Page 1
المقدمة
يشغل الفن وضعية عبور مؤقت تعبِّر عن حيّز من الوهم، كما أنّه يجيز التمتع بلذّةٍ ممنوعةٍ ومتحولةٍ ناجمةٍ عن مجموعةٍ من الأشياء التي تمثلها ولا تمثلها.
إن السحر والإغواء لكل عمل فني يقومان بتأثير يقضي بتعطيل عمل الكبت، وتحويل اتجاه المرور إلى الوعي بالمقارنة بذلك الاتجاه الموصوف بحالة الجرم، والمعاقب بالممنوع، والذي يشكِّل العوارض على الرّغم من أنه ينظّم الفضاء الجمالي بصفته حلاً مؤقتاً لمسائل يطرحها الوضع الإنساني بين الحل الفردي المنجز والمتعلق بالعصاب، وبين الحل الجماعي والمتسامي مع الدين.
إن الفن هو المضمار الوحيد الذي بقيت فيه كلية قدرة الأفكار قائمة إلى يومنا هذا، وفي الفن وحده يتفق للإنسان الذي تقض الرغائب مضجعه أن يفعل شيئاً يشبه الإشباع، وبفضل الوهم الفني تؤتى هذه اللعبة المفاعيل الوجدانية عينها التي كانت ستأتي فيما لو كان الأمر حقيقياً، ومن المناسب أن نتكلم عن سحر الفنّ، وأن نقارن بين الفنان والساحر، ويعتبر فرويد أن الفن لم يبدأ (فناً للفن)، وإنما كان يعمل في بادئ أمره في خدمة ميول زالت اليوم وانطفأ معظمها، وبالانتقال إلى الفن الأدبي فإن المواضيع الاستيهامية ذات الاتجاه الجمالي تكون موجودة في الوعي، وما قبل الوعي، ومن ثم يتم فرزها وإبرازها، وهي ليست قابعة في العزلة الخاصة بأحلام اليقظة، وذلك لا يعني أنها تتحاشى التصور النرجسي الخاص بهذا النوع من التشكلات، وهي لا تغيب عن الشخص حتى يعثر عليها مرّة ثانية، وهي ذات قيمة مثيرة للإعجاب من قِبل الآخر (الجمهور) الذي يضمها إلى حسابه ويدخلها نرجسيته كقارئ، وهنا نصادف مثال الأنا، ثم يظهر توظيف الإنتاج الجمالي على هيئة «نرجسية مزدوجة»، وأبرز ما يعبّر عن أهمية النرجسيّة الصورة الاستيهامية التي ترسخ في البنية الذهنيّة الفرديّة، وهي الرجوع إلى «حضن الأم»، وهذه الصورة هي التي تسم الوضعية النرجسية.
تتحول الرغبة في الشيء إلى شيء آخر عندما يخسر الشخص اللذّة التي يجنيها من هذه الرغبة، ومثال على ذلك تبادل الهدف الجنسي مقابل هدف متسام، والنرجسية تكسب الجولة جزئياً حين تكون البنية النرجسيّة خاضعة للآخر، وبهذا الخصوص تستحق مواضيع الإبداع الفني صفة ما تتعدى النرجسي، ويحصل ذلك عندما يتم تفعيل التواصل بين نرجسيّة المنتج، ونرجسيّة المستهلك من خلال العمل الأدبي (1).
تعتبر حوافز الإبداع محسوبة على آلية الدفاع، أو على تشكل التسوية على اللذة النرجسيّة، أو على تسامٍ ناجح على الانتصار على الاستقلالية المنتجة ضد الأب، أو الخضوع له، أو على الالتجاء إلى حضن الأم، أو الانتقام منهما، ويعتبر التحليل النفسي أن الفنان والعصابي يحلمان لكنّ أحلام العصابي هي أحلام في الهواء، أما الفنان فهو القادر على تحقيق حلمه وجعله حقيقة، لكنّها حقيقة من نوع آخر، حقيقة جمالية، فالتجربة الجمالية تعتمد على الشكل أكثر منها على المضمون، والفنان والمستمتع بالجمال كلاهما يشحن الشيء الجميل نفسيّاً، ويطلق شحنة نفسيّة، بمعنى يصرفها، وهو عمل لذيذ في حد ذاته، والفنان وهو يبدع يصرّف الطاقة بعد الطاقة، وكذلك المستمتع في تصوره للعمل الفني واستمتاعه به يخلص نفسه من الكثير من التوترات ويستعيد توازنه (2).
ويعود التشابه بين الحلم والعمل الإبداعي إلى كونهما ينبعان من مخزون اللاشعور، وبما أن الحلم هو بالضرورة حامل لرغبات اللاشعور فالأمر ينسحب على الأثر الفني الذي هو الآخر بالضرورة حامل لمعانٍ، ودلالاتٍ عميقةٍ، ومشاعر، وتناقضات، وصراعات خفية، وغالباً ما تتستر هذه التناقضات التي تختزن العمل الفني وراء مكوّنات، وتركيبات، وأقنعة ظاهرة خارجية، وتكون علاقتها بالداخل الخفي كعلاقة الوعي والإدراك باللاوعي والتخيّل أو الحلم.
يتناول هذا الكتاب علاقة التحليل النفسي بالفن عموماً، وببعض العلوم كالعلوم اللغوية واللسانية، وعلم النفس الاجتماعي...إلخ، ولكنّنا خصصنا القسم الأكبر من هذه الدراسة لعلاقة التحليل النفسي بعلم الأدب.
نستعرض في هذا الكتاب مدارس التحليل النفسي الأدبي، ونضع الحدود الفاصلة بينها من أجل إزالة الإبهام والفوضى اللذين تعيشهما تلك المدارس بسبب سوء معالجتها من بعض المؤلفات التي دخلت هذا المجال، وزادت الطين بلة لأنها تناولت قضايا التحليل النفسي للأدب بطريقة مشوهة، أو منقوصة، إذا أحسنّا النظر إليها!
وإن كان هذا الكتاب مخصصاً في الأصل للباحثين، ولكل متخصص في هذا المجال إلّا أنّه يمثل معيناً للطلبة الجامعيين، كما يمثل هذا الكتاب مصدراً غنيّاً لكل راغب في التعرّف إلى قضايا التحليل النفسي الأدبي، وهو ضرورة لكل طالب معرفة لما تضمنه من تفسيرات، وشروحات لا تتوافر في غيره من المراجع المختصة، وهو يسد حاجة ملحة للطالب والباحث كليهما لما يتضمنه من شمول، وسعة، وتحديد واضح بين المدارس، تمكّن الباحث من الاعتماد عليه في الشرح والتفسير، ومن أجل تعميم الفائدة اعتمدنا في تأليفه على لغة سهلة ميسّرة، وحاولنا قدر الإمكان الابتعاد عن المصطلحات المعقدة عبر تبسيط مضمونها مع الحفاظ على دلالاتها، ولذلك قمنا بشرح ما ورد منها في المتن في هوامش واضحة غير ملتبسة، كما اعتمدنا منهجيّة الأبواب في تبويبه، ولهذا عالج الباب الأول منه مبادئ التحليل النفسي في ثلاثة فصول استعرض الفصل الأول أهم المبادئ التي قام عليها التحليل النفسي الفرويدي، واستعرض الفصل الثاني أهم مدارس التحليل النفسي من أدلر إلى يونغ ورانك أوتو... ودرس الفصل الثالث العلاقة التي تربط علم النفس ببعض العلوم الأخرى ومنها علم الاجتماع، ودرسنا في الباب الثاني التحليل النفسي الأدبي في فصلين عالج الفصل الأول منهما، قضايا مدرسة التحليل النفسي الأدبي التي اعتبرت الأدب نتاج لاشعور كاتبه، وبحثنا في الفصل الثاني التحليل النفسي الأدبي الذي اعتبر أن النص يمتلك «لاوعياً» خاصّاً به، ومن أجل أن تكتمل الفائدة من هذه الدراسة قمنا في الباب الثالث بتطبيق مناهج مدارس التحليل النفسي الأدبي على بعض الأعمال الأدبية العربية، فدرسنا في الفصل الأول تحليل النص على أساس اللاشعور، وفي الفصل الثاني حللنا بنى النص وفق منهج اللاشعور الجمعي، أمّا الفصل الثالث فلم نحصره بمنهج محدد بل قمنا بإدماج المدارس النفسية جميعها وعالجنا النص الادبي على أساس هذه المناهج النفسية المتنوعة.
وقع اختيارنا على بعض النصوص العربية الحديثة لتكون مجالاً للدراسة النفسية/ الأدبية بسبب اعتقادنا أن الأعمال الإبداعية العربية لم تجد التحليل النفسي الكافي بينما النصوص الأدبية العالمية قد أشبعت بحثاً وتحليلاً من قِبل كبار المحللين، وتمتلئ رفوف المكتبات بمصادرها ومراجعها، وكان لا بدَّ من وضع خاتمة نذكر فيها ما توصل إليه بحثنا هذا من محصلات، وأتبعنا الخاتمة بلائحة المصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة.
أخيراً نأمل أن يكون هذا الكتاب قد سد ثغرة في المكتبة العربية، ومن الطبيعي أننا لا ندعي الكمال لعملنا هذا، لكن الذي يعزينا عن أي نقص قد يكون لحق بهذا العمل هو أن النقص من سمات عمل البشر، ومهما نشد الفرد منّا الكمال، وسعى إليه فإن عمله يبقى ناقصاً لأن الكمال لله وحده.
بيروت في أيّار 2011
الدكتور إبراهيم نظام الدين فضل الله
يشغل الفن وضعية عبور مؤقت تعبِّر عن حيّز من الوهم، كما أنّه يجيز التمتع بلذّةٍ ممنوعةٍ ومتحولةٍ ناجمةٍ عن مجموعةٍ من الأشياء التي تمثلها ولا تمثلها.
إن السحر والإغواء لكل عمل فني يقومان بتأثير يقضي بتعطيل عمل الكبت، وتحويل اتجاه المرور إلى الوعي بالمقارنة بذلك الاتجاه الموصوف بحالة الجرم، والمعاقب بالممنوع، والذي يشكِّل العوارض على الرّغم من أنه ينظّم الفضاء الجمالي بصفته حلاً مؤقتاً لمسائل يطرحها الوضع الإنساني بين الحل الفردي المنجز والمتعلق بالعصاب، وبين الحل الجماعي والمتسامي مع الدين.
إن الفن هو المضمار الوحيد الذي بقيت فيه كلية قدرة الأفكار قائمة إلى يومنا هذا، وفي الفن وحده يتفق للإنسان الذي تقض الرغائب مضجعه أن يفعل شيئاً يشبه الإشباع، وبفضل الوهم الفني تؤتى هذه اللعبة المفاعيل الوجدانية عينها التي كانت ستأتي فيما لو كان الأمر حقيقياً، ومن المناسب أن نتكلم عن سحر الفنّ، وأن نقارن بين الفنان والساحر، ويعتبر فرويد أن الفن لم يبدأ (فناً للفن)، وإنما كان يعمل في بادئ أمره في خدمة ميول زالت اليوم وانطفأ معظمها، وبالانتقال إلى الفن الأدبي فإن المواضيع الاستيهامية ذات الاتجاه الجمالي تكون موجودة في الوعي، وما قبل الوعي، ومن ثم يتم فرزها وإبرازها، وهي ليست قابعة في العزلة الخاصة بأحلام اليقظة، وذلك لا يعني أنها تتحاشى التصور النرجسي الخاص بهذا النوع من التشكلات، وهي لا تغيب عن الشخص حتى يعثر عليها مرّة ثانية، وهي ذات قيمة مثيرة للإعجاب من قِبل الآخر (الجمهور) الذي يضمها إلى حسابه ويدخلها نرجسيته كقارئ، وهنا نصادف مثال الأنا، ثم يظهر توظيف الإنتاج الجمالي على هيئة «نرجسية مزدوجة»، وأبرز ما يعبّر عن أهمية النرجسيّة الصورة الاستيهامية التي ترسخ في البنية الذهنيّة الفرديّة، وهي الرجوع إلى «حضن الأم»، وهذه الصورة هي التي تسم الوضعية النرجسية.
تتحول الرغبة في الشيء إلى شيء آخر عندما يخسر الشخص اللذّة التي يجنيها من هذه الرغبة، ومثال على ذلك تبادل الهدف الجنسي مقابل هدف متسام، والنرجسية تكسب الجولة جزئياً حين تكون البنية النرجسيّة خاضعة للآخر، وبهذا الخصوص تستحق مواضيع الإبداع الفني صفة ما تتعدى النرجسي، ويحصل ذلك عندما يتم تفعيل التواصل بين نرجسيّة المنتج، ونرجسيّة المستهلك من خلال العمل الأدبي (1).
تعتبر حوافز الإبداع محسوبة على آلية الدفاع، أو على تشكل التسوية على اللذة النرجسيّة، أو على تسامٍ ناجح على الانتصار على الاستقلالية المنتجة ضد الأب، أو الخضوع له، أو على الالتجاء إلى حضن الأم، أو الانتقام منهما، ويعتبر التحليل النفسي أن الفنان والعصابي يحلمان لكنّ أحلام العصابي هي أحلام في الهواء، أما الفنان فهو القادر على تحقيق حلمه وجعله حقيقة، لكنّها حقيقة من نوع آخر، حقيقة جمالية، فالتجربة الجمالية تعتمد على الشكل أكثر منها على المضمون، والفنان والمستمتع بالجمال كلاهما يشحن الشيء الجميل نفسيّاً، ويطلق شحنة نفسيّة، بمعنى يصرفها، وهو عمل لذيذ في حد ذاته، والفنان وهو يبدع يصرّف الطاقة بعد الطاقة، وكذلك المستمتع في تصوره للعمل الفني واستمتاعه به يخلص نفسه من الكثير من التوترات ويستعيد توازنه (2).
ويعود التشابه بين الحلم والعمل الإبداعي إلى كونهما ينبعان من مخزون اللاشعور، وبما أن الحلم هو بالضرورة حامل لرغبات اللاشعور فالأمر ينسحب على الأثر الفني الذي هو الآخر بالضرورة حامل لمعانٍ، ودلالاتٍ عميقةٍ، ومشاعر، وتناقضات، وصراعات خفية، وغالباً ما تتستر هذه التناقضات التي تختزن العمل الفني وراء مكوّنات، وتركيبات، وأقنعة ظاهرة خارجية، وتكون علاقتها بالداخل الخفي كعلاقة الوعي والإدراك باللاوعي والتخيّل أو الحلم.
يتناول هذا الكتاب علاقة التحليل النفسي بالفن عموماً، وببعض العلوم كالعلوم اللغوية واللسانية، وعلم النفس الاجتماعي...إلخ، ولكنّنا خصصنا القسم الأكبر من هذه الدراسة لعلاقة التحليل النفسي بعلم الأدب.
نستعرض في هذا الكتاب مدارس التحليل النفسي الأدبي، ونضع الحدود الفاصلة بينها من أجل إزالة الإبهام والفوضى اللذين تعيشهما تلك المدارس بسبب سوء معالجتها من بعض المؤلفات التي دخلت هذا المجال، وزادت الطين بلة لأنها تناولت قضايا التحليل النفسي للأدب بطريقة مشوهة، أو منقوصة، إذا أحسنّا النظر إليها!
