Page 1
المقدمة
بقلم
المربي الداعية الأستاذ غانم حمودات
قال تعالى: (ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ) [الأحزاب:23].
في ضوء هذه الآية الكريمة أكتب ما طلب إلي الداعية الغيور أبو مصطفى مقدمة لكتابه القيم وما يُرَدّ لمثله طلب.
فأقول- وما أزكيه على الله – إنه من النفر الغر الذين وقفوا حياتهم على خدمة الإسلام والمسلمين حتى يصح أن يُقال: إنه في مقام الأسوة والقدوة للعاملين الآن.
لقد أنجب العراق أعدادا طيبة من الدعاة إلى الله فمنهم من قضى نحبه، واستأثرت به رحمة الله (ومنهم من ينتظر وما بدلوا – تبديلا). وأحسب أن أخي "أبا مصطفى" أفضل الله عليه – ما بدّل تبديلا.
فما بخل بجهد ولا مال ولا وقت في سبيل الله.
لقد أعان إخوانا له في الله على شظف العيش وأمدّهم بما يسر الله وأوقف جانبا من جهده وماله على نشر تاريخ دعوة الإخوان المسلمين في العراق فنشر تاريخ جمعية الأخوة الإسلامية في العراق للباحثة إيمان عبد الحميد الدباغ ونشر دواوين الأخ الشاعر وليد الأعظمي ونشر معظم مجهود الأخ وليد في النثر في ثمانية مجلدات. دع عنك ما قدّمه وألفه عن أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة. وهو شمس ساطعة في سماء التأليف قعد عنه الكثيرون ووفقه الله إليه.
أما ديوانه العامر فيذكر بمناقب الشيخ الجليل محمد نصيف وبيته ومكتبته.
وهو الآن يقضي حق رجال من رجال الدعوة في العراق مضوا إلى رحمة الله.
ويحسن بي أن أذكر أن الإنكليز لما سيطروا على العراق عملوا على إبعاد الناس عن الإسلام بوسائل شتى: منها أنهم ضيقوا على العلماء وجعلوا مرتباتهم ضئيلة لا تفي بحاجاتهم إلا بشق الأنفس( ).
Page 2
وفرضوا العلمانية في التعليم بوساطة الأستاذ ساطع الحصري فنشأت أجيال لا تكاد تعرف من الإسلام شيئا إن لم تكن تعاديه والإنسان كما قيل عدو ما جهل.
فكان المجتمع العراقي أحوج إلى الإسلام الصحيح من الأرض القاحلة إلى – ديمة سمحة القيادة سكوب- فكانت هذه الديمة وهذا الغيث هو دعوة الإخوان المسلمين. لقد كانت هذه الدعوة المباركة تحرك الجامد من العقول والهامد من الهمم وتوقظ النيام صارخة مهيبة بهم ألا (يا أيها النوّام ويحكم هبوا).
فسرت روح جديدة في المجتمع العراقي تخاصم الاستعمار والسائرين في ركابه وتعلم الجاهلين وترشد الضالين وتنازل الشيوعيين والعلمانيين دعاة القومية الذين أرادوها بديلا عن الإسلام وكان جل دعاتها وإن لم يكن كلهم غير مسلمين. كما فتحت أعين الناس على الصفحات الناصعة من تاريخ الإسلام التي حاول المستشرقون والمنصرون وأعداء الصحابة طمسها.
لقد كان فضل الله عز وجل بهذه الدعوة المباركة على المجتمع العراقي عظيما حتى قال أحد المشار إليهم بالبنان( ): (لولا الإخوان المسلمون لما بقي وجود لأهل السنة في العراق).
لقد مضت هذه الدعوة المباركة تحث الخطى على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلؤها عناية الله غير آبهة بالأراحيف والأكاذيب وكان لثبات قادتها وعلى رأسهم الشيخان الجليلان أمجد الزهاوي ومحمد محمود الصواف – بعد فضل الله – الأثر الكبير في رد كيد الأعداء في نحورهم.
