Page 1
مقدمة
تهدف المحاولة البحثية بصورة محددة دراسة العالم السري لتطبيقات علم النفس الكبرى في مجال المخابرات· وأنه لأمر مشروع بالإدلاء بشهادة عن حسن أو سوء توظيف علم النفس· إن البحث في هذا المجال الغامض أو السري قد يثير تساؤل البعض: ما هي علاقة الباحث بالمخابرات؟ يحملني هذا السؤال للقول بصورة واضحة بأني لست عميلا أو جاسوسا أو متعاونا مع أي من المخابرات من قريب أو بعيد ولم أكن كذلك· ولكني أدرك الدور الهام الذي يقوم به علم النفس في مجال الاستخبارات· ويعتبر التجسس ثاني اقدم مهنة بعد الدعارة ولا أدري لماذا كانتا أقدم مهنتين على وجه الأرض· ويعتقد البعض مثلا، فولكمان (9 9 9 1) بأنها ثالث مهنة· وتكتسب السمعة السيئة الرديئة نفسها التي اكتسبتها المهنتان التاريخيتان السابقتان عليهما، كما قال أحد المؤرخين، فإن التجسس كان إحدى ثلاثة مهن بدائية ظهرت في بداية التجربة الإنسانية على هذا الكوكب: الشامان، والجاسوس والعاهرة· وتختلف مسألة تحديد أي من تلك المهن التي اكتسبت سمعة رديئة أكثر من غيرها باختلاف الآراء وليس هناك اختلاف في الرأي، مع ذلك، حول أي من المهن التي اكتسب سمعة أشد غموضا·
وهناك تسميات متشابهة لكلمة جاسوس في اللغات الأجنبية· فهي بالفرنسية ايسبيون، وبالإنجليزية سباي، وبالإيطالية سبيوني، وبالأسبانية ايسبيون ، وبالروسية شبيون ، وبالألمانية سبيون (مجموعة من المؤلفين، 1 9 9 1)· وفي اللغة العربية قد تستخدم تسمية المخبر أو العميل أو رجل الاستخبارات أو رجل المخابرات وهم كلهم جواسيس· ويأتي هذا الجاسوس أو الجاسوسة من كل أوساط المجتمع بمختلف طبقاته الاجتماعية ومستوياته التعليمية والمهنية والأخلاقية· قد يكون الجاسوس طالبا أو بروفسرا في جامعة، جنديا أو ضابطا في الشرطة، مراسلا أو وزيرا في وزارة، ممرضا أو طبيبا في مستشفى، نادلا أو مديرا لمطعم، مضيفا أو قبطانا في طائرة، عاملا أو مالكا لفندق، محررا أو مالكا لصحيفة، مذيعا أو رئيسا للتلفزيون، حارسا أو سفيرا في سفارة· قد يكون الجاسوس رئيسا لدولة وعميلا في نفس الوقت لمخابرات أجنبية · قد يأتي الجاسوس من أسرة مفككة مصدعة وقد يأتي من أسرة متماسكة ومحافظة اجتماعيا· قد يكون الجاسوس بدوام كلي أو جزئي وقد يكون عميل مزدوج، جاسوس مع بلده وجاسوس ضد بلده في نفس الوقت· وقد يكون الجاسوس ملحدا كافرا وقد يكون مؤمنا ورعا· قد تكون الجاسوسة سكرتيرة حسناء فائقة الجمال وقد تكون قبيحة لا تلفت الانتباه إلا بقبحها ربما تنفع لأعمال الستر أو التغطية· وقد تكون الجاسوسة مومس فاضلة تنفع لأعمال المناكحة المعلوماتية، وببراعة فائقة تصطاد فريستها· وقد يكون الجاسوس أبوك أو أمك، أخوك أو أختك، زوجك أو زوجتك، خالك أو عمك، صديقك أو زميلك، جارك أو رئيسك، وقد تدري أو لا تدري بأنه جاسوس أو جاسوسة شيطانا أو ملاكا· وقد يكون الجاسوس أنت الذي يقرأ هذا الكتاب فما يميزك من الصفات أعلاه ويا ترى لماذا أصبحت جاسوسا؟
ومع تشابه تسميات جاسوس في اللغات المختلفة هناك تشابه في ردود الأفعال نحو الجواسيس بالرغم من اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والمهنية والعلمية والأخلاقية· وحتى في هذه الأيام في وقت جعلت فيه مؤسسات التجسس الوطنية المتعددة عملية التجسس حقيقة راسخة، فإن كلمة الجاسوس ما زالت كلمة غير لطيفة· وهذا هو السبب الذي جعل مؤسسات التجسس تفضل أن تطلق على نفسها وكالة استخبارات· ومهما اعترفت الملاحظات الساخرة السياسية الحديثة بضرورة الحاجة إلى استطلاع متطفل على أفراد معينين في عالم محفوف بالأخطار، فإن التجسس ليس مهنة يفضلها الآباء لأبنائهم· صحيح جدا بأن هناك غموض وعقبات كبيرة أمام دراسة موضوع مستور ومحجوب يرتبط بتطبيقات علم النفس الميدانية أو العملية في عمل الجواسيس والمخبرين ولكن مع ذلك الستر والاحتجاب هناك أهمية لمحاولة المغامرة في دراسة هذا الموضوع الشائك· فهناك غياب لهذه العينة من الدراسات في المكتبة العربية· صحيح جدا بأن هناك بعض الكتب عن الحرب النفسية، وبعض الأفلام أو المسلسلات عن الجاسوسية، وبعض الروايات عن الجواسيس، وبعض التغطيات الصحفية عن موضوعات شتى عن عالم المخابرات· ولكن في حدود علم الباحث ليس هناك بحثا عربيا موضوعيا يعالج تطبيقات علم النفس في مجال المخابرات·
Page 2
يقع عالم التجسس بين الحقيقة الصعبة والخيال الغريب · عرفناه في شخصية لورنس العرب المحيرة والغامضة، وكذلك في شخصيات جون فيليبي وايليا كوهين ، ورأفت الهجان · وفي هذا المجال أخذتنا روايات أغاثا كرستي إلى عالم بوليسي ملئ بالأعمال القذرة يتجلى فيها بطل خارق يكشف عن المجرمين ، ويعمل كمحقق وعميل وجاسوس في آن واحد · وجاءت روايات الجاسوس ارسين لوبين لتظهر شخصية الجاسوس المحببة والذكية ، وكذلك روايات جيمس بوند التي انتقلت إلى السينما وذاع صيتها في جميع أنحاء العالم ، وبات العميل رقم 7 0 0 مثلا للصغار والمراهقين وموضع اهتمام الكبار وإعجابهم (بوست ، 0 9 9 1)· في تقديري، فإن جزءا هام من معركة اليوم السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية تقع في قلب عملية التجسس· وتبرز المعالجة السينمائية أو الروائية الممتازة لهذه الشخصيات وتوضح من غير شك الدور الكبير لعالم التجسس عامة· عموما كانت هناك زيادة في مساحة حرية المعالجة للأعمال السينمائية والروائية المرتبطة بموضوع المخابرات وذلك لأن هذه الأعمال تقدم الحقيقة بلغة أدبية وربما بقدر من الغموض والتمويه والإثارة· ولكن عندما يعالج موضوع الاستخبارات بصورة مكشوفة وعلنية من خلال أعمال أكاديمية أو مذكرات صارخة تقل مساحة الحرية المتاحة·
أدى انكشاف أجهزة الاستخبارات إلى اهتمام الرأي العام بها، وقد حاولت الحكومة البريطانية عبثا منع نشر كتاب صائد الجواسيس، وهو يتحدث عن مذكرات ضابط سابق من جهاز الاستخبارات يدعى بيتر رايت (بلاك وموريس، 2 9 9 1)، واستنفرت أجهزة الجمارك في المطارات والمواني البريطانية وبدأت عملية تفتيش لا مثيل لها للقادمين، وخاصة من أمريكا· فقد خرجت لندن عن وقارها المزعوم وديمقراطيتها العريقة لتشن حملة واسعة لكتاب صائد الجواسيس (القسوس، 8 8 9 1)· وتجاهلت إسرائيل هذا الدرس وحاولت عام 0 9 9 1 وقف نشر كتاب لضابط سابق في الموساد هو فكتور أوستروفسكي في الولايات المتحدة وكندا وفشلت أيضا · لا تستطيع المجتمعات الديمقراطية أن تصمد بثبات في وجه الضغوط من أجل محاسبة ومراقبة أجهزتها السرية، ويعتبر هذا صحيحا عندما تتوجه جهود الاستخبارات نحو مواطني الدولة وليس نحو الجيوش الأجنبية أو الجواسيس (بلاك وموريس 2 9 9 1)· ولكن مع هذه الضغوط الموجهة نحو الاستخبارات فلقد قام ماركس (9 7 9 1) بنشر أهم كتاب على الاطلاق عن استخدام المخابرات المركزية الأمريكية لعلم النفس وهو كتاب مرشح إنسان منشوريا وذلك في حدود المباح أو الحرية المقيدة في مراجعة بعض وثائق المخابرات· ولقد ذكرنا بعض لأنه تم رفض مراجعة البعض الآخر·
