناك من يغالي في الحديث عن أهمية الصورة في الشعر، حتى ليدعي بعضهم أن القصيدة صور فحسب، وهذا تعسف يخرج كثيراً من القصائد الجيدة المعتبرة، ويستبعد أنواعاً راقية من الشعر وهي عارية من الصور، فعلى ما للصورة من خطر وتميّز، لا ينبغي أن يكون الحكم على الشعر من خلالها فحسب، فله عناصر أخرى لا يجوز أن تهدر قيمتها في سبيل الاهتمام بالصورة والإعلاء من شأنها.
تقول إليزابيث درو: «إن أهم مميزات الشعر هي أنه وحدات إيقاعية، أما أهمية المجاز فيمكن أن تصدق على النثر أيضاً.. وإن الشعر الذي يتجاهل التقريرات المنطقية الواضحة تجاهلاً كلياً يدل على ذوق متميّز»[15].
طبيعة الصورة
لقد كان مفهوم الصورة عند نقادنا وبلاغيينا القدماء يقوم على (التشبيه، والاستعارة، والكناية، والمجاز) ويسمى العلم الذي يدرسها في البلاغة العربية بعلم البيان. وقد عرّفوه بأنه ما يُعرف به إيراد المعنى الواحد بطرائق مختلفة في وضوح الدلالة عليه. وهو تعريف يدل على أن البيان يهتم بالاستعمال المجازي للغة، أي استعمال الألفاظ في معانٍ وعلاقات جديدة لا تدل عليها في أصل وضعها اللغوي الذي حدّده المعجم، وألفه الناس. وهكذا يبحث علم البيان في الصور التي تتشكل من هذه الألوان البلاغية، وهي صور جزئية.
وأما الصورة في النقد الحديث فهي تقوم على هذه العناصر البيانية، وعلى غيرها مما راح الشعراء المحدثون يستكثرون منه، كالرمز والأسطورة. كما أن الصورة لم تعد تقوم دائماً على هذه الضروب المجازية جميعها؛ فقد تستعمل الكلمات فيها استعمالاً عادياً، ولكنها في مجموعها تقوم على رسم مشهد أو لوحة تامة تحمل من المشاعر والأحاسيس ما لا تحمله الاستعارات والتشبيهات.
وقد يمثل المشهد المرسوم عندئذ أشخاصاً أو مواقف، وهو في الحالتين كلّ متكامل، يقوم على الاستقصاء، فلا يكتفي بتصوير جزئية واحدة، وإنما يرسم لوحة متكاملة. وقد يكون من ذلك قول الحارث الكندي يصوّر حالة بخيل قُصِد في حاجة:
فلمّا أن أتيناه وقلنا
بحاجتنا تلوَّن لونَ وَرْسِ
وآضَ بكفِّه يحتكُّ ضرساً
يُرينا أنه وجعٌ بضرسِ
فقلتُ لصاحبي أبِهِ كُزَازٌ
وقلتُ أُسِرُّهُ: أتراه يُمسي؟
وقمنا خارجينَ معاً جميعاً
نحاذرُ أن نُزَنَّ بقتلِ نفسِ
فهذه - كما رأيتَ - صورة لبخيل تضايق من سؤال السائلين. وهي تعدو الاستعارة والتشبيه وغير ذلك من جزئيات المجاز لتكون مشهداً تاماً لشخصية، قام على التصوير بالألفاظ.
وقد يكون المشهد قائماً على مجموعة من صور جزئية تعتمد على التشبيه والاستعارة وغيرهما من ضروب البلاغة المعروفة، ولكنها تتضافر فيما بينها لتشكل صورة كلية كبرى يقوم المشهد عليها، كقول أحد الشعراء يصور موقف الودّ والمحبة الذي كان بينه وبين صديق له، ثم انقلاب الحال إذ لجأ إليه وقت الشدة:
وصاحبٍ كان لي وكنتُ له
أشفقَ من والدٍ على وَلَدِ
كنا كساقٍ تسعَى بها قدمٌ
أو كذراعٍ نيطتْ إلى عَضُدِ
حتى إذا دانتِ الحوادثُ من
خطوي، وحلّ الزمان من عُقَدِي
احْوَلّ عيني وكان ينظرُ من
عينيْ ويرمي بساعِديْ ويَدِي
وكان لي مؤنساً وكنتُ له
ليستْ بنا حاجةٌ إلى أحدِ
حتى إذا استرفدتْ يدي يدَهُ
كنتُ كمُسْتَرفدٍ يدَ الأسدِ
فهذه الصور كلية مكونة من مجموعة صور صغيرة جزئية، تعتمد على ألوان شتى من البيان لا يكاد يخلو منها بيت، ولكنها ليست لبّ الصورة المقصودة، أو جوهرها، ولكنها تضافرت جميعاً على رسم هذه اللوحة المتكاملة. وعلى روعة بعض الصور الجزئية التي وردت في المشهد العام؛ إلا أن فنية الصورة وجمالها يتمثلان في اللوحة العامة الكبرى.