وإني لأُشهد الله وأَشهد أن أكثر ما كان يميز هذه الجماعة أمران: غيره شديدة على الإسلام تبعث على العمل دون كلال أو ملل، واهتمام بأمور المسلمين يشهد لذلك ما بذلته لفلسطين مسرى الرسول الحبيب صلوات الله وسلامه عليه والمسجد الأقصى ثالث المسجدين الشريفين وما قدمته للجزائر حتى نالت استقلالها، وما كانت تنزل بساحة بلد إسلامي مصيبة أو تحل به كارثة حتى ترى هذه الجماعة سباقة إلى الوقوف بجانبه بما تستطيع وإن قل ما تستطيع، لقد رَبَّت هذه الجماعة رجالا يستسقى بهم المطر ولقد قال فيهم الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله (هؤلاء – الإخوان – خيرة خلق الله في أرضه) والذي يعرف الشيخ أمجد يعرف أنه لا يلقي القول جُزافاً.
Page 3
ولقد أغنى رجال من هذه الجماعة المباركة المكتبة الإسلامية بالنافع والمفيد من الكتب. وحسبي أن أذكر الأساتذة الصواف وعبد الكريم زيدان ومحسن عبد الحميد ومنير البياتي وأكرم العمرى وسواهم ممن لا أحصيهم.
أما وبعد: فإن المعول عليه بعد الله في رد المجتمع إلى الإسلام هو هذه الجماعة (ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ) [الإسراء:51].
هذا ولا بد من تقدمة يسيرة لما سيخطه قلم الأخ أبي مصطفى السيال عن رجال خدموا الإسلام في العراق خاصة.
لقد مَنَّ الله عز وجل على العراق برجال هم شموس أضاءت سماء العراق ولم يخصوا العراق بما وفقهم الله إليه.
وفي مقدمتهم وفي القمة منهم بركة العصر كما وصفه الشيخ علي الطنطاوي بحق هو: الشيخ أمجد الزهاوي شيخ العراقيين في المعقول والمنقول وفي سائر العلوم، الذي قيل فيه: لو ضاعت كتب الفقه الحنفي لأعاد كتابتها الشيخ أمجد. ومهما يُقَل في حقه فهو قليل، لقد أهمّه أمر المسلمين قاصيهم ودانيهم، لقد كانت خدمته الإسلام أكبر همه ومبلغ علمه وما أحسب أن أهل العراق أجمعوا على حب رجل وتقديره كما أجمعوا على حبه وتقديره.
قال عنه الشيخ الطنطاوي: (كان كنزاً مخبوءاً فكشفه الصواف.. عرّف الناس به واستفاد مما عنده من العلم ومن العبقرية ومن النبوغ، لولا حماسة الصوّاف لما ظهرت هذه العبقرية المخبوءة ولولا عبقرية الشيخ ما أثمرت حماسة الصواف.. الخ).
رجال من التاريخ لعلي الطنطاوي
جـ 2 ص 233
لقد ردّدت بعد وفاته ووفاة عالم آخر قول الشاعر:
وما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما
Page 4
أما الرجل الثاني الذي سما في سماء العراق وصح أن يكون مضرب المثل في الغيرة على الإسلام والعمل له من غير كلال ولا ملل والاهتمام بأمور المسلمين عربهم وعجمهم قريبهم وبعيدهم الذي أثرّ فيّ ما لم يؤثره عالم غيره وكان له من الفضل عليّ بعد فضل الله عز وجل ما أعجز عن وفائه فهو الشيخ محمد محمود الصوّاف أمطر الله قبره بشآبيب رحمته.
وما أعرف عالما من العلماء أو زعيما من الزعماء – عدا الحسيني مفتي القدس رحمه الله – عمل لفلسطين ما عمله الصواف. وما أعرف عالما من العلماء عمل للإسلام والمسلمين في غدوه ورواحه وفي غناه وفقره وفي صحته وسقمه ما عمله الأستاذ الصواف، لقد جاءته الدنيا تجرر أذيالها فأعرض عنها ونبذها وهو في أمس الحاجة. لقد حورب بالإشاعات والأكاذيب فتكسرت أمواجها على صخرة صموده وثباته.
وثالث الرجال الذي ذاع صيته وعرفه دعاة الإسلام في شتى الأقطار والأمصار الشاعر الفحل وليد الأعظمي وأصبح شعره على لسان كل الدعاة وبخاصة بيته الفذ:
يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي
أنا بغير محمد لا نقتدي
لقد سخر الأعظمي شعره ونثره للإسلام ولعل الله عز وجل أكرمه (فأقامه في الأواخر مقام حسان في الأوائل).