في تقديري، إن الحرب الحالية بين الأمم، خاصة المتقدمة أو الصناعية ستكون حرب معلومات أو حرب مخبرين أو حرب جواسيس، وليس حرب اقتتال وبندقية وكلاشنكوف في كل الأوقات· فكيف يا ترى يمكننا فهم هذه الحلقة الهامة من حلقات الصرع الدولي؟ بدأت الدراسات الأكاديمية، على حسب قول بلاك وموريس (2 9 9 1) تهتم بما عرف أنه الحلقة المفقودة التي بدونها لا يمكن فهم السياسة ولا الحرب ولا الدبلوماسية ولا العلاقات الدولية بشكل صحيح· وكانت الولايات المتحدة الرائدة في هذا المجال، وذلك على الرغم من انفتاحها الواضح في موضوع الاستخبارات· ومع ذلك فقد حدث تقدم معتبر في بلدان أخرى، ففي بريطانيا أشار بعض المؤرخين من أمثال كريستوفر أندرو أنه يمكن أن تحاط الأبحاث العميقة والأعمال الجادة ببعض القيود السخيفة والتافهة بحجة الأمن القومي· وهكذا تتزايد المؤتمرات الدولية والندوات والنشرات مثل بيروقراطيات الاستخبارات والأمن·
في القرن العشرين جرى نشر جيوش من الجواسيس خلال فترة من التاريخ تميزت بحروب مستمرة إلى حد كبير· وكلما كانت هناك حروب كان هناك جواسيس أيضا· ولو عرفنا أن الاتحاد السوفيتي استخدم أكثر من 0 0 0 0 0 3 جاسوس في ذروة قوته، وأن الولايات المتحدة استخدمت جيشا من الجواسيس أقل من هذا الرقم بقليل، فربما يمكننا أن نعرف مدى عمق جذور التجسس في بنية الحضارة الحديثة· وأطلق على هذا القرن في بعض الأحيان قرن الجواسيس والسبب في ذلك هو أن الرغبة الدائمة في الحصول على المعلومات عند الدول الصناعية الحديثة أوجدت جيوشا من الجواسيس الذين قاموا بمثل هذا الدور الحاسم في مجرى تاريخ العالم· وهناك بعض الجواسيس من كانت لأفعالهم تأثيرات دراماتيكية على التاريخ وهؤلاء هم الرجال والنساء الذين أثروا على نحو مباشر على مصير الإمبراطوريات والشعوب وحتى التاريخ نفسه (فولكمان، 9 9 9 1)· فيا ترى كم من الجواسيس العرب من كان له هذا التأثير؟ ربما لا يمكننا معرفة ذلك نتيجة لصعوبات البحث في العالم السري للمخابرات من جهة ومن جهة ثانية عزوف أو لامبالاه أو رفض علماء النفس العرب البحث السيكولوجي في هذا المجال الاستراتيجي· وبالرغم من استراتيجية هذا المجال و جوهريته أو لبابيته ينظر أحد علماء النفس العرب أنه من القشور
في محاضرة ألقيتها في جامعة العلوم والتكنولوجيا بالأردن ضمن فعاليات الفائزين بجوائز عبد الحميد شومان للباحثين العرب الشبان لعالم 6 9 9 1 تحدثت عن تاريخ علم النفس وعلاقته بالاستعمار، والحرب الساخنة والباردة، والمخابرات كمقدمة أساسية للمحاضرة تبرز مخالب علم النفس· وقد تم توجيه الدعوة إلى نخبة من علماء النفس في الأردن لحضور هذه المحاضرة· وكان رئيس الجلسة ومقدمي في المحاضرة هو د· عبد الرحمن عدس أحد علماء النفس الكبار في العالم العربي ، وأقوم أنا شخصيا بتدريس كتبه لطلابي في علم النفس بالجامعة· وقد قرأ عبد الرحمن عدس ورقتي الموسومة مأزق علم النفس في العالم العربي قبل المحاضرة ، وقدمني لهذه النخبة المختارة من علماء النفس بالأردن بنبرة بدت عندي غاضبة قائلا إذا جاز لي في عجالة بسيطة ، الدكتور - عمر الخليفة - يري أن علم النفس في العالم العربي في مأزق فهو خرج عن الأصول واهتم بالقشور ولقد فهمت من قول عدس أن الحديث عن الاستعمار، والحرب الساخنة والباردة، والمخابرات وعلاقة ذلك بعلم النفس أنه من القشور والسؤال الذي تبادر إلى ذهني منذ تلك المحاضرة وإلى الآن هو : أين اللباب في علم النفس ؟ هل يا ترى هي الاكتفاء بكتابة مداخل إلى علم النفس ؟ والحديث المكرور لدرجة الرتابة، والملل، والسأم ، والضجر في هذه المداخل و المقدمات، والأسس عن ماهية علم النفس، والأسس البيولوجية للسلوك، وعلم النفس التطوري، وطبيعة التعلم ، والتذكر والنسيان ، والإدراك ، والدافعية، والتفكير واللغة، والذكاء والقدرات الخاصة ، والشخصية ، وفهم النفس أو الذات ، وعلم النفس الاجتماعي ، والعلاج النفسي· في تقديري، إن الحصر الضيق لعلم النفس سيئ بالنسبة لتطوره وللنظرة الاستراتيجية لتطبيقاته بمخالب حادة·
قد يرفض بعض علماء النفس العرب تقبل الفكرة القائلة بالتزاوج بين الاستعمار وعلم النفس، وبين الحرب وعلم النفس ، وبين المخابرات وعلم النفس · ولكن مهما كان الرفض فهناك علاقات شائكة التداخل، ومعقدة التفاعل بين هذه القوى · إذ تحتاج هذه العلاقات لملاحظة فاحصة لتحديد مخالب علم النفس وتحتاج لقراءة ناقدة لكشف الحساب ، ولشحن أو لتعزيز فيض من الذكريات لأخذ الدروس والعبر منها · ويمكن القول بأن روح الاستعمار والإمبريالية ذات المخالب الحادة قد سرت في أوردة وشرايين علم النفس، وأن عظمة وعملقة علم النفس تقف من خلفها المخابرات بدعمها السخي لتطور مفاهيمه ، ونظرياته ، ومناهجه، وتقانته لكي يكون أكثر حدة في مخالبه· فيا تري متى يصل علماء النفس العرب إلى تلك النقطة المحددة التي يقبلون فيها سوء استخدام علمهم بواسطة رفقائهم من علماء النفس في جزء آخر من العالم ؟ والسؤال المحير هو كيف نقرأ وندرس ونبحث في علم النفس دون الإحساس بهذه السيطرة ؟ مع العلم بأن الإحساس باب هام من أبواب علم النفس العام ! أو دون الإحساس بعملية التحكم مع العلم بأن هناك ثلاثة أهداف مركزية لعلم النفس من بينها الضبط أو التحكم وإنه لأمر عجب ، إذ أن كبرياء بعض علماء النفس العرب مثل عدس لا تود أن تجرح علم النفس الغربي بأي مخالب، مع أن اسكنر نفسه عبر عن تجريح مخالب علم النفس لحرية وكرامة الإنسان، وحسب تعبيره أن الناس قد تم التلاعب بهم · ويعترف عالم الإنسان مالينوسكي قائلا وبعد عشرين عاما من العمل الانتروبولوجي وجد نفسه كما كانت ، في موقفها الخاص ، بمحاولة لدراسة الإنسان بطريقة تسئ للانسان، تجرح إنسانيته، تماما كما جرحت الفيزياء والكيمياء والطبيعيات الطبيعة في السنوات السابقة (لكلرك، 0 9 9 1)· إن المحاولة الهروبية لدفن الرؤوس في الرمال من عدم المواجهة ، أو النظرة البريئة الوديعة لتطبيقات علم النفس، والقول بأنه علم طاهر، وعفيف، ونقي، وتقي، هي من العوامل التي حولت علم النفس في العالم العربي لكي يكون بلا لون، وبلا رائحة، وبلا طعم وفوق كل ذلك بلا مخالب·