وإن كان هذا الكتاب مخصصاً في الأصل للباحثين، ولكل متخصص في هذا المجال إلّا أنّه يمثل معيناً للطلبة الجامعيين، كما يمثل هذا الكتاب مصدراً غنيّاً لكل راغب في التعرّف إلى قضايا التحليل النفسي الأدبي، وهو ضرورة لكل طالب معرفة لما تضمنه من تفسيرات، وشروحات لا تتوافر في غيره من المراجع المختصة، وهو يسد حاجة ملحة للطالب والباحث كليهما لما يتضمنه من شمول، وسعة، وتحديد واضح بين المدارس، تمكّن الباحث من الاعتماد عليه في الشرح والتفسير، ومن أجل تعميم الفائدة اعتمدنا في تأليفه على لغة سهلة ميسّرة، وحاولنا قدر الإمكان الابتعاد عن المصطلحات المعقدة عبر تبسيط مضمونها مع الحفاظ على دلالاتها، ولذلك قمنا بشرح ما ورد منها في المتن في هوامش واضحة غير ملتبسة، كما اعتمدنا منهجيّة الأبواب في تبويبه، ولهذا عالج الباب الأول منه مبادئ التحليل النفسي في ثلاثة فصول استعرض الفصل الأول أهم المبادئ التي قام عليها التحليل النفسي الفرويدي، واستعرض الفصل الثاني أهم مدارس التحليل النفسي من أدلر إلى يونغ ورانك أوتو... ودرس الفصل الثالث العلاقة التي تربط علم النفس ببعض العلوم الأخرى ومنها علم الاجتماع، ودرسنا في الباب الثاني التحليل النفسي الأدبي في فصلين عالج الفصل الأول منهما، قضايا مدرسة التحليل النفسي الأدبي التي اعتبرت الأدب نتاج لاشعور كاتبه، وبحثنا في الفصل الثاني التحليل النفسي الأدبي الذي اعتبر أن النص يمتلك «لاوعياً» خاصّاً به، ومن أجل أن تكتمل الفائدة من هذه الدراسة قمنا في الباب الثالث بتطبيق مناهج مدارس التحليل النفسي الأدبي على بعض الأعمال الأدبية العربية، فدرسنا في الفصل الأول تحليل النص على أساس اللاشعور، وفي الفصل الثاني حللنا بنى النص وفق منهج اللاشعور الجمعي، أمّا الفصل الثالث فلم نحصره بمنهج محدد بل قمنا بإدماج المدارس النفسية جميعها وعالجنا النص الادبي على أساس هذه المناهج النفسية المتنوعة.
وقع اختيارنا على بعض النصوص العربية الحديثة لتكون مجالاً للدراسة النفسية/ الأدبية بسبب اعتقادنا أن الأعمال الإبداعية العربية لم تجد التحليل النفسي الكافي بينما النصوص الأدبية العالمية قد أشبعت بحثاً وتحليلاً من قِبل كبار المحللين، وتمتلئ رفوف المكتبات بمصادرها ومراجعها، وكان لا بدَّ من وضع خاتمة نذكر فيها ما توصل إليه بحثنا هذا من محصلات، وأتبعنا الخاتمة بلائحة المصادر والمراجع التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة.
أخيراً نأمل أن يكون هذا الكتاب قد سد ثغرة في المكتبة العربية، ومن الطبيعي أننا لا ندعي الكمال لعملنا هذا، لكن الذي يعزينا عن أي نقص قد يكون لحق بهذا العمل هو أن النقص من سمات عمل البشر، ومهما نشد الفرد منّا الكمال، وسعى إليه فإن عمله يبقى ناقصاً لأن الكمال لله وحده.
بيروت في أيّار 2011
الدكتور إبراهيم نظام الدين فضل الله
Page 2
الباب الأول
مدارس التحليل النفسي
الفصل الأول: مدرسة فرويد في التحليل النفسي
الفصل الثاني: مدارس التحليل النفسي خارج إطار فرويد
الفصل الثالث: علم النفس الاجتماعي
مقدمة الباب
دخل علم التحليل النفسي مختلف الفنون، والعلوم الإنسانية منذ ابتداعه على يدي فرويد، وتطوره على أيدي تلامذته، وأتباعه، والباحثين في ميادين هذا العلم، وتنوعت قضايا النفس ودواخلها، بين طيّات المؤلفات، وتفرعت المدارس، والمناهج التي أبحرت في التحليل النفسي.
لقد تركت هذه الدراسات النفسية تأثيراتها الواضحة في الدراسات الأدبية إلى درجة تمكننا من القول: لا يوجد ناقد أدبي حديث أو معاصر إلّا وتختزن دراساته النقدية بعض المصطلحات النفسية.
رأينا قبل الخوض في دراسة الأسس، والمناهج، والمصطلحات التي قامت عليها المدارس النفسية أن نتوقف قليلاً من أجل استعراض المبادئ التي يرتكز عليها التحليل النفسي، وشرح وتفسير بعض المصطلحات النفسية التي لها علاقة بالتحليل الأدبي، والتي يكثر تردادها من دون المعرفة الشاملة والدقيقة لمعانيها، أو من دون القدرة على التمييز بين مضامينها، ومعرفة الحدود الفاصلة بينها، فشرحنا مصطلحات فرويد في الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور إضافة إلى الهو، والأنا والأنا الأعلى... إلخ، وشرحنا إضافة إلى كل ما تقدم مصطلحات يونغ في الأنماط الأولية، اللاشعور الجمعي، والقناع، والظل... إلخ.
درس هذا الباب نظريات التحليل النفسي التي كان له التأثير المباشر، أو غير المباشر في نظرية الأدب والنقد الأدبي، وتتبعنا في فصله الأول منهج فرويد وإسهاماته في التحليل النفسي، ودرسنا في الفصل الثاني جهود المدارس التي انشقت عن فرويد، وبحثنا في النظريات النفسية ما بعد فرويد كـ «صدمة الميلاد»، و«اللاشعور الجمعي»، وغيرهما ثم تطرقنا في الفصل الثالث إلى بعض نظريات التحليل النفسي/الاجتماعي.
مدارس التحليل النفسي
الفصل الأول: مدرسة فرويد في التحليل النفسي
الفصل الثاني: مدارس التحليل النفسي خارج إطار فرويد
الفصل الثالث: علم النفس الاجتماعي
مقدمة الباب
دخل علم التحليل النفسي مختلف الفنون، والعلوم الإنسانية منذ ابتداعه على يدي فرويد، وتطوره على أيدي تلامذته، وأتباعه، والباحثين في ميادين هذا العلم، وتنوعت قضايا النفس ودواخلها، بين طيّات المؤلفات، وتفرعت المدارس، والمناهج التي أبحرت في التحليل النفسي.
لقد تركت هذه الدراسات النفسية تأثيراتها الواضحة في الدراسات الأدبية إلى درجة تمكننا من القول: لا يوجد ناقد أدبي حديث أو معاصر إلّا وتختزن دراساته النقدية بعض المصطلحات النفسية.
رأينا قبل الخوض في دراسة الأسس، والمناهج، والمصطلحات التي قامت عليها المدارس النفسية أن نتوقف قليلاً من أجل استعراض المبادئ التي يرتكز عليها التحليل النفسي، وشرح وتفسير بعض المصطلحات النفسية التي لها علاقة بالتحليل الأدبي، والتي يكثر تردادها من دون المعرفة الشاملة والدقيقة لمعانيها، أو من دون القدرة على التمييز بين مضامينها، ومعرفة الحدود الفاصلة بينها، فشرحنا مصطلحات فرويد في الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور إضافة إلى الهو، والأنا والأنا الأعلى... إلخ، وشرحنا إضافة إلى كل ما تقدم مصطلحات يونغ في الأنماط الأولية، اللاشعور الجمعي، والقناع، والظل... إلخ.
درس هذا الباب نظريات التحليل النفسي التي كان له التأثير المباشر، أو غير المباشر في نظرية الأدب والنقد الأدبي، وتتبعنا في فصله الأول منهج فرويد وإسهاماته في التحليل النفسي، ودرسنا في الفصل الثاني جهود المدارس التي انشقت عن فرويد، وبحثنا في النظريات النفسية ما بعد فرويد كـ «صدمة الميلاد»، و«اللاشعور الجمعي»، وغيرهما ثم تطرقنا في الفصل الثالث إلى بعض نظريات التحليل النفسي/الاجتماعي.
Page 3
الفصل الأول
مدرسة فرويد في التحليل النفسي
مقدمة
نبحث في هذا الفصل أهم مرتكزات مدرسة التحليل النفسي، ونستعرض أهم ما ورد فيها، وبالتحديد ما له علاقة بالتحليل الأدبي، وكي لا تبقى هذه المصطلحات النفسية أحاجي مغلقة على دارسي الأدب، فقد شرحنا في هذا الفصل هذه المصطلحات وغيرها من مفاهيم التحليل النفسي من أجل أن يحصل المهتم بالنقد الأدبي على تقنيات التحليل النفسي، أو يتمكن من الإلمام بأصول علم التحليل النفسي، ويمتلك التقنيات التي يستطيع من خلالها ممارسة التحليل النفسي الأدبي بجدارة، ومن أجل تحقيق هذه الغايات قمنا في هذا الفصل بمقاربة التحليل النفسي وفق اعتبارات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفرويد، وما يسمى بالفرويدية بصفتها جهداً في إطار المنظور المادي كي نوفق ونمفصل في آن واحد، نظرية اللاوعي التي يتعرف عليها هذا التحليل من خلال قضايا كثيرة أبرزها:
التداعي الحرّ للأفكار، واللاشعور، وتأويل الأحلام، وعقدة أوديب، وسائر العقد النفسية، كما عالجنا بعض المصطلحات كالليبيدو، والكبت، والقمع... إلخ.
أولاً ـ التداعي الحر للأفكار
يعرّف فرويد التحليل النفسي بأنه طريقة غرضها شفاء الأمراض العصبية، أو تحقيق تقدم على طريق البرء منها (3).
بدأ التحليل النفسي باكتشاف فرويد لطريقة التداعي الحر، ومن خلال هذه الطريقة استطاع فرويد أن ينفذ إلى عالم اللاشعور، ولكن لا يمكن تحديد تاريخ هذا الاكتشاف بالتحديد، وكل ما يمكن الجزم به في هذا الموضوع هو أنه حدث بين العامين 1892 و1895 عندما تحرر فرويد من العوائق القديمة من أمثال التنويم المغناطيسي، والإيحاء، والضغط على المريض، واستجوابه... إلخ
لقد كان التحليل النفسي ـ قبل التداعي الحرـ يعتمد على ما اصطلح على تسميته بالتنفيس أثناء التنويم المغناطيسي، وعندما وجد فرويد أن بعض المرضى لم يكن بالمستطاع تنويمهم، وبالتالي اعتبروا غير قابلين للعلاج بالتنفيس، أخذ يفتش عن طريقة جديدة للعلاج لا تعتمد على التنويم، وكان قد تعلّم أن تكون العلاقة بين المعالج والمريض علاقة حميمة، وبدأ يستغني عن التنويم ويستخدم التركيز، فكان يطلب من المريض أن يحصر تفكيره في حياته السابقة، ويتذكر ما مرّ معه من أحداث، وكانت النتيجة مقبولة عنده، وأطلق على طريقته هذه اسم «التحليل النفسي».
مدرسة فرويد في التحليل النفسي
مقدمة
نبحث في هذا الفصل أهم مرتكزات مدرسة التحليل النفسي، ونستعرض أهم ما ورد فيها، وبالتحديد ما له علاقة بالتحليل الأدبي، وكي لا تبقى هذه المصطلحات النفسية أحاجي مغلقة على دارسي الأدب، فقد شرحنا في هذا الفصل هذه المصطلحات وغيرها من مفاهيم التحليل النفسي من أجل أن يحصل المهتم بالنقد الأدبي على تقنيات التحليل النفسي، أو يتمكن من الإلمام بأصول علم التحليل النفسي، ويمتلك التقنيات التي يستطيع من خلالها ممارسة التحليل النفسي الأدبي بجدارة، ومن أجل تحقيق هذه الغايات قمنا في هذا الفصل بمقاربة التحليل النفسي وفق اعتبارات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفرويد، وما يسمى بالفرويدية بصفتها جهداً في إطار المنظور المادي كي نوفق ونمفصل في آن واحد، نظرية اللاوعي التي يتعرف عليها هذا التحليل من خلال قضايا كثيرة أبرزها:
التداعي الحرّ للأفكار، واللاشعور، وتأويل الأحلام، وعقدة أوديب، وسائر العقد النفسية، كما عالجنا بعض المصطلحات كالليبيدو، والكبت، والقمع... إلخ.
أولاً ـ التداعي الحر للأفكار
يعرّف فرويد التحليل النفسي بأنه طريقة غرضها شفاء الأمراض العصبية، أو تحقيق تقدم على طريق البرء منها (3).
بدأ التحليل النفسي باكتشاف فرويد لطريقة التداعي الحر، ومن خلال هذه الطريقة استطاع فرويد أن ينفذ إلى عالم اللاشعور، ولكن لا يمكن تحديد تاريخ هذا الاكتشاف بالتحديد، وكل ما يمكن الجزم به في هذا الموضوع هو أنه حدث بين العامين 1892 و1895 عندما تحرر فرويد من العوائق القديمة من أمثال التنويم المغناطيسي، والإيحاء، والضغط على المريض، واستجوابه... إلخ
لقد كان التحليل النفسي ـ قبل التداعي الحرـ يعتمد على ما اصطلح على تسميته بالتنفيس أثناء التنويم المغناطيسي، وعندما وجد فرويد أن بعض المرضى لم يكن بالمستطاع تنويمهم، وبالتالي اعتبروا غير قابلين للعلاج بالتنفيس، أخذ يفتش عن طريقة جديدة للعلاج لا تعتمد على التنويم، وكان قد تعلّم أن تكون العلاقة بين المعالج والمريض علاقة حميمة، وبدأ يستغني عن التنويم ويستخدم التركيز، فكان يطلب من المريض أن يحصر تفكيره في حياته السابقة، ويتذكر ما مرّ معه من أحداث، وكانت النتيجة مقبولة عنده، وأطلق على طريقته هذه اسم «التحليل النفسي».
Page 4
تتلخص طريقة فرويد الجديدة في أن يرقد المريض على الأريكة، ويغمض عينيه، ويطلب المحلل منه أن يركِّز انتباهه على عرض من الأعراض، ويتذكّر أي شيء حوله يمكن أن يلقي الضوء على حصول نتيجة، ولقد كان فرويد يساعد المريض على الوصول إلى مصدر الحركات اللاإرادية على سبيل المثال من خلال الضغط على جبهته بيده، ويؤكد فرويد لمريضه أنه سيتذكر حتماً شيئاً مهماً، وقد يحدث أن لا يتذكّر المريض شيئاً، ومع ذلك يعاود فرويد الكرّة، وربما في المرّة الثالثة أو الرابعة يتذكّر، وهذا ما حدث مع إحدى مريضاته التي علّقت على تذكرها بالقول: إنها كانت ستقول له ذلك في المرة الأولى، ولكنها راجعت نفسها لأنها اعتقدت أن هذا الذي ستقوله ليس هو ما يبحث عنه، وقد جعله قولها هذا يتأكد من أن طريقته سليمة، كما جعله يطلب منها أن تتجاهل ما يريد منها وما لايريد، وشرح لها أن ذلك هو من عمل الرقيب على أفكارها، وينبغي لها أن تتجاهله، وأن تقول كل ما يخطر على بالها، ومهما ظهر لها أنه غير مناسب، أو ليس في محله، أو غير مهم، أو شيء مكرر... وكانت هذه الحالة هي الخطوة الأولى نحو بلورة التداعي الحر، وكان فرويد متابعاً طريقته القديمة بالاستفسار، والطلب، ويقوم بعملية حثّ وتشجيع لمريضه من أجل أن يجيب عن أسئلته المستمرة، وفي إحدى المرّات لامته إحدى مريضاته على مقاطعته، فوافقها على ما تريد وامتنع عن مقاطعتها، وكانت هذه هي الخطوة الثانية في بلورة التداعي الحر، وكلما زادت ثقته بطريقته قلّ تدخله مع المريض، وخفف من تقنيات التدخل، والاستفسار، والحثّ والضغط، وحتى إغماض العينين لم يعد يجد لزوماً له، وأبقى الرقاد على الأريكة، وكانت جلساته تبدأ بتنبيه المريض إلى عرض من الأعراض، وعندما يكون بصدد تفسير حلم من الأحلام كان ينبه إلى كل تفصيل في الحلم، ويطلب من مريضه أن يتذكر أي شيء بخصوصه (4).
بدأ فرويد ينشر أسلوبه الجديد هذا بعد أن تأكد من نجاحه، وبعث ببحثين أحدهما بالفرنسية، والآخر بالألمانية بخصوص طريقته الجديدة، وذكر فيهما الاسم الجديد «التحليل النفسي»، كما أرسل في العام 1897 رسالة إلى صديقه «فليس» يشرح له فيها أسلوبه الجديد هذا، ثم بدأ يتحدث بدقة كاملة عن طريقته هذه ابتداءً من العام 1898، وهو العام الذي يمكن أن نقول بكل يقين إنه العام الذي اكتملت فيه نظرية التحليل النفسي، وهناك إجماع على أن فرويد قد استفاد من تعاليم الناقد «لودفيج بورنه» (ت:1823) الذي كتب ناصحاً الراغبين في التأليف الأدبي أن يتبعوا طريقة التداعي الحر، وكان فرويد قد قرأ "لودفيج بورنه"، وأحبه جداً، ويبدو واضحاً أنه أخذ بنصيحته وطبّقها في التحليل النفسي.