لقد كان هائما بحب الرسول صلى الله عليه وسلم فشرّف شعره في القول فيه ونظمه وأكثر التأليف في شاعره حسان وفي صحابته رضي الله عنهم. ولقد كتب في فضح الأصفهاني مؤلف الأغاني كتابا ما سبقه إليه غيره.
ورابع الرجال الذي كان يأسر القلوب بما آتاه الله من مواهب وأنعم عليه من قابليات سخّرها لخدمة الإسلام والمسلمين هو اللواء الركن محمود شيت خطاب. ولو أن الأمة ألقت بمقاليدها إلى هذا الرجل العظيم وأمثاله ما أصبحت أضحوكة العالم. إن العراق ومنه الموصل ما عقم أن ينجب مثل هذا الرجل، لقد أثنى عليه المؤلف الإسرائيلي صاحب كتاب (الحرب بين العرب وإسرائيل) أثنى على عبقريته ووصفه بأنه أكبر عقلية إستراتيجية في العرب ولكنه لا يجد من يستفيد منه.
Page 5
لقد أضاعت أمتنا هذا الرجل وأمثاله فضاعت.
وخامس الرجال الأفذاذ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه – كما أحسبه والله حسيبه – الشيخ المجاهد عبد العزيز البدري الذي أقول فيه: كأن الله عز وجل أراد للرجولة والصدع بالحق أن تتجسد فتجسدت في الشيخ البدري. ولا عجب فقد تربى على أيدي علماء تتعطر الدنيا بذكرهم هم الشيوخ أمجد الزهاوي ومحمد فؤاد الآلوسي وعبد القادر الخطيب. وعسى أن يسلكه الله عز وجل في عداد من يصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله).
وسادس هؤلاء الرجال الأخ صالح الدباغ الذي سمعت الثناء عليه ولم أُسعد بلقائه. ولقد أشاد به الأخ أبو مصطفى إشادة خبير به معجب بخصاله. وهل ينصر الله عز وجل دينه إلا برجال (من العاملين المجاهدين والأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يعتقدوا) يخفون حسناتهم كما يخفي الإنسان سيئاته.
وسابعهم الأستاذ المربي عبد الوهاب السامرائي مؤسس مدارس التربية الإسلامية في بغداد وتلميذ الشيخ الزهاوي الذي كانت مدارسه منارات الهدى في العراق. ولقد عرفت فيه الصدق في القول والإخلاص في العمل وابتغاء وجه الله فيما يأتي ويذر.. ولا أزكيه على الله. وكان يزينه الهدوء والرزانة والوقار وتكاد قسمات وجهه تنطق بما حباه الله من أيمان. لقد كنت أرسى سيماء الصالحين في وجهه ولعل الله يدخله في عباده الصالحين).
وختاما أسأل الله عز وجل أن يجزل ثوابك يا أبا مصطفى ويجعلك قدوة للعاملين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
غانم حمودات
الموصل/ العراق
1/ رجب/ 1430
24/ حزيران/ 2009
Page 6
سماحة الشيخ العلاّمة أمجد الزهاوي
(1300 – 1387 هـ = 1883 – 1967م)
لقائي به في البصرة:
كان أول لقاء لي مع سماحة الشيخ أمجد الزهاوي عام 1947م بمدينة البصرة، حيث قدم إليها زائراً وبصحبته الشيخ محمد محمود الصواف، والأستاذ المحامي عبد الرحمن خضر، وكنت مع مجموعة من زملائي الطلبة بمتوسطة البصرة، أذكر منهم عبد الواحد أمان، وعمر الدايل، وخليل العقرب، وعبد القادر الأبرشي، وعبد الرزاق المال الله.. وغيرهم، فكان نشاطنا الإسلامي من خلال جمعية الآداب الإسلامية (فرع البصرة) التي اتخذت لها من جامع الخضيري مقراً.
فخرجنا إلى محطة القطار القادم من بغداد، وفي مقدمتنا الحاج حمد الذكير، والقاضي عبد الله الصوفي، والشيخ عبد المحسن البابطين، والشيخ عبد الله الرابح، والحاج عبد القادر العبايجي، وتوفيق الصانع، وجاسم محمد صالح، وعبد الهادي الباحسين، ويعقوب عبد الوهاب، وعبد العزيز الربيعة، وعبد الرحمن الخزيم، وعبد العزيز الوتار، وطه البصري، وعبد المجيد الرحماني، ويعقوب الباحسين وآخرون.