Page 3
صعوبات البحث السيكولوجي في مجال المخابرات
هناك عددا من الصعوبات التي تواجه الباحث في دراسة موضوع شائك مثل علم النفس والمخابرات ويرجع السبب بصورة أساسية لسرية عمل الاستخبارات· فهذه الصعوبة ليست في العالم العربي فحسب وإنما في الغرب كذلك· فمساحة المكشوف من عالم المخابرات هو ضئيل تحت القيود الأمنية الصارمة في أجهزة المخابرات· وربما تكون تطبيقات علم النفس في مؤسسات الدفاع بعيدا عن الأجواء الأكاديمية التقليدية في الجامعات· وغالبا لا تنشر تقارير أنشطة علم النفس في الأغراض الدفاعية· مثلا، في إسرائيل هناك قسم خاص للأبحاث السيكولوجية في قوات الدفاع الإسرائيلية قام بإجراء أبحاث واسعة عن كثير من الجوانب السيكولوجية للجيش· وتشبه هذه الوحدة في أنشطتها المؤسسات الشبيهة للقوات المسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية· وليس من السهولة معرفة نوعية الأبحاث التي تجرى في هذه الوحدة· وكما عبر عالما النفس الإسرائيليين بن عري وعمير (6 8 9 1) أنه لأسباب واضحة ، ليس من الممكن توضيح نوعية الأبحاث السيكولوجية التي تجرى في هذه الوحدة ويضيف مائير هاميت رئيس الموساد هناك أمور من الأفضل أن تظل سرا كما كانت
عندما بدأت الشروع في كتابة هذه المحاولة البحثية شعرت بأن هناك جوانب معاصرة هامة لتطبيقات علم النفس في المخابرات أريد أن أعالجها ولكن لم أجد المادة الكافية لذلك· لقد اتصلت بعدة أقسام في الرابطة النفسية الأمريكية وبعدة علماء نفس عن توجيهي ببعض المراجع أو الأبحاث المتعلقة بتطبيقات علم النفس في مجال المخابرات· ولم يستجب إلا واحد من هؤلاء العلماء من جامعة القديس جون بنيويورك قائلا لا أعرف أي مصدر لتطبيقات علم النفس في المخابرات وكررت عملية الاتصال كذلك بمجموعة أخرى من علماء النفس ولكن لم أجد رد· وربما يرجع السبب لسرية هذه التطبيقات وعدم التحدث عنها جهرا أو طلبها بصورة مكشوفة كما فعلت· أو ربما لم تكن لهؤلاء معلومات عن تطبيقات علم النفس في المخابرات وتبعا لذلك ربما أكون اتصلت بالأفراد الخطأ· ولقد اتصلت كذلك ببعض علماء النفس في بريطانيا ولقد استجاب أحد أساتذة علم النفس المتقاعدين في رسالة مختصرة· لقد تخرج هذا الأستاذ من جامعة كيمبردج وعمل في معملها الشهير الذي أجريت فيه بعض الأبحاث في المستعمرات البريطانية· وكان مجموعة من طلاب هذه الجامعة خاصة الموهوبين منهم من تم تعينهم في أجهزة المخابرات البريطانية·
يقول بروفسر ماركس الرئيس السابق لقسم علم النفس في جامعة نيوكاسل ببريطانيا في رسالته لي بأن هناك كتب و أوراق بحثية كثيرة تعالج جوانب مختلفة في مجال الاستخبارات والتجسس· ولكن لا أعرف أي مصدر يمكن أن يقدم تغطية شاملة للموضوع الذي طلبته· وربما يكون اقرب كتاب هو انعكاسات عن المخابرات لمؤلفه ر· جونس· بالنسبة للدول المفتوحة كدولتنا- بريطانيا- من المدهش بأن الجزء الذي يمكن التقاطه من الدراسات الموجودة في المصادر المفتوحة هو المطبوعات التقنية والعامة· ومعظم هذه الموضوعات تم تلخيصها في دورية عروض الدفاع العالمي وأسبوع الطيران والثانية مجلة أمريكية· ولكن الموضوع الذي تسأل عنه وهو المخابرات السرية إنه شيء آخر يمتد من أخذ ميزات من اللامبالاه أو الإهمال العام للبشرية- وهي سمة عالمية ، وفك الشفرات وهي من تخصص الخبراء· إن الرسالة التي بعث بها بروفسر ماركس لم تعطي أي معلومات عن الموضوع الذي طلبته وهو تطبيقات علم النفس في مجال المخابرات
Page 4
ومن الصعوبات الأخرى في دراسة موضوع علم النفس والمخابرات ليست هناك أقسام علم نفس في الجامعات الغربية تدرس علم النفس الاستخباراتي كما ليست هناك مراجع تتضمن تطبيقات علم النفس في المخابرات وليس هناك متخصصين معروفين لهم اهتمام بهذا المجال في الجامعات كما لا تنشر مقالات أو أبحاث عن علم النفس والمخابرات في الدوريات العالمية أو الاقليمية· ولكن أحيانا تنشر بعض المواد السطحية في النشرات الاخبارية التي تصدرها بعض الجمعيات والروابط السيكولوجية مثل نشرة مونتار التي تصدرها الرابطة النفسية الأمريكية· كما تنشر بعض الموضوعات ليست ذات الصلة الكبيرة بالموضوع في عروض الدفاع العالمي أو في الصحف اليومية والمجلات غير المتخصصة· وربما يكون هدف الأخيرة الإثارة أكثر من عملية عرض أبحاث جادة أو تطبيقات عملية· كما لا تعرض أبحاث عن علم النفس والاستخبارات في المؤتمرات العالمية لعلم النفس· وليس هناك قسم عن علم النفس المخابراتي في الرابطة النفسية الأمريكية، إنما هناك أقسام قريبة من هذا المجال مثل قسم علم النفس الحربي وعلم نفس السلام، وعلم النفس السياسي نريد أن نقول بذلك ليست هناك مصادر متاحة لدراسة موضوع علم النفس في مجال المخابرات·
ومن الصعوبات الأخرى التي تواجه الباحث في دراسة الاستخبارات فإن الإثباتات التاريخية الأخرى، على حد قول بلاك وموريس (2 9 9 1)، فهي إما جزئية أو لا يتكل عليها، مثل المذكرات الشخصية التي تعاني من الرقابة الذاتية ومن طبيعة الإنسان في خدمة ذاته· إن الرجال المسنين ينسون كثيرا، أما الشباب الذين يتمتعون بذاكرة جيدة فتقف لهم الرقابة الرسمية بالمرصاد· تعتبر رحلة جون لوكاريه القصيرة إلى الشرق الأوسط في رواية البائعة المتجولة أفضل معالجة للاستخبارات الإسرائيلية وحربها المستمرة ضد الفلسطينيين، وكذلك رواية عملاء البراءة للكاتب الأمريكي ديفيد اغناطيوس التي تتحدث عن الموضوع نفسه أيضا· لكن هذه الروايات الناجحة وغيرها من الكتابات العبرية، الأقل شيوعا، والتي لم تترجم إلى اللغات الأخرى، تعتبر استثناءات· لقد اعتبرت رواية عملية سفينة اليورانيوم مثلا عن قصة حقيقية كيف تمكن فريق من العملاء الإسرائيليين من خطف سفينة محملة باليورانيوم عام 8 6 9 1، وذلك لاستخدامها في البرامج النووي السري في بلادهم، ويظهر غلاف الكتاب بتشويق ظاهر أن الفريق يضم عميلا وسيما قديرا قاسيا، وامرأة جميلة بمهارات جنسية ظاهرة، وقاتلا محترفا، وقبطانا بحريا، وميكانيكيا متمرسا وعبقريا باستطاعته صنع المعجزات من كل ما هو معدني، وغيرهم من نخبة العلماء والجواسيس الإسرائيليين، وشبكة واسعة من العملاء في سائر أنحاء العالم