ويعرف جان بلامان نويل التداعي الحر بقوله: «تداعي الأفكار التي يعبّر عنها الشخص الخاضع للتحليل في إطار القاعدة الأساسية القائمة على التصريح عن كل شيء في الخاطر بدون صد أية فكرة» (5).
انتشرت مدرسة التحليل النفسي بين المحللين الذين تحمسوا لقاعدة التداعي الحر، وأخذوا يطلقون الحريّة للشخص الخاضع للتحليل كي يقول ما يريد، وأن يصرّح عن كل ما يجول في خاطره من دون رقابة أو اختيار، ومن دون مواربة أو خجل. فعندما تلقي عليه كلمة، يجب عليه أن يطلق العنان لنفسه، وأن يتكلم كما يحلو له من دون أية عمليّة واعية، أو مشيئة إرادية كانت أم رقابية، ويفتش المحلل في الكلام عن تعابير قد توصله إلى لاوعي المريض، ويضع أمامه المكبوتات من حاجات، وأفكار، ورغبات دفينة، وإظهار هذه المكبوتات على سطح الوعي، وأخذ الوعي بها من قبل المعالَج يجعل من الممكن السيطرة عليها، وقبولها، أو رفضها «فالتعبير بواسطة تداعي الأفكار يصاحبه تحرر وانعتاق الانفعالات، أو الوجدانيات المكبوتة» (6).
وتتم ملاحقة التعابير الدّالة على اللاوعي على النحو الآتي:
يقول المحلل:
ـ ثلج.
فيجيب المريض:
ـ أبيض، بياض، شتاء، طهارة... صبية...
إن تداعي الأفكار بين ثلج، وبياض، وطهارة، هو تداعٍ أولي بسيط، ولكن الارتباط بين الثلج والصبية هو ارتباط رمزي، ويأتي هنا دور المحلل لتفكيك هذا الرمز، ومن الأمثلة على تفكيك الرموز نورد هذه الحادثة التي جرت بين محلل ومريضته:
سأل المحلل شابة عزباء في الخامسة والعشرين من عمرها عن كلمة «مقعد»: فأجابت:
ـ يجلس.. دم..
وبعد أن لاحق المحلل التداعي بين الدم والمقعد استطاع أن يفكك رمز العلاقة بينهما حين روت المريضة قصة اغتصابها منذ عشر سنوات من قِبل ابن عمها على مقعد في حديقة عامة في الظلام، وقد أصيبت منذ ذلك الوقت باشمئزاز عنيفٍ وقرفٍ، وصارت تخاف الجلوس على مقعدٍ عمومي، وتقوم بشتى الوسائل كي لا ترى مقعداً من هذا النوع، وبذلك أظهر تداعي الأفكار إلى وعي الشابة الحادث الأليم المسبب للصدمة، وبمساعدة المحلل النفسي، وبإرادة من المريضة تم الشفاء نهائياً (7).
يشرح فرويد تصوره عن بنية الجهاز النفسي، وهو عبارة عن آلة مؤلفة من أجزاء شتى متوافقة، يطلق فرويد عليها اسم «الهيئات النفسية»، وكل هيئة مولجة بوظيفة خاصة، وتقوم بين الهيئات علاقة مكانية ثابتة نظير من أمام، ومن خلف، أو «سطحي وعميق» (8).
أ ـ الجهاز النفسي عند فرويد في مرحلته الأولى
أنجز فرويد نظريّتة في الجهاز النفسي على مرحلتين، وبدأت المرحلة الأولى منذ العام 1880م عندما قسّم هذا الجهاز إلى ثلاثة أجزاء: هي اللاشعور، وما قبل الشعور، والشعور، ومن ثم انتقل في العام 1923 إلى المرحلة الثانية، فجعل من تصنيفاته: اللاشعور وما قبل الشعور والشعور، تصنيفاً للعمليات أو الكيفيات النفسيّة التي لم يشترط أن يكون موقعها أياً من الأقسام السابقة، فالعمليات الشعورية مكانها سطح الأنا، واللاشعور هو الكيفية الوحيدة التي تسود الهو، والعمليات في الهو أو اللاشعور تتبع قوانين مخالفة للقوانين الموجودة في الأنا، وتوصف عمليات الهو بأنها أوليّة، بينما توصف عمليات الأنا بالثانوية، وقوانين المنطق لانفوذ لها في الهو الذي يسمى بمملكة الأمور غير المنطقية.
بدأ فرويد ينشر أسلوبه الجديد هذا بعد أن تأكد من نجاحه، وبعث ببحثين أحدهما بالفرنسية، والآخر بالألمانية بخصوص طريقته الجديدة، وذكر فيهما الاسم الجديد «التحليل النفسي»، كما أرسل في العام 1897 رسالة إلى صديقه «فليس» يشرح له فيها أسلوبه الجديد هذا، ثم بدأ يتحدث بدقة كاملة عن طريقته هذه ابتداءً من العام 1898، وهو العام الذي يمكن أن نقول بكل يقين إنه العام الذي اكتملت فيه نظرية التحليل النفسي، وهناك إجماع على أن فرويد قد استفاد من تعاليم الناقد «لودفيج بورنه» (ت:1823) الذي كتب ناصحاً الراغبين في التأليف الأدبي أن يتبعوا طريقة التداعي الحر، وكان فرويد قد قرأ "لودفيج بورنه"، وأحبه جداً، ويبدو واضحاً أنه أخذ بنصيحته وطبّقها في التحليل النفسي.
ويعرف جان بلامان نويل التداعي الحر بقوله: «تداعي الأفكار التي يعبّر عنها الشخص الخاضع للتحليل في إطار القاعدة الأساسية القائمة على التصريح عن كل شيء في الخاطر بدون صد أية فكرة» (5).
انتشرت مدرسة التحليل النفسي بين المحللين الذين تحمسوا لقاعدة التداعي الحر، وأخذوا يطلقون الحريّة للشخص الخاضع للتحليل كي يقول ما يريد، وأن يصرّح عن كل ما يجول في خاطره من دون رقابة أو اختيار، ومن دون مواربة أو خجل. فعندما تلقي عليه كلمة، يجب عليه أن يطلق العنان لنفسه، وأن يتكلم كما يحلو له من دون أية عمليّة واعية، أو مشيئة إرادية كانت أم رقابية، ويفتش المحلل في الكلام عن تعابير قد توصله إلى لاوعي المريض، ويضع أمامه المكبوتات من حاجات، وأفكار، ورغبات دفينة، وإظهار هذه المكبوتات على سطح الوعي، وأخذ الوعي بها من قبل المعالَج يجعل من الممكن السيطرة عليها، وقبولها، أو رفضها «فالتعبير بواسطة تداعي الأفكار يصاحبه تحرر وانعتاق الانفعالات، أو الوجدانيات المكبوتة» (6).
وتتم ملاحقة التعابير الدّالة على اللاوعي على النحو الآتي:
يقول المحلل:
ـ ثلج.
فيجيب المريض:
ـ أبيض، بياض، شتاء، طهارة... صبية...
إن تداعي الأفكار بين ثلج، وبياض، وطهارة، هو تداعٍ أولي بسيط، ولكن الارتباط بين الثلج والصبية هو ارتباط رمزي، ويأتي هنا دور المحلل لتفكيك هذا الرمز، ومن الأمثلة على تفكيك الرموز نورد هذه الحادثة التي جرت بين محلل ومريضته:
سأل المحلل شابة عزباء في الخامسة والعشرين من عمرها عن كلمة «مقعد»: فأجابت:
ـ يجلس.. دم..
وبعد أن لاحق المحلل التداعي بين الدم والمقعد استطاع أن يفكك رمز العلاقة بينهما حين روت المريضة قصة اغتصابها منذ عشر سنوات من قِبل ابن عمها على مقعد في حديقة عامة في الظلام، وقد أصيبت منذ ذلك الوقت باشمئزاز عنيفٍ وقرفٍ، وصارت تخاف الجلوس على مقعدٍ عمومي، وتقوم بشتى الوسائل كي لا ترى مقعداً من هذا النوع، وبذلك أظهر تداعي الأفكار إلى وعي الشابة الحادث الأليم المسبب للصدمة، وبمساعدة المحلل النفسي، وبإرادة من المريضة تم الشفاء نهائياً (7).
يشرح فرويد تصوره عن بنية الجهاز النفسي، وهو عبارة عن آلة مؤلفة من أجزاء شتى متوافقة، يطلق فرويد عليها اسم «الهيئات النفسية»، وكل هيئة مولجة بوظيفة خاصة، وتقوم بين الهيئات علاقة مكانية ثابتة نظير من أمام، ومن خلف، أو «سطحي وعميق» (8).
أ ـ الجهاز النفسي عند فرويد في مرحلته الأولى
أنجز فرويد نظريّتة في الجهاز النفسي على مرحلتين، وبدأت المرحلة الأولى منذ العام 1880م عندما قسّم هذا الجهاز إلى ثلاثة أجزاء: هي اللاشعور، وما قبل الشعور، والشعور، ومن ثم انتقل في العام 1923 إلى المرحلة الثانية، فجعل من تصنيفاته: اللاشعور وما قبل الشعور والشعور، تصنيفاً للعمليات أو الكيفيات النفسيّة التي لم يشترط أن يكون موقعها أياً من الأقسام السابقة، فالعمليات الشعورية مكانها سطح الأنا، واللاشعور هو الكيفية الوحيدة التي تسود الهو، والعمليات في الهو أو اللاشعور تتبع قوانين مخالفة للقوانين الموجودة في الأنا، وتوصف عمليات الهو بأنها أوليّة، بينما توصف عمليات الأنا بالثانوية، وقوانين المنطق لانفوذ لها في الهو الذي يسمى بمملكة الأمور غير المنطقية.
Page 5
يعتبر فرويد أن النشاط النفسي عند الإنسان يتضمن عمليات نفسية تتدرج في قسم أعلى يكون على السطح، وهذا القسم يطلق عليه اسم الشعور، وهناك قسم آخر يليه هو ما قبل الشعور، أما اللاشعور فيجب أن يمر في مرحلة قبل الشعور قبل أن يصبح شعورياً، فاللاشعور مترسب في أعماق النفس، ويصادف مقاومة عنيدة قبل أن يفلت من الكبت ويتمكن من الخروج من الأعماق إلى السطح حيث الشعور.
1 ـ الشعور
يعتبر الشعور حدساً «تمتلكه النفس عن حالاتها وأفعالها، فالإنسان في حال الشعور يكون في نشاط وعمل، ويتصرف في صورة من الصور التي نعرفها بأشكال شتى تمثل الإدراك والفهم، والتفكير، والتعليم، والانتباه، والانتقاد، والتذكر، والتعرُّف، والتخيّل... إلخ، وتعبّر كل هذه الأشكال عن جهاز الإدراك الحسي، ويختزن هذا الجهاز ثلاثة عناصر هي: الإدراك، الانفعال، الإرادة (9).
تتضح لنا من خلال هذا النص العناصر المكوّنة للشعور على الشكل الآتي:
يريد زيد أن يتكلم مع سعيد فينشغل الأول بإجراء الكلام، وينهمك في إدارة النقاش، وينتبه الآخر ويحاول إدراك الكلام وفهمه ثم ينفعل معه سلباً، أو إيجاباً.
نتبين من هذا المثل أن:
العنصر الأول: هو الإرادة التي تمثلت هنا بإرادة الاستماع إلى الكلام من قبل سعيد.
العنصر الثاني: هو الإدراك وقد تبيّن من خلال إدراك الكلام من قِبل سعيد وفهمه.
العنصر الثالث: الانفعال وحصل من خلال انفعال سعيد مع الكلام سلباً أو إيجاباً.
وتقترب هذه الحالات الشعورية في بعض الأحيان من مستوى ما قبل الشعور، كما يحصل لنا عندما نتذكر، أو نفكر، ونحن في حلم يقظة أو في حلم نوم، كما أننا في حالات الإبداع والتخييل لا نكون دائماً في حالة شعور تام، وإنما نقترب كثيراً من حالات ما قبل الشعور، وقد ننزلق إلى حالات اللاشعور، وهكذا نجد أن خبراتنا الشعورية تزيد في تراثنا اللاشعوري ومكنونات النفس، وما نختبره في الحياة يوسّع من آفاقنا، ويقوي من شخصيتنا، وكلما اتسعت آفاق اللاشعور زاد تأثيره الحسن في شعورنا، وأصبحت استجاباتنا أكثر كفاءة، وإدراكنا أكثر جودة، وتقوم الفرضية الأساسية للتحليل النفسي على التمييز بين ما هو شعوري، وما هو لاشعوري، وبدون هذا التمييز لا يمكن فهم مجريات العمليات النفسية.
2 ـ ما قبل الشعور
لا يقتصر ما قبل الشعور في التحليل النفسي المعاصر على العناصر الكامنة التي في طريقها إلى الشعور، ولكنّه يتضمن عناصر تراوح بين عمليات التفكير المجرد، والأكثر منطقية، وبين العمليات التخييلية الأكثر بدائية، ويعتبر ما قبل الشعور جهازاً نفسياً يقع ضمن دائرة مبدأي اللذة والواقع، وهو يمثل حلقة في المتصل بين الشعور واللاشعور، وهو يتوسط بين الهو، والعالم الخارجي (10).
3 ـ اللاشعور
يشبه اللاشعور الحمم البركانية التي تعمل داخل الجبل، وعدم ظهورها لا يعني أن الجبل خال منها، أو أن هذه الحمم لا تعمل وتتحرك، ونحن لا نعلم بوجودها إلا حين تنفجر بركاناً هادراً على سطح الأرض، والإنسان كالجبل يحفظ في داخله الشيء الكثير في نفسه من ذكريات قد نسيها مع مرور الزمن، أو تجارب مرّت معه في مراحل متقدمة من عمره، أو علوم كان قد أتقنها ولا يحتاج إليها في اللحظات الراهنة، أو صدمات شفي منها، أو لم يشف منها بعد... إلخ، وتبقى كل هذه الأمور التي ذكرناها مستقرة دوماً في أعماق النفس، كما أن الكثير مما ننساه ولانستطيع أن نتذكره يظل مترسباً داخلنا، وهذا ما يطلق عليه اللاشعور (11).
إن كلمة النفي (لا) في مصطلح اللاشعور لا تعني أكثر من أن الشيء غير مشعور به، أي إن الإنسان لا يعيه في لحظته الراهنة في شعوره، ولكن ما لا يعيه الإنسان في أية لحظة هو مخزون في وعاء موجود في أعماق النفس، والأعماق مصطلح يقابل مصطلح اللاشعور بالنسبة إلى التحليل النفسي، ومن هنا كانت الأمور المنسية أو غير المشعور بها أموراً غير معدومة. فاللاشعور موجود وإن كنّا لا نعيه ولا نستطيع أن نرفعه دائماً إلى مستوى الشعور لكنّه محفوظ في مستويات دنيا من وعاء النفس بدليل القدرة على الوصول إليه عندما نشاء، أو عندما تقوم الحاجة إليه (12).
تطفو مكامن اللاشعور على السطح أحياناً في زلات اللسان، أو في الأحلام، ومن الأمثلة على وجود اللاشعور نورد حالات التذكّر، ومن هذه الحالات أننا عندما نقابل شخصاً لأول مرة في حياتنا، ونتعرف على اسمه، وشكله، وصفاته، ومهاراته، وهوايته ... إلخ، ومن ثمّ تمرُّ فترة طويلة أو قصيرة، ويغيب كل شيء عنه في فكرنا، ويطويه النسيان، ولا نكاد نعلم به في شعورنا لكن مهما كان من أمر البعد بين شعورنا وبين هذا الشخص فإنه يبقى دفيناً في أعماق النفس، وإذا صودف يوماً أن قابلناه، أو ذكر اسمه أمامنا، أو بعض خلاله، أو شاهدناه في الحلم فإن ذكراه تظهر رويداً رويداً، ولا يعود لنا ذلك الاسم المجهول، وتنطبق على هذه القاعدة ذكريات الطفولة البعيدة أو القريبة (13).