وكان البرنامج حافلاً بالخطب والمحاضرات والدروس والندوات والزيارات، فضلاً عن الجلسات الخاصة المخصصة للأسئلة والاستفسارات عن كل ما يهم المسلم معرفته عن دينه والواجب الملقى عليه لتبليغ رسالة الإسلام وحمل الدعوة إلى عموم الناس، والدور الذي يجب أن يضطلع به لتعبئة الأمة المسلمة لحرب اليهود الذين اعتدوا على إخواننا الفلسطينيين بمساعدة الإنجليز واحتلوا الديار المقدسة، بمباركة من دول الكفر مجتمعة، التي أصدرت قرار تقسيم فلسطين المسلمة بين العرب واليهود سنة 1947م، وكانت الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أُولى الدول التي وقّعت على قرار التقسيم الجائر، ولقد أحدث هذا القرار الظالم ردة فعل كبيرة في العالم الإسلامي، فقامت المظاهرات في مصر وبلاد الشام والعراق والسودان وبلدان المغرب العربي والعالم الإسلامي كله.
Page 7
جمعية إنقاذ فلسطين:
وبادر علماء العراق؛ وعلى رأسهم سماحة الشيخ أمجد الزهاوي – بتأسيس (جمعية إنقاذ فلسطين) وتحركوا في طول البلاد وعرضها، وفي المقدمة الشيخ محمد محمود الصواف، مستنهضين همم المسلمين لنجدة إخوانهم المجاهدين في فلسطين، وكان لشباب الإخوان المسلمين في العراق، دورهم الرائد وجهودهم الخيّرة، حيث انتشروا في المدن والقرى والأرياف والبادية، يذكِّرون الناس بواجبهم الإسلامي في الجهاد، ودعم المجاهدين والوقوف إلى جانب المضطهدين من المسلمين بفلسطين.
ولقد تكررت لقاءاتي بالشيخ الزهاوي بعد ذلك في بغداد، حيث ذهبتُ للدراسة في الثانوية الشرعية، ثم بعد التخرج في الأزهر بمصر عام 1954م، فازددت منه قرباً، وبه معرفة، وله إكباراً وحباً، حيث كان رحمه الله شجاعاً في كلمة الحق، راجح العقل، سديد الرأي عميق الفقه، بسيط المظهر، جم التواضع مع الصغير والكبير والغني والفقير، كما وجدت فيه الصفاء في الذهن، والنور في الوجه، والعلم الغزير المتدفق في الأصول والفروع على حد سواء.
وما زلت أذكر حين صلينا معه لأول مرة كبَّر تكبيرة الإحرام بصوت عال، اهتزت له مشاعرنا، وارتجفت أجسادنا، فكأنه قد خرج من الدنيا إلى لقاء الله عز وجل بهذه التكبيرة الخاشعة، وكنا أثناء السير معه نلاحظ أنه كلما رأى ورقة أو جريدة "صحيفة" ملقاة على الأرض التقطها ووضعها في جيبه خشية أن يكون فيها اسم الله عز وجل وتتعرض للإهانة.
كما لاحظنا أنه يكرر السؤال عن أسمائنا، رغم أننا عرّفناه بها، حيث كان ينسى الأسماء، في الوقت الذي يستحضر فيه دقائق المسائل العلميّة الفرعية في الأصول والفروع، ببديهة حاضرة، وذاكرة عجيبة تُذهل السامع والسائل، وتبهره لهذا العلم الغزير والفيض المتدفق.
كان الشيخ الزهاوي يكثر من الثناء والإشادة بالشيخ الصواف، على حماسته وغيرته على الإسلام والمسلمين، ويوصينا بالعمل معه في طريق الدعوة إلى الله والالتزام بمنهج الحركة الإسلامية، الذي حمله الأستاذ الصواف بعد عودته من مصر، حيث التقى بالإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وبإخوانه وتلامذته وتأثر بهم خلال دراسته بالأزهر غاية التأثر.