وعلى ذلك فإن مصطلح (الصورة الفنية) يتجاوز التصوير بأدوات البيان، من تشبيه، ومجاز، وكناية، ولذلك يحسن التمييز بين مصطلح (الصورة البيانية) أو (الصورة البلاغية) التي تقوم على ألوان البيان كما ذكرنا، وبين مصطلح (الصورة الفنية) الذي هو أوسع وأعمق.
من ملامح الصورة الفنية
الصورة - كما رأيت - تجسيد لأفكار ومعانٍ وحالات نفسية، وإيحاء بلون معين من ألوان المشاعر والأحاسيس، فهي تحمل في طياتها فكراً وعاطفة، ومعنى وإحساساً، فهي رمز وإيحاء بدلالة. وأجود الصور ما كانت صادقة معبِّرة، تنطلق من حسّ سليم، وتخيل دقيق منظم، وتقوم على علاقات واضحة بين العناصر التي تتكون منها، وتكون الصلة بين هذه العناصر مسوّغة مقنعة، وإلا كانت ضرباً من الهذيان والتخيل السقيم، لا يقنع المتلقي، ولا يؤثر فيه، كتلك الصور السريالية والرمزية التي لا تعبّر عن مدلول محدد، أو توحي بشيء ذي بال، أو تقوم على علاقات غير منطقية ولا مقبولة، فتبدو - بسبب من ذلك - متنافرة لا صلة بينها، ولا رابط يقيمها، تتجاوز المعقول، وتتمرد على الحواس، وتغرق في غموض سلبي لأنها لا تفصح عن شيء.
ومن معالم النجاح في الصورة الفنية صدقها في التعبير، وقدرتها على أن تثيرنا وتهزنا. ولا يتم ذلك إلا إذا كانت صادرة عن انفعال صادق، بعيدة عن التكلف والاصطناع، مساوقة للفكرة، منسجمة معها. وإذا لم تكن كذلك شفَّت عن زيف عاطفي أو فكري، وفقدت قيمتها، وهذا ما نلمحه في كثير من الصور التي لم تصدر عن انفعال حقيقي، وإنما كانت ضرباً من إظهار المهارة اللغوية.
ومما يفسد عفويةَ الصورة، ويذهب بصدقها، الغلوُّ والإفراط، والشطحات الخيالية البعيدة التي تأتي بالأوهام والمحال، وتولد علاقات وهمية غير مقنعة ولا مقبولة، كقول أبي نواس مثلاً:
وأخفت أهلَ الشِّركِ حتى إنه
لتخافُكَ النّطَفُ التي لم تُخْلَقِ
أو الشطط في الخيال حتى كأن الأديب لا يعيش على أرض الواقع، وإنما يحلّق في عالم غريب ينهال عليه بصورة مبهمة بعيدة.
ويمكن أن نقول - باختصار - إن وظيفة الصورة الأدبية الناجحة تتمثل في:
1- تطوير الموضوع.
2- تأكيد المعنى.
3- تكثيف العاطفة.
4- التزويق والتجميل.
5- التشخيص والتجسيد[16].
الصورة في الشعر الحديث
تحتل الصورة الفنية اليوم أهمية كبرى في الشعر الحديث، وقد توسعت آفاقها، وغزرت معانيها، وانفسحت عوالمها؛ فلم تعد حسية جزئية بسيطة كما كانت في الشعر القديم، ولكنها تعقَّدتْ فصارت عقلية في أكثر أحوالها، تميل إلى التفصيل والاستقصاء، وتعتمد على رسم المشاهد واللوحات الكبرى، وصارت جزءاً من عاطفة الشاعر وشخصيته، تختلط بمشاعره وأحاسيسه، وبعناصر الطبيعة المختلفة. وهي تلج في شعر اليوم عوالم فسيحة ما كان يستطيع الشعر القديم - بثقافة العصر وتكوين الشاعر الفكري المحدود - أن يلجها. ولم تعد تقوم على مجرد الألوان البلاغية القديمة ولكنها تعتمد على عناصر أخرى كما سبق أن أشرنا.