لقد نتج عن النزاع العربي الإسرائيلي أبطال يعود ظهورهم إلى الخيال وليس إلى الواقع· وبذلك تصعب مقارنة العالم الحقيقي الواقعي مع هذه الروايات، ومع ذلك فإن الحقيقة ليست أغرب من الواقع، ولكنها أكثر تعقيدا· فلكل عميل سري شخص يشرف عليه، ولكل مشرف رئيس، ورؤساء الاستخبارات مسؤولون أمام الوزراء الذين يفكرون بالموازنة والرأي العام والانتخابات· ويتكرر في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية موضوع: كيف يتدخل السياسيون في العالم السري، وكيف يمارسون سلطاتهم، ثم كيف يتهربون من المسئولية عندما تسير الأمور باتجاه خاطئ (أنظر بلاك وموريس، 2 9 9 1)·
Page 5
ووجه آخر من أوجه صعوبة دراسة تطبيقات علم النفس في المخابرات صعوبة إجراء مقابلات علنية مكشوفة مع علماء النفس الذين تعاونوا بصورة كاملة أو جزئية مع المخابرات· وربما يدلي البعض بعد سن التقاعد بمعلومات جزئية في حدود الرقابة المتاحة ويرجع ذلك كما ذكرنا سابقا لطبيعة المهنة التي تتطلب السرية· يقول رايت (8 8 9 1) تتصف مهنة المخابرات بالعزلة· ولاشك بأن هناك صداقات حميمة، ولكن في النهايات تبقى وحيدا مع أسرارك· تعيش وتعمل في قمة مموهة من الاثارة، بالاعتماد دائما على زملائك· وعليك أن تتحرك دائما، أما نحو فرع جديد أم قسم جديد، أو حتى نحو عملية جديدة· وكلما تحركت من جديد فإنك ترث أسرارا جديدة تؤدي إلى فصلك عن أولئك الذين عملوا معك في السابق· أما الاتصال، خاصة مع العالم الخارجي، فإنه يكون عادة عرضيا، طالما أن جزء من نفسك لا يمكن أن تشارك به الآخرين· ولهذا السبب فإن أجهزة الاستخبارات هي أكثر الأجهزة قدرة على استغلال الإنسان· وهذه الصفة ملازمة لطبيعة المهنة ذاتها، وكل من ينضم للعمل يعرفها·
إن عنوان هذه المحاولة البحثية هو علم النفس والمخابرات وسوف تكون المشكلة التي أمامنا هي مشكلة واو العطف ولكن سوف نعالج طبيعة العلاقة بين ما هو علم نفس من جهة وما هو مخابرات من جهة ثانية مع محاولة الربط بين الموضوعين· لعلنا نتساءل هل أثر علم النفس في المخابرات أم أثرت المخابرات في علم النفس؟ فيا ترى ما هو السبب وما هو العرض؟ وقد يتداخل في هذه الدراسة ما هو علم نفس وما هو مخابرات مع السياسة أحيانا وأحيانا أخرى مع العلاقات الدولية أو الإعلام أو الطب النفسي· ويرجع سبب التداخل لتعقيد الموضوع المدروس وعلاقته الشائكة مع كثير من العلوم· ومشكلة أخرى تواجهنا في الدراسة هي مشكلة نوعية اللغة المستخدمة، فربما نستخدم لغة علمية صارمة عندما نتحدث عن علم النفس ولكن في بعض الأحيان ربما نستخدم لغة أقل صرامة تنسجم مع عالم المخابرات أو التجسس· وإن طبيعة بعض المصادر التي اعتمدنا عليها ربما تحدد نوعية اللغة المستخدمة· هناك نقطة هامة لقارئ الكتاب لابد من ذكرها· إن بعض الاقتباسات الواردة في متن الكتاب لا تعبر إلا عن أصحابها ولا دخل للمؤلف فيها إلا من باب الاستشهاد لما ورد في النص· ونقطة أخرى بأن الكتاب هو أو ل محاولة لتغطية موضوع علم النفس والمخابرات في المكتبة العربية وبذلك تكون هذه العينة من المحاولات محفوفة بالمخاطر· وتبعا لذلك قد يكون بالكتاب بعض الجوانب ضعيفة وبعض الجوانب ثمينة وربما تكون العبرة أكثر بالجوانب الثمينة· ومهما يكن فالمحاولة البحثية مجرد اجتهاد قابلة للصواب كما قابلة للخطأ أيضا·
يبقى أن تستخلص مما سبق بأن هناك عدة تساؤلات تتعلق بدراسة تطبيقات علم النفس في الاستخبارات: ما هي أكثر جوانب علم النفس المطبقة في مجال المخابرات؟ ومن يصدر القرارات بخصوص تطور أو تطبيق علم النفس للأغراض الدفاعية أو المخابراتية؟ و هل هناك تدخل حقيقي لعلم النفس أو علماء النفس في عمل أجهزة المخابرات؟ وما هو دور علم النفس في الصراع العربي الإسرائيلي؟ ومن هم علماء النفس المتعاونين مع المخابرات في المجالات الاستشارية أو البحثية؟ وكيف يتم اختيار هؤلاء العلماء العملاء أو الجواسيس؟ وما هي الجامعات ومراكز الأبحاث المتعاونة مع المخابرات؟ وما هي مصادر التمويل بالنسبة للأبحاث المطبقة في العمليات السرية أو الميدانية للمخابرات؟ وما هي الحدود الأخلاقية لتطبيقات علم النفس؟ وما هي علاقة تمويل البحث في مجال تطبيقات علم النفس في الاستخبارات وبين تطور علم النفس كعلم نظري وتطبيقي؟ وبوسعنا التساؤل: كيف يتم الحصول على المعلومات الدقيقة والموضوعية والهامة من قبل أجهزة المخابرات في العمليات الميدانية المتعلقة بالاغتيالات، أو التخريب أو الاختطاف، والتغلغل في مراكز القرارات الحساسة في الدول المختلفة؟ وهل فعلا هناك تأثير قوي لهذه العالم السري في دنيا السياسة والدبلوماسية والعلاقات الدولية؟ أم أن موضوع علم النفس والمخابرات هو من القشور على حسب تعبير عبد الرحمن عدس؟ وهل إدراك عدس كان إدراكا صحيحا أم إدراكا خاطئا؟
Page 6
مفارقات في تطبيقات علم النفس
يعتمد البحث الحالي على النظرة القائلة بأن واحدا من أهم جوانب التطبيقات العالمية لعلم النفس وضوحا هو المفارقة بين عملية التطبيق بالجملة ، والتطبيق بالقطاعي وبـ المخالب الحادة وباللامخالب وتعني العملية الأولى الاستخدام الأشمل أو الأوسع أو الأكبر لعلم النفس في السياسة الدولية ، وخاصة في الاستعمار والحرب الباردة بقصد التحكم، واستخدامه في المخابرات بصورة خفية ومستورة ، بينما تعني الثانية الاستخدام الأصغر لعلم النفس في المجال التربوي ، والعلاجي ، والمهني · وتبعا لهذا التعريف يبدو أن علماء النفس في الغرب في حالة من الاستعداد المهني لتطبيق علم النفس بفعالية بالجملة (الماكرو) ، وبالقطاعي (المايكرو) على السواء · وبتعبير آخر ، فأنه استخدام مزدوج يقوم بكلا الدورين ، أو يلعب على الحبلين بصورة واعية وهادفة · لذلك كانت نتائج علم النفس في الغرب أكبر من طموحاته لأنه يقوم بأداء كل من الفرائض ، والنوافل بجدة · وبالمقابل ربما يمكن القول بأن هناك عدم تهيئة نفسية لعلماء النفس في العالم العربي بتطبيق علم النفس بفعالية حتى على مستوى القطاعي (المايكرو) أو لا يقوم علم النفس بأداء حتى النوافل بوجهها الأكمل · وتبعا لعدم التهيئة النفسية لم ينجح علم النفس في العالم العربي بتحقيق طموحاته المذكورة في مقدمات كتبه وهي: الفهم، والتنبؤ، والتحكم ·