ويعتبر فرويد أن اللاشعور هو كل ما ليس شعورياً، وقد أثبت التحليل النفسي أن محتويات العقل لا تقبل الاختزال إلى الشعور الخالص، وأن بعضها لا يمكن الشعور به إلا بعد التغلب على بعض المقاومات، وأن الجزء غير المشعور به له من الفاعلية ما ينجم عنه ظهور الأعراض المرضية النفسية، وقد ثبت أن اللاشعور يشكّل حيّزاً يتعين علينا أن نتصوره باعتباره نظاماً له محتوياته، وطاقته الخاصة به، وعملياته الأوليّة، وبعض محتويات اللاشعور أولي مكبوت، وبعضها مكبوت يجهد في العودة إلى الشعور، ولكن هذا المكبوت يجب أن يمر أولاً بما قبل الشعور حتى يتمكن من الوصول إلى الشعور (14).
ويذهب فرويد إلى أن الأفكار تكون لاشعورية طالما كانت مادتها غير معروفة، وإذا ارتبطت الفكرة بالصور اللفظية المطابقة لها صارت قبل شعورية، وهذه الصورة كانت في وقت ما إدراكات حسيّة، وتحولت إلى آثار في الذاكرة، ومن ثم تستطيع كأي شيء في الذاكرة أن تصبح شعوريّة مرّة أخرى، وكل شيء كان إدراكاً حسيّاً شعوريّاً يستطيع أن يكون لاشعوريّاً، وأي شيء يأتي من اللاشعور، ويحاول أن يصبح شعوريّاً يجب أن يتحول إلى إدراكات حسيّة بفضل الآثار الباقية في الذاكرة.
وتجتمع في اللاشعور الأضداد، والمتناقضات بلا منطق، ويكون اللاشعور فردياً أي على المستوى الفردي، ويكون اللاشعور مشتركاً بين أفراد الجماعة البشرية، ويسمى حينئذ اللاشعور الجمعي (15).
1 ـ الشعور
يعتبر الشعور حدساً «تمتلكه النفس عن حالاتها وأفعالها، فالإنسان في حال الشعور يكون في نشاط وعمل، ويتصرف في صورة من الصور التي نعرفها بأشكال شتى تمثل الإدراك والفهم، والتفكير، والتعليم، والانتباه، والانتقاد، والتذكر، والتعرُّف، والتخيّل... إلخ، وتعبّر كل هذه الأشكال عن جهاز الإدراك الحسي، ويختزن هذا الجهاز ثلاثة عناصر هي: الإدراك، الانفعال، الإرادة (9).
تتضح لنا من خلال هذا النص العناصر المكوّنة للشعور على الشكل الآتي:
يريد زيد أن يتكلم مع سعيد فينشغل الأول بإجراء الكلام، وينهمك في إدارة النقاش، وينتبه الآخر ويحاول إدراك الكلام وفهمه ثم ينفعل معه سلباً، أو إيجاباً.
نتبين من هذا المثل أن:
العنصر الأول: هو الإرادة التي تمثلت هنا بإرادة الاستماع إلى الكلام من قبل سعيد.
العنصر الثاني: هو الإدراك وقد تبيّن من خلال إدراك الكلام من قِبل سعيد وفهمه.
العنصر الثالث: الانفعال وحصل من خلال انفعال سعيد مع الكلام سلباً أو إيجاباً.
وتقترب هذه الحالات الشعورية في بعض الأحيان من مستوى ما قبل الشعور، كما يحصل لنا عندما نتذكر، أو نفكر، ونحن في حلم يقظة أو في حلم نوم، كما أننا في حالات الإبداع والتخييل لا نكون دائماً في حالة شعور تام، وإنما نقترب كثيراً من حالات ما قبل الشعور، وقد ننزلق إلى حالات اللاشعور، وهكذا نجد أن خبراتنا الشعورية تزيد في تراثنا اللاشعوري ومكنونات النفس، وما نختبره في الحياة يوسّع من آفاقنا، ويقوي من شخصيتنا، وكلما اتسعت آفاق اللاشعور زاد تأثيره الحسن في شعورنا، وأصبحت استجاباتنا أكثر كفاءة، وإدراكنا أكثر جودة، وتقوم الفرضية الأساسية للتحليل النفسي على التمييز بين ما هو شعوري، وما هو لاشعوري، وبدون هذا التمييز لا يمكن فهم مجريات العمليات النفسية.
2 ـ ما قبل الشعور
لا يقتصر ما قبل الشعور في التحليل النفسي المعاصر على العناصر الكامنة التي في طريقها إلى الشعور، ولكنّه يتضمن عناصر تراوح بين عمليات التفكير المجرد، والأكثر منطقية، وبين العمليات التخييلية الأكثر بدائية، ويعتبر ما قبل الشعور جهازاً نفسياً يقع ضمن دائرة مبدأي اللذة والواقع، وهو يمثل حلقة في المتصل بين الشعور واللاشعور، وهو يتوسط بين الهو، والعالم الخارجي (10).
3 ـ اللاشعور
يشبه اللاشعور الحمم البركانية التي تعمل داخل الجبل، وعدم ظهورها لا يعني أن الجبل خال منها، أو أن هذه الحمم لا تعمل وتتحرك، ونحن لا نعلم بوجودها إلا حين تنفجر بركاناً هادراً على سطح الأرض، والإنسان كالجبل يحفظ في داخله الشيء الكثير في نفسه من ذكريات قد نسيها مع مرور الزمن، أو تجارب مرّت معه في مراحل متقدمة من عمره، أو علوم كان قد أتقنها ولا يحتاج إليها في اللحظات الراهنة، أو صدمات شفي منها، أو لم يشف منها بعد... إلخ، وتبقى كل هذه الأمور التي ذكرناها مستقرة دوماً في أعماق النفس، كما أن الكثير مما ننساه ولانستطيع أن نتذكره يظل مترسباً داخلنا، وهذا ما يطلق عليه اللاشعور (11).
إن كلمة النفي (لا) في مصطلح اللاشعور لا تعني أكثر من أن الشيء غير مشعور به، أي إن الإنسان لا يعيه في لحظته الراهنة في شعوره، ولكن ما لا يعيه الإنسان في أية لحظة هو مخزون في وعاء موجود في أعماق النفس، والأعماق مصطلح يقابل مصطلح اللاشعور بالنسبة إلى التحليل النفسي، ومن هنا كانت الأمور المنسية أو غير المشعور بها أموراً غير معدومة. فاللاشعور موجود وإن كنّا لا نعيه ولا نستطيع أن نرفعه دائماً إلى مستوى الشعور لكنّه محفوظ في مستويات دنيا من وعاء النفس بدليل القدرة على الوصول إليه عندما نشاء، أو عندما تقوم الحاجة إليه (12).
تطفو مكامن اللاشعور على السطح أحياناً في زلات اللسان، أو في الأحلام، ومن الأمثلة على وجود اللاشعور نورد حالات التذكّر، ومن هذه الحالات أننا عندما نقابل شخصاً لأول مرة في حياتنا، ونتعرف على اسمه، وشكله، وصفاته، ومهاراته، وهوايته ... إلخ، ومن ثمّ تمرُّ فترة طويلة أو قصيرة، ويغيب كل شيء عنه في فكرنا، ويطويه النسيان، ولا نكاد نعلم به في شعورنا لكن مهما كان من أمر البعد بين شعورنا وبين هذا الشخص فإنه يبقى دفيناً في أعماق النفس، وإذا صودف يوماً أن قابلناه، أو ذكر اسمه أمامنا، أو بعض خلاله، أو شاهدناه في الحلم فإن ذكراه تظهر رويداً رويداً، ولا يعود لنا ذلك الاسم المجهول، وتنطبق على هذه القاعدة ذكريات الطفولة البعيدة أو القريبة (13).
ويعتبر فرويد أن اللاشعور هو كل ما ليس شعورياً، وقد أثبت التحليل النفسي أن محتويات العقل لا تقبل الاختزال إلى الشعور الخالص، وأن بعضها لا يمكن الشعور به إلا بعد التغلب على بعض المقاومات، وأن الجزء غير المشعور به له من الفاعلية ما ينجم عنه ظهور الأعراض المرضية النفسية، وقد ثبت أن اللاشعور يشكّل حيّزاً يتعين علينا أن نتصوره باعتباره نظاماً له محتوياته، وطاقته الخاصة به، وعملياته الأوليّة، وبعض محتويات اللاشعور أولي مكبوت، وبعضها مكبوت يجهد في العودة إلى الشعور، ولكن هذا المكبوت يجب أن يمر أولاً بما قبل الشعور حتى يتمكن من الوصول إلى الشعور (14).
ويذهب فرويد إلى أن الأفكار تكون لاشعورية طالما كانت مادتها غير معروفة، وإذا ارتبطت الفكرة بالصور اللفظية المطابقة لها صارت قبل شعورية، وهذه الصورة كانت في وقت ما إدراكات حسيّة، وتحولت إلى آثار في الذاكرة، ومن ثم تستطيع كأي شيء في الذاكرة أن تصبح شعوريّة مرّة أخرى، وكل شيء كان إدراكاً حسيّاً شعوريّاً يستطيع أن يكون لاشعوريّاً، وأي شيء يأتي من اللاشعور، ويحاول أن يصبح شعوريّاً يجب أن يتحول إلى إدراكات حسيّة بفضل الآثار الباقية في الذاكرة.
وتجتمع في اللاشعور الأضداد، والمتناقضات بلا منطق، ويكون اللاشعور فردياً أي على المستوى الفردي، ويكون اللاشعور مشتركاً بين أفراد الجماعة البشرية، ويسمى حينئذ اللاشعور الجمعي (15).
Page 6
ب ـ الجهاز النفسي في مرحلته الثانية
عدّل فرويد من نظريته في الجهاز النفسي وأصبح اللاشعور يماثل الهو، والشعور يقابله الأنا الذي قسّمه إلى: أنا، وأنا أعلى، وأنا مثالي، وتألف الجهاز النفسي في مرحلته الجديدة من ثلاثة أقسام هي:
1 ـ الهو: المستودع اللاشعوري للقوى الدافعة للغريزة.
2 ـ الأنا: عناصر الوعي والإدراك والشعور.
3 ـ الأنا الأعلى: العناصر الأخلاقية (16).
1 ـ الهو
الهو أقدم الأقسام في الجهاز النفسي، وهو يحوي كل ما هو موروث، وما هو موجود منذ الولادة، وما هو ثابت في تركيب الجسم، ولذلك فهو يحوي قبل كل شيء الغرائز التي مصدرها الجسم، والتي يكون أول تعبير نفسي لها في الهو.
والهو اسم مشتق من الضمير الغائب (هو) أي إنه مجهول ولاشعوري، والهو هو جملة من الميول الموجهة لبعض النشاطات الفردية، وتربطه علاقة وطيدة باللاوعي، فالهو واللاوعي يتكونان قبل الغرائز والعادات والذكريات، وهذه العادات والذكريات تكون موجودة في الهو، وهي محتفظة بشحنة انفعالية نشعر بها عندما تبرز بعض الأعراض على سطح الوعي (17).
ويمثل الهو الطبيعة الخام قبل تماسها واختباراتها المستمدة من العالم الواقعي، وقبل تأثير التربية والتمدن، والهو هو كل ما يحمله الإنسان منذ ولادته من الدوافع القادمة من جسمه العضوي، وهذه الدوافع هي منبع الطاقة النفسيّة، والأساس التي تقوم عليه الشخصية، والقاعدة التي تقوم عليها الغرائز، ولهذه الأسباب نرى الهو شديد الارتباط بالجسم، ولا يتغير تغيُّراً كبيراً وفق العمر والخبرة، وهو بذلك يبقى طفيلياً، أنانياً، عنيداً، متعلقاً باللذة يطلبها، ويتجنب الألم ويمقته، وبمعنى آخر، يتألف الهو من الدوافع أي الغرائز والميول، ووظيفته لذويّة أي يخضع بشكل تام لمبدأ اللذة، لا لمبدأ الواقع، وبخضوعه لإشباع اللذة، لا يخضع لا للعقل، ولا للتفكير، ولا للمثل.
الهو هو الأصل حيث لم يكن يوجد غيره ثم نشأ الأنا منه تحت تأثير الاتصال بالعالم الخارجي، وتحول جزء معيّن من مادة الهو إلى حالة ما قبل الشعور، وانضمّ إلى الأنا، وهذا الأنا أسقط جزءاً من المادة التي اكتسبها من الهو ودفعها إليه ثانية، واستبعد الكثير من الإحساسات الجديدة، ودفعها إلى الهو، ويسمى هذا الجزء بالمكبوت، وبالتالي أصبح لدينا في الهو نوعان من المادة هما:
النوع الأول: هو جزء أصيل في الهو.
النوع الثاني: هو الذي يستمد من الأنا.
والنوعان يطابقان بين ما هو موجود وما هو مكتسب (18).
2 ـ الأنا
يقيم الأنا توازناً بين الهو والأنا الأعلى، والأنا هو نتاج التفاعل الحي، والمستمر بين الدوافع الغريزية، والوسط الاجتماعي، أما إذا ضعف التوازن لمصلحة الهو فإن الأنا يلحق به الوهن وتُصاب الشخصية بالاضطراب، ولكن الأنا كلما تعزز ازدادت سلطته على الهو، وزاد من استغلاله، وتوظيفه للطاقات، والشحنات الانفعالية القادمة من الهو، وعلى هذا الأساس يكون الأنا هو الشخصية الخاصة لإنسان معيّن، وأنا أدرك أن الأنا الذي يخصني ليس هو أنا الآخرين.
يمر الطفل بمراحل كثيرة، ويتعرض لأزمات متنوعة قبل أن يتكلم باسمه الخاص مثل أنا ألعب وأنا أشرب... إلخ، وبالتالي يتأخر ظهور الأنا عند الطفل، ويستلزم الوصول إلى هذه المرحلة نوعاً من النضج، والتصور الذهني، وامتلاك اللغة، وتكوّن الشخصيّة.
يرتبط الأنا بالغرائز العميقة، وهو قسم من الهو تحول بفعل ظروف خارجية، ولذلك فإن قسماً من الأنا يبقى «تحتواعياً» ويتطلب ظروفاً خاصة ليظهر على سطح الوعي، وبالتالي يمثّل الأنا الميول المكتسبة، والتعلّم الاجتماعي، ويرتبط بالواقع، وينظم العلاقات مع الآخرين في المجتمع، ويقع الأنا بين الهو والأنا الأعلى فيوفق بينهما، ويمثل الجسر بين البيولوجي، والأنا المثالي القائم على الضمير الأخلاقي، وعلى ذلك يقيم الأنا الانسجام بين الفرد والمجتمع، ويخضع، بذلك لمبدأ الواقع، ويتأثر بالعالم الخارجي، ويتحكم في العلاقة مع الآخرين، والأنا هو ذاك القسم من الهو الذي يتعدل نتيجة تأثير العالم الخارجي فيه تأثيراً مباشراً بواسطة الإدراك الحسي، ويلعب هذا الإدراك في الأنا الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو، ويمثّل الأنا العالم الخارجي، ويبدو أن الخبرات التي يكتسبها الأنا لا تضيع بموت الأفراد لأنها تتكرر بين أفراد الأجيال المتعاقبة (19).
تتحول الخبرات الموجودة في الأنا إلى خبرات موجودة في الهو يحفظها بالوراثة، ويقوم الهو بحفظ آثار أعداد لا تحصى من الأنوات، وربما يكون قيام الأنا بتكوين الأنا الأعلى من الهو ليس إلا إحياء لصور الأنوات السابقة، وبالتالي يخضع الأنا في الوقت نفسه لتأثير الغرائز كالهو لأنه يخرج منه.
3 ـ الأنا الأعلى
يتكون الأنا الأعلى نتيجة عاملين: تاريخي وبيولوجي.
يتشكل الأنا الأعلى عبر الفترة الطويلة التي يقضيها الطفل في كنف تربية الوالدين، واتباع قانون ينبغي لك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك، ولا يجب عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك، أي يجب أن لا تفعل مثل ما يفعل، فهناك أشياء مباحة له وليست مباحة لك، وهذا الازدواج في علاقة الأنا الأعلى، وبين إفعل ولا تفعل لا يحدث إلّا عند ظهور النشاط الجنسي الناتج عنه كبت عقدة أوديب (20).