كما أن الصورة - ولاسيما عند الرمزيين - تعتمد اليوم كثيراً على ما يسمى بظاهرة (تبادل الحواس) أو تراسلها، وهي أن يربط الشاعر بين مجالين حسيّين مختلفين أو أكثر، كقولنا: نبرة سوداء، موسيقا دافئة، صوت مخملي، وغير ذلك، من منطلق أن النفس الإنسانية وحدة متكاملة، وأن وسائل الإدراك فيها - وإن تعدّدت - تتشابه في وحدة الأثر؛ فمن الممكن التعبير عن أثر معين يدخل في مجال إحدى الحواس باستخدام لفظ ينتسب إلى مجال حسيّ آخر، فنشبه المسموع بالمرئي، والمرئي بالمشموم، مما يخلق جواً إيحائياً بعيد المدى. ويمكن أن نجد لهذا الضرب من الصور الكثيرة في شعر اليوم جذوراً في شعرنا القديم، كقول بشار:
وكأن رجعَ حديثها
قطعُ الرياضِ كُسِينَ زهرا
فقد شبّه الحديث، وهو مسموع، بقطع الرياض، وهي مرئية.
وذلك بالنظر إلى أن النفس البشرية متكاملة كما ذكرنا، وأن وسائل الإدراك - وإن تعددت - تتشابه في التأثير في النفس، ومن هنا يصبح ممكناً أن نعبّر عن أثر معين يدخل في مجال إحدى الحواس عن طريق استخدام لفظ نستمده من مجال حسي آخر، فيغدو المرئي مسموعاً، والمسموع مشموماً وهكذا..
كما أن الصورة الحديثة أكثر عمقاً وغوصاً في سبيل استكناه حقائق الأشياء، وقد تكون العلاقات فيها مبهمة أحياناً، ولكنها تقوم بدور الإيحاء بحالة شعورية معينة. ويشبه دورها عندئذٍ دور الموسيقا.
وعلى أن الصورة الحديثة لا تخلو أيضاً من وجوه سلبية كثيرة تسيء إليها؛ فالشاعر الحديث - بسبب غرامه المبالغ فيه بالصورة، وجريه اللاهث وراءها، وبسبب رغبته العارمة غير المنضبطة في الخروج على المألوف - يقع في أحيان غير قليلة في الاضطراب، فتجيء صوره محشودة أو مجتلبة، فيخلّ بالترابط الذي يريده، وتعجز قصيدته عن تحقيق ما يريد لها من غاية؛ لأنها أغرقت في التوجه نحو تلك الغاية[17]..
وقد أكثر الشعراء المعاصرون من الصورة، وأصروا عليها، وهو إصرار مصطنع في كثير من الأحيان، ويقوم على الإغراب، مما يضعف من قدرة الشعر على التوصيل. كما أن نوع الصور التي يستعملها العدد الأكبر من الشعراء الحداثيين تباعد كثيراً بين طرفي الصورة، وتتفنّن في هذه المباعدة بتأثير بعض المدارس الغربية، ولاسيما المدرسة الرمزية والسريالية.
علم البيان
تعريف البيان
البيان - لغةً - الظهور والإيضاح والكشف. قال تعالى في وصف القرآن الكريم: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ *} [آل عمران: 3/138] .
وقد يكون الجاحظ نظر إلى هذا المعنى اللغوي عندما جعل البيان هو الدلالةَ الظاهرة على المعنى الخفيّ، فهو عنده «اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته»[18].
فكلّ دلالة على المعنى عند الجاحظ بيان. وقد تكون الدلالة باللفظ، أو الإشارة، أو الخطّ، أو العقد، أي الحساب، أو النصبة، وهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد.
ولكن البيان في الاصطلاح البلاغيّ غير هذا؛ إنه علم من علوم البلاغة الثلاثة، وله دلالة محدودة، وتعريف ذائع مشهور. وهو يتصل بالصورة الأدبية التي تحدَّثنا عنها، ومباحثه تتعلق بمكونات هذه الصورة.
وإذا كان هناك أسلوبان في أداء المعنى: أسلوب مباشر، وأسلوب غير مباشر، فإن مباحث البيان هي مباحث أداء المعنى بالأسلوب غير المباشر، أي بأسلوب التصوير البلاغي.
ويعرّف علماء البلاغة البيان بقولهم: «هو علم يُعرف به إيرادُ المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه».
ومعنى هذا أن هنالك طرائق متعدّدة في التعبير عن المعنى الواحد، ولكنها ليست متساوية من حيث وضوح دلالتها أو خفاؤها؛ فمنها ما هو أوضح وأظهر، ومنها ما هو أخفى وأغمض.
وإذا كان هنالك ضرب من الكلام تصل إلى الغرض منه بدلالة اللفظ وحده، فإن هذا هو ما يمكن أن يكون الأسلوب المباشر، ولكن ضرباً آخر - كما يقول عبد القاهر - «أنت لا تصل إلى الغرض منه بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية يتصل بها الغرض»، وهذا هو الأسلوب غير المباشر، الذي مداره - كما يقول عبد القاهر نفسه- «على الكناية والاستعارة والتمثيل»[19].
فإذا شئنا مثلاً التعبير عن كرم شخص اسمه (أحمد) بأسلوب التصوير البياني، عبّرنا عن ذلك بصور مختلفة في التشبيه، فقلنا:
- أحمد كالبحر في السخاء.
- أحمد بحر في السخاء.
- أحمد كالبحر.
- أحمد بحر.
وليست جميع صور التشبيه هذه - كما سوف ترى - متساوية في وضوح الدلالة على معنى الكرم. وقد تعبّر عن معنى الكرم هذا بأسلوب بياني تصويري آخر، هو أسلوب الاستعارة، فتقول مثلاً عن هذا الشخص - مصرّحاً باسمه مرة وغير مصرِّح به أخرى -:
- رأيتُ بحراً يجول بين الناس.
- غمر أحمد بالعطاء جميع الناس.
- تتلاطم لجة أحمد عطاء وإنعاماً.
ومن الواضح أن دلالة هذه الصور الاستعارية على معنى الكرم غير متساوية، كما أنها غير متساوية مع صور التشبيه السابقة في الدلالة.
وقد تعبّر عن معنى الكرم بأسلوب بياني تصويري آخر. هو الكناية، فتقول:
- أحمد مهزولُ الفصيل.
- أحمد جبان الكلب.
- أحمد كثير الطبخ.
- أحمد كثير الرّماد... إلخ.
وهذه كلها صور كنائية تعبّر عن معنى الكرم، ويُنْتقل منها إلى ما يترتب عليها، لأن (هزال الفصيل) - ولد الناقة - إنما يكون بسبب إعطاء لبن أمه للأضياف، و(جبن الكلب) بسبب إلفه الناسَ لكثرة مجيئهم، فهو لا يعادي أحداً، ولا ينبح في وجه أحد، حتى ليُحسب جباناً، و(كثرة الطبخ) دلالة على كثرة الضيوف، و(كثرة الرماد) تعبير عن كثرة الإحراق للطبائخ من كثرة الأضياف. وهذا كله يعني الكرم. ومن الواضح كذلك أن هذه الصور الكنائية ليست سواء فيما بينها من حيث جلاء الدلالة على المعنى المراد، وهي كذلك غير متساوية مع صور البيان الأخرى التي مرّت في ظهور هذا المعنى وانكشافه..
وإذن فالبيان هو التعبير عن المعنى بأساليب متعدّدة، ولكنها - كما تلاحظ - أساليب تصويرية، غير مباشرة، ولذلك لا يدخل في البيان تعبيرك عن معنى الكرم بمثل قولك:
- أحمد كريم.
- أحمد شديد الكرم.
- أحمد لا نظير لكرمه.
- أحمد أكرم الناس
وما شاكل ذلك من الطرائق، لأنها أدّت المعنى بشكل مباشر.
البيان - إذن - مجاله الصورة الأدبية التي يبدعها المتكلّم، ويعبّر بها عن المعنى المراد تعبيراً وصفه روبرت فروست بقوله: «أن تقول شيئاً وتعني شيئاً آخر»[20].
ومباحث البيان التي تشكل مكونات الصورة البلاغية هي:
1- التشبيه 2- المجاز 3- الكناية
وسنتوقف عند كلِّ نوع من هذه الأنواع بالتفصيل.
أولاً :التشبيه
مقدمة
التشبيه عقد مقارنة بين شيئين لوجود أمر مشترك يلتقيان عليه. وقد شبَّه الشيءَ بالشَّيء، أي مثَّله به، أو قرنه. وهذان الشيئان هما: (المشبه) الذي يدور حوله الكلام، ويكون موطن الاهتمام، و(المشبه به) الذي يُراد موازنة الأول به، وربطه معه بسبب من الأسباب، أو صفة من الصفات تُدعى (وجه الشبه) وقد يكون ثمة أداة توضح هذا الربط، وتدعى (أداة التشبيه) وقد يخلو الكلام منها. وتسمّى هذه العناصرُ الأربعةُ (المشبه، المشبه به، وجه الشبه، أداة التشبيه) أركانَ التشبيه.
ويسمى التشبيه الذي يستوفيها جميعاً: التشبيه التام الأركان .. كما في قول القائل: «المؤمن كالفجر في النقاء».
وكما في قول الشاعر:
كأنما الماء في صفاء
وقد جرى ذائبُ اللجينِ
ولكن قلّ أن يستوفي التشبيه هذه الأركان جميعها، فما أكثر ما تُحذف منه الأداة، كما في قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 3/133] وقد يحذف وجه الشبه اعتماداً على خيال السامع أن يقدِّره بنفسه، كما في قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ *} [الرحمن: 55/24] .
وجه الشبه هو الضخامة والثبات، مما يدلّ على عظمة الخالق جلّ وعلا، الذي يملك وحده إجراء هذه السفن الضخمة.
وقد يحذف الوجه والأداة معاً، فلا يبقى من التشبيه، إلا (المشبه) و(المشبه به) ويسميان (طرفي التشبيه) كما في تشبيه القرآن الكريم للنبي - عليه السلام - بالسراج المنير، في قوله تعالى: {يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (*) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً} [الأحزاب: 33/45-46] .
وقول النبيّ - عليه السلام -: «الصيام جُنّة» أي ستر ومانع، شُبّه الصيام بالستر والمانع، لأنه يحمي من الوقوع في الآثام.
ويسمّى هذا النوع من التشبيه الموجز الذي ليس فيه إلا الطرفان فقط: التشبيه البليغ . وهذا أقل التشبيه، إذ لو حذف منه أحد هذين الطرفين لدخل في باب الاستعارة كما سوف ترى[21].
وهكذا يقوم التشبيه على عقد الأواصر بين أشياء تبدو في الحالة العادية لا رابط بينها، وهي أواصر إما في: الصورة والشكل، أو اللون، أو الحركة، أو الفعل، أو ما شاكل ذلك من علاقات تتيح إقامة التشبيه وتجعله مقبولاً مستساغاً.
فلو أنك نظرت مثلاً في العناصر التالية: القلب، القطاة، الفخ، الجناح، لحسبت أنه لا شيء يجمعها، ولكن ملكة الخيال - التي سبق الحديثُ عنها - استطاعت أن تربط بينها ربطاً جميلاً مؤثراً مقنعاً، لتقيم - على لسان المجنون - هذا التشبيه:
كأن القلبَ ليلةَ قيل يُغْدَى
بليلى العامرية أو يُراحُ
قطاةٌ عزّها شَرك فباتت
تجاذبه، وقد علق الجناحُ
إن قلب هذا المحب ليلة أخبر أن ليلى العامرية ستفارقه في الغداة أو الرواح، مثل قطاة صغيرة أمسكها فخ، فهي تحاول الإفلات منه، ولكن أنى لها ذلك ؟ لقد علق جناحها، فعزّ عليها الخلاص، فهي تنتفض متألمة، ولكن لا طريق إلى النجاة. إنها صورة ألم هذا المحبّ ومعاناته النفسية بسبب البين، وتجسيد لمشاعر التعلّق والخوف.
وهذه الصلة - وجه الشبه - هي في المشبه به أوضح منها في المشبه، ولولا ذلك ما قارنّا الثاني به. يقول السكاكي: «المشبه به حقه أن يكون أعرف بجهة التشبيه من المشبه، وأخصّ بها، وأقوى حالاً معها»[22]؛ وذلك أن أغلب ما يقصد من التشبيه إلحاق الناقص بالكامل، والأقل بالأكثر، أو إلحاق الكامل بالأكمل، والكثير بالأكثر.