وجانب ثاني من جوانب المفارقة هو محاولة علماء النفس العرب شرنقة علم النفس داخل قوقعة صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع ، وهذه الشرنقة جعلت علماء النفس العرب يتعرضون أكثر من أي مجموعة أخرى من علماء النفس في العالم لعملية غسيل الدماغ بعلم النفس نفسه ، مما عزز زيادة التهميش وتعميق الهزائم النفسية في العالم العربي · ومن جهة أخرى ، ساعدت هذه الرؤية الضيقة والتقليصية لعلم النفس على حصول انتصارات لصالح قوى تعرف كيف تطبق علم النفس بصورة فائقة الفائدة · وجانب ثالث من جوانب المفارقة في تأسيس علم النفس بأن وزارات الدفاع وأجهزة المخابرات في الدول الغربية هي التي تصدر القرارات أو تبادر بتطور علم النفس وتطبيقاته في مجال الاختيار والتدريب وتمول الأبحاث للأغراض الدفاعية الكبرى ويختار لها أكفاء علماء النفس وأعرق الجامعات ومراكز البحوث بينما لا علاقة واضحة لعلم النفس في العالم العربي بأغراض الدفاع ولا ندري إذا كانت هناك مخابرات عربية واحدة تقدم بحثا لتطور علم النفس أو لتطبيقاته· أو حتى تعين علماء نفس كاملي الدوام أو تستقطب علماء وجواسيس من أقسام علم النفس·
وجانب رابع من جوانب المفارقة هو ممانعة علماء النفس في الغرب من الالتزام بالمعايير الأخلاقية لتطبيقات علم النفس وتبعا لذلك يتم تطبيقه في كثير من الأحيان بصورة إجرامية، وتسامح علماء النفس العرب بمراعاة هذه المعايير وتطبيق علم النفس بصورة قديسية · وفي هذا الجانب أقتبس ما عبر عنه اسكنر بقوله إن تكنولوجيا السلوك تعتبر من الناحية الأخلاقية محايدة ويمكن استخدامها من جانب المجرمين أو القديسين · وبكلمات أخرى ، إن رؤية الشفقة والرحمة لدى علماء النفس العرب تقابلها في أحايين كثيرة رؤية القسوة والعدوانية عند علماء النفس في الغرب · ولكي نفهم طبيعة العلاقة بين التطبيق بالجملة ، والتطبيق بالقطاعي هناك أهمية لتتبع تاريخ علم النفس الضارب بجذوره العميقة في الاستعمار، خاصة ارتباطه بالامبراطوريتين : الألمانية ، والبريطانية · ويعتمد البحث على النظرة القائلة بأن مفاهيم ونظريات ومناهج علم النفس بلغة أنثروبولوجية ، هي عبارة عن أسلاف غائرة في الاستعمار ، وبلغة نباتية، أن زهرة علم النفس المعاصرة تقف على جذور شجرة عميقة في الامبريالية · وهناك أهمية بأن ندرس طبيعة الحلف بين علم النفس وعلم الانسان وتهليلهما للتحكم والسيطرة وزيادة قبضة الغرب على اللاغرب · إن هذا التهليل ساعد على تعزيز مخالب علم النفس بصورة حادة ومبرمجة واستراتيجية لكيما يستعمر ، ويأمبر بصورة غائرة · لذلك لا بد من سبر هذه الأغوار الاستعمارية، والجذور الامبريالية لمخالب علم النفس·
أولا بوسعنا القول أنه من غير قراءة عميقة غائصة في تاريخ علم النفس وتأسيسه البحت في ألمانيا ، وتأسيسه التطبيقي في بريطانيا ، وتطوره التعلمي الكلاسيكي في روسيا ، وارتقائه الإمبريالي لقمة إفرست في امريكا ، سوف نفشل في تحديد علاقة علم النفس الاستراتيجية بالحرب الباردة ، وهو هدف مركزي للدراسة الحالية· وثانيا بوسعنا القول كذلك بأنه من غير قراءة ذكية لعلاقة علم النفس بالمخابرات البريطانية والأمريكية، ولأبحاث غسيل الدماغ، والقياس النفسي، والتنويم المغناطيسي، والباراسيكولوجيا، وتقانة التجسس، والحرب النفسية، ومعرفة القوة الخفية وراء تمويل هذه الأبحاث سوف نفشل في فك شفرة من شفرات مخالب علم النفس في استخدامه المستور في المخابرات· وثالثا بوسعنا القول كذلك انه من غير قراءة موسوعية لمعرفة دور مخالب علم النفس في إطار العلاقات العربية الإسرائيلية من خلال معرفة مخالب علم النفس في اختيار وتدريب الجواسيس، وكيفية صياغة الحرب النفسية، وتنظيم العمليات الإرهابية، واستغلال الجمعيات العالمية السيكولوجية، وتنميط الشخصية العربية، والإغتيالات بواسطة الموساد سوف نفشل في وعي أو تشخيص بعض أسباب الهزائم النفسية أمام إسرائيل بمخالب حادة· ورابعا بوسعنا القول أنه من غير قراءة دقيقة لأهداف علم النفس كما هي في كتب المقدمات، ومعرفة بعض قضايا البحث السيكولوجي في العالم العربي سوف نفشل في تحديد ما لمقصود بالتحكم بالقطاعي واللامخالب في علم النفس وهو هدف مركزي للدراسة الحالية· وسوف تكون رؤيتنا في هذا الكتاب رؤية تاريخية في مجملها ترتبط بـ تاريخ علم النفس لكي نؤكد لعبد الرحمن عدس ونحدد كما نفصل الاثباتات التاريخية لعلاقة علم النفس بالاستعمار والحرب الساخنة والباردة وبالمخابرات·
Page 7
علم النفس والاستعمار في ألمانيا
يعتبر فونت الأعلى مقاما في تاريخ علم النفس ، وهو أول شخص ، من غير تحفظ يمكن أن يطلق عليه عالم نفس فقد قام بإنشاء أول معمل لعلم النفس في مدينة لايبزج عام 9 7 8 1 وهو العام الذي يؤرخ به انفصال علم النفس عن الفلسفة· وكتب فونت في بداية اهتماماته علم النفس التجريبي ، ومن ثم علم النفس الاجتماعي، وماوراء الطبيعة العلمية· ولقد أكد فونت أن العمليات العقلية العليا إنما تدرس عن طريق دراسة الإنسان الطبيعي عن طريق علم النفس الشعبي (بورنج ، 7 5 9 1) ، ونتيجة لذلك لقد كتب في السنوات الأخيرة من حياته عدة مجلدات عن علم النفس الشعبي أو الفلكلوري · ويذكر فونت أن العمليات النفسية الفردية يمكن دراستها في المعمل بينما النماذج الثقافية لا يمكن أن تدرس في المعمل ( كيم وبري ، 3 9 9 1) · وتبعا لذلك فقد أدرك فونت أن المنهج التجريبي في علم النفس مناسب لبحث العمليات العقلية الأساسية ، ولكنه غير مناسب لدراسة الظواهر التي تتأثر بالثقافة (بري ، 3 9 9 1) ، ولقد بين بذلك أوجه قصور المنهج التجريبي (دانزقار ، 3 8 9 1) ، ومن ثم أشار إلى أن التفكير يتأثر بصورة كبيرة بمجال اللغة ، والعادات ، والأساطير ، وهي مجالات لعلم النفس الثقافي أو الفلكلوري (دانزقار ، 9 7 9 1)· في أثناء الحرب العالمية الأولى قال فونت بأن العقل الجمعي في ألمانيا هو أرفع مقاما من العقل الجمعي للأعداء· ويؤكد المجتمع الألماني على البطولة ، والواجبات ، والمثل الروحية (كندلر، 8 7 9 1) · من ناحية تاريخية ، فقد ارتبط إنشاء علم النفس الشعبي، أو علم النفس الفلكلوري لدراسة المجتمعات البدائية ارتباطا وثيقا بإنشاء الانثروبولوجيا ·