Page 8
ولقد أكبرنا في الشيخ الزهاوي هذه الهمّة والحيوية والنشاط والعمل الدؤوب – رغم كبر السن – دونما كلل أو ملل، فلا يسأل عن الطعام أو الشراب، أو ينشد الراحة أو المنام، مما جعلنا نحقِّر أنفسنا أمام هذه النفس الكبيرة، التي تُجهد جسمها في سبيل الله تعالى في حمل كثير من الأعباء التي ينوء بها كاهل الشباب، ونعجز أن نجاريه في بعض ما يقوم به، وصدق القائل:
وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجسام
لقد كان الإمام أمجد الزهاوي علاّمة العراق وفقيه الحنفية في عصره، وإليه يرجع العلماء من أنحاء العالم الإسلامي للاستنارة برأيه، والتفقه من علمه، والاستزادة من فتاويه، كما كان يرجع إليه ذوو الحاجات وأصحاب الظلامات المستضعفون من الناس، ليقضي حاجاتهم، ويشفع لهم في معضلاتهم، وفك أسراهم، ورفع الظلم عنهم لدى المسؤولين وأصحاب النفوذ والقرار، الذين كانوا يستجيبون لشفاعته لما له من مهابة في نفوسهم ولعظيم احترامهم له وتقديرهم إياه.
أعوام مشحونة بالغضب:
وفي فترة الدراسة الثانوية ببغداد كانت لنا برامج تربوية، ومناهج ثقافية، ونشاط دعوي ولقاءت أُسرية، وكتائب روحية، ومعسكرات رياضية، يتولى التوجيه فيها ثلة من العلماء والأساتذة والمربين وفي المقدمة الشيخ الزهاوي والأستاذ الصواف، ولقد كان عام 1947م وعام 1948م من الأعوام المشحونة بالغضب والثورة على الإنجليز واليهود، حيث كان في هذين العامين قرار بتقسيم فلسطين وعقد معاهدة (بورت سموث) الاستعمارية المسماة "جبر – بيفن" فعمّت المظاهرات الطلابية والشعبية أنحاء العراق، وبخاصة العاصمة بغداد، حيث مقر الحكومة الموالية للإنجليز، والتي أقرّت التقسيم، وعقدت المعاهدة مع الإنجليز، وهي حكومة صالح جبر، وتصدّر هذه المظاهرات وقادها، طلاب الثانوية الشرعية والكلية الشرعية بالأعظمية وفي مقدمتهم: إبراهيم منير المدرس، ونعمان السامرائي، ويوسف العظم وعبد الحافظ سليمان وعبد الله العقيل وغيرهم، حيث ألهبوا حماسة الجماهير واصطدموا بأزلام السلطة، وأعوان الطواغيت وخدم الاستعمار، فاعْتُقل من اعتقل، واسْتُشهد من استشهد، وجُرح من جرح، وفُصل من الدراسة أو العمل من فصل ولم يفت ذلك في عضدهم، ولم يوهن عزيمتهم، بل انتشر السخط في جميع البلاد وخرجت الأمة عن بكرة أبيها تطالب بإسقاط الحكومة العميلة وتم ذلك حيث استقالت الحكومة، وبطلت المعاهدة وأُلغيت بإرادة شعبية.
Page 9
ولقد برز الأستاذ الصواف، كقائد للجماهير الشعبية الساخطة على الاستعمار والصهيونية، وارتفع صوت الشباب المسلم، يردد هتافات الإسلام، وكانت قصائد الشاعر الكبير وليد الأعظمي الحماسية على كل لسان، فقد كان شاعر الملحمة الكبرى، في التصدي للطغاة وخدم الاستعمار وأذناب الغرب والشرق، واحتل التيار الإسلامي موقعه، كقوة سياسية فاعلة، لها القيادة والريادة، اكتسحت كل ما عداها من القوى القومية واليسارية والعلمانية، وأقبل الناس وبخاصة الشباب، على الانخراط في سلك الحركة الإسلامية المعاصرة، التي تربي الشباب على منهج الإسلام الصحيح، الذي يصوغ الرجال، ويصنع الأبطال، لأنها دعوة الحق والقوة والحرية المستقاة من الكتاب والسُّنَّة وما أجمع عليه سلف الأمة.
وكان لعلماء العراق وشباب الحركة الإسلامية – وفي مقدمتهم أمجد الزهاوي، ومحمد الصواف – الدور الريادي والقيادي، في توجيه الشباب، نحو نصرة الإسلام والالتفاف حول رايته، والتمسك بعقيدته، والالتزام بمنهجه.