يدين الأنا الأعلى بوجوده إلى هذا الحادث الثوري المتمثل بكبت عقدة أوديب، وبتكوين الأنا الأعلى يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب، والصراع الذي ينشب بين الأنا والأنا الأعلى يعكس في النهاية الخلاف بين ما هو واقعي وما هو نفسي، أو بين ما هو خارجي وما هو داخلي، ويجتمع في الأنا الأعلى التراث الثقافي الإنساني، وأسمى ما يتكوّن في النفس الإنسانية من القِيم التي ترسخت عبر الأجيال، وبذلك يختزن الأنا الأعلى كل ما يمكن أن ننتظره من طبيعة الإنسان السامية، ومن حيث أن الأنا الأعلى يمثّل بديلاً من الأب، فهو يتضمن الأصل الذي نشأت منه كل الأديان (21).
يتكوّن الأنا الأعلى نتيجة التعيّن الأولي بشخصيّة الأب كأول التعينات وأهمّها، وهي تحدث في الأيام الأولى من تاريخ حياة كل شخص، وهذا التعين لا يأتي عقب أو نتيجة حب للموضوع، وإنما هو تعين مباشر يقع قبل تعلق الطفل بحب أي موضوع، وأما تكوين الأنا المثالي فيكون بناءً على حب الموضوع الذي يتأتى أول ما يتأتى من الأم، وتندمج في الأنا الأعلى كل السلطات الأخلاقية الخارجية، وتتمثل هذه السلطات في الأطفال في سلطة الوالدين، ومع تطور مراحل عمر الطفل يحدث استدماج للنواهي، والزواجر، والأوامر الأخلاقية، ويحل الأنا الأعلى محل الوالدين، ويتأثر الأنا الأعلى أثناء نموه بشخصيات أخرى غير الأبوين وتحل محلهما، وتبقى سلطة أوامرهم، ونواهيم مستمرة في الأنا الأعلى، وهكذا يتكون الأنا الأعلى من مجموعة القواعد التي تعلم الخير والشر المكتسبين من الوالدين، وممثلي السلطة ورموزها، ويشتمل الأنا الأعلى على الحاضر والماضي، وتختزن فيه تقاليد السلف، وما استقرت عليه الإنسانية عبر تاريخها الطويل، والماضي لا يتداعى تماماً للحاضر إلّا في بطء، وما دام الأنا الأعلى هو الذي يصل الإنسان بماضيه فإن دور الماضي من أهم الأدوار في حياة الإنسان، ومن خلاله تتكون المشاعر الاجتماعية بالأنا الأعلى بناءً على تعيّنه بالأشخاص الآخرين، وهو يجمع الأنا الأعلى الدين والأخلاق، وهي العناصر الأساسية لأسمى ما في الإنسان، والأنا الأعلى عنصر مهم من عناصر الطبيعة البشريّة، وهو عنصر لاشعوري إلى حد كبير، ولا يعتبر الأنا الأعلى أرفع من الأنا من الناحية الأخلاقية، فالأنا الأعلى هو أنا مجمعن أي تكوّن بفعل القِيم الخارجيّة، والتربية، والتقويم، والضغط الاجتماعي (22).
أ ـ وظائف الأنا الأعلى
يمثّل الأنا الأعلى الجهاز القضائي في الشخصيّة، الذي يمارس رقابته الأخلاقية في صورة الضمير، ويتولى الأنا الأعلى الوظيفة النقدية عن طريق مراقبة دوافع الأنا، فيوافق على كل دافع يقدمه الأنا، وعندما يحصل هذا الدافع على قبول الانا الأعلى يسمح له بالصعود إلى السطح أي الوعي، ويعترض على كل دافع غير مقبول فيمنع ظهوره، وبالتالي يصيبه الكبت، ولا ينفصل الأنا الأعلى عن المكافآت والعقوبات... إنّه سلطة تكافئ وتعاقب بغية تنظيم الدوافع، وردعها عن التعدي على القانون والسلطة، والانضباط في المجتمع، ويوفّر الأنا الأعلى الاستقرار عن طريق الامتثال للقِيم السائدة، امتثالاً يكون واعياً في بعض الأحيان، ومن دون وعي مرّات كثيرة، وغالباً في الأنا الأعلى ذكريات المحظورات اللاواعية (23).
ب ـ الأنا المثالي
يمثّل الجانب الأخلاقي المتزمت من الأنا الأعلى الأنا المثالي الذي يمثّل الصورة المثلى التي ينحو الأنا الأعلى نحوها، ويصدر عنها في أحكامه، والأنا المثالي هو انتظام الأنا الأعلى في صورة مثالية، ويتضمن تعيّناً ثانويّاً بالأشخاص البطوليين الذين يبدي بهم إعجاباً متطرفاً، كالإعجاب بعظماء التاريخ (24).
عدّل فرويد من نظريته في الجهاز النفسي وأصبح اللاشعور يماثل الهو، والشعور يقابله الأنا الذي قسّمه إلى: أنا، وأنا أعلى، وأنا مثالي، وتألف الجهاز النفسي في مرحلته الجديدة من ثلاثة أقسام هي:
1 ـ الهو: المستودع اللاشعوري للقوى الدافعة للغريزة.
2 ـ الأنا: عناصر الوعي والإدراك والشعور.
3 ـ الأنا الأعلى: العناصر الأخلاقية (16).
1 ـ الهو
الهو أقدم الأقسام في الجهاز النفسي، وهو يحوي كل ما هو موروث، وما هو موجود منذ الولادة، وما هو ثابت في تركيب الجسم، ولذلك فهو يحوي قبل كل شيء الغرائز التي مصدرها الجسم، والتي يكون أول تعبير نفسي لها في الهو.
والهو اسم مشتق من الضمير الغائب (هو) أي إنه مجهول ولاشعوري، والهو هو جملة من الميول الموجهة لبعض النشاطات الفردية، وتربطه علاقة وطيدة باللاوعي، فالهو واللاوعي يتكونان قبل الغرائز والعادات والذكريات، وهذه العادات والذكريات تكون موجودة في الهو، وهي محتفظة بشحنة انفعالية نشعر بها عندما تبرز بعض الأعراض على سطح الوعي (17).
ويمثل الهو الطبيعة الخام قبل تماسها واختباراتها المستمدة من العالم الواقعي، وقبل تأثير التربية والتمدن، والهو هو كل ما يحمله الإنسان منذ ولادته من الدوافع القادمة من جسمه العضوي، وهذه الدوافع هي منبع الطاقة النفسيّة، والأساس التي تقوم عليه الشخصية، والقاعدة التي تقوم عليها الغرائز، ولهذه الأسباب نرى الهو شديد الارتباط بالجسم، ولا يتغير تغيُّراً كبيراً وفق العمر والخبرة، وهو بذلك يبقى طفيلياً، أنانياً، عنيداً، متعلقاً باللذة يطلبها، ويتجنب الألم ويمقته، وبمعنى آخر، يتألف الهو من الدوافع أي الغرائز والميول، ووظيفته لذويّة أي يخضع بشكل تام لمبدأ اللذة، لا لمبدأ الواقع، وبخضوعه لإشباع اللذة، لا يخضع لا للعقل، ولا للتفكير، ولا للمثل.
الهو هو الأصل حيث لم يكن يوجد غيره ثم نشأ الأنا منه تحت تأثير الاتصال بالعالم الخارجي، وتحول جزء معيّن من مادة الهو إلى حالة ما قبل الشعور، وانضمّ إلى الأنا، وهذا الأنا أسقط جزءاً من المادة التي اكتسبها من الهو ودفعها إليه ثانية، واستبعد الكثير من الإحساسات الجديدة، ودفعها إلى الهو، ويسمى هذا الجزء بالمكبوت، وبالتالي أصبح لدينا في الهو نوعان من المادة هما:
النوع الأول: هو جزء أصيل في الهو.
النوع الثاني: هو الذي يستمد من الأنا.
والنوعان يطابقان بين ما هو موجود وما هو مكتسب (18).
2 ـ الأنا
يقيم الأنا توازناً بين الهو والأنا الأعلى، والأنا هو نتاج التفاعل الحي، والمستمر بين الدوافع الغريزية، والوسط الاجتماعي، أما إذا ضعف التوازن لمصلحة الهو فإن الأنا يلحق به الوهن وتُصاب الشخصية بالاضطراب، ولكن الأنا كلما تعزز ازدادت سلطته على الهو، وزاد من استغلاله، وتوظيفه للطاقات، والشحنات الانفعالية القادمة من الهو، وعلى هذا الأساس يكون الأنا هو الشخصية الخاصة لإنسان معيّن، وأنا أدرك أن الأنا الذي يخصني ليس هو أنا الآخرين.
يمر الطفل بمراحل كثيرة، ويتعرض لأزمات متنوعة قبل أن يتكلم باسمه الخاص مثل أنا ألعب وأنا أشرب... إلخ، وبالتالي يتأخر ظهور الأنا عند الطفل، ويستلزم الوصول إلى هذه المرحلة نوعاً من النضج، والتصور الذهني، وامتلاك اللغة، وتكوّن الشخصيّة.
يرتبط الأنا بالغرائز العميقة، وهو قسم من الهو تحول بفعل ظروف خارجية، ولذلك فإن قسماً من الأنا يبقى «تحتواعياً» ويتطلب ظروفاً خاصة ليظهر على سطح الوعي، وبالتالي يمثّل الأنا الميول المكتسبة، والتعلّم الاجتماعي، ويرتبط بالواقع، وينظم العلاقات مع الآخرين في المجتمع، ويقع الأنا بين الهو والأنا الأعلى فيوفق بينهما، ويمثل الجسر بين البيولوجي، والأنا المثالي القائم على الضمير الأخلاقي، وعلى ذلك يقيم الأنا الانسجام بين الفرد والمجتمع، ويخضع، بذلك لمبدأ الواقع، ويتأثر بالعالم الخارجي، ويتحكم في العلاقة مع الآخرين، والأنا هو ذاك القسم من الهو الذي يتعدل نتيجة تأثير العالم الخارجي فيه تأثيراً مباشراً بواسطة الإدراك الحسي، ويلعب هذا الإدراك في الأنا الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو، ويمثّل الأنا العالم الخارجي، ويبدو أن الخبرات التي يكتسبها الأنا لا تضيع بموت الأفراد لأنها تتكرر بين أفراد الأجيال المتعاقبة (19).
تتحول الخبرات الموجودة في الأنا إلى خبرات موجودة في الهو يحفظها بالوراثة، ويقوم الهو بحفظ آثار أعداد لا تحصى من الأنوات، وربما يكون قيام الأنا بتكوين الأنا الأعلى من الهو ليس إلا إحياء لصور الأنوات السابقة، وبالتالي يخضع الأنا في الوقت نفسه لتأثير الغرائز كالهو لأنه يخرج منه.
3 ـ الأنا الأعلى
يتكون الأنا الأعلى نتيجة عاملين: تاريخي وبيولوجي.
يتشكل الأنا الأعلى عبر الفترة الطويلة التي يقضيها الطفل في كنف تربية الوالدين، واتباع قانون ينبغي لك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك، ولا يجب عليك أن تكون كذا وكذا مثل أبيك، أي يجب أن لا تفعل مثل ما يفعل، فهناك أشياء مباحة له وليست مباحة لك، وهذا الازدواج في علاقة الأنا الأعلى، وبين إفعل ولا تفعل لا يحدث إلّا عند ظهور النشاط الجنسي الناتج عنه كبت عقدة أوديب (20).
يدين الأنا الأعلى بوجوده إلى هذا الحادث الثوري المتمثل بكبت عقدة أوديب، وبتكوين الأنا الأعلى يقوم الأنا بالتغلب على عقدة أوديب، والصراع الذي ينشب بين الأنا والأنا الأعلى يعكس في النهاية الخلاف بين ما هو واقعي وما هو نفسي، أو بين ما هو خارجي وما هو داخلي، ويجتمع في الأنا الأعلى التراث الثقافي الإنساني، وأسمى ما يتكوّن في النفس الإنسانية من القِيم التي ترسخت عبر الأجيال، وبذلك يختزن الأنا الأعلى كل ما يمكن أن ننتظره من طبيعة الإنسان السامية، ومن حيث أن الأنا الأعلى يمثّل بديلاً من الأب، فهو يتضمن الأصل الذي نشأت منه كل الأديان (21).
يتكوّن الأنا الأعلى نتيجة التعيّن الأولي بشخصيّة الأب كأول التعينات وأهمّها، وهي تحدث في الأيام الأولى من تاريخ حياة كل شخص، وهذا التعين لا يأتي عقب أو نتيجة حب للموضوع، وإنما هو تعين مباشر يقع قبل تعلق الطفل بحب أي موضوع، وأما تكوين الأنا المثالي فيكون بناءً على حب الموضوع الذي يتأتى أول ما يتأتى من الأم، وتندمج في الأنا الأعلى كل السلطات الأخلاقية الخارجية، وتتمثل هذه السلطات في الأطفال في سلطة الوالدين، ومع تطور مراحل عمر الطفل يحدث استدماج للنواهي، والزواجر، والأوامر الأخلاقية، ويحل الأنا الأعلى محل الوالدين، ويتأثر الأنا الأعلى أثناء نموه بشخصيات أخرى غير الأبوين وتحل محلهما، وتبقى سلطة أوامرهم، ونواهيم مستمرة في الأنا الأعلى، وهكذا يتكون الأنا الأعلى من مجموعة القواعد التي تعلم الخير والشر المكتسبين من الوالدين، وممثلي السلطة ورموزها، ويشتمل الأنا الأعلى على الحاضر والماضي، وتختزن فيه تقاليد السلف، وما استقرت عليه الإنسانية عبر تاريخها الطويل، والماضي لا يتداعى تماماً للحاضر إلّا في بطء، وما دام الأنا الأعلى هو الذي يصل الإنسان بماضيه فإن دور الماضي من أهم الأدوار في حياة الإنسان، ومن خلاله تتكون المشاعر الاجتماعية بالأنا الأعلى بناءً على تعيّنه بالأشخاص الآخرين، وهو يجمع الأنا الأعلى الدين والأخلاق، وهي العناصر الأساسية لأسمى ما في الإنسان، والأنا الأعلى عنصر مهم من عناصر الطبيعة البشريّة، وهو عنصر لاشعوري إلى حد كبير، ولا يعتبر الأنا الأعلى أرفع من الأنا من الناحية الأخلاقية، فالأنا الأعلى هو أنا مجمعن أي تكوّن بفعل القِيم الخارجيّة، والتربية، والتقويم، والضغط الاجتماعي (22).
أ ـ وظائف الأنا الأعلى
يمثّل الأنا الأعلى الجهاز القضائي في الشخصيّة، الذي يمارس رقابته الأخلاقية في صورة الضمير، ويتولى الأنا الأعلى الوظيفة النقدية عن طريق مراقبة دوافع الأنا، فيوافق على كل دافع يقدمه الأنا، وعندما يحصل هذا الدافع على قبول الانا الأعلى يسمح له بالصعود إلى السطح أي الوعي، ويعترض على كل دافع غير مقبول فيمنع ظهوره، وبالتالي يصيبه الكبت، ولا ينفصل الأنا الأعلى عن المكافآت والعقوبات... إنّه سلطة تكافئ وتعاقب بغية تنظيم الدوافع، وردعها عن التعدي على القانون والسلطة، والانضباط في المجتمع، ويوفّر الأنا الأعلى الاستقرار عن طريق الامتثال للقِيم السائدة، امتثالاً يكون واعياً في بعض الأحيان، ومن دون وعي مرّات كثيرة، وغالباً في الأنا الأعلى ذكريات المحظورات اللاواعية (23).
ب ـ الأنا المثالي
يمثّل الجانب الأخلاقي المتزمت من الأنا الأعلى الأنا المثالي الذي يمثّل الصورة المثلى التي ينحو الأنا الأعلى نحوها، ويصدر عنها في أحكامه، والأنا المثالي هو انتظام الأنا الأعلى في صورة مثالية، ويتضمن تعيّناً ثانويّاً بالأشخاص البطوليين الذين يبدي بهم إعجاباً متطرفاً، كالإعجاب بعظماء التاريخ (24).