عرفت الانثروبولوجيا حوالي عام 0 6 8 1 طفرة جديدة ، تعتبر في الواقع بداية هذا العلم (لكلرك ، 0 9 9 1) · فبين عامي 0 6 8 1 - 0 8 8 1 ظهرت معظم مؤلفات المدرسة التطورية : ومنها حق الأمومة لباخ أوفن ، والقانون القديم لماين عام 1 6 8 1 ، كما ظهر عام 5 6 8 1 كتاب لتيلور بعنوان أبحاث في التاريخ المبكر للجنس البشري ، اتبعه عام 1 7 8 1 بكتابه المجتمع البدائي ، هذا إلى جانب كتاب مورغان عن نظم القرابة عام 9 6 8 1 وكتابه عن المجتمع القديم عام 7 7 8 1· وعلم الإنسان ، على حسب قول ادوارد سعيد (7 9 9 1) ، هو أكثر العلوم الاجتماعية تواشجا بالاستعمار ، إذ كثيرا ما قدم علماء الإنسان والأصول العرقية المشورة والنصح للحكام الاستعماريين حول عادات الشعوب الأصلانية وأعرافها ومسالكها · وتنتمي مجموعة المقالات الممتازة التي حررها طلال أسد عام 3 7 9 1 وعنوانها علم الإنسان والمواجهة الاستعمارية، الصلات إلى ما هو أبعد من ذلك · ويتحدث معظم مؤرخي الامبراطورية عن عصر الامبراطورية بوصفه يبدأ رسميا حوالي عام 8 7 8 1 ، مع التزاحم بالمناكب لامتلاك أفريقيا · وازدهر علم الاجتماع (بإلهام من لو بون) ، وعلم النفس (الذي دشنه ليوبولد دو سوسور) ، والتاريخ ، وعلم الانسان طبعا، في العقود التالية لعام 0 8 8 1، وتوج العديد منها بمؤتمرات استعمارية عالمية (9 8 8 1 ، 4 9 8 1 ، الخ) أو بجماعات محددة (كالمؤتمر العالمي لعلم الاجتماع الاستعماري عام 0 9 8 1، ومؤتمر علوم الأعراق الوصفية في باريس عام 2 0 9 1) ·
Page 8
وفي ألمانيا ، تمت دراسة علم النفس المناسب والذي يتطابق مع المشاريع الاستعمارية مباشرة بعد انفصال علم النفس عن الفلسفة عام 9 7 8 1· ولقد ركزت بعض الأبحاث السيكولوجية المبكرة على توظيف الإمبراطورية الألمانية لعلم النفس وخاصة علم نفس الأعراق البشرية (بروبست ، 6 9 9 1) · وعندما انتقدت سياسة ألمانيا في المستعمرات ، حاول السكرتير الاستعماري للدولة إحداث إصلاح من خلال استخدام وسائل محافظة أكثر من الوسائل المدمرة (قروندر ، 5 8 9 1) ، وتبعا لذلك تم اعتبار العلوم ، وخاصة علم النفس أدوات صالحة للتحكم لا يستطيع الفرد عمل أي شيء من غير أن يدرس خصوصية اللغات في المستعمرات ، أو يدرس سيكولوجية السكان المحليين (ديرنبيرج ، 2 1 9 1) · وقد أريد لعلم نفس أعراق الشعوب أن يكون جزءا من مناهج المعهد الاستعماري في هامبورج الذي تم تأسيسه عام 8 0 9 1 والذي يقوم بتدريب رجال الخدمة المدنية ورجال الأعمال الذين يعملون في المستعمرات (هاملتون ، 1 1 9 1) ·
واستخدم مفهوما علم النفس الشعبي ، وعلم نفس الأعراق البشرية تكرارا ومرارا في هذه الفترة الزمنية ، ومجال اهتمام هذين العلمين هو علم النفس و علم الأعراق · وكلهما تأسسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وهي فترة متزامنة مع بداية الاستعمار · وهناك عالمان ساهما مساهمة كبيرة في تطوير علم الأعراق البشرية هما فونت وثورنديك· واعتبرت مساهمة فونت في علم نفس الأعراق بأنها تمثل خلفية معرفية هامة تساعد رجال الخدمة المدنية في فهم أفضل لعقلية السكان المحليين في المستعمرات · أما علم نفس الأعراق البشرية الذي أسسه ثورنديك فإنه يهتم بدراسة العلاقات الوظيفية بين الفرد وإطاره الثقافي الاجتماعي، واعتمد ذلك العلم على منهج الملاحظة والمسوح التي أجريت في الثقافات الأجنبية (المستعمرات) · وتبعا لذلك فقد تم تطوير مجموعة كبيرة من المقاييس النفسية في معهد برلين لعلم النفس التطبيقي لاستخدامها في دراسة الشعوب البدائية·
ولقد صمم مشروع دراسة الشعوب البدائية أساسا لأغراض البحث التي يقوم بها المكتشفون في المستعمرات وكذلك بالنسبة للمبشرين والمعلمين ورجال الخدمة المدنية والأطباء الذين يعملون في المستعمرات· وشمل مقياس الشعوب البدائية مجالات واسعة من الوظائف السيكولوجية مثل الإدراك ، والذكاء ، والعلاقات الاجتماعية ، والقيم وغيرها· وتبعا لذلك فقد تم توظيف علم النفس كأداة فعالة لتوظيف طاقة العمال في المستعمرات وقاد ذلك التوظيف إلى الاستفادة من قوة كل عرق بشري حسب قدرته وهذه هي المنظومة الجديدة التي أدخلها الاقتصاد الأوربي من خلال التحكم في عضلات السكان المحليين في المستعمرات (بروبست ، 6 9 9 1) · وصورة السكان المحليين في المخيال الغربي هي صورة الإنسان الكسول الذي يحتاج لعملية تعزيز أكبر لتفجير طاقته لعضلية · وتعبر دراسة العطاس (7 7 9 1، سعيد ، 7 9 9 1) الممتازة عن : أسطورة الأصلاني الكسول : وهي دراسة لصورة الماليزيين ، والفلبينيين ، والجاويين من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين ووظيفتها في عقائد الرأسمالية الاستعمارية وهي تعبر عن صورة الانسان في المخيال الغربي·
وبإمكان كل عالم نفس أن يلاحظ الآن أن هناك علمين للنفس في ألمانيا انعكسا في معملين متقابلين : معمل حديث أنشأ في مدينة لايبزج عام 9 7 8 1 في السنة التي انفصل فيها علم النفس عن الفلسفة واختص هذا المعمل بالمساهمة الأولى لفونت في علم النفس التجريبي أو علم النفس البحت · وأرجو ألا يفهم بشكل خاطئ إذا قلت أن هذا المعمل ارتبط بالإنسان الغربي أو الإنسان في أوربا أو الانسان المتحضر · وربما يتوجب علي أن أضيف بأن هناك معملا آخر لعلم النفس الشعبي ، أو علم النفس الفلكلوري ، أو علم نفس أعراق الشعوب وكان في المعهد الاستعماري في هامبورج الذي أنشئ عام 8 0 9 1· واختص بالمساهمة الأخيرة لفونت في علم النفس الشعبي ، التي تم توظيفها بفعالية لخدمة الأهداف الاستعمارية · واختص هذا المعهد بالشعوب البدائية في المجتمعات غير الغربية · وساهم علم النفس مساهمة كبيرة في إشعال وقود الاستعمار وفيما بعد الامبريالية أوالتلاعب التحكمي كما يعبر ادوارد سعيد· ويفهم من ذلك بأن علم النفس كانت بواعثه استعمارية منذ مرحلة تاريخية مبكرة· ويمكن التساؤل هل أن علم النفس مهد لتدعيم الاستعمار؟ أم أن الاستعمار مهد لتدعيم علم النفس؟ فيا ترى أيهما السبب؟ وأيهما العرض؟ ومهما كانت الإجابة فإن فونت ليس هو أول من قام ببناء معمل لعلم النفس في تاريخ علم النفس كافة فحسب إنما هو أول من سن مخالب حادة لعلم النفس·
Page 9
علم النفس والاستعمار في بريطانيا