ميلاده ونشأته:
وُلد الشيخ أمجد الزهاوي عام (1300 هـ - 1883م) بمدينة بغداد، ونشأ في أُسرة علمية ثرية، ذات مكانة اجتماعية مرموقة وهو ابن محمد بن سعيد الزهاوي، درس على والده وبعض المشايخ والتحق بالمدارس الرشدية والابتدائية والإعدادية في بغداد، ثم سافر إلى استانبول حيث درس ست سنوات في "كلية القضاء"، وتخرج فيها، فكان ترتيبه الأول على الطلاب، وقد منحه السلطان عبد الحميد الثاني وسام الشرف تقديراً لنبوغه وتفوقه، ثم عاد إلى بغداد، حيث تقلد مناصب القضاء، إلى أن انتهى إلى رئاسة مجلس التميز الشرعي، وبعدها تقاعد عن العمل واشتغل في المحاماة فترة من الزمن ثم تفرغ للعمل الدعوي عام 1946م، وكان من مؤسسي أهم الجمعيات الإسلامية في العراق وهي: "الآداب الإسلامية، وإنقاذ فلسطين، والتربية الإسلامية، والأخوة الإسلامية، ورابطة العلماء، واللجنة العليا لنصرة الجزائر" وكان رئيساً لهذه الجمعيات جميعها في آن واحد.
Page 10
الانقلاب العسكري:
وحين وقع الانقلاب العسكري في العراق، بقيادة عبد الكريم قاسم يوم 14/7/1958م، وناصره الشيوعيون والملاحدة والعلمانيون.. عمّت الفوضى البلاد، وانتشر السلب والنهب والقتل والسحل وعاش الناس في القطر العراقي كله عيشة الرعب والخوف، ولم تبق كرامة لعزيز، ولا قيمة لرجل الدين، وهان العلماء والقضاة، وحرّضت السلطة الأوباش على كرام الناس، وتعرَّض كثير من العلماء إلى الإهانة والاعتقال، ومُلئت السجون بدعاة الحق والخير أمثال الشيخ محمد الصواف، والشيخ عبد العزيز البدري، والشيخ محمد الخالصي، وغيرهم كثيرون من الشباب والشيوخ والنساء والرجال، وانتشرت كتب الكفر والإلحاد والدعوة إلى الفجور.
وحاول الشيخ أمجد الزهاوي نُصح عبد الكريم قاسم طاغية العراق، وأسمعه كلاماً قوياً في مقابلتين معه بديوان الرئاسة، ولكنه كان يراوغ وأصمّ أذنيه عن الحق، وظل سادراً في غيِّه.
عندها قرر الشيخ أمجد الزهاوي الارتحال إلى المدينة المنورة، سافر مع ابنه الشيخ محمد سعيد وزوجته وابنته نهال، وبقي في المدينة المنورة نحو سنة ونصف السنة، وقد لحق به الشيخ محمد الصواف بعد أن خرج من العراق عن طريق سورية، حيث استقر بالمملكة العربية السعودية إلى وفاته، بينما عاد الشيخ أمجد الزهاوي إلى العراق.
ولقد أكرمني الله عز وجل أن أرى الشيخ أمجد الزهاوي قُبيل وفاته في الكويت مع إخواني عبد الله المطوع وعبد الواحد أمان وعمر الدايل وغيرهم، ثم غادرنا إلى العراق ولم ألتق به بعدها لوفاته ببغداد عام 1387 هـ - 1967م.
آخر أعماله:
وكان آخر أعماله – رحمه الله – أنه تلقى دعوة لحضور المؤتمر الثالث لوزراء التربية العرب، وكان المرض قد اشتدت وطأته عليه، فلم يستطع الحضور واكتفى بإرسال مذكرة أملاها على ابنته نهال، يوضح فيها وجهة نظره في إصلاح وزارات التربية، وقُدّمت الورقة للمؤتمر، وقد قامت "جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت" مشكورة، بطباعة هذه المذكرة ضمن المذكرات الأخرى ووزعتها على نطاق واسع.
وبعد المؤتمر ببضعة أيام غادر الدنيا الفانية إلى الدار الباقية يوم الجمعة 14 شعبان 1387هـ تاركاً وراءه أعظم الأثر، وأطيب الذكر، وأعطر السير، لرجال الدعوة وعلماء الأمة، الذين يؤثرون ما عند الله على ما عند الناس، فكان الزهاوي بحق كما وصفه الإمام الشهيد حسن البنا، حيث قال: "يا بني إذا أردت أن تنظر إلى وجه رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر إلى وجه الشيخ أمجد الزهاوي".