Page 7
ثانياً ـ العقد النفسيّة وسبل اكتشافها
أ ـ تعريف العقدة النفسيّة
العقدة النفسيّة هي مجموعة أجزاء مشحونة إلى حدّ قوي بالانفعال، وهي أجزاء قائمة في اللاوعي، وتوجّه من دون معرفة الفرد بعض أعماله، وتكون العقدة خزاناً صغيراً مستقلاً قوياً، وتدفن في هذا الخزان وهي حيّة بعض العواطف، والانفعالات التي لا يرضاها الأنا الأعلى، وتتشكّل العقدة من خلال كبت رغبة ما غالباً ما تكون محرّمة، وهذا الكبت الذي يستمر سنوات مديدة يجعل الأجزاء المكبوتة تزداد، وتتعمق حتى تشكّل كتلة صلدة، وهذه الكتلة هي العقدة النفسية المتمثلة في مجموعة مركبة من ذكريات، أو رغبات، أو عواطف، أو أحداث مكبوتة مشحونة بشحنة انفعالية قويّة من الذعر، أو الغضب، أو الاشمئزاز، أو الغيرة، أو الإحساس الخفي بالذنب.... (25).
تنشأ العقدة من صدمة انفعالية واحدة، أو من خبرات مؤلمة متكررة، أو من تربية خاطئة في عهد الطفولة تسرف في تدليله الزائد، أو في كبحه وتخويفه، أو تأثيمه من خلال إشعار الطفل بأنّه مذنب في كل ما يفعله، ومن شأن مثل هذه التربية أن تخلق في نفس الطفل مشاعر بغيضة بالنقص، والذنب، والقلق، والغيرة، أو عواطف هدامة، كالحقد والكراهية، وهي مشاعر وعواطف ثقيلة على النفس لا تلبث أن تكبت فتنشأ عنها عقدة أو أكثر، والعقدة استعداد مكبوت يجبر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر، والشعور والتفكير في شخص، أو شيء، أو موقف، أو فكرة، وهي أيضاً استعداد لاشعوري لا يفطن الفرد إلى وجوده، ولا يعرف أصله، وكل ما يشعر به هو آثار العقدة في سلوكه، وشعوره، وجسمه، كالقلق، أو الشكوك التي تساوره، أو اضطرابات في وظائف المعدة، أو القلب، أو التنفس، أو غيرها، ويتسم السلوك الصادر عن العقدة النفسية بما يتسم به السلوك الصادر عن الدوافع المكبوتة (26).
تتنوع العقد النفسية، وسوف نستعرض أبرز العقد التي تحدث عنها التحليل النفسي، وهي:
1 ــ عقدة أوديب
يقتل أوديب ـ بطل الأسطورة اليونانية الشهيرة التي حفظت من خلال نص مسرحي ـ أباه ويتزوج بأمه من دون أن يعرف أنهما والداه، وهذا التحريف في القصة هو أمر لا يمكن تجنبه في تناولها تناولاً فنياً، وأما من ناحية التحليل النفسي فإن جهل أوديب بما فعله بأبويه هو تصوير للناحية اللاشعورية التي تتستر فيها هذه التجربة عند الكبار، وكونه بريئاً إنما هو إثبات لحكم القدر بأن كل طفل يجب عليه أن يمر بهذه التجربة (27).
وتواجه عقدة أوديب عند الأطفال طريقين هما:
1 ـ كبت العقدة، ويؤدي هذا الكبت في بعض الأحيان إلى العصاب.
2 ـ تحلّ نهائياً وحينها يسير الطفل على الطريق السليم.
يسجل فرويد أفول هذه العقدة في مرحلة الكمون ثم عودتها إلى الظهور مع فترة المراهقة، ويتم تجاوزها بدرجات متفاوتة (28).
تلعب عقدة أوديب دوراً فعّالاً في بناء الشخصيّة من خلال الأنا المثالي الذي يحلّ محلها، ويستدل على إنسانيتها بمعنى وجودها عند كل الناس، ومختلف الثقافات من خلال رسوم الأطفال ذات الدلالة، وتدل أحاديث الأطفال مع أمهاتهم على وجود هذه العقدة عند عموم البشر، ومن هذه الأحاديث نجد قول الطفل لأمه:
ـ عندما أكبر سوف أتزوجك يا ماما.
وعندما تجيبه أمه:
ـ ولكن ماذا يقول أبوك؟
يجيب الطفل:
ـ حينها يكون قد مات.
يدل هذا الحديث على رغبة الطفل في قتل والده، وتنزاح هذه الرغبة إلى تمني الموت له، وتكمن أهمية هذه العقدة في دور الوالدين المساهم في تصفية عقدة أوديب تصفية سوية، وفي تكوين السلوك المستقبلي لابنهما (29).
2 ـ عقدة الخصاء
تقوم عقدة الخصاء على وهم متعلق بقلق أو خوف من فقدان الإحليل، وهذا القلق ناتج عن خوف من عقاب يراه الطفل واقعاً عليه بسبب ذنب اقترفه، وذاك الإحساس بالذنب متولد من رغبة جنسيّة محرّمة عند الطفل، وهذه الرغبة تهدف إلى امتلاك الأم وقتل الأب، كما أن القلق بشأن القضيب يزداد عندما يرى الطفل الفرق بين عضوه الجنسي وعضو أخته، ويعتقد حينها أن أخته قد عوقبت بقطع قضيبها لأنها وقعت في ذنب ما، أو ارتكبت محرّماً، أو اقترفت إثماً (30).
ويمتد الخوف من الخصاء إلى الشعور بالعجز عن إثبات الذات، وتوكيد قدراتها إزاء العالم الخارجي، وينصبّ الخصاء على الذهن فيصبح الخصاء هنا تعبيراً مجازياً للدلالة على أن الذهن مواز لعضو الذكورة، ومن ثم فإن ما يصير عليه الأول يوازي أو هو الشكل المجازي لما يقع على الثاني وما يصيبه، وبتعبير آخر فإن الخصاء الذهني هو ضعف النشاط، والعجز عن أداء الوظيفة المخصصة للذهن مثل التغلب، والتحكم، والاقتدار... إلخ، والوظيفة المخصصة للذهن هي موازية لوظيفة الإحليل رمزياً (31).
3 ـ عقد نفسية متنوعة
تتنوع العقد النفسية المرضية، كعقدة النقص، أو عقدة الشعور بالدونيّة، أو عقدة الخوف من شيء ما إلى آخر ما هنالك من عقد، وكلها يمكن أن تفكك وتحلّ إذا استطاع التحليل النفسي استعادة الذكريات المؤلمة، أو أسباب هذه الذكريات، ويقوم التحليل النفسي برفع هذه الذكريات المكبوتة من مستوى الشعور إلى مستوى الإدراك، وبالتالي إن ما كان مخجلاً للطفل أو محرماً لم يعد هناك مبرر لأن يراه بالصورة التي كان يراها سابقاً، وبدل أن تعمل العقد في اللاشعور، وتنشط بصورة شاذة ومرضية تفسر هذه العقد على حقيقتها السوية، ولا يعود الشخص بعدها يستشعر آثارها السيئة، فالذكريات عندما تُعاد إلى الذهن تشبع في كل مرة بالظروف الراهنة لعودتها، وبألوان الموقف الذي استعيدت به (32).
أ ـ تعريف العقدة النفسيّة
العقدة النفسيّة هي مجموعة أجزاء مشحونة إلى حدّ قوي بالانفعال، وهي أجزاء قائمة في اللاوعي، وتوجّه من دون معرفة الفرد بعض أعماله، وتكون العقدة خزاناً صغيراً مستقلاً قوياً، وتدفن في هذا الخزان وهي حيّة بعض العواطف، والانفعالات التي لا يرضاها الأنا الأعلى، وتتشكّل العقدة من خلال كبت رغبة ما غالباً ما تكون محرّمة، وهذا الكبت الذي يستمر سنوات مديدة يجعل الأجزاء المكبوتة تزداد، وتتعمق حتى تشكّل كتلة صلدة، وهذه الكتلة هي العقدة النفسية المتمثلة في مجموعة مركبة من ذكريات، أو رغبات، أو عواطف، أو أحداث مكبوتة مشحونة بشحنة انفعالية قويّة من الذعر، أو الغضب، أو الاشمئزاز، أو الغيرة، أو الإحساس الخفي بالذنب.... (25).
تنشأ العقدة من صدمة انفعالية واحدة، أو من خبرات مؤلمة متكررة، أو من تربية خاطئة في عهد الطفولة تسرف في تدليله الزائد، أو في كبحه وتخويفه، أو تأثيمه من خلال إشعار الطفل بأنّه مذنب في كل ما يفعله، ومن شأن مثل هذه التربية أن تخلق في نفس الطفل مشاعر بغيضة بالنقص، والذنب، والقلق، والغيرة، أو عواطف هدامة، كالحقد والكراهية، وهي مشاعر وعواطف ثقيلة على النفس لا تلبث أن تكبت فتنشأ عنها عقدة أو أكثر، والعقدة استعداد مكبوت يجبر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر، والشعور والتفكير في شخص، أو شيء، أو موقف، أو فكرة، وهي أيضاً استعداد لاشعوري لا يفطن الفرد إلى وجوده، ولا يعرف أصله، وكل ما يشعر به هو آثار العقدة في سلوكه، وشعوره، وجسمه، كالقلق، أو الشكوك التي تساوره، أو اضطرابات في وظائف المعدة، أو القلب، أو التنفس، أو غيرها، ويتسم السلوك الصادر عن العقدة النفسية بما يتسم به السلوك الصادر عن الدوافع المكبوتة (26).
تتنوع العقد النفسية، وسوف نستعرض أبرز العقد التي تحدث عنها التحليل النفسي، وهي:
1 ــ عقدة أوديب
يقتل أوديب ـ بطل الأسطورة اليونانية الشهيرة التي حفظت من خلال نص مسرحي ـ أباه ويتزوج بأمه من دون أن يعرف أنهما والداه، وهذا التحريف في القصة هو أمر لا يمكن تجنبه في تناولها تناولاً فنياً، وأما من ناحية التحليل النفسي فإن جهل أوديب بما فعله بأبويه هو تصوير للناحية اللاشعورية التي تتستر فيها هذه التجربة عند الكبار، وكونه بريئاً إنما هو إثبات لحكم القدر بأن كل طفل يجب عليه أن يمر بهذه التجربة (27).
وتواجه عقدة أوديب عند الأطفال طريقين هما:
1 ـ كبت العقدة، ويؤدي هذا الكبت في بعض الأحيان إلى العصاب.
2 ـ تحلّ نهائياً وحينها يسير الطفل على الطريق السليم.
يسجل فرويد أفول هذه العقدة في مرحلة الكمون ثم عودتها إلى الظهور مع فترة المراهقة، ويتم تجاوزها بدرجات متفاوتة (28).
تلعب عقدة أوديب دوراً فعّالاً في بناء الشخصيّة من خلال الأنا المثالي الذي يحلّ محلها، ويستدل على إنسانيتها بمعنى وجودها عند كل الناس، ومختلف الثقافات من خلال رسوم الأطفال ذات الدلالة، وتدل أحاديث الأطفال مع أمهاتهم على وجود هذه العقدة عند عموم البشر، ومن هذه الأحاديث نجد قول الطفل لأمه:
ـ عندما أكبر سوف أتزوجك يا ماما.
وعندما تجيبه أمه:
ـ ولكن ماذا يقول أبوك؟
يجيب الطفل:
ـ حينها يكون قد مات.
يدل هذا الحديث على رغبة الطفل في قتل والده، وتنزاح هذه الرغبة إلى تمني الموت له، وتكمن أهمية هذه العقدة في دور الوالدين المساهم في تصفية عقدة أوديب تصفية سوية، وفي تكوين السلوك المستقبلي لابنهما (29).
2 ـ عقدة الخصاء
تقوم عقدة الخصاء على وهم متعلق بقلق أو خوف من فقدان الإحليل، وهذا القلق ناتج عن خوف من عقاب يراه الطفل واقعاً عليه بسبب ذنب اقترفه، وذاك الإحساس بالذنب متولد من رغبة جنسيّة محرّمة عند الطفل، وهذه الرغبة تهدف إلى امتلاك الأم وقتل الأب، كما أن القلق بشأن القضيب يزداد عندما يرى الطفل الفرق بين عضوه الجنسي وعضو أخته، ويعتقد حينها أن أخته قد عوقبت بقطع قضيبها لأنها وقعت في ذنب ما، أو ارتكبت محرّماً، أو اقترفت إثماً (30).
ويمتد الخوف من الخصاء إلى الشعور بالعجز عن إثبات الذات، وتوكيد قدراتها إزاء العالم الخارجي، وينصبّ الخصاء على الذهن فيصبح الخصاء هنا تعبيراً مجازياً للدلالة على أن الذهن مواز لعضو الذكورة، ومن ثم فإن ما يصير عليه الأول يوازي أو هو الشكل المجازي لما يقع على الثاني وما يصيبه، وبتعبير آخر فإن الخصاء الذهني هو ضعف النشاط، والعجز عن أداء الوظيفة المخصصة للذهن مثل التغلب، والتحكم، والاقتدار... إلخ، والوظيفة المخصصة للذهن هي موازية لوظيفة الإحليل رمزياً (31).
3 ـ عقد نفسية متنوعة
تتنوع العقد النفسية المرضية، كعقدة النقص، أو عقدة الشعور بالدونيّة، أو عقدة الخوف من شيء ما إلى آخر ما هنالك من عقد، وكلها يمكن أن تفكك وتحلّ إذا استطاع التحليل النفسي استعادة الذكريات المؤلمة، أو أسباب هذه الذكريات، ويقوم التحليل النفسي برفع هذه الذكريات المكبوتة من مستوى الشعور إلى مستوى الإدراك، وبالتالي إن ما كان مخجلاً للطفل أو محرماً لم يعد هناك مبرر لأن يراه بالصورة التي كان يراها سابقاً، وبدل أن تعمل العقد في اللاشعور، وتنشط بصورة شاذة ومرضية تفسر هذه العقد على حقيقتها السوية، ولا يعود الشخص بعدها يستشعر آثارها السيئة، فالذكريات عندما تُعاد إلى الذهن تشبع في كل مرة بالظروف الراهنة لعودتها، وبألوان الموقف الذي استعيدت به (32).
Page 8
ب ـ سبل اكتشاف العقد النفسيّة
يتمّ شفاء المريض من عقده النفسية من خلال إخراج العقدة التي يعانيها المريض من اللاوعي إلى الوعي والإدراك، وتتم عملية الإخراج بوسائل متنوعة أبرزها: الأحلام (33).
1 ـ الحلم طريق اكتشاف العقد النفسية
الأحلام من أبرز الوسائل التي تفتح الأبواب على مصراعيها على مكامن اللاشعور، وتعتبر الأحلام الطريق الملكي لاكتشاف اللاشعور، ومن خلال دراسة الأحلام اكتشف فرويد عمليات الإزاحة، والتكثيف والترميز ... وهذه كلها أساس التكوينات الدّالة على اللاشعور التي تتعادل مع الأعراض من حيث إنها تحقيق للرغبات التي تتوسط بين القصد الشعوري، والمكبوت اللاشعوري، وتعطينا دراسة عمل الأحلام فكرة واضحة عن الطريقة التي تقبع فيها المادة اللاشعورية في الهو سواء أكانت هذه المادة في الأصل لاشعورية، أم أصبحت لاشعورية بالكبت، وتندمج هذه المادة اللاشعورية في الأنا فتصبح قبل شعورية ثم تحدث فيها بفعل الأنا تلك التعديلات التي نسميها تحريف الحلم، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير تفاصيل الحلم جميعها، ويؤدي المحلل أحسن خدمة للمعالج حين يستطيع تحويل المادة اللاشعورية إلى مادة موجودة قبل الشعور (34).
أ ـ الرقابة
تقف الرقابة حائلاً أمام نفاذ محتويات اللاشعور إلى ما قبل الشعور، فالرقابة هي من الوظائف الدائمة كنشاط دفاعي ضد المنبهات المزعجة في العالم الخارجي، وضد الأفكار الممنوعة والرغبات المحرّمة، التي استقرت في اللاشعور، ولا سبيل إلى تجاوز الرقابة إلّا من خلال تحوير محتويات اللاشعور، وتقنيعها لتصبح ما قبل شعوريّة، ويظهر عمل الرقابة في الغموض الذي يظهر على بعض عناصر الحلم، وفي ضروب التلميح، والتكثيف، والتحوير... إلخ، التي تتناول الحلم، وتعمل على إزاحة مركز الاهتمام في الحلم، فيأتي على النحو المعروف فيه من الغرابة، وتمهد الرقابة التي يمارسها الأنا لظهور الأنا الأعلى الذي تتمثل رقابته في الملاحظة الذاتية للدور الذي يقوم به الضمير. فالرقابة هي مسألة جوهرية في فهم النشاط النفسي برمته (35).