وربما كان من الأنسب القول بأن ألمانيا كمؤسس لعلم النفس البحت أو التجريبي لعبت دورها الريادي في سياسة ارتباط علم النفس بالاستعمار ، لأن علم النفس تم اعتباره أداة صالحة للتحكم حسب تعبير ديرنبيرج ، وأن بريطانيا كمؤسس لعلم النفس الفارق أو التطبيقي لعبت دورها الريادي كقوة عظمى في سياسة توظيف علم النفس في المستعمرات التي لا تغيب عنها الشمس · ويتجلى هذا الدور من خلال إسهامات معمل جامعة كيمبردج الذي قام علماء النفس فيه بإجراء القياسات وتسجيل الملاحظات السيكولوجية عن الشعوب البدائية ، وكذلك من خلال المعهد الأفريقي العالمي والذي كان يقدم النصح بالنسبة للإداريين البريطانيين في المستعمرات · كما يمكن التعبير بصورة اتهامية أن بعض علماء النفس هم باحثون واستعماريون ، أو علماء وامبرياليون وقد يصعب في هذه الحالة الفصل بين الوظيفتين · وتبعا لبورنج (7 5 9 1) قام هادون عالم الإنسان بجامعة كيمبردج بوضع خطة لحملة انثروبولوجية واشترك معه فيها عالما النفس ميرز وماكدوجال لعمل بعض القياسات الانثروبولوجية والسيكولوجية والملاحظات عن الشعوب البدائية وبالفعل قاما بقياس الحواس والإدراك ، وكانا على وعي بأنهما يؤديان عملا أكثر كمالا مما قام به جالتون· وشارك علماء النفس في بريطانيا بفعالية كعلماء نفس في الحرب العالمية وكان معمل علم النفس في جامعة كيمبردج رائدا في ذلك ولا سيما من خلال التقارير التي لا تحصى والتي تم إصدارها ونشرها ·
إن الحملة الاستكشافية التي قامت بها جامعة كيمبردج إلى منطقة توريس استريتز (ريفرز ، 1 0 9 1) تعتبر من ناحية تاريخية واحدة من المحاولات عبر الثقافية الباكرة · وكان هدفها جمع معلومات منظمة عن ثقافة غير غربية ، ومقارنة هذه المعلومات بالمعلومات الموجودة لعدة موضوعات ولم يسبق لها أن تم تماثلها من وجهة نظر علم النفس عبر الثقافي · ولقد تضمنت هذه الحملة بعض الأسماء والتي أصبحت فيما بعد مثارا للنقاش السيكولوجي مثل ريفرز ، وسليقمان ، وميرز ، وماكدوجال · ولقد درس كل من ريفرز وسليقمان الخداع البصري عن طريق تطبيق الخداع الأفقي-الرأسي ، وخداع مللر لاير · ولم يكن لدى الباحثين أي فكرة عما إذا كانت الخداعات البصرية التي توجد عند السكان في الغرب لها وجود عند السكان المحليين في الأماكن النائية من العالم ومدى قوتها في حالة وجودها؟ ولقد اقترح ريفرز بخصوص نتائج الخداع البصري ، أن استجابة الأفراد في الغرب للأشكال نظرة كلية بينما يركز الأفراد في الأماكن النائية على الانتباه كعامل مهم · ولقد مدد ريفرز (5 0 9 1) أبحاثه عن الخداع للسكان التداس الذين يسكنون في جنوب الهند ، وأظهرت نتائج دراسته أن التداس كانوا أكثر عرضة للخداع من الرجال الإنجليز ، والنساء ، والأطفال ، وأن الأحوال الفسيولوجية ، وآثار الخبرات في الحياة المتحضرة أظهرت أن الخبرات المستمدة من دراسة الأشكال الهندسية والرسومات تؤثر على تقليل وإضعاف الخداع (ديريقووسكي ، 0 8 9 1)·
ويمكن القول بأن هذه الحملات التي انطلقت من جامعة كيمبردج كانت تخدم بعض الأهداف الاستعمارية· ويمكن أن نتلمس المركزية العرقية البريطانية من خلال تعبير مثل الأماكن النائية ، أي نائية من المركز البريطاني ، وأن نتلمس النظرة الاستعلائية في عملية تماثل المعلومات في الغرب وفي غير الغرب · وكان من بين أهداف الدراسة معرفة قوة الخداعات في هذه المجتمعات· وربما كانت هناك أهداف خفية غير الأهداف العلمية في معرفة نقاط الضعف في هذه المجتمعات لأنها مجتمعات تنظر بصورة تجزيئية للموضوعات بينما ينظر الأفراد في بريطانيا بصورة كلية · إن النتائج التي تم التوصل إليها هي أن الأفراد في الأماكن النائية أكثر عرضة للخداعات ، وبالرغم من أن تعبير خداع يقصد به من ناحية سيكولوجية بحتة الخداع البصري في رؤية الأشياء لكن ربما يمكن تأويل هذا التعبير بصورة أخرى · أي إحكام عملية السيطرة على المجتمعات عن طريق خداعها ·
لقد تأسس علم النفس في بريطانيا بصورة تطبيقية من خلال إسهام فرنسيس جالتون خلافا لتأسيسه في ألمانيا بصورة بحتة من خلال إسهام فونت · وكان علم النفس التطبيقي على علاقة وثيقة بالانثروبولوجيا والمشاريع البريطانية الاستعمارية · ويعتبر المعهد الأفريقي العالمي الذي أسس عام 6 2 9 1 من أنشط الأجهزة وأكثرها أهمية من بين الأجهزة العالمية - الادارية التي تأسست أثناء قيام الانتروبولوجيا التطبيقية · ولقد جاء في بيان المعهد التأسيسي أن أهم أهدافه القيام بتقريب كامل بين المعرفة والبحث العلمي من جهة ، وبين الأمور التطبيقية من جهة ثانية · ثم بدأت قطاعات استعمارية جديدة بدورها الاهتمام بالانتروبولوجيا ، ففي عام 4 4 9 1 أنشئ المجلس البريطاني للبحث الاجتماعي في شؤون المستعمرات · وعهد إليه اسداء النصح إلى سكرتارية الدولة في المستعمرات بخصوص المسائل التي تتعلق بالعلوم الانسانية ، وتكون في خدمة الامبراطورة الاستعمارية (لكلرك، 0 9 9 1) ·
وربما كان من الأنسب القول بأن ألمانيا كمؤسس لعلم النفس البحت أو التجريبي لعبت دورها الريادي في سياسة ارتباط علم النفس بالاستعمار ، لأن علم النفس تم اعتباره أداة صالحة للتحكم حسب تعبير ديرنبيرج ، وأن بريطانيا كمؤسس لعلم النفس الفارق أو التطبيقي لعبت دورها الريادي كقوة عظمى في سياسة توظيف علم النفس في المستعمرات التي لا تغيب عنها الشمس · ويتجلى هذا الدور من خلال إسهامات معمل جامعة كيمبردج الذي قام علماء النفس فيه بإجراء القياسات وتسجيل الملاحظات السيكولوجية عن الشعوب البدائية ، وكذلك من خلال المعهد الأفريقي العالمي والذي كان يقدم النصح بالنسبة للإداريين البريطانيين في المستعمرات · كما يمكن التعبير بصورة اتهامية أن بعض علماء النفس هم باحثون واستعماريون ، أو علماء وامبرياليون وقد يصعب في هذه الحالة الفصل بين الوظيفتين · وتبعا لبورنج (7 5 9 1) قام هادون عالم الإنسان بجامعة كيمبردج بوضع خطة لحملة انثروبولوجية واشترك معه فيها عالما النفس ميرز وماكدوجال لعمل بعض القياسات الانثروبولوجية والسيكولوجية والملاحظات عن الشعوب البدائية وبالفعل قاما بقياس الحواس والإدراك ، وكانا على وعي بأنهما يؤديان عملا أكثر كمالا مما قام به جالتون· وشارك علماء النفس في بريطانيا بفعالية كعلماء نفس في الحرب العالمية وكان معمل علم النفس في جامعة كيمبردج رائدا في ذلك ولا سيما من خلال التقارير التي لا تحصى والتي تم إصدارها ونشرها ·