كما أن هذه الصلة ينبغي أن تكون صادقة، واضحة، مقنعة، فلو قال قائل: «فلان شجاع كالخشب، أو القطة، أو الفأر» لما كان هذا التشبيه إلا لغواً، لأنه لا يحقق الغرض الذي انعقد من أجله، بسبب انتفاء وجه الشبه بين الطرفين، أو عدم وضوحه، أو عدم الاقتناع العقلي به، ومن هذا القبيل مثلاً قول نزار قباني:
الحبُ أصبح كلّه متشابهاً
كتشابه الأوراق في الغاباتِ
فهو يريد أن يعبّر عن فكرة التماثل وعدم التغاير، فاختار التشبيه بأوراق الغابة، وليست أوراق الغابة متشابهة، أو متماثلة، حتى تُستساغ المقارنة بها. ومن هذا القبيل قول الشاعر:
بل لو رأتني أختُ جيراننا
إذ أنا في الحيّ كأني حمارُ
فقد أراد وصف نفسه بالصحة، أي هو صحيح قوي كالحمار، ولكن وجه الشبه غير واضح، وهو ينصرف إلى غير هذا المعنى. ولذلك عدّه المبرد من التشبيه البعيد الذي يحتاج إلى تفسير.
وأما أداة التشبيه فقد تكون حرفاً مثل (الكاف، كأن) أو اسماً مثل: (مثل، شبيه، مماثل، محاكٍ..) وما كان في معنى المماثلة والمشابهة، وقد تكون فعلاً، مثل: (يشبه، يماثل، يحاكي، يحسب، يظن..) وما أدَّى في المعنى هذا المُؤَدَّى.
وينبغي عند تحليل الصورة التشبيهية، أو أية صورة بلاغية أخرى، أن يصرف الدارس عنايته إلى تلمّس الأمور التالية:
1- تحليل الصورة الأدبية، وشرحها، وبيان عناصرها ومكوناتها.
2- بيان الغرض منها.
3- بيان نوعها.
4- بيان موطن الجمال فيها، ومدى مناسبتها للفكرة التي أنشئت من أجلها.
أنواع التّشبيهات
للتشبيهات أنواع كثيرة، تعرضها كتب البلاغة، ولكن لا فائدة كبيرة من معرفتها، ولا أهمية لها في استكناه أسرار الجمال، وبمقارنة ما استعمله بلاغي متقدم كعبد القاهر الجرجاني بما استعمله بلاغي متأخر كالسكاكي وغيره، من المصطلحات والتقسيمات والتعريفات؛ ندرك أن الانصراف إلى التشعيب والتفريع كان من دأب المتأخرين، وكان الحرص عليهما أكثر من الحرص على تلمس مواطن الجمال وأسرار الفن.. وقد تعدّدت هذه الأنواع بحسب النظر إلى أركان معينة في التشبيه، وسنتوقّف عند بعضها منبّهين مرة ثانية على أنه لا أهمية لها في حدِّ ذاتها ولا فائدة من ذكرها عِند تحليل الصورة الأدبية إلا إذا كانت عوناً على فهم التشبيه وتذوقه.
1- التشبيه بحسب الأداة
نوعان، هما:
أ- التشبيه المرسل : وهو ما ذكرت فيه الأداة، كقوله تعالى في تشبيه شجرة الزقوم: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ *} [الصافات: 37/65] ، وقوله في تشبيه نساء أهل الجنة: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ *} [الرحمن: 55/58] .
ب- التشبيه المؤكّد : وهو ما حذفت منه الأداة: ولا شك أن حذف الأداة يجعل التشبيه أكثر تأكيداً، لأنه يعني اقتراب المشبه من المشبه به أكثر، حتى كأنه لا حاجز بينهما، وانظر مصداق ذلك في هذين المثالين:
- قول بدر شاكر السياب: «عيناك غابتا نخيل ساعة السَّحَرْ».
- وقولك: «عيناك كغابتي نخيل ساعة السحر».
تشعرْ أن الأول - محذوفَ الأداة - أكثرُ تأكيداً لصورة الشبه بين الطرفين.
ومن التشبيه المؤكد قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 27/88] .
تمرين للحل
اشرح التشبيه في الأمثلة التالية، وبيّن نوعه من حيث الأداة:
1- قال تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 7/171] .
2- قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (*) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 74/50-51] .
3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً».
4- قال عليه السلام: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
5- قال عليه السلام: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى شيء منه تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر».
6- قال عبد الله بن المعتز:
وهُمُ غرابيلُ الحديث إذا وَعَوْا
سرّاً، تقطَّر منهمُ أرسالا
7- قال البحتري:
هو بحرُ السماح والجود فازدَدْ
منه قرباً تزددْ من الفقر بُعْدا
2- التشبيه بحسب الوجه
يقسم التشبيه بحسب وجه الشبه إلى نوعين:
أ. مجمل : وهو ما حذف منه وجه الشبه.
ب. مفصّل : وهو ما ذكر فيه وجه الشبه.
ومن الواضح أن في المصطلح دلالة بيّنة على المضمون؛ ففي ذكر وجه الشبه تفصيل وإيضاح، وفي حذفه إجمال واختصار.
ومن أمثلة التشبيه المجمل - وهو أكثر من المفصّل عادة - قوله تعالى في عاد: {وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (*) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 51/41-42] .
شبه ما أصابته هذه الريح المهلكة بالشيء البالي المتهالك، من حيث التلاشي والفناء.
ومن المجمل قوله تعالى: {وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [الإنسان: 76/19] .
ومن المفصل قوله تعالى في تشبيه قلوب اليهود بالحجارة في القسوة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 2/74] .
وقول الأعشى:
كأنَّ مِشْيتها من بيت جارتها
مرّ السّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ
عبّر عن مشية صاحبته المتزنة الوقور، فشبهها بمرّ السحابة لا بطء فيها ولا عجلة، بل هي مشية اعتدال ووقار.
تمرين محلول
اشرح التشبيهات في الأمثلة التالية، وبيّن وجه الشبه، ونوع التشبيه بحسبه:
1- قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الحديد: 57/21] .
صوّر ضخامة الجنة واتساعها، فشبه عرضها بعرض السماء والأرض، ليدلّ على عظمها، فيشوّقهم إليها، وهو تشبيه مجمل، لم يذكر فيه وجه الشبه.
2- {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 69/7] .
عبّر عن هلاك القوم الكافرين، وما آل إليه حالهم من خلو أجسادهم من الروح، فشبههم في هذه الحال بأعجاز النخل، بجامع الخُلُوّ والسّكون، وهو تشبيه مجمل.
3- قال تعالى: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ *} [الرحمن: 55/37] .
صور انشقاق السماء يوم القيامة وذوبانها، فشبهها في الشكل واللون بوردة من دهن الزيت، ووجه الشبه الاحمرار والذوبان، فهي تصير يوم القيامة في حمرة الورد وجريان الدهن[23]. وهو تشبيه مجمل.
4- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الناس كالإبل المئة لا تجد فيها راحلة» أي الناس كثيرون، كالإبل المئة، ولكن الصالح المنتخب منهم عزيز قليل وجوده، كالنجيب من الإبل، ووجه الشبه كثرة الخبيث وقلة الصالح وندرته. وهو تشبيه مجمل.
3- التشبيه من حيث الطرفان
من التشبيه ما يتعدّد فيه أحد الطرفين أو كلاهما، فهو عندئذٍ من التشبيه المتعدّد ، ويأتي على صور وأشكال مختلفة:
أ- قد يُشَبَّه شيء بعدة أشياء، أي ينفرد المشبه ويتعدّد المشبه به، كما في قوله تعالى: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ *} [الرحمن: 55/58] .
شبه حور أهل الجنة في الإشراق والجمال والنفاسة بشيئين هما الياقوت والمرجان.
ومن ذلك قوله r: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، أو الصائم النهار».
شبه من يسعى في حاجة الأرملة والمسكين - في المنزلة والأجر - بثلاثة أشياء: المجاهد في سبيل الله، ومن يقوم الليل بالعبادة، ومن يصوم نهاره.
وكقول أبي العلاء المعري:
خبّريني ماذا كرهتِ من الشَّيْـ
ـبِ، فلا علم لي بذنب المشيبِ
أضياءُ النهار، أو وَضَح اللؤ
لؤ، أم كونُه كثغر الحبيبِ
شبّه المشيب - في معرض تزيينه وتجميله - بثلاثة أشياء مبهجة، هي: ضياء النهار، ووضح اللؤلؤ، وثغر الحبيب.
ويُسمّى مثل هذا التشبيه بـ ( تشبيه الجمع ) وبلاغته أن المتكلّم بالغ في صفة المشبه، حتى كأنه لم ير مشبهاً به واحداً يعبّر عن حاله، أو يجمع صفاته، فشبهه بعدة أشياء، فدلّ بذلك على كثير من معانيه وأحواله.
ب- وقد تُشَبَّهُ - على عكس السابق - عدة أشياء بشيء واحد، كقولك: عزمُ الرجل ولسانُه كالسيف.
شبهت شيئين: عزم الرجل ولسانه، بشيء واحد، هو السيف، للدلالة على القوة والصرامة والتميّز.
ومنه قول الشاعر:
صُدْغُ الحبيبِ وحالي
كلاهما كالليالي
شبّه شعر الحبيب وحاله بالليل الأسود، فأما وصف شعر المحبوب بالسواد فهو دلالة الشباب والنضارة، وأما وصف حاله بالسواد، فهو دلالة عن سوء حاله وتعاسته. ومن الواضح ارتباط الصورتين، فتعس حال الشاعر بسبب وجده بحبيب شاب ناضر.
ويُسمّى هذا النوع بـ ( تشبيه التسوية ) لأنه سوّى بين المشبهات بحيث جعل لها مشبهاً به واحداً.
ج- وقد يتعدّد كلٌّ من الطرفين: أي يُشبَّه عدة أشياء بعدة أشياء، ولكنه يأتي بالمشبهات أولاً متتالية، ثم يتبعها بالمشبهات بها.
كقولك: الأمير ووزيره، كالشمس والبدر.
وقول امرئ القيس:
كأنّ قلوبَ الطير رَطباً ويابساً
لدى وكرها، العُنّاب والحَشَفُ البالي
أتى بمشبهين متتالين، هما قلوب الطير الرطبة، وقلوب الطير اليابسة، ثم أتى بالمشبهين بهما. جعل القلوب الرطبة كالعناب، واليابسة كالحشف البالي.
ويُسمّى هذا النوع ( التشبيه الملفوف ) لأنه أتى بمتعدد، أي لفّ المشبهات معاً، ثم أرجع على كلٍّ منها ما يتعلق به. وهو على أسلوب اللفّ والنشر في علم البديع، ولذلك سمّي باسمه. ومن هذا القبيل قول الشاعر:
ليلٌ، وبدرٌ، وغصن
شعرٌ، ووجهٌ، وقدُّ
د- وقد يتعدّد كلّ من الطرفين، أي يشبه عدّة أشياء بعدّة أشياء، ولكن يؤتى إلى جانب كلّ مشبه بما شبِّه به، ولا تأتي المشبهات المتعدّدة أولاً ثم المشبهات بها بعد ذلك كالنوع السابق، كقولك:
فلان صيته كالفجر، وسمعته كالعنبر.
وقول الشاعر:
النّشْر مِسْكٌ، والوجوه دنا
نيرٌ، وأطراف الأكفّ عَنَمْ
هذه ثلاثة تشبيهات، ولكن كلاً منها مستقل عن الآخر: أتى بالمشبه الأول النشر - الرائحة الطيبة - وإلى جانبه المشبه به المسك، وأتى بالوجوه وإلى جانبها المشبه به وهو الدنانير، وأتى بأطراف الأكف، وإلى جانبها المشبه به، وهو العَنَم؛ نبات أملس دائم الخضرة. فكأن كلّ تشبيه هاهنا مستقل مفروق عما قبله. ولذلك سمّي هذا النوع بـ ( التشبيه المفروق ).
4- التشبيه المركب
يتفق التشبيه المركب مع التشبيه المتعدّد في أن كلاً منهما يتكون من عدة عناصر، وتتعدّد فيه أطراف الصورة، ولكنهما يفترقان بعد ذلك في أن التشبيه - سواء أتعدد فيه طرف وانفرد الآخر، أم تعدد الطرفان على نحو ما رأيت - إلا أنه تعدد، وليس امتزاجاً أو تركيباً اندماجياً.
أما التشبيه التركيبي فهو يتألف من عدة عناصر وجزئيات، ولكنها تأتي ممتزجة مندمجة، بحيث إن كل طرفٍ من طرفي التشبيه - على تشكله من عدة أجزاء - يؤلف صورة واحدة لا فاصل بين أجزائها المفردة، وهو يقوم عندئذٍ على تعدد وجه الشبه.
كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 62/5] .
لم يُقصد به تشبيهُ أحبار اليهود الذين حملوا التوراة ولم ينتفعوا بها، أو يستطيعوا القيام بما فيها بالحمير، وتشبيه التوراة بأسفار العلم، وإنما أريد تشبيه تركيب بتركيب، أو صورة بصورة: تشبيه أحبار اليهود وعندهم التوراة، فيها هدىً ونور وعلم، ولكنهم لا يعملون بها، ولا ينتفعون بهداها، بالحمار الذي يحمل على ظهره أسفاراً من الكتب ولا سبيل إلى جني ثمرة منها، فهو لا يجني إلا التعب. ووجه الشبه بين هذين التركيبين مركب كذلك، وهو: «عدم الانتفاع مع وجود أسبابه».
ويسمى هذا التشبيه: بالتشبيه التمثيلي . وهو من أرقى أنواع التشبيهات كما سترى.