وتقوم هذه الرقابة بدورها في انتظام العلاقة بين الأجهزة النفسية، وتتمثّل في المقاومة التي يبديها المريض ضد التأويل التحليلي، وتختلف شدة المقاومة أثناء عملية التأويل باختلاف الشدّة النفسيّة للعناصر التي يطالها التأويل، وهناك نزعات تفرض الرقابة، ونزعات تفرض عليها الرقابة، وأما النزعات التي تفرض الرقابة فهي تلك التي يرضى عنها الأنا سواء في اليقظة أو في النوم، وأما النزعات التي تفرض عليها رقابة فهي تلك التي نستنكرها وتتنافر مع وجهة نظرنا الأخلاقية، أو الجمالية، أو الاجتماعية، ولا نجرؤ على التفكير فيها لأن تفكيرنا فيها يقترن بالمقت والرفض، وفي أحوال المرض، وفي شكل أحلام النوم، أو زلات لسان، أو هفوات، أو أعراض عصابية (36).
تخف سلطة الرقيب في فترة النوم، وتختفي قوة الأنا الأعلى، فيعود الإنسان إلى المصادر الغريزية، وتنزلق الدوافع منتفعة من النوم، وتعتبر الأحلام مركز الثقل في التحليل النفسي لأنها طريقه إلى اللاوعي، والحلم هو نشاط يقوم به الإنسان النائم، ووظيفته إبعاد كل إثارة حتى يستمر النوم، والحلم يمثّل حلاً توفيقياً لإشباع رغبات اللاوعي فنحن عندما ننام نشعر بإشباع رغبة، ونستمر في النوم من أجل إشباع هذه الرغبة، ومثال على هذا الإشباع أن إنساناً عطشاناً قد يحلم أنه يشرب، ويشعر أنّه ارتوى، وبذلك يستمر في نومه، وهكذا يمثل الحلم حلاً للمشكلة، وتخفيفاً للتوتر، وتحقق الأحلام الرغبات تحقيقاً مباشراً وعلنياً، ويبرز الحلم في أغلب الأحيان على شكل رمز بمعنى أن الرغبات العدوانية، أو المحرمة، أو الجنسية غير المشروعة والمكبوتة في اللاوعي، كلها تظهر على شكل رموز في الأحلام، وبذلك يكون الحلم تحقيقاً لرغبة بشكل رمزي، أو هو تحقيق مقنع لرغبة ما (37).
وتتضح لنا رموز الرغبات المكبوتة في الحلم من خلال المثل الاتي:
حلمت «ن» أن أختها «م» تدخل تابوتاً وتبقى فيه.
يظهر التحليل النفسي، أن «ن» تكره أختها، ولديها رغبة مكبوتة في أن تراها ميتة، وقام الحلم بإشباع هذه الرغبة عندما حقق موت «م»، لأن تفسير الحلم يكون على أساس أن التابوت هو رمز للموت، ولا يدخله إلا الميت، ولما دخلته «م» وبقيت فيه، وعندما شاهدتها أختها «ن» على هذه الحال حققت رغبتها ورأتها ميتة.
فالحلم هو اللغة التي يعبّر فيها الفكر تعبيراً نفسياً إنه لغة نفسيّة فرديّة، وللحلم علاقة بالأحاسيس الخارجية، ويتعلق بالذكريات الغريبة، وبالمؤثرات الحسيّة، والخبرات السابقة للحالم، ويعمل المحلل على إخراج المعنى الكامن للحلم، ومن خلال تحويل هذا المعنى الكامن إلى ظاهر، وتتم هذه العملية من خلال: التكثيف، والإزاحة، والترميز (38).
ب ـ التكثيف
يتمّ شفاء المريض من عقده النفسية من خلال إخراج العقدة التي يعانيها المريض من اللاوعي إلى الوعي والإدراك، وتتم عملية الإخراج بوسائل متنوعة أبرزها: الأحلام (33).
1 ـ الحلم طريق اكتشاف العقد النفسية
الأحلام من أبرز الوسائل التي تفتح الأبواب على مصراعيها على مكامن اللاشعور، وتعتبر الأحلام الطريق الملكي لاكتشاف اللاشعور، ومن خلال دراسة الأحلام اكتشف فرويد عمليات الإزاحة، والتكثيف والترميز ... وهذه كلها أساس التكوينات الدّالة على اللاشعور التي تتعادل مع الأعراض من حيث إنها تحقيق للرغبات التي تتوسط بين القصد الشعوري، والمكبوت اللاشعوري، وتعطينا دراسة عمل الأحلام فكرة واضحة عن الطريقة التي تقبع فيها المادة اللاشعورية في الهو سواء أكانت هذه المادة في الأصل لاشعورية، أم أصبحت لاشعورية بالكبت، وتندمج هذه المادة اللاشعورية في الأنا فتصبح قبل شعورية ثم تحدث فيها بفعل الأنا تلك التعديلات التي نسميها تحريف الحلم، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير تفاصيل الحلم جميعها، ويؤدي المحلل أحسن خدمة للمعالج حين يستطيع تحويل المادة اللاشعورية إلى مادة موجودة قبل الشعور (34).
أ ـ الرقابة
تقف الرقابة حائلاً أمام نفاذ محتويات اللاشعور إلى ما قبل الشعور، فالرقابة هي من الوظائف الدائمة كنشاط دفاعي ضد المنبهات المزعجة في العالم الخارجي، وضد الأفكار الممنوعة والرغبات المحرّمة، التي استقرت في اللاشعور، ولا سبيل إلى تجاوز الرقابة إلّا من خلال تحوير محتويات اللاشعور، وتقنيعها لتصبح ما قبل شعوريّة، ويظهر عمل الرقابة في الغموض الذي يظهر على بعض عناصر الحلم، وفي ضروب التلميح، والتكثيف، والتحوير... إلخ، التي تتناول الحلم، وتعمل على إزاحة مركز الاهتمام في الحلم، فيأتي على النحو المعروف فيه من الغرابة، وتمهد الرقابة التي يمارسها الأنا لظهور الأنا الأعلى الذي تتمثل رقابته في الملاحظة الذاتية للدور الذي يقوم به الضمير. فالرقابة هي مسألة جوهرية في فهم النشاط النفسي برمته (35).
وتقوم هذه الرقابة بدورها في انتظام العلاقة بين الأجهزة النفسية، وتتمثّل في المقاومة التي يبديها المريض ضد التأويل التحليلي، وتختلف شدة المقاومة أثناء عملية التأويل باختلاف الشدّة النفسيّة للعناصر التي يطالها التأويل، وهناك نزعات تفرض الرقابة، ونزعات تفرض عليها الرقابة، وأما النزعات التي تفرض الرقابة فهي تلك التي يرضى عنها الأنا سواء في اليقظة أو في النوم، وأما النزعات التي تفرض عليها رقابة فهي تلك التي نستنكرها وتتنافر مع وجهة نظرنا الأخلاقية، أو الجمالية، أو الاجتماعية، ولا نجرؤ على التفكير فيها لأن تفكيرنا فيها يقترن بالمقت والرفض، وفي أحوال المرض، وفي شكل أحلام النوم، أو زلات لسان، أو هفوات، أو أعراض عصابية (36).
تخف سلطة الرقيب في فترة النوم، وتختفي قوة الأنا الأعلى، فيعود الإنسان إلى المصادر الغريزية، وتنزلق الدوافع منتفعة من النوم، وتعتبر الأحلام مركز الثقل في التحليل النفسي لأنها طريقه إلى اللاوعي، والحلم هو نشاط يقوم به الإنسان النائم، ووظيفته إبعاد كل إثارة حتى يستمر النوم، والحلم يمثّل حلاً توفيقياً لإشباع رغبات اللاوعي فنحن عندما ننام نشعر بإشباع رغبة، ونستمر في النوم من أجل إشباع هذه الرغبة، ومثال على هذا الإشباع أن إنساناً عطشاناً قد يحلم أنه يشرب، ويشعر أنّه ارتوى، وبذلك يستمر في نومه، وهكذا يمثل الحلم حلاً للمشكلة، وتخفيفاً للتوتر، وتحقق الأحلام الرغبات تحقيقاً مباشراً وعلنياً، ويبرز الحلم في أغلب الأحيان على شكل رمز بمعنى أن الرغبات العدوانية، أو المحرمة، أو الجنسية غير المشروعة والمكبوتة في اللاوعي، كلها تظهر على شكل رموز في الأحلام، وبذلك يكون الحلم تحقيقاً لرغبة بشكل رمزي، أو هو تحقيق مقنع لرغبة ما (37).
وتتضح لنا رموز الرغبات المكبوتة في الحلم من خلال المثل الاتي:
حلمت «ن» أن أختها «م» تدخل تابوتاً وتبقى فيه.
يظهر التحليل النفسي، أن «ن» تكره أختها، ولديها رغبة مكبوتة في أن تراها ميتة، وقام الحلم بإشباع هذه الرغبة عندما حقق موت «م»، لأن تفسير الحلم يكون على أساس أن التابوت هو رمز للموت، ولا يدخله إلا الميت، ولما دخلته «م» وبقيت فيه، وعندما شاهدتها أختها «ن» على هذه الحال حققت رغبتها ورأتها ميتة.
فالحلم هو اللغة التي يعبّر فيها الفكر تعبيراً نفسياً إنه لغة نفسيّة فرديّة، وللحلم علاقة بالأحاسيس الخارجية، ويتعلق بالذكريات الغريبة، وبالمؤثرات الحسيّة، والخبرات السابقة للحالم، ويعمل المحلل على إخراج المعنى الكامن للحلم، ومن خلال تحويل هذا المعنى الكامن إلى ظاهر، وتتم هذه العملية من خلال: التكثيف، والإزاحة، والترميز (38).
ب ـ التكثيف
Page 9
التكثيف هو اندماج أكثر من صورة، وأكثر من فكرة ليكون المعنى صريحاً، والحلم فقيراً، ومكثفاً وموجزاً إذا ما قارناه بمحتواه الغني بالأفكار والصور، فكل عنصر من عناصر الحلم متعلق بأسباب كثيرة كامنة، وخفيّة، ويظهر تحليل حلم ما أنه يختزن رغبات كامنة (39).
ومثال على ذلك:
حلمت زوجة شابة بأنها اشترت قبعة سوداء.
توصل المحلل النفسي عند تفسيره هذا الحلم إلى أن الزوجة متعبة من زوجها الفقير، والمريض، وهي تتمنى موته في اللاوعي كي تتزوج الرجل الثري الذي أحبته قبل الزواج، وبذلك تستطيع أن تشتري ما يحلو لها، ورمز الرغبة في شراء ما تستطيع تمثل في ارتداء القبعة التي هي رمز للسيّدة الثريّة، وتمثّلت الرغبة في موت الزوج باللون الأسود للقبعة، والقبعة السوداء رمز للحداد، وكان التكثيف في صورة واحدة هي القبعة السوداء التي اختزنت أفكاراً شتى وصوراً متنوعة.
جـ ـ الإزاحة
الإزاحة هي الدافع الذي بواسطته تنفصل الشحنة الوجدانية عن موضوعها السوي العادي كي تتعلق بموضوع ثانوي، ومثال على الإزاحة:
حلمت «أ» أنها خنقت كلبها الأبيض الصغير.
ويفيدنا تفسير الحلم بحصول إبدال، انتقال، إزاحة، فالبغض انزاح عند الحالمة «أ» من صورة أخت الزوج إلى كلبها الأبيض الصغير، وتمت هذه الإزاحة بفعل الرقابة التي تتبدل بها المشاعر والانفعالات (40).
وتتنوع رموز الإزاحة في الأحلام، مثل: خلع السن، أو قص الشعر، أو فقء العين... كل هذه رموز ينزاح فيها الانفعال من مضمون كامن للحلم وهو الخصاء إلى هذا المضمون الصريح، وينتفع الكبت الجنسي من عملية الإزاحة هذه، فيتحقق في الأحلام إشباع ما لهذا الكبت.
إن الازاحة لها الدور المباشر في الأحلام عندما تمنع الإفصاح بشكل مباشر عن الرغبات المكبوتة، وتغير في شكل الخبر، وقص الحادث، ورواية الحلم... (41)
لعبت الإزاحة دورها في وضع الكلب مكان أخت الزوج لأن الأخلاق تمنع قتل هذه المخلوقة القريبة، أما التحريف الحاصل في المجريات فله هدفه، وهذا الهدف هو الإفلات من سلطة الرقابة، والتمكن من الإشباع، ولهذا جاء الحلم حلاً توفيقياً بين تمني الموت للمرأة، وبين مفعول المراقبة، ويمثل الحلم الحل الوسط، بين الرغبة، والأنا الأعلى (42).
د ـ الترميز
تعبّر الرغبة عن نفسها في الحلم في بعض الأحيان بشكل مباشر، كالعطشان الذي يحلم أنه يشرب، أو الجائع الذي يحلم أنه يأكل، ولكنها تتمثل في أغلب الأحيان بالرمز، فالحلم هو لغة رمزية، والرمز هو الذي يجعل الحلم صعب الفهم، وكثيرة هي الرموز التي تدخل لغة الحلم، وهناك رموز عامة تصطلح عليها جماعة من جماعات الجنس البشري، ومنها اللباس الأسود رمزاً للحزن، وتكون مهمة التحليل النفسي تتبع هذه الرموز خطوة خطوة، والقيام بتحليلها وردّها إلى ما ترمز إليه عند الحالم، وتتم ملاحقة هذه الرموز عن طريق الطلب من صاحبها أن يجري تداعيات حرة، وعندما نستطيع تفكيك رموز الحلم نكون قد استطعنا الوصول إلى اللاوعي واكتشفنا ما يختزن من عقد، وتكون الأحلام طريقاً من طرق تنفيس الكثير من العقد النفسية المسببة للعصاب (43).
ومثال على ذلك:
حلمت زوجة شابة بأنها اشترت قبعة سوداء.
توصل المحلل النفسي عند تفسيره هذا الحلم إلى أن الزوجة متعبة من زوجها الفقير، والمريض، وهي تتمنى موته في اللاوعي كي تتزوج الرجل الثري الذي أحبته قبل الزواج، وبذلك تستطيع أن تشتري ما يحلو لها، ورمز الرغبة في شراء ما تستطيع تمثل في ارتداء القبعة التي هي رمز للسيّدة الثريّة، وتمثّلت الرغبة في موت الزوج باللون الأسود للقبعة، والقبعة السوداء رمز للحداد، وكان التكثيف في صورة واحدة هي القبعة السوداء التي اختزنت أفكاراً شتى وصوراً متنوعة.
جـ ـ الإزاحة
الإزاحة هي الدافع الذي بواسطته تنفصل الشحنة الوجدانية عن موضوعها السوي العادي كي تتعلق بموضوع ثانوي، ومثال على الإزاحة:
حلمت «أ» أنها خنقت كلبها الأبيض الصغير.
ويفيدنا تفسير الحلم بحصول إبدال، انتقال، إزاحة، فالبغض انزاح عند الحالمة «أ» من صورة أخت الزوج إلى كلبها الأبيض الصغير، وتمت هذه الإزاحة بفعل الرقابة التي تتبدل بها المشاعر والانفعالات (40).
وتتنوع رموز الإزاحة في الأحلام، مثل: خلع السن، أو قص الشعر، أو فقء العين... كل هذه رموز ينزاح فيها الانفعال من مضمون كامن للحلم وهو الخصاء إلى هذا المضمون الصريح، وينتفع الكبت الجنسي من عملية الإزاحة هذه، فيتحقق في الأحلام إشباع ما لهذا الكبت.
إن الازاحة لها الدور المباشر في الأحلام عندما تمنع الإفصاح بشكل مباشر عن الرغبات المكبوتة، وتغير في شكل الخبر، وقص الحادث، ورواية الحلم... (41)
لعبت الإزاحة دورها في وضع الكلب مكان أخت الزوج لأن الأخلاق تمنع قتل هذه المخلوقة القريبة، أما التحريف الحاصل في المجريات فله هدفه، وهذا الهدف هو الإفلات من سلطة الرقابة، والتمكن من الإشباع، ولهذا جاء الحلم حلاً توفيقياً بين تمني الموت للمرأة، وبين مفعول المراقبة، ويمثل الحلم الحل الوسط، بين الرغبة، والأنا الأعلى (42).