إن الحملة الاستكشافية التي قامت بها جامعة كيمبردج إلى منطقة توريس استريتز (ريفرز ، 1 0 9 1) تعتبر من ناحية تاريخية واحدة من المحاولات عبر الثقافية الباكرة · وكان هدفها جمع معلومات منظمة عن ثقافة غير غربية ، ومقارنة هذه المعلومات بالمعلومات الموجودة لعدة موضوعات ولم يسبق لها أن تم تماثلها من وجهة نظر علم النفس عبر الثقافي · ولقد تضمنت هذه الحملة بعض الأسماء والتي أصبحت فيما بعد مثارا للنقاش السيكولوجي مثل ريفرز ، وسليقمان ، وميرز ، وماكدوجال · ولقد درس كل من ريفرز وسليقمان الخداع البصري عن طريق تطبيق الخداع الأفقي-الرأسي ، وخداع مللر لاير · ولم يكن لدى الباحثين أي فكرة عما إذا كانت الخداعات البصرية التي توجد عند السكان في الغرب لها وجود عند السكان المحليين في الأماكن النائية من العالم ومدى قوتها في حالة وجودها؟ ولقد اقترح ريفرز بخصوص نتائج الخداع البصري ، أن استجابة الأفراد في الغرب للأشكال نظرة كلية بينما يركز الأفراد في الأماكن النائية على الانتباه كعامل مهم · ولقد مدد ريفرز (5 0 9 1) أبحاثه عن الخداع للسكان التداس الذين يسكنون في جنوب الهند ، وأظهرت نتائج دراسته أن التداس كانوا أكثر عرضة للخداع من الرجال الإنجليز ، والنساء ، والأطفال ، وأن الأحوال الفسيولوجية ، وآثار الخبرات في الحياة المتحضرة أظهرت أن الخبرات المستمدة من دراسة الأشكال الهندسية والرسومات تؤثر على تقليل وإضعاف الخداع (ديريقووسكي ، 0 8 9 1)·
ويمكن القول بأن هذه الحملات التي انطلقت من جامعة كيمبردج كانت تخدم بعض الأهداف الاستعمارية· ويمكن أن نتلمس المركزية العرقية البريطانية من خلال تعبير مثل الأماكن النائية ، أي نائية من المركز البريطاني ، وأن نتلمس النظرة الاستعلائية في عملية تماثل المعلومات في الغرب وفي غير الغرب · وكان من بين أهداف الدراسة معرفة قوة الخداعات في هذه المجتمعات· وربما كانت هناك أهداف خفية غير الأهداف العلمية في معرفة نقاط الضعف في هذه المجتمعات لأنها مجتمعات تنظر بصورة تجزيئية للموضوعات بينما ينظر الأفراد في بريطانيا بصورة كلية · إن النتائج التي تم التوصل إليها هي أن الأفراد في الأماكن النائية أكثر عرضة للخداعات ، وبالرغم من أن تعبير خداع يقصد به من ناحية سيكولوجية بحتة الخداع البصري في رؤية الأشياء لكن ربما يمكن تأويل هذا التعبير بصورة أخرى · أي إحكام عملية السيطرة على المجتمعات عن طريق خداعها ·
لقد تأسس علم النفس في بريطانيا بصورة تطبيقية من خلال إسهام فرنسيس جالتون خلافا لتأسيسه في ألمانيا بصورة بحتة من خلال إسهام فونت · وكان علم النفس التطبيقي على علاقة وثيقة بالانثروبولوجيا والمشاريع البريطانية الاستعمارية · ويعتبر المعهد الأفريقي العالمي الذي أسس عام 6 2 9 1 من أنشط الأجهزة وأكثرها أهمية من بين الأجهزة العالمية - الادارية التي تأسست أثناء قيام الانتروبولوجيا التطبيقية · ولقد جاء في بيان المعهد التأسيسي أن أهم أهدافه القيام بتقريب كامل بين المعرفة والبحث العلمي من جهة ، وبين الأمور التطبيقية من جهة ثانية · ثم بدأت قطاعات استعمارية جديدة بدورها الاهتمام بالانتروبولوجيا ، ففي عام 4 4 9 1 أنشئ المجلس البريطاني للبحث الاجتماعي في شؤون المستعمرات · وعهد إليه اسداء النصح إلى سكرتارية الدولة في المستعمرات بخصوص المسائل التي تتعلق بالعلوم الانسانية ، وتكون في خدمة الامبراطورة الاستعمارية (لكلرك، 0 9 9 1) ·
Page 10
العلوم الاجتماعية والهيمنة
لا تكاد الفروع الدراسية التي يطلق عليها الغرب العلوم الاجتماعية تبلغ من العمر قرنا من الزمان ، وتشمل تلك العلوم في معظم الجامعات خمسة فروع تتمثل في علم الاجتماع ، وعلم الانسان ، وعلم النفس ، والعلوم السياسية ، وعلم الاقتصاد ، والتاريخ ، ويوجد فرعان آخران من الدراسة يتمتعان بمرتبة مزدوجة هما: الجغرافيا وعلم النفس · فحين يعني علم النفس بدراسة الأشخاص يتم تصنيفه ضمن العلوم الطبيعية ، ولكنه إذا عنى بدراسة الجماعة يصبح حينئذ علما اجتماعيا (الفاروقي ، 9 7 9 1) · وعندما تأسست العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر كانت عبارة عن ممارسات توجد في دول قليلة وهي بالتحديد بريطانيا، وفرنسا ، والمانيا ، وايطاليا ، والولايات المتحدة · وإن ظهور هذه العلوم وبصورة خاصة التاريخ ، والاقتصاد ، والعلوم السياسية ، وعلم الاجتماع كان اهتمامها بصورة أساسية بالحقيقة التجريبية لهذه الدول الخمس وبصورة أكبر كانت تهتم بالغرب · وفي ذلك الوقت انتبه علماء العلوم الاجتماعية إلى أن الغرب ليس هو الكلية في العالم ، وانتبهوا إلى أن اللاغرب هو اللاحديث ولذلك فهو مختلف بصورة جذرية عن الغرب · ولقد طرح حينها السؤال كيف تتم دراسة اللاغرب؟ وللاجابة عن هذا السؤال فقد تم تأسيس علوم خاصة وهي علم الإنسان لدراسة الشعوب المدعوة بالبدائية ، والاستشراق لدراسة المدعوة بالحضارات العليا مثل الصين والهند والعالم العربي (وللرستين ، 7 9 9 1)·
ولا ينبغي أن نخطئ عملية الادراك ، إذ أن معظم العلوم الاجتماعية هي انعكاس للحقيقة الاجتماعية والثقافية في الدول الغربية التي أنتجتها (ادوارد سعيد ، 1 9 9 1؛ اسماعيل الفاروقي ، 9 7 9 1؛ علي مزروعي ، 8 7 9 1؛ عمر الخليفة ، واخلاص عشرية ، 5 9 9 1) · ولقد تأسست الانثروبولوجيا والاستشراق لدراسة المجتمعات غير الغربية (لكلرك، 0 9 9 1 ؛ وللرستين ، 7 9 9 1) والتي من بينها العالم العربي (الحبابي ، 8 7 9 1) · ولقد تأسس هذان العلمان على علاقة وثيقة مع الاستعمار والامبريالية · وانتهاء الاستشراق ، وتحول حضارات الشرق من موضوع إلى ذات وتصحيح الاحكام التي ألقاها الوعي الأوربي وهو في عنفوانه عن حضارات الشرق · فالاستشراق يكشف عن طبيعة العقلية الأوربية ونظرتها إلى الآخر أكثر مما يكشف عن الموضوع المدروس فهو موضوع دراسة وليس دراسة موضوع (حسن حنفي ، 5 8 9 1) ، وهو يعبر عن مصالح الغرب ورؤيته لمجتمع الشرق أكثر مما يكشف الحقيقة الاجتماعية والثقافية والسيكلوجية في الشرق · كما يعكس صورة الشرق في ذهن الغرب ·
وبين إدوارد سعيد ، في دراسته الشاملة حول الاستشراق ، بوضوح أن الشرق كما يعرف به المستشرقون هو اختراع أوربي فهو لا يتكلم عن نفسه بل يتم الكلام حوله بالنيابة عنه وليس بموجب واقعه بل بموجب مصالح الغرب ورغباته في تسويق سياسته الاستعمارية· لذلك جاء الاستشراق في جوهره ممارسة في السيطرة ورؤية سياسية تصر على التفوق الغربي (حليم بركات ، 4 8 9 1) · يقول كمال أبوديب في تقديمه لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد (1 9 9 1) أن الكتاب يمثل ثورة جديدة في الدراسات الإنسانية وتتكثف في هذه الثورة منطلقات متعددة لعل أهمها تكون مفهوم جديد للقوة والشبكة الخفية من علاقات القوة التي تنسجها المعرفة متجسدة في الإنشاء الكتابي ومفهوم سياسة العلاقات الإنسانية بكل أشكالها وسياسة المعرفة وسياسة البحث ··· وينصب هذا التثوير للمعرفة حتى الآن على رج الثقافة الغربية وكشف آلية السلطة والسيطرة والقوة والتلاعب التحكمي فيها ·