د ـ الترميز
تعبّر الرغبة عن نفسها في الحلم في بعض الأحيان بشكل مباشر، كالعطشان الذي يحلم أنه يشرب، أو الجائع الذي يحلم أنه يأكل، ولكنها تتمثل في أغلب الأحيان بالرمز، فالحلم هو لغة رمزية، والرمز هو الذي يجعل الحلم صعب الفهم، وكثيرة هي الرموز التي تدخل لغة الحلم، وهناك رموز عامة تصطلح عليها جماعة من جماعات الجنس البشري، ومنها اللباس الأسود رمزاً للحزن، وتكون مهمة التحليل النفسي تتبع هذه الرموز خطوة خطوة، والقيام بتحليلها وردّها إلى ما ترمز إليه عند الحالم، وتتم ملاحقة هذه الرموز عن طريق الطلب من صاحبها أن يجري تداعيات حرة، وعندما نستطيع تفكيك رموز الحلم نكون قد استطعنا الوصول إلى اللاوعي واكتشفنا ما يختزن من عقد، وتكون الأحلام طريقاً من طرق تنفيس الكثير من العقد النفسية المسببة للعصاب (43).
Page 10
ثالثاً ـ نظريّة الليبيدو
يطلق مصطلح "الليبيدو" على مجموع الغرائز المكبوتة للطاقة النفسيّة، والمنصرفة لأي نشاط بدني ونفسي، والليبيدو هو الطاقة الراغبة، وهي متصورة على أساس حلقة من الدفعات، وتقع هذه الدوافع على المفترق الجسدي والنفسي، والدوافع لا تدرك حتى ولا توجد إلّا من خلال تأثيرين هما:
أ ـ المؤثر: وهو عبارة عن الرضى أو الرفض.
ب ـ التمثلات اللاواعية: وتعني أن يتمثل الشخص شيئاً في داخله ويبقى ذلك محفوظاً على هيئة آثار تذكّرية (44).
فالليبيدو هو تمثيل الممثل أي الدافع الغريزي، والدوافع الغرائزية هي عبارة عن الجسد الفيزيولوجي التشريحي، ولكنّه متمفصل حول وجود العالم الخارجي، وحول الاحتفاظ بوجوده الخاص، ومزود بشكل فكري من السيرورات الأوليّة التي تجهل الزمنيّة، ومن هذه السيرورات تأتي دوافع الغرائز التي هي عبارة عن ميول قادمة من (التحتوعي) أي من الهو، وتطالب بتحقيق حاجة معيّنة (45).
وعلى سبيل المثال:
يشعر الشاب (ب) بانجذاب نحو الشابة (ج) بدون أن يصرّح بانجذابه. نجد في هذا المثال أن الغريزة الجنسيّة هي الهو، والدافع هو ذلك التوجه لهذه الغريزة نحو تلك الشابة بذاتها، والكبت هو الامتناع عن التصريح، وحتى التفكير فيها، وعندها تنزلق هذه الرغبة إلى اللاوعي (46).
يعرّف فرويد مصطلح الليبيدو بأنّه معادل للطاقة النفسيّة عموماً، أو للطاقة النفسيّة المنصرفة في الغريزة الجنسيّة تحديداً:
«حين نميّز بين طاقة الليبيدو وبين كل طاقة نفسية أخرى، نفترض أن السيرورات الجنسية في العضوية تتميّز عن وظائف التغذية بكيماوية خاصة، وقد بيّن لنا تحليل الانحرافات، والأعصبة النفسية أن هذا التهيج الجنسي، لا ينبع فقط من الأجزاء التي تسمى تناسلية بل كذلك من سائر الأعضاء، وبذلك ننتهي إلى تصور كم ليبيدوي نسمي ممثله النفسي (ليبيدو الأنا)، وإنتاج هذا الليبيدو، وزيادته، ونقصانه، وتوزيعه، وتنقلاته، وهذه الحالات جميعها هي التي يفترض بها أن تمدنا بوسائل تفسير الظاهرات الجنسية النفسية" (47).
ويتابع فرويد شرح نظرية الليبيدو:
«إن ليبيدو الأنا لا يقع في متناول التحليل إلّا متى استحوذ على مواضيع جنسية فصار ليبيدو الموضوع، وعندئذٍ نراه يتركز على المواضيع، ويتثبت عليها، أو يهجرها إلى غيرها، ويتحكم من المواقع التي استولى عليها في النشاط الجنسي للأفراد، ويقود هذا النشاط في خاتمة المطاف إلى الإشباع أي إلى انطفاء جزئي ومؤقت لليبيدو... أما فيما يتصل بالليبيدو الموضوعي فيتبين لنا أنه انفصل عن مواضيعه وبقي معلقاً في حالة خاصة من التوتر ثم لا يلبث في نهاية الأمر أن يرتد إلى الأنا ليعود ثانية ليبيدو أنوياً، ونحن نطلق أيضاً الليبيدو الأنوي بالتعارض مع الليبيدو الموضوعي اسم الليبيدو النرجسي» (48).
إن حاجات الإنسان ورغباته يمكن أن ترد جميعها إلى غريزتين يشترك فيهما أفراد النوع الإنساني جميعاً، وهما: غريزة الحياة، وغريزة الموت أو العدوان، وبذلك يميز فرويد بين نوعين من الليبيدو:
أ ـ الليبيدو الإيروسي
الليبيدو الإيروسي هو النشاط الذي يؤكد معنى الحياة، ويدعم الذات، ويحافظ على الأنا، ويكون به التكاثر وممارسة الجنس، وتتضح معالم هذا الليبيدو الإيروسي في غريزة محافظة الإنسان على نفسه وعلى النوع الإنساني من خلال الكفاح في الحياة، وفي البناء، والإنشاء والخلق، ويحتضن هذا الليبيدو المركّب غرائز التماس الطعام، والغريزة الجنسية، وغرائز الدفاع والقتال والمقاومة (49)، وكل جهد يقدمه الإنسان من أجل الدفاع عن مبدأ ما، أو قضية ما، أو من أجل الابتكار، أو الاكتشاف، أو البناء، أو التعمير... إن كل هذه الجهود تكون مدفوعة بغريزة الحياة أي بالليبيدو الإيروسي أي الغريزة الجنسية التي لا تبزغ فجأة في سن البلوغ، وإنما تكون هذه الغريزة يقظة ونشطة وفعّالة منذ الميلاد، ولا تقتصر وظيفة هذه الغريزة على التناسل، وإنما تمتد وظيفتها لتصبح مرادفة لمفهوم الحب بأوسع معانيه. فهي تتضمن الحب الجنسي وما يهدف إليه من اتحاد جنسي، كما تتضمن حب الذات، وحب الوالدين والأولاد، وحب الأصدقاء، وحب الإنسانية جمعاء، هذا إلى حب الأشياء، والتعلق الحميم بالمبادئ، والأفكار والمعتقدات والمقدسات... فكل هذه الميول تعبّر عن غريزة واحدة، وبعبارة أخرى لم يقصر فرويد الغريزة الجنسية على الميول الجنسية النوعية بل جعلها تشمل إضافة إلى هذه الميول كل ألوان المودة والمحبة، والتقرّب، والتعلق بمختلف صوره، كما اعتبر الجنسية غريزة الحياة لأن الجنسية حب، ومودة، وعلاقات إنسانية، وتصدع الجنسية يعني الكراهية والتدمير أي يعني الموت النفسي والاجتماعي (50).
ب ـ الليبيدو الثاناتوسي
وهو النشاط الهدمي الذي يتجه بالحياة إلى اللاعضوية أي الفناء والموت، ويتوسل غريزة الموت والعدوان، وتبدو مظاهر هذه الغريزة في الهدم والتدمير والاعتداء على الآخرين وعلى أنفسنا (51).
إن الدوافع العدوانية هي دوافع غريزية موروثة، كالجوع والعطش يحتمهما التكوين العضوي للإنسان، ولذلك فهذه الدوافع العدوانية هي عامة بين البشر جميعهم على اختلاف حضاراتهم وعصورهم، وهذه الدوافع فطرية في بني آدم، فالإنسان يكره أخاه الإنسان بالفطرة، فوراء المحبة الظاهرة بين الناس عداء كامن مستور، وليست طيبة الإنسان إلا وهماً وخرافة، وما دام العدوان مظهراً لغريزة، فلا بدَّ أن يشبع كل وسيلة، ولذلك نجد أن الظلم من شيم النفوس، والإنسان لا يعتدي لمجرد دفع الأذى عن نفسه، أو لإزالة العقبات المادية والمعنوية التي تحبط دوافعه، وإنما يقوم بالعدوان لأن العدوان شهوة عنده تطلب لذاتها، فالعدوان في حد ذاته ما هو إلا غاية، ولا بدَّ أن يجد هدفاً ينصب عليه سواء كان هذا الهدف ظالماً أو مظلوماً (52).
يطلق مصطلح "الليبيدو" على مجموع الغرائز المكبوتة للطاقة النفسيّة، والمنصرفة لأي نشاط بدني ونفسي، والليبيدو هو الطاقة الراغبة، وهي متصورة على أساس حلقة من الدفعات، وتقع هذه الدوافع على المفترق الجسدي والنفسي، والدوافع لا تدرك حتى ولا توجد إلّا من خلال تأثيرين هما:
أ ـ المؤثر: وهو عبارة عن الرضى أو الرفض.
ب ـ التمثلات اللاواعية: وتعني أن يتمثل الشخص شيئاً في داخله ويبقى ذلك محفوظاً على هيئة آثار تذكّرية (44).
فالليبيدو هو تمثيل الممثل أي الدافع الغريزي، والدوافع الغرائزية هي عبارة عن الجسد الفيزيولوجي التشريحي، ولكنّه متمفصل حول وجود العالم الخارجي، وحول الاحتفاظ بوجوده الخاص، ومزود بشكل فكري من السيرورات الأوليّة التي تجهل الزمنيّة، ومن هذه السيرورات تأتي دوافع الغرائز التي هي عبارة عن ميول قادمة من (التحتوعي) أي من الهو، وتطالب بتحقيق حاجة معيّنة (45).
وعلى سبيل المثال:
يشعر الشاب (ب) بانجذاب نحو الشابة (ج) بدون أن يصرّح بانجذابه. نجد في هذا المثال أن الغريزة الجنسيّة هي الهو، والدافع هو ذلك التوجه لهذه الغريزة نحو تلك الشابة بذاتها، والكبت هو الامتناع عن التصريح، وحتى التفكير فيها، وعندها تنزلق هذه الرغبة إلى اللاوعي (46).
يعرّف فرويد مصطلح الليبيدو بأنّه معادل للطاقة النفسيّة عموماً، أو للطاقة النفسيّة المنصرفة في الغريزة الجنسيّة تحديداً:
«حين نميّز بين طاقة الليبيدو وبين كل طاقة نفسية أخرى، نفترض أن السيرورات الجنسية في العضوية تتميّز عن وظائف التغذية بكيماوية خاصة، وقد بيّن لنا تحليل الانحرافات، والأعصبة النفسية أن هذا التهيج الجنسي، لا ينبع فقط من الأجزاء التي تسمى تناسلية بل كذلك من سائر الأعضاء، وبذلك ننتهي إلى تصور كم ليبيدوي نسمي ممثله النفسي (ليبيدو الأنا)، وإنتاج هذا الليبيدو، وزيادته، ونقصانه، وتوزيعه، وتنقلاته، وهذه الحالات جميعها هي التي يفترض بها أن تمدنا بوسائل تفسير الظاهرات الجنسية النفسية" (47).
ويتابع فرويد شرح نظرية الليبيدو:
«إن ليبيدو الأنا لا يقع في متناول التحليل إلّا متى استحوذ على مواضيع جنسية فصار ليبيدو الموضوع، وعندئذٍ نراه يتركز على المواضيع، ويتثبت عليها، أو يهجرها إلى غيرها، ويتحكم من المواقع التي استولى عليها في النشاط الجنسي للأفراد، ويقود هذا النشاط في خاتمة المطاف إلى الإشباع أي إلى انطفاء جزئي ومؤقت لليبيدو... أما فيما يتصل بالليبيدو الموضوعي فيتبين لنا أنه انفصل عن مواضيعه وبقي معلقاً في حالة خاصة من التوتر ثم لا يلبث في نهاية الأمر أن يرتد إلى الأنا ليعود ثانية ليبيدو أنوياً، ونحن نطلق أيضاً الليبيدو الأنوي بالتعارض مع الليبيدو الموضوعي اسم الليبيدو النرجسي» (48).
إن حاجات الإنسان ورغباته يمكن أن ترد جميعها إلى غريزتين يشترك فيهما أفراد النوع الإنساني جميعاً، وهما: غريزة الحياة، وغريزة الموت أو العدوان، وبذلك يميز فرويد بين نوعين من الليبيدو:
أ ـ الليبيدو الإيروسي
الليبيدو الإيروسي هو النشاط الذي يؤكد معنى الحياة، ويدعم الذات، ويحافظ على الأنا، ويكون به التكاثر وممارسة الجنس، وتتضح معالم هذا الليبيدو الإيروسي في غريزة محافظة الإنسان على نفسه وعلى النوع الإنساني من خلال الكفاح في الحياة، وفي البناء، والإنشاء والخلق، ويحتضن هذا الليبيدو المركّب غرائز التماس الطعام، والغريزة الجنسية، وغرائز الدفاع والقتال والمقاومة (49)، وكل جهد يقدمه الإنسان من أجل الدفاع عن مبدأ ما، أو قضية ما، أو من أجل الابتكار، أو الاكتشاف، أو البناء، أو التعمير... إن كل هذه الجهود تكون مدفوعة بغريزة الحياة أي بالليبيدو الإيروسي أي الغريزة الجنسية التي لا تبزغ فجأة في سن البلوغ، وإنما تكون هذه الغريزة يقظة ونشطة وفعّالة منذ الميلاد، ولا تقتصر وظيفة هذه الغريزة على التناسل، وإنما تمتد وظيفتها لتصبح مرادفة لمفهوم الحب بأوسع معانيه. فهي تتضمن الحب الجنسي وما يهدف إليه من اتحاد جنسي، كما تتضمن حب الذات، وحب الوالدين والأولاد، وحب الأصدقاء، وحب الإنسانية جمعاء، هذا إلى حب الأشياء، والتعلق الحميم بالمبادئ، والأفكار والمعتقدات والمقدسات... فكل هذه الميول تعبّر عن غريزة واحدة، وبعبارة أخرى لم يقصر فرويد الغريزة الجنسية على الميول الجنسية النوعية بل جعلها تشمل إضافة إلى هذه الميول كل ألوان المودة والمحبة، والتقرّب، والتعلق بمختلف صوره، كما اعتبر الجنسية غريزة الحياة لأن الجنسية حب، ومودة، وعلاقات إنسانية، وتصدع الجنسية يعني الكراهية والتدمير أي يعني الموت النفسي والاجتماعي (50).
ب ـ الليبيدو الثاناتوسي
وهو النشاط الهدمي الذي يتجه بالحياة إلى اللاعضوية أي الفناء والموت، ويتوسل غريزة الموت والعدوان، وتبدو مظاهر هذه الغريزة في الهدم والتدمير والاعتداء على الآخرين وعلى أنفسنا (51).
إن الدوافع العدوانية هي دوافع غريزية موروثة، كالجوع والعطش يحتمهما التكوين العضوي للإنسان، ولذلك فهذه الدوافع العدوانية هي عامة بين البشر جميعهم على اختلاف حضاراتهم وعصورهم، وهذه الدوافع فطرية في بني آدم، فالإنسان يكره أخاه الإنسان بالفطرة، فوراء المحبة الظاهرة بين الناس عداء كامن مستور، وليست طيبة الإنسان إلا وهماً وخرافة، وما دام العدوان مظهراً لغريزة، فلا بدَّ أن يشبع كل وسيلة، ولذلك نجد أن الظلم من شيم النفوس، والإنسان لا يعتدي لمجرد دفع الأذى عن نفسه، أو لإزالة العقبات المادية والمعنوية التي تحبط دوافعه، وإنما يقوم بالعدوان لأن العدوان شهوة عنده تطلب لذاتها، فالعدوان في حد ذاته ما هو إلا غاية، ولا بدَّ أن يجد هدفاً ينصب عليه سواء كان هذا الهدف ظالماً أو مظلوماً